فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

إسرائيل تفرض قيودا على خروجهم من القطاع.. ودبلوماسيون يحذرون من وقوع أزمة إنسانية

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير
TT

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

فلسطينيو خان يونس يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم يعيشون داخل سجن كبير

يُعد قطاع غزة الآن من كل الأوجه تقريبا أسوأ بكثير عن حاله قبل الحرب التي اندلعت الصيف الماضي بين حركة حماس وإسرائيل، وليست مشاهد البؤس سوى جزء بسيط من أشياء أخرى كثيرة تحدث في هذه المنطقة المعزولة التي تعرضت إلى هجمات كثيرة. وبالكاد بدأت عملية إعادة إعمار عشرات الآلاف من المنازل، التي تدمرت أثناء الحرب، رغم مرور نحو 6 أشهر من وقف إطلاق النار.
وبالنظر إلى المعدلات الحالية، سوف تستغرق عملية إعادة بناء ما تهدم عقودا من الزمن، وإضافة إلى ذلك يعاني الاقتصاد من حالة ركود، كما لم يتم الوفاء بوعود تقديم مساعدات قُدّرت بالمليارات، في حين ترفض حركة حماس، التي تسيطر على القطاع، تخفيف قبضتها، وتستعد لحرب أخرى. بينما يحذر دبلوماسيون وعمال إغاثة، وسكان، من وقوع أزمة إنسانية وتصاعد لأعمال العنف.
وقال عمر شعبان، وهو خبير اقتصادي مرموق في قطاع غزة: «بعد كل حرب نقول إن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءا، لكنني أقول إن هذه المرة هي الأسوأ على الإطلاق، إذ لا يوجد أي شكل من أشكال الحياة، من تجارة، أو تصدير، أو استيراد. وإعادة الإعمار والمساعدات لفظت أنفاسها. وأنا لا أبالغ حين أخبر أصدقائي في الخارج بأن غزة يمكن أن تنهار قريبا».
وتتألق غزة ليلا بفعل آلاف المواقع التي توقد بها نيران المخيمات، حيث لا يتجاوز الوقت الذي يتوافر فيه التيار الكهربائي في أغلب الأحيان 6 ساعات يوميا. ولا يزال نحو 10 آلاف من أهل القطاع ينامون على أرض المدارس التي تديرها الأمم المتحدة، ويسكن عدد أكبر داخل منازل متنقلة، أو خيام، أو يتجاورون في شققهم التي دُمرت بفعل القصف. فيما يبلغ إجمالي عدد النازحين نحو مائة ألف.
وأسفرت الحرب التي استمرت 50 يوما بين إسرائيل وحركة حماس، التي تصنفها إسرائيل والولايات المتحدة ضمن المنظمات الإرهابية، عن مقتل ما يزيد على 2100 فلسطيني؛ 70 في المائة منهم مدنيون، بحسب بيانات الأمم المتحدة. وعلى الجانب الآخر، تزعم إسرائيل أن نصف الفلسطينيين الذين قتلوا من المسلحين، وتم قتل 72 إسرائيليا، أكثرهم من الجنود.
وتوقفت المساعدات النقدية المقدمة من الأمم المتحدة إلى أسر اللاجئين النازحين، بعد أن نفد تمويل البرنامج الشهر الماضي. وقد صرح إسحاق هيرتسوغ، زعيم حزب العمل الإسرائيلي، خلال مؤتمر الأمن العالمي الذي عقد في ميونيخ نهاية الأسبوع الماضي، بأن غزة بمثابة «برميل من البارود» يمكن أن «ينفجر في أي دقيقة». وقال إنه مقابل نزع السلاح، تحتاج غزة إلى «خطة مارشال مصغرة» تشبه البرنامج الأميركي لإعادة بناء الاقتصاد الأوروبي المنهار في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ووسط صخب كبير، وعد متبرعون خلال مؤتمر عقد في القاهرة خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بمنح الفلسطينيين 5.4 مليار دولار، يخصص الجزء الأكبر منها لإعادة الإعمار، لكن لم يتم الوفاء بأي من تلك الوعود تقريبا، بحسب مسؤولين لدى الأمم المتحدة في غزة.
وتعد حركة حماس، التي تسيطر على غزة وسكانها البالغ عددهم 1.8 مليون، من أسباب التردد في تقديم الأموال. وقد وافقت هذه الحركة بانضمامها إلى حكومة الوحدة الوطنية العام الماضي على السماح للرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية، التي تمثل الحكومة المعتدلة في الضفة الغربية، بالعودة إلى غزة.
وكانت حماس قد فازت بالانتخابات الفلسطينية عام 2006، وخاضت حركة فتح، بزعامة عباس، معركة دامية ضد حماس من أجل السيطرة على القطاع عام 2007. وخلال الأشهر التي أعقبت حرب الصيف الماضي، أعفت حماس نفسها من الكثير من مسؤوليات الحكم، دون التخلي عن السلطة. ونظّم الجناح العسكري للحركة خلال الشهر الماضي معسكرات تدريب لـ17 ألف شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و21 سنة لتعليمهم كيفية استخدام «كلاشنيكوف»، والقفز عبر حلقات النار، والقيام بالإسعافات الأولية، استعدادا للمعركة المقبلة مع إسرائيل. وتمت إقامة المعسكرات حتى في ظل عدم دفع رواتب موظفي الحكومة.
وبعد 6 أشهر من وقف إطلاق النار، لا يزال هناك مائة ألف نازح، وما زال الناس يطهون على النار في الهواء الطلق، بعد أن تبخرت الوعود بالمساعدات. وعلى الجانب الآخر، أخفق عباس والسلطة الفلسطينية إلى حد كبير في إثبات وجودهما بشكل واضح، حيث لم يزر رئيس حكومة الوحدة الوطنية قطاع غزة سوى مرة واحدة فقط، ولمدة يوم واحد منذ الحرب الأخيرة. بينما يحمّل سكان القطاع الحكومتين المتنازعتين، وكذا الأمم المتحدة، ومصر، وإسرائيل، مسؤولية هذا الوضع المتجمد.
وفي الشهر الماضي، حاول مَن يرون أن حماس قوة معتدلة كثيرا، اقتحام المركز الثقافي الفرنسي في قطاع غزة، تعبيرا عن غضبهم من الرسوم التي نشرتها صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة. كما اقتحم المحتجون، وربما بتحريض من حماس وغضبا من توقف مساعدات إعادة الإعمار، مقر الأمم المتحدة في القطاع، وهددوا فريق العمل به. كما تعرضت ماكينات الصرف الآلي في غزة إلى التفجير. ولا أحد يعلم من يقف وراء وضع تلك المتفجرات. وخلال الشهر الماضي أيضا، انفجرت نحو 3 سيارات مفخخة في غزة في ظل تزايد أعمال العنف بين الفصائل المتناحرة.
في شرق مدينة خان يونس المزدحمة في قطاع غزة، أوضح عدنان أبو دقة، الذي يقيم مع عائلته في خيام تبقت منذ أيام حرب ماضية، أنه خلال حرب الصيف الماضي كانت الدبابات الإسرائيلية تترك آثارها على أرض مزرعته، وقال إن منزل عائلته تهدم بعد أن دمره الجنود الإسرائيليون المتخصصون في المتفجرات.
وأضاف موضحا: «كنا نملك حيوانات، وأرانب، وماعزا، وحصانا». وتساءل وهو يمسك بلجام ويتطلع نحو السماء: «أين الحصان؟».
وحصل أبو دقة هو وأقاربه، ومن بينهم 6 أبناء راشدين وأسرهم، على 2000 دولار من حركة حماس كتعويض حرب. وتطهو زوجته الطعام على النار، في حين يلعب الأطفال وسط الركام. وأشار أبو دقة بإصبعه وقال: «الحدود مع إسرائيل هناك. سيعود اليهود». وأضاف أنه بعد الحروب الماضية كان يتوقع دائما أن تتحسن الأوضاع ولو بقدر ضئيل على الأقل. أما بخصوص رؤيته للوضع الآن فأجاب بأنه «لن يتحسن».
وأبقت إسرائيل قطاع غزة تحت حظر جزئي على التجارة والسفر منذ سيطرة حركة حماس على القطاع عام 2007. وتقوم الأمم المتحدة هذه الأيام طبقا لاتفاق عقد بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والأمم المتحدة بعد الحرب، بتقييم الأسر وأماكن إقامتهم لحصر الأضرار، ويتم تقديم قوائم إلى الجيش الإسرائيلي بشحنات لقضبان الحديد، والإسمنت من أجل الموافقة على دخولها إلى غزة.
وبحسب إحصاءات شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي التي تعد الأحدث، دخلت نحو 2259 شحنة من مواد البناء إلى غزة. لكن حسب تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج تنفيذ عملية لإعادة بناء وإصلاح المنازل في غضون 3 سنوات إلى 735 شحنة يوميا طوال أيام الأسبوع.
ويُعزى ما تفرضه إسرائيل من قيود ورقابة على الواردات إلى قطاع غزة إلى مخاوفها العسكرية من استخدام حماس لمواد البناء، مثل الإسمنت وأنابيب الصرف في بناء أنفاق وملاجئ تحت الأرض، وصواريخ. وبهذا الخصوص قال ساري باشي، مدير منظمة «غيشا» الإسرائيلية لحقوق الإنسان: «لا ينجح ذلك إلا في حرمان المدنيين في قطاع غزة من إعادة الإعمار. ولن يكون لتلك القيود إلا تأثير ضئيل، أو ربما تأثير لا يُذكر على حفر حماس للأنفاق. إنهم يستطيعون إعادة البناء باستخدام مواد معادة التصنيع».
وقال مسؤول في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إن حماس تصنع بالفعل صواريخ «بأسرع ما يمكن». وخلال الأسبوع الحالي، اعترضت البحرية الإسرائيلية 3 من أعضاء حركة حماس أثناء محاولتهم تهريب مواد تستخدم في صناعة الصواريخ من مصر عن طريق البحر. ومنذ نهاية الحرب أطلق المسلحون في قطاع غزة 3 صواريخ على إسرائيل.
وأثناء الحرب، تم تدمير مصانع في غزة، ومن أكبر المصانع الخاصة التي تضررت جرّاء القصف مصنع «العودة»، الذي كان ينتج آيس كريم، ورقاقات البطاطس، وبسكويت. وتهدم الطابقان العلويان من المبنى بفعل القصف الإسرائيلي. وقالت منال حسن، مديرة تنفيذية بالمصنع: «لم نحصل على قرش من الأمم المتحدة، أو المنظمات التي لا تهدف للربح، أو السلطة الفلسطينية، أو حماس». وقد بلغ حجم الأضرار، بحسب تقديرات الشركة، 24 مليون دولار.
وقد حاولوا إقامة دعوى قضائية في المحاكم الإسرائيلية، لكن تم رفضها لعدم الاختصاص. وقالت منال إنهم قادرون على إعادة البناء إذا سمحت إسرائيل بدخول قطع الغيار وبعض الفنيين الإيطاليين والدنماركيين. وأوضحت قائلة: «نحن بحاجة إليهم حتى يوضحوا لنا كيفية إصلاح الأجهزة التي صنعوها»، في إشارة إلى معدات المصنع المنتجة في الخارج. وأعاد المصنع تشغيل خطي إنتاج للبسكويت، لكنهما يعملان بثلث الكفاءة. وقالت منال بهذا الخصوص «على الآيس كريم أن ينتظر».
ويقول فلسطينيون في غزة إنهم يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم محبوسون داخل سجن كبير. وتفرض إسرائيل قيودا على الخروج من القطاع، ولا تسمح سوى بعبور المرضى، والتجار، وبعض الحالات الإنسانية الخاصة. أما بالنسبة لسكان قطاع غزة، فيمثل معبر رفح، الواقع على الحدود مع مصر، المنفذ الرئيسي لهم على عالم أكبر، لكنه مغلق أكثر الوقت منذ الحرب الماضية.
كان محمد أبو عنزة، البالغ 19 عاما، يحاول الوصول إلى مطار القاهرة الشهر الماضي، حيث حصل على منحة لدراسة الهندسة في جامعة بالجزائر. وباءت محاولته للخروج بالفشل في أكتوبر (تشرين الأول). وفي نهاية يناير (كانون الثاني)، ظل المعبر مفتوحا لثلاثة أيام فقط. وتكدس المسافرون اليائسون في الحافلات من أجل الوصول إلى الجانب المصري.
وفي اليوم الثالث تمكن أبو عنزة من حجز مقعد في الحافلة العاشرة في ترتيب المغادرة، لكن لم يسمح المصريون إلا بمرور 7 حافلات فقط في ذلك اليوم. وقال أبو عنزة إنه سيحاول مرة أخرى، لكنه عاد أدراجه حيث بدت عليه الرغبة في البكاء.

خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.