«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (6): نيكول كيدمان لـ«الشرق الأوسط»: احترمت الحياة التي عشتها في الصحراء

تعلمت من البدو حبهم للحرية وكبرياءهم وطرق حياتهم الرصينة

نيكول كيدمان في «ملكة الصحراء»
نيكول كيدمان في «ملكة الصحراء»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (6): نيكول كيدمان لـ«الشرق الأوسط»: احترمت الحياة التي عشتها في الصحراء

نيكول كيدمان في «ملكة الصحراء»
نيكول كيدمان في «ملكة الصحراء»

نيكول كيدمان أحبّت أولا فكرة الخروج من هوليوود، ولو أنها ليست المرّة الأولى.
هي واحدة من أكثر الممثلات تسللا إلى عرين المخرجين الأوروبيين في أوروبا، أو العمل مع مخرجين أميركيين أو غير أميركيين في أي مكان في العالم بشرط أن يحملوا للفيلم ما يحيد به عن مسار الفيلم الهوليوودي التقليدي.
هي عملت مع ابنة بلدها، الأسترالية جين كامبيون في «صورة سيدة» سنة 1996 ثم انتقلت إلى عرين المخرج ستانلي كوبريك في آخر أعماله «عينان مغلقتان باتساع» (1997) ثم ولت وجهها شطر أستراليا ثانية لتقوم ببطولة «مولان روج» لباز لورمان (2001) وأتبعته بفيلم للإسباني أليخاندرو أمنبار بعنوان «الآخرون» (في العام ذاته). هذا قبل أن تؤدي دورا رئيسيا في فيلم لارس فون ترايير بعنوان «دوغفيل» (2003).
هذا المنوال من الأعمال تقاطع مع أفلامها الأميركية العادية لكنه لم يتوقف بل شهد في العام الماضي قيامها بتصوير فيلمين أوروبيين هما «غريس موناكو» و«ملكة الصحراء».
إذا كان «غريس موناكو» الذي حققه الفرنسي أوليفييه داهان لم ينجز لها ما طمحت له حين وافقت على لعب دور أميرة موناكو، غريس كيلي، فإن «ملكة الصحراء» حقق لها ذلك الطموح. لا بأس إذا ما تفاوتت هنا في مهرجان برلين الآراء حوله، فهذا طبيعي. ما هو مؤكد أن الفيلم، ممهورا باسم مخرجه فرنر هرتزوغ سيعيش طويلا خلال هذا العام منتقلا من عاصمة إلى أخرى، وربما بقي تحت الأضواء إلى حين يزدحم موسم الجوائز المقبل (في نهاية العام ومطلع العام المقبل) بالأفلام الساعية للجوائز المهمّة.
الآن هي في استراحة ربع ساعة قبل أن تصعد غرفتها استعدادا للسفر. هل تكون الاستراحة فرصة مناسبة لإلقاء بعض الأسئلة عليها حيال دورها في الفيلم الجديد؟
* قراءة
* هل صحيح أن «ملكة الصحراء» كان ما تبحثين عنه للخروج من التصوير في استوديوهات الكومبيوتر غرافيكس؟
- تماما. كان ما أبحث عنه لكني أعتقد أنني محظوظة في الوقت الحالي لأنني مثلت أكثر من فيلم أوروبي في العامين الماضيين. «ملكة الصحراء» صورناه قبل نحو سنة في المغرب والأردن، لكن تحضيره أخذ معظم العام الأسبق. تبادلت وفرنر الرسائل الإلكترونية من حوله حتى بينما كنت في تصوير «غريس موناكو». كنت أعلم أنه سيكون فيلمي التالي.
* لكن لماذا تتوقين للتمثيل في الأفلام الأوروبية؟ ما الذي يمنحك إياه الفيلم الأوروبي ما لا يستطيع الفيلم الأميركي توفيره لك؟
- هما مختلفان كثيرا. أنا بحاجة إليهما معا. أحب التمثيل في أفلام هوليوود إذا ما كان الفيلم قادرا على الاستحواذ على اهتمامي وإذا رأيته، من وجهة نظر عملية، يستحق الإقدام عليه. لكن ما أحبّـه في السينما الأوروبية يختلف. أحب أن أمثل مع مخرجين كبار وفرنر من بينهم. لقد سعدت كثيرا بتحقيق هذا الفيلم.
* هل قرأت الكثير عن غرترود بل؟ عرفت أنها «لورنس العرب الأنثى».
- كان لا بد أن أقرأ ما هو متوفّر حولها وهناك الكثير مما كُتب عنها. لكني بدأت بالسيناريو. أتاح لي أن أعرف ما الذي أريد أن أقرأه تحديدا حولها. كيف لي أن أتواصل معها على نحو شخصي. كان يهمني هذا التواصل لأن واحدا من شروط اختياري للأدوار أن أجد نفسي في الشخصية المسندة إلي سواء أكانت حقيقية أو خيالية. علي أن أقتنع بها وأن أعرفها على نحو شامل. سابقا كان الدور هو كل شيء. اليوم، ومنذ سنوات، الأمر تغير. أنا باحثة عن الشخصية التي أحب أن أقدّمها لأنها تستحق التقديم.
* هذا كان ثاني أسباب رغبتك في تمثيل هذا الفيلم بعد فرنر هرتزوغ؟
- لا أعتقد أنني أستطيع الفصل بينهما. السيناريو كان جيّدا وكاتبه هو المخرج ورغبتي كانت مشبعة بالحماس لتمثيل هذا الدور. أعتقد أنه واحد من أهم الأدوار التي مثلتها في حياتي. لكن هناك سبب آخر إذا كنت تريد عد الأسباب. أحببت فكرة أنني سأصوّر فيلما في الصحراء. صوّرت في كل مكان لكن ليس في الصحراء العربية.
* كل هذه الجوانب لعبت دورا في قيامك بهذا الدور إذن؟
- بالتأكيد. إنها باقة ‪كاملة‬.
* بعض النقاد هنا أصرّوا على القول إنك أكبر سنّا من شخصية غرترود بل عندما قامت بأسفارها العربية… هل شعرت بالانزعاج لذلك؟
- الحقيقة لم أقرأ أي شيء من هذا القبيل، لكني سمعت من نقل إلى هذه الشكوى. لو كان هذا الأمر ضروريا لكان الأحرى إعادة النظر إلى مئات الأفلام التي لعب فيها ممثلون أدوارا يختلفون فيها عن الشخصية التي قاموا بها. هناك أفلام عن أشخاص يختلفون عن الممثلين في الحجم أو في اللون أو في السلوك أو في العمر. هذا لا أعتقد أنه أمر مهم على الإطلاق. نحن لم نقدّم غرترود عجوزا حتى نغيّر في أي وضع. ولا أراه أمرا مهما على الإطلاق لأن الفيلم ليس عن ذلك الجانب مطلقا.
ضغوط عمل
* أعلم أنك تقابلين صحافيين أجانب طوال الوقت في هوليوود وخارجها، ونحن تقابلنا أكثر من مرّة من قبل. لكن هل سألك أحدهم عن رأيك في مكان التصوير لفيلم من أفلامك؟
- كثيرون. الإسبان سألوني عن إسبانيا. الفرنسيون سألوني عن مونت كارلو و...
* (مقاطعا) وأنا سأسألك إذن عن التصوير في المغرب والأردن. كيف وجدت الثقافة البدوية والإسلامية عن كثب؟
- هناك ذلك المشهد الذي أقول فيه لأحد المسؤولين في الحكومة البريطانية في القاهرة إنني تعلمت من البدو حبهم للحرية وكبرياءهم وطرق حياتهم الرصينة. هذه العبارة هي ما أستطيع أن أجيب بها عن سؤالك. هناك أشياء ستبقى خافية علينا نحن الغربيين إلى أن نزور الثقافات الأخرى حتى التي تبدو لنا غريبة. على العكس، كلما بدت غريبة أو غير مألوفة لنا كلما كان ذلك سببا للتعرّف عليها عن قرب. احترمت الحياة التي عشتها هناك. تعاملت معها قدر الإمكان بالطريقة ذاتها التي رأيت الناس حولي يتعاملون معها. سعدت بالتعرف عليها عن قرب واحترمت ما يقومون به. طبعا مكان التصوير يحتوي على عدد كبير من الغرباء، لكني أظن أن معظمنا كان مشدوها للمكان ولروحانياته كما للطف والسعادة التي استقبلنا بهما.
* سؤالي الأخير هو عن تلك الاختيارات التي تقومين بها. مرة أخرى أجد نفسي معجبا برغبتك في التصوير في أفلام بعيدة عن هوليوود، ليس لأن هوليوود بالضرورة تطلق أفلاما غير جيدة، هذا غير صحيح، لكن من حيث أن السفر لأماكن بعيدة هو ضغط عمل على الأقل.
- صحيح. كان سيكون ضغط عمل علي لو لم يسمح لي المخرج باصطحاب أولادي. كنت أخشى أن تكون الفترة قصيرة جدا بحيث لا يتسنى لي الاستمتاع بالمكان والعيش فيه، لكن (المخرج) سألني أول ما تحدثت معه إذا ما كنت مستعدة لأن أعيش أشهرا متواصلة في الصحراء. قلت نعم من دون تردد لكني سألت إذا ما كنت أستطيع جلب أولادي ووافق. أعتقد أنه رأى الضرورة في ذلك.
* قرأت في مكان ما أن صقرا كاد أن يهاجمك..
- نعم لكنه لم يصبني بأذى. كنت بعيدة عنه وكان المدرّب ممسكا به. لكني لست عاتبة عليه. ربما لا يحب أفلامي (تضحك).

* كيدمان 2015
* نيكول كيدمان منشغلة بتمثيل 3 أفلام هذا العام، واحدا تلو الآخر. هي في اقتباس أميركي من الفيلم الأرجنتيني الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي «السر في أعينهم»، وبعده هي في «أسد» الذي يتم تصويره في أستراليا، والثالث يجمعها مع كولين فيرث ولورا ليني في «عبقري».



حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.