لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

تعقد في القاهرة ويشارك فيها زعماء قبائل وقادة من الجيش.. بالتزامن مع «حوار جنيف»

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)

يبدو أن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة في جنيف بين الليبيين يسير في طريق، والإجراءات العملية لبناء الدولة ومحاربة الإرهاب تسير في طريق آخر مختلف.
وبعيدا عن الجهود التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمين العام للمنظمة الدولية، برناردينو ليون، تشهد خارطة الصراع الليبي تحولات جوهرية، تتركز في انعقاد حلقات اتصال رسمية، ولأول مرة، برعاية القاهرة، بين عناصر من الدولة الجديدة التي يقودها برلمان طبرق المنتخب من الشعب، وأطراف من نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بعد أن فشل قادة الميليشيات المتطرفة في أن يستقطبوا لصفهم أي عناصر من النظام السابق الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاما.
وبعد أشهر من الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين زعماء سياسيين من المحسوبين على «ثورة فبراير»، التي أسقطت حكم القذافي، ووزراء سابقين عملوا مع العقيد الراحل، يمكن القول إن الكفة رجحت لصالح فريق فبراير «المدني» الذي حاز الأغلبية في انتخابات البرلمان الأخيرة، لتزيد بذلك عزلة المتطرفين والمتحالفين معهم من قادة «الإخوان» وقوات «فجر ليبيا» الذين ينتمي معظمهم لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس.
ومن المعروف أن ليبيا أصبح فيها ثلاثة فرق.. منها فريقان مما يسمى «فبراير»، وهما فريق المتطرفين بقيادة جماعة الإخوان المسلمين من جانب، والفريق المدني ممثلا في البرلمان المدعوم من الجيش الوطني من جانب آخر. ويتقاتل هذان الفريقان منذ أكثر من سنة على السلطة دون أمل في حسم الصراع سريعا.
ويقول أحد القادة العسكريين المخضرمين، والذي كان يعمل لسنوات في الجيش أيام حكم القذافي، إن الطرف الذي يكسب ود رجال القبائل والعسكريين من النظام السابق يمكنه الفوز في هذه المنافسة الدموية.
ويضيف أحد المسؤولين المصريين ممن كانوا مكلفين بمراقبة الأوضاع في هذا البلد المجاور، إن قوات ما يسمى «فجر ليبيا» التي يقودها «الإخوان»، والمحسوبة على مصراتة، بعثوا برسائل لرجالات من نظام القذافي ممن يقيمون في كل من القاهرة وتونس والجزائر، من أجل عقد تحالفات معهم، إلا أن هذه المحاولات التي استمرت لعدة أشهر وصلت إلى طريق مسدود وباءت أخيرا بالفشل، ليحل محلها تحالف آخر بدأ يؤتي أكله، تحت رعاية مصرية، لجمع قيادات من البرلمان والحكومة المنبثقة عنه والتي تعمل من مدينة البيضاء، والجيش الذي يقوده خليفة حفتر، مع زعماء سابقين من نظام القذافي.
وتضم اللقاءات، التي جرى جانب كبير منها في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، فاعلين من البرلمان الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح، وكذا ضباطا من رئاسة أركان الجيش، وعددا من الوزراء والقادة العسكريين السابقين المحسوبين على عهد القذافي، من بينهم، على الأقل، ثلاثة وزراء وثلاثة برتبة لواء.
وتقول مصادر مصرية على علاقة بهذه اللقاءات إنها تأتي في إطار محاولات القاهرة للم شمل الإخوة في ليبيا في حربهم ضد المتطرفين، وإن هذا لا يتعارض مع مساعي الأمم المتحدة لإجراء حوار بين الخصوم الليبيين.
ومع هذا شارك في اللقاءات التي جرت بمصر قيادات لديها العديد من التحفظات على إجراء حوار جنيف، بل لديها تحفظات على رعاية الأمم المتحدة للحوار بين الليبيين أصلا، حتى لو عُقد في الداخل الليبي. ويقول أحد القادة القبليين من المحسوبين على القذافي، بعد أن شارك بمصر قبل يومين في لقاءات مع قادة من برلمان طبرق المعترف به كممثل للشرعية في ليبيا، إن «حوار جنيف هش ولا يعول عليه.. وفيه انحياز للمتطرفين الذين يقتلون الليبيين كل يوم».
ورفضت قبيلة «ورفلة»، إحدى أكبر القبائل الليبية، المشاركة في الحوار الذي يرعاه «ليون». بينما أفاد زعماء قبائل آخرون، من بينهم مولاي قديدي آما جنيدي يخلاص، رئيس المجلس الأعلى للطوارق في ليبيا، بأنهم لم يتلقوا دعوة من الأمم المتحدة للمشاركة في الحوار. وقال أحد زعماء قبيلة التبو، وهي واحدة من القبائل التي تتميز بوجود قوي في البلاد، إن الأمم المتحدة تجاهلت، من الأساس، توجيه دعوة لأي من ممثلي القبيلة للمشاركة في الحوار لـ«سبب غير مفهوم»، رغم قول الأمم المتحدة إنها حريصة على إشراك كل الأطراف.
ومن جانبه، يقول قديدي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» حين زار القاهرة أخيرا: «نحن مع الحوار، لكن لم يدعنا إليه أحد حتى الآن». ويضيف أحد قادة التبو، والذي يعمل كمستشار رفيع المستوى في برلمان طبرق: «لقد تجاهلتنا الأمم المتحدة، ولم تتصل بنا للمشاركة». ويؤكد محمد الورفلي، رئيس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للقبائل الليبية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «غاب عن الجولة الأولى من حوار جنيف قادة وزعماء يملكون القدرة على تغيير الواقع على الأرض، وحضره مجموعة من الشخصيات التي لا تمثل أي قوة تذكر في ليبيا».
وتشترط قوات المتطرفين عقد جلسات الحوار في الداخل الليبي. ولا يتفق مع هذا عدد من زعماء القبائل المحسوبة على نظام القذافي، لأنه يتم تحت تهديد السلاح، مع ملاحظة أن قوات المتطرفين أصبحت تنظر بقلق لما تقوم به القاهرة من محاولات للتوفيق بين زعماء البرلمان والجيش الوطني من جانب، وزعماء من القبائل والجيش متهمين بأنهم محسوبون على نظام القذافي من جانب آخر. ولهذا يبدو أن ضغوط المتطرفين بدأت تتجه إلى القائمين على حوار جنيف للحصول على مكاسب «وهو أمر مقلق للكثير من الليبيين»، كما يذكر مصدر في الجيش الليبي.
لكن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تؤكد، من جانبها، أنها وجهت دعوات للمشاركة في الحوار للقبائل وللبلديات، بلا تفرقة. ويسعى «ليون» إلى وقف لإطلاق النار بين الفرقاء أولا، قبل نقل الحوار إلى الداخل الليبي. ويرى «ليون» أن مهمته صعبة، وأن الليبيين عليهم أن يبذلوا جهدا مضاعفا لإنجاح الحوار لأنه الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة من الفشل.
إلا أن أحد قادة الجيش يقول إن وقف القتال في حد ذاته يعد حلما بعيد المنال، لأن المتطرفين يسعون بشكل محموم لتعزيز قدراتهم سواء باحتلال مناطق جديدة أو من خلال السيطرة على المناطق النفطية، كما يجري من حرب مستعرة حاليا في «الهلال النفطي الغني، ولذلك نشعر بأن المطالبة بوقف الجيش لعملياته تهدف إلى تخفيف الضغط على هؤلاء الإرهابيين».
وينظر هذا القائد العسكري إلى ما تقوم به الأمم المتحدة، ويعلق قائلا إن المنظمة الدولية لا تستطيع فرض وقف لإطلاق النار على قوات المتطرفين التي «هي في الحقيقة بلا ضابط ولا رابط.. تعمل، بتنسيق من أعلى، بقيادة جماعة الإخوان، وتعمل على الأرض كمجموعات متفرقة وكأنها بلا قيادة، وتحاول استغلال حوار جنيف لالتقاط الأنفاس وإعادة الضرب من جديد بمساعدة ممولي الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط».
ومن جانبه، يقول أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد معمر القذافي، والمنسق السابق للعلاقات المصرية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحوار الذي يجري الآن (في جنيف) يُدعى إليه، للأسف، من يحملون السلاح.. «وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا؟».
وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تفيد بأن قادة من المتطرفين مما يسمى بـ«قوات فجر ليبيا» أجروا لقاءات سرية مع عدد من زعماء الدولة الليبية المنتمين لعهد القذافي والمعتقلين في سجون الميليشيات في كل من مصراتة وطرابلس، في محاولة لعقد صفقة معهم بشأن المستقبل، بشرط أن يعلنوا الولاء لحكومة المتطرفين التي تديرها جماعة الإخوان في طرابلس بقوة السلاح، إلا أن رجال القذافي في السجون رفضوا الصفقة.
وفي المقابل، بدا من خلال المقابلات التي جرت في القاهرة خلال الأيام الماضية أن رجال القذافي يجنحون إلى التحالف مع الجناح المدني لتيار «الفبرايريين» (أي الموالين لثورة 17 فبراير) ممثلين في برلمان طبرق، وفي رئاسة أركان الجيش بقيادة كل من اللواء عبد الرزاق الناظوري واللواء خليفة حفتر، لكن بشروط معينة بعضها قابل للتحقق مثل إلغاء قانون العزل السياسي الذي ألغي بالفعل قبل يومين، وكذلك العفو العام، والبعض الآخر صعب المنال في الوقت الحالي، مثل التخلي عن القسم بالولاء لـ«فبراير» لكل من يريد الانخراط في العمل في الدولة، وغيرها من التفاصيل الخاصة بالرتب العسكرية وتقاسم السلطة مستقبلا.
وشارك في آخر اللقاءات التي عقدت في مصر بين «تيار فبراير المدني»، ورجال منتمين لعهد القذافي، اثنان من القادة الكبار في البرلمان، وثلاثة من القادة في رئاسة أركان الجيش. أما الطرف الآخر، أي زعماء العهد السابق، فكان من بينهم المهندس «ع.ك» وكان وزيرا أيام القذافي، واللواء «م.س» القائد العسكري السابق بالمنطقة الليبية الغربية، و«م.ج.ع»، وكان مسؤولا كبيرا في المؤتمر الشعبي العام (البرلمان أيام القذافي) و«ع.ش»، وكان يشغل موقعا مهما في هيئة الاستثمارات الليبية في النظام السابق.
ويحظى معظم رجال القذافي بتأييد من القبائل التي لم تشارك في «ثورة فبراير»، كما أن لهم علاقات لافتة بزعماء النازحين الليبيين الفارين من الاقتتال بين جناحي فبراير، وغالبيتهم موجود في مصر وتونس والجزائر. ويعيب هذا الفريق على الأمم المتحدة الانحياز للفبرايريين، خاصة بعد أن قال بيان البعثة الأممية في ليبيا إن مباحثات الحوار بين الخصوم «ستسترشد بمبادئ ثورة 17 فبراير». ويقول أحد كبار القادة الليبيين السابقين: «لقد أسقطت البعثة الأممية من حساباتها مليوني مهجر على الأقل من أنصار القذافي في الخارج».
وفي المقابل، ووفقا للمصادر الليبية، يمكن للقاءات القاهرة أن تعضد حوار جنيف، حتى لو جرى نقله إلى ليبيا، لكن في الشق الخاص بعزل المتطرفين.. «وهو أمر يبدو أن بعض الأطراف الدولية لا تحبذه، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية».
ومن بين من تلقوا دعوة للمشاركة في حوار جنيف ورفضوا تلبيتها محمد الورفلي، ابن قبيلة الورفلة، وهو من مدينة بني وليد التي تعرضت للغزو على يد الميليشيات المتطرفة مرتين، في 2011 و2012. ويقول الورفلي: «تلقيت دعوة لحوار جنيف.. لم تكن بصفتي رئيس اللجنة القانونية في المجلس الأعلى للقبائل الليبية، بل على أساس أنني أنتمي إلى مدينة بني وليد وأنني من قبائل ورفلة».
ويضيف: «على المستوى الشخصي أنا غير مقتنع بالحضور للقاء جنيف.. لعدة أسباب.. الأول أن هذا اللقاء تحضره أطراف أيديها ملوثة بالدم الليبي دون أن تقدم أي اعتذار، أو أي خطوة تفيد بأن هذه المجموعات نادمة على ما فعلته بالليبيين (منذ أحداث 2011 وما بعدها). والسبب الثاني أنه لم يكن هناك جدول أعمال مطروح واضح المعالم في حوار جنيف.. حوار يغلب عليه الطابع البروتوكولي أكثر من أي شيء آخر. النقطة الثالثة أن الجانب الأساسي في لقاء جنيف هو تشكيل حكومة موسعة، أي جمع حكومة طرابلس مع حكومة البيضاء. وهذه النقاط الثلاث لم تكن ولن تكون همي أنا كمواطن ليبي مهجَّر».
وتشعر غالبية القبائل التي يصنفها رجال فبراير على أنها كانت منحازة للنظام السابق بالغبن والعزلة، ويقول ممثلون عنها إن الأمم المتحدة شاركت في اللقاء حين وضعت الالتزام بمبادئ فبراير شرطا للتباحث في مسألة الحوار بين الليبيين في جنيف، رغم أن تلك القبائل تشكل قوة عددية لا يستهان بها في ليبيا.
ومن بين هذه القبائل، في المنطقة الغربية من البلاد، قبائل النوايل، والمحاميد، ووريمة، والصيعان، والأصابعة، والعجيلات، وورشفانة، وورفلة، وترهونة، وغيرها. وفي الجنوب هناك قبائل المقارحة، والتبو، والطوارق، وسوكنة، وهون، وزلة. وفي الوسط توجد قبائل سرت، وفي الشرق هناك أكثر من نصف القبائل لم تكن مع «ثورة فبراير».
ويضيف الورفلي: «انظر للمهجرين الليبيين.. عددهم مليونان وكسور. ولو افترضنا أن كل مهجر له أخ أو قريب واحد فقط داخل ليبيا مؤيد مثله للنظام السابق، فأنت هنا أمام أكثر من أربعة ملايين ليبي، بينما عدد السكان يبلغ نحو ستة ملايين نسمة. إذن ثلاثة أرباع الليبيين كانوا مؤيدين للقذافي. أنا شخص واحد مؤيد ومقيم في المهجر وعندي في الداخل ثلاثون من أقاربي مؤيدون مثلي».
ويرى أحد زعماء القبائل الليبية غير المشاركة في حوار الأمم المتحدة أن السبب في عدم التعويل على الحوار يرجع إلى أن الطريقة التي يتبعها «تريد أن تضع العربة أمام الحصان.. طرح مسألة تشكيل حكومة موسعة كان ينبغي أن يأتي بعد التوافق على خارطة طريق للخروج من الأزمة أولا، مثل الحكومة اللبنانية التي انبثقت عن مؤتمر الطائف بين الأطراف اللبنانية. وقتها اتفقت الأطراف اللبنانية على خارطة طريق أولا، ثم شكلت بعد ذلك حكومة موسعة تمثل كل أطراف الصراع».
ومنذ سقوط طرابلس والعديد من المدن الليبية الأخرى في أيدي المتطرفين تحاول الكثير من القبائل المحسوبة على القذافي النأي بنفسها عن الاقتتال الجاري بين طرفي «ثورة فبراير»، لكن طول أمد الأزمة والحروب أصبح يؤثر على الحياة اليومية للجميع، وفي كل المناطق. ويقول محمود الجبري، وهو ناشط ليبي: «نحن اليوم لسنا أمام قضية سياسية، بل قضية حياة. المواطن البسيط غير آمن.. عمليات التهجير للخصوم تجري على قدم وساق حتى اليوم، والناس لا يجدون غاز الطهي، والكهرباء تقطع عدة ساعات يوميا. الحياة أصبحت قاسية على الجميع، وحين بدأت الأمم المتحدة الدعوة للحوار يبدو أنها لم تضع هذا في الحسبان، لأنها ركزت على عقد لقاءات بين شخصيات لا علاقة بها بالواقع اليومي ولا قدرة لها على وقف الاقتتال والتشريد».
وعلى سبيل المثال قامت معظم القبائل منذ سقوط طرابلس بتشكيل مجلس أعلى للقبائل. ويقول رئيس اللجنة القانونية بالمجلس، وهو من قبيلة ورفلة: «بمجرد وصول الدعوة لي لحضور حوار جنيف اتصلت بالمجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، وعرضت عليه الدعوة التي وصلتني، فرفضها، وقرر عدم المشاركة في جنيف، لعدة أسباب منها أن ورفلة صدر بحقها قرار رقم 7 الصادر من المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان السابق الذي كانت تهيمن عليه جماعة الإخوان وحلفاؤها من المتطرفين) في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2012 باقتحام مدينة بني وليد من طرف الميليشيات وجرى تشريد أهاليها وقتل العديد من الناس، وهناك المئات ما زالوا يقبعون في سجون الميليشيات جراء هذا القرار».
ويضيف الورفلي أنه «من بين أسباب عدم المشاركة أيضا أن الأطراف التي تشارك في لقاء جنيف هي أطراف منتقاة، وهي أطراف لا تملك القوة الفاعلة على الأرض. كما أن قبائل ورفلة ما زالت ترفض أن تشرف الأمم المتحدة على أي عمل يتعلق بليبيا على أساس أن الأمم المتحدة كانت سببا في الأحداث التي مرت بها البلاد من خلال القرارين رقمي 1970 و1973 (بالتدخل الدولي عن طريق حلف الناتو في ليبيا) والتي أدت إلى ما نحن فيه اليوم».
وقال «المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة» إن أي شخص منها يذهب لحوار جنيف سوف يعلن المجلس براءته منه ويرفع الغطاء الاجتماعي عنه. ويشعر العديد من أبناء القبائل بالمرارة من التداعيات التي أعقبت سقوط نظام القذافي وانتشار الفوضى في البلاد، وتحول عدة مدن إلى معاقل للمتطرفين. ويطالب البعض الأمم المتحدة، قبل أن تدعو للحوار، بأن تعتذر للشعب عما حل ببلاده من خراب.
وعلى سبيل المثال يقول الورفلي: «على الأمم المتحدة أن تعرب عن أسفها للشعب الليبي، وما ألحقته بالبلاد من دمار للبنية التحتية وحل لمؤسسات الدولة وتدمير الجيش. هنا يمكن الحديث مع الأمم المتحدة. لكن أن يجري حرق الأخضر واليابس تحت مظلة الأمم المتحدة، ثم تتحول بعدها إلى سائق سيارة إسعاف ومطافئ لمعالجة الجرحى وإطفاء حريق شب هنا أو شب هناك، فقبائل ورفلة ترفض هذا».
ومن جانبه، يؤكد قذاف الدم، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن الصراع في بلاده «لم يعد على سلطة، وإنما على بقاء وطن، وعلينا جميعا أن ننحني أمامه ونقدم تنازلات، فالوطن للجميع، وأنا أدعو لحراك جديد يؤدي إلى حوار موسع على غرار مؤتمر الطائف بعد الحرب الأهلية اللبنانية.. بحيث لا يتم إقصاء أحد، ويتم تحت رعاية الأمم المتحدة، وفي مكان محايد.. نقرر فيه جميعا شكل الدولة وعلمها ونشيدها ودستورها.. ونختار مجلس وزراء محايدا بالاتفاق، ليشرف على انتخابات حرة.. وتُسلَّم كل الأسلحة للقوات المسلحة والشرطة، ونُسقط جميعا الحق العام، وليطالب من يريد بالحقوق الخاصة وفقا للقانون في الدولة الجديدة».
ويضيف: «أما الحوار الذي يجري الآن فهو، للأسف، يُدعى إليه من يحملون السلاح.. وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا ونحن الأغلبية والرقم الصعب في المعادلة؟ إننا، وحتى هذه اللحظة، نتصرف بمسؤولية وطنية في لحظة فارقة في تاريخ الوطن، ويشاركني في ذلك أغلبية الوطنيين الأحرار. وستخرج ليبيا قريبا بيد أبنائها.. فدولة الباطل ساعة».
ومن المعروف أن هناك قبائل أصبحت مشردة بالكامل.. وجرى تهجير سكان من بلداتهم في «العزيزية» و«السواني» و«المعمورة» و«الناصرية» و«الحاتة». وكل هؤلاء من المنطقة الغربية من البلاد، ولا يوجد ممثلون لهم في الحوار، ومنها قبائل النوايل والعجيلات والأصابعة والزنتان.
ويقول عبد الله الترهوني، أحد مشايخ ترهونة، لـ«الشرق الأوسط» إن «المشاركين في الحوار شخصيات سياسية لا تملك رصيدا مجتمعيا ولا ميليشيات مسلحة، ولا أي قوة على الأرض، وبالتالي الحوار يشبه الظاهرة الصوتية لا أكثر ولا أقل». ويضيف: «ليست القبائل الرئيسة فقط التي لم تنخرط في حوار جنيف، بل إن أطرافا فاعلة على الأرض وتملك قوة مسلحة ما زالت بعيدة عن طاولة الحوار».
وأهم هذه الأطراف «الجيش الوطني» الذي يخوض «معركة الكرامة» في المنطقة الشرقية وما يجاورها وفي المنطقة الغربية، خاصة في مناطق الوطية والعجيلات ورقدالين والزنتان وكيكلة وغيرها. وهناك أيضا «الجماعات المتطرفة والجهوية» الموجودة في صبراتة ومصراتة وبنغازي ودرنة، وتسمى في بعض الأحيان بـ«الدروع» وفي بعض الأحيان بـ«فجر ليبيا» وفي أحيان أخرى بـ«الشروق» وما إلى ذلك من مسميات.
وبينما تجري الأمم المتحدة محاولاتها لرأب الصدع بين الليبيين، وبغض النظر عن الملاحظات والانتقادات لطريقة السير في هذا المسعى، تبدو اللقاءات بين التيار المدني من «قادة فبراير» وزعماء من نظام القذافي والقبائل الكبيرة، والتي عقدت في القاهرة، لافتة للنظر كونها تمس بشكل مباشر القوى الرئيسة التي يمكنها لعب دور في تحقيق الاستقرار في ليبيا.
لكن سيكون هناك العديد من الملفات التي تحتاج إلى الحسم قبل أن تظهر نتائج «التفاهم بين خصوم الأمس». ويشير أحد المصادر إلى أن بعض الخطوات التي جرى اتخاذها بالفعل تسببت في غضب نحو 25 نائبا في برلمان طبرق من المحسوبين على قوى المتطرفين. ويضيف: «مثل هؤلاء كانوا في السابق يسعون للتحالف مع أنصار القذافي، وحين فشلوا وخسروا الأغلبية في البرلمان الجديد أصبحوا يرفضون أي مصالحة يتبناها نواب التيار المدني مع قيادات من النظام السابق».
وحاول أحد قيادات قبيلة ورشفانة، وهي من القبائل الكبرى في ليبيا أيضا، والمحسوبة على القذافي، اتخاذ خطوات عملية للوقوف إلى جانب برلمان طبرق علانية، لكن جرى التنبيه عليه من عدة قبائل أخرى بضرورة التأني قبل «الارتماء في أحضان هذا البرلمان مجانا».
وسبق لزعماء من قبيلة القذاذفة الاعتراف بالبرلمان، لكن ما زالت توجد تحفظات على مسلك الحكام الجدد خاصة أولئك الذين يجهرون بالعداء للنظام السابق، ويخشون تقديم تنازلات عن بعض شعارات وممارسات «فبراير». ووفقا للمصادر المصرية، تحاول القاهرة جسر الهوة بين الأطراف الرئيسية، من أجل تشكيل «جبهة ليبية خالصة» تكون قادرة على فرض الاستقرار والتخلص من «دولة الميليشيات والمتطرفين».
ويشكو البرلمان والحكومة والجيش المعترف بهم من قبل المجتمع الدولي من ضعف الإمكانات أمام سطوة المتطرفين المدعومين من بعض الدول في المنطقة والعالم، رغم تغير المزاج العربي العام لصالح الاعتدال بعد ما رآه من تصرفات «الإخوان» والمتطرفين حين وصلوا للحكم في تونس ومصر وليبيا وغيرها.
ويقول الورفلي إنه بعد خروج «الإخوان المسلمين» من حكم مصر وتونس، بدأ الموقف يتغير كثيرا تجاه ليبيا وتجاه معاناة الشعب. كما أن المؤسسة العسكرية القائمة حاليا في ليبيا أدركت أنها لا يمكنها تحقيق النصر على المجاميع المتطرفة والميليشيات الخارجة عن القانون إلا بالاستعانة بأبناء القوات المسلحة الليبية وضباطها، ممن أقصتهم المجاميع المتطرفة حين هيمنت على مفاصل الدولة في السنوات الثلاث الماضية.
ولوحظ في اللقاءات التي عقدت بمصر أن برلمان ليبيا وحكومته وجيشه يحاولون ضم المخزون البشري والعسكري للقبائل من أجل حسم المعارك التي طالت مع ميليشيات المتطرفين. ويبدو أن رئاسة المجلس الأعلى للقبائل الليبية التي تشكلت في شهر مايو (أيار) الماضي في بلدة العزيزية جنوب غربي طرابلس، التقطت الخيط، وقررت أن تعقد مؤتمرا لها بجوار مبنى البرلمان في طبرق، لكي تبعث برسالة مفادها أنها قررت بشكل رسمي الوقوف مع الدولة الجديدة ضد دولة الميليشيات.
ووفقا للمصادر، يبدو رئيس المجلس الأعلى لمؤتمر القبائل، الدكتور العجيلي بريني، وهو وزير سابق في عهد القذافي، وينتمي لقبيلة ورشفانة، أكثر ميلا لعقد مؤتمر القبائل، الذي يتكون من 30 شخصية، في طبرق، لكن بعض ممثلي القبائل اعترضوا على أساس أن هذه الخطوة تقديم للتنازلات المجانية لصالح الفبرايريين، و«تمنح صكا على بياض للبرلمان الذي لم يقدم أي تنازل ولم يقدم أي بوادر حسن نوايا تجاه القبائل وتجاه المهجرين وتجاه السجناء وتجاه المعتقلين والمدن المدمرة. فبأي حق تذهب القبائل للبرلمان الذي ما زال متشبثا بمبادئ فبراير؟».
ويعول العديد من الليبيين على الدور المصري لإصلاح ذات البين بين الأطراف الرئيسية. ويقول الورفلي إنه على هذا الأساس اتصلت مصر بأطراف ليبية مختلفة، ومن بينهم مسؤولون سابقون؛ من ضباط الجيش والقيادات الفاعلة. ويضيف أن مصر، مشكورة، تلعب الآن دورا كبيرا جدا ومحوريا لمساعدة ليبيا، مشيرا إلى أن «الليبيين لا يريدون عودة النظام السابق، ولكن يريدون عودة الأمن والأمان.. والشخصيات التي تلتقي بمصر همها استعادة الوجه الحقيقي لليبيا».



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.