لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

تعقد في القاهرة ويشارك فيها زعماء قبائل وقادة من الجيش.. بالتزامن مع «حوار جنيف»

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

لقاءات رسمية بين خصوم ليبيين لأول مرة بحثًا عن تحالف واسع ضد المتطرفين

عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)
عناصر من ميليشيات {فجر ليبيا} لدى اشتباكهم مع القوات الموالية للحكومة بالقرب من قاعدة {الوطية} جنوب شرق البلاد (أ.ف.ب)

يبدو أن الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة في جنيف بين الليبيين يسير في طريق، والإجراءات العملية لبناء الدولة ومحاربة الإرهاب تسير في طريق آخر مختلف.
وبعيدا عن الجهود التي يقوم بها المبعوث الخاص للأمين العام للمنظمة الدولية، برناردينو ليون، تشهد خارطة الصراع الليبي تحولات جوهرية، تتركز في انعقاد حلقات اتصال رسمية، ولأول مرة، برعاية القاهرة، بين عناصر من الدولة الجديدة التي يقودها برلمان طبرق المنتخب من الشعب، وأطراف من نظام العقيد الراحل معمر القذافي، بعد أن فشل قادة الميليشيات المتطرفة في أن يستقطبوا لصفهم أي عناصر من النظام السابق الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاما.
وبعد أشهر من الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين زعماء سياسيين من المحسوبين على «ثورة فبراير»، التي أسقطت حكم القذافي، ووزراء سابقين عملوا مع العقيد الراحل، يمكن القول إن الكفة رجحت لصالح فريق فبراير «المدني» الذي حاز الأغلبية في انتخابات البرلمان الأخيرة، لتزيد بذلك عزلة المتطرفين والمتحالفين معهم من قادة «الإخوان» وقوات «فجر ليبيا» الذين ينتمي معظمهم لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس.
ومن المعروف أن ليبيا أصبح فيها ثلاثة فرق.. منها فريقان مما يسمى «فبراير»، وهما فريق المتطرفين بقيادة جماعة الإخوان المسلمين من جانب، والفريق المدني ممثلا في البرلمان المدعوم من الجيش الوطني من جانب آخر. ويتقاتل هذان الفريقان منذ أكثر من سنة على السلطة دون أمل في حسم الصراع سريعا.
ويقول أحد القادة العسكريين المخضرمين، والذي كان يعمل لسنوات في الجيش أيام حكم القذافي، إن الطرف الذي يكسب ود رجال القبائل والعسكريين من النظام السابق يمكنه الفوز في هذه المنافسة الدموية.
ويضيف أحد المسؤولين المصريين ممن كانوا مكلفين بمراقبة الأوضاع في هذا البلد المجاور، إن قوات ما يسمى «فجر ليبيا» التي يقودها «الإخوان»، والمحسوبة على مصراتة، بعثوا برسائل لرجالات من نظام القذافي ممن يقيمون في كل من القاهرة وتونس والجزائر، من أجل عقد تحالفات معهم، إلا أن هذه المحاولات التي استمرت لعدة أشهر وصلت إلى طريق مسدود وباءت أخيرا بالفشل، ليحل محلها تحالف آخر بدأ يؤتي أكله، تحت رعاية مصرية، لجمع قيادات من البرلمان والحكومة المنبثقة عنه والتي تعمل من مدينة البيضاء، والجيش الذي يقوده خليفة حفتر، مع زعماء سابقين من نظام القذافي.
وتضم اللقاءات، التي جرى جانب كبير منها في مصر خلال الأيام القليلة الماضية، فاعلين من البرلمان الذي يرأسه المستشار عقيلة صالح، وكذا ضباطا من رئاسة أركان الجيش، وعددا من الوزراء والقادة العسكريين السابقين المحسوبين على عهد القذافي، من بينهم، على الأقل، ثلاثة وزراء وثلاثة برتبة لواء.
وتقول مصادر مصرية على علاقة بهذه اللقاءات إنها تأتي في إطار محاولات القاهرة للم شمل الإخوة في ليبيا في حربهم ضد المتطرفين، وإن هذا لا يتعارض مع مساعي الأمم المتحدة لإجراء حوار بين الخصوم الليبيين.
ومع هذا شارك في اللقاءات التي جرت بمصر قيادات لديها العديد من التحفظات على إجراء حوار جنيف، بل لديها تحفظات على رعاية الأمم المتحدة للحوار بين الليبيين أصلا، حتى لو عُقد في الداخل الليبي. ويقول أحد القادة القبليين من المحسوبين على القذافي، بعد أن شارك بمصر قبل يومين في لقاءات مع قادة من برلمان طبرق المعترف به كممثل للشرعية في ليبيا، إن «حوار جنيف هش ولا يعول عليه.. وفيه انحياز للمتطرفين الذين يقتلون الليبيين كل يوم».
ورفضت قبيلة «ورفلة»، إحدى أكبر القبائل الليبية، المشاركة في الحوار الذي يرعاه «ليون». بينما أفاد زعماء قبائل آخرون، من بينهم مولاي قديدي آما جنيدي يخلاص، رئيس المجلس الأعلى للطوارق في ليبيا، بأنهم لم يتلقوا دعوة من الأمم المتحدة للمشاركة في الحوار. وقال أحد زعماء قبيلة التبو، وهي واحدة من القبائل التي تتميز بوجود قوي في البلاد، إن الأمم المتحدة تجاهلت، من الأساس، توجيه دعوة لأي من ممثلي القبيلة للمشاركة في الحوار لـ«سبب غير مفهوم»، رغم قول الأمم المتحدة إنها حريصة على إشراك كل الأطراف.
ومن جانبه، يقول قديدي، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» حين زار القاهرة أخيرا: «نحن مع الحوار، لكن لم يدعنا إليه أحد حتى الآن». ويضيف أحد قادة التبو، والذي يعمل كمستشار رفيع المستوى في برلمان طبرق: «لقد تجاهلتنا الأمم المتحدة، ولم تتصل بنا للمشاركة». ويؤكد محمد الورفلي، رئيس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للقبائل الليبية، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «غاب عن الجولة الأولى من حوار جنيف قادة وزعماء يملكون القدرة على تغيير الواقع على الأرض، وحضره مجموعة من الشخصيات التي لا تمثل أي قوة تذكر في ليبيا».
وتشترط قوات المتطرفين عقد جلسات الحوار في الداخل الليبي. ولا يتفق مع هذا عدد من زعماء القبائل المحسوبة على نظام القذافي، لأنه يتم تحت تهديد السلاح، مع ملاحظة أن قوات المتطرفين أصبحت تنظر بقلق لما تقوم به القاهرة من محاولات للتوفيق بين زعماء البرلمان والجيش الوطني من جانب، وزعماء من القبائل والجيش متهمين بأنهم محسوبون على نظام القذافي من جانب آخر. ولهذا يبدو أن ضغوط المتطرفين بدأت تتجه إلى القائمين على حوار جنيف للحصول على مكاسب «وهو أمر مقلق للكثير من الليبيين»، كما يذكر مصدر في الجيش الليبي.
لكن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تؤكد، من جانبها، أنها وجهت دعوات للمشاركة في الحوار للقبائل وللبلديات، بلا تفرقة. ويسعى «ليون» إلى وقف لإطلاق النار بين الفرقاء أولا، قبل نقل الحوار إلى الداخل الليبي. ويرى «ليون» أن مهمته صعبة، وأن الليبيين عليهم أن يبذلوا جهدا مضاعفا لإنجاح الحوار لأنه الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة من الفشل.
إلا أن أحد قادة الجيش يقول إن وقف القتال في حد ذاته يعد حلما بعيد المنال، لأن المتطرفين يسعون بشكل محموم لتعزيز قدراتهم سواء باحتلال مناطق جديدة أو من خلال السيطرة على المناطق النفطية، كما يجري من حرب مستعرة حاليا في «الهلال النفطي الغني، ولذلك نشعر بأن المطالبة بوقف الجيش لعملياته تهدف إلى تخفيف الضغط على هؤلاء الإرهابيين».
وينظر هذا القائد العسكري إلى ما تقوم به الأمم المتحدة، ويعلق قائلا إن المنظمة الدولية لا تستطيع فرض وقف لإطلاق النار على قوات المتطرفين التي «هي في الحقيقة بلا ضابط ولا رابط.. تعمل، بتنسيق من أعلى، بقيادة جماعة الإخوان، وتعمل على الأرض كمجموعات متفرقة وكأنها بلا قيادة، وتحاول استغلال حوار جنيف لالتقاط الأنفاس وإعادة الضرب من جديد بمساعدة ممولي الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط».
ومن جانبه، يقول أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد معمر القذافي، والمنسق السابق للعلاقات المصرية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحوار الذي يجري الآن (في جنيف) يُدعى إليه، للأسف، من يحملون السلاح.. «وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا؟».
وحصلت «الشرق الأوسط» على معلومات تفيد بأن قادة من المتطرفين مما يسمى بـ«قوات فجر ليبيا» أجروا لقاءات سرية مع عدد من زعماء الدولة الليبية المنتمين لعهد القذافي والمعتقلين في سجون الميليشيات في كل من مصراتة وطرابلس، في محاولة لعقد صفقة معهم بشأن المستقبل، بشرط أن يعلنوا الولاء لحكومة المتطرفين التي تديرها جماعة الإخوان في طرابلس بقوة السلاح، إلا أن رجال القذافي في السجون رفضوا الصفقة.
وفي المقابل، بدا من خلال المقابلات التي جرت في القاهرة خلال الأيام الماضية أن رجال القذافي يجنحون إلى التحالف مع الجناح المدني لتيار «الفبرايريين» (أي الموالين لثورة 17 فبراير) ممثلين في برلمان طبرق، وفي رئاسة أركان الجيش بقيادة كل من اللواء عبد الرزاق الناظوري واللواء خليفة حفتر، لكن بشروط معينة بعضها قابل للتحقق مثل إلغاء قانون العزل السياسي الذي ألغي بالفعل قبل يومين، وكذلك العفو العام، والبعض الآخر صعب المنال في الوقت الحالي، مثل التخلي عن القسم بالولاء لـ«فبراير» لكل من يريد الانخراط في العمل في الدولة، وغيرها من التفاصيل الخاصة بالرتب العسكرية وتقاسم السلطة مستقبلا.
وشارك في آخر اللقاءات التي عقدت في مصر بين «تيار فبراير المدني»، ورجال منتمين لعهد القذافي، اثنان من القادة الكبار في البرلمان، وثلاثة من القادة في رئاسة أركان الجيش. أما الطرف الآخر، أي زعماء العهد السابق، فكان من بينهم المهندس «ع.ك» وكان وزيرا أيام القذافي، واللواء «م.س» القائد العسكري السابق بالمنطقة الليبية الغربية، و«م.ج.ع»، وكان مسؤولا كبيرا في المؤتمر الشعبي العام (البرلمان أيام القذافي) و«ع.ش»، وكان يشغل موقعا مهما في هيئة الاستثمارات الليبية في النظام السابق.
ويحظى معظم رجال القذافي بتأييد من القبائل التي لم تشارك في «ثورة فبراير»، كما أن لهم علاقات لافتة بزعماء النازحين الليبيين الفارين من الاقتتال بين جناحي فبراير، وغالبيتهم موجود في مصر وتونس والجزائر. ويعيب هذا الفريق على الأمم المتحدة الانحياز للفبرايريين، خاصة بعد أن قال بيان البعثة الأممية في ليبيا إن مباحثات الحوار بين الخصوم «ستسترشد بمبادئ ثورة 17 فبراير». ويقول أحد كبار القادة الليبيين السابقين: «لقد أسقطت البعثة الأممية من حساباتها مليوني مهجر على الأقل من أنصار القذافي في الخارج».
وفي المقابل، ووفقا للمصادر الليبية، يمكن للقاءات القاهرة أن تعضد حوار جنيف، حتى لو جرى نقله إلى ليبيا، لكن في الشق الخاص بعزل المتطرفين.. «وهو أمر يبدو أن بعض الأطراف الدولية لا تحبذه، مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية».
ومن بين من تلقوا دعوة للمشاركة في حوار جنيف ورفضوا تلبيتها محمد الورفلي، ابن قبيلة الورفلة، وهو من مدينة بني وليد التي تعرضت للغزو على يد الميليشيات المتطرفة مرتين، في 2011 و2012. ويقول الورفلي: «تلقيت دعوة لحوار جنيف.. لم تكن بصفتي رئيس اللجنة القانونية في المجلس الأعلى للقبائل الليبية، بل على أساس أنني أنتمي إلى مدينة بني وليد وأنني من قبائل ورفلة».
ويضيف: «على المستوى الشخصي أنا غير مقتنع بالحضور للقاء جنيف.. لعدة أسباب.. الأول أن هذا اللقاء تحضره أطراف أيديها ملوثة بالدم الليبي دون أن تقدم أي اعتذار، أو أي خطوة تفيد بأن هذه المجموعات نادمة على ما فعلته بالليبيين (منذ أحداث 2011 وما بعدها). والسبب الثاني أنه لم يكن هناك جدول أعمال مطروح واضح المعالم في حوار جنيف.. حوار يغلب عليه الطابع البروتوكولي أكثر من أي شيء آخر. النقطة الثالثة أن الجانب الأساسي في لقاء جنيف هو تشكيل حكومة موسعة، أي جمع حكومة طرابلس مع حكومة البيضاء. وهذه النقاط الثلاث لم تكن ولن تكون همي أنا كمواطن ليبي مهجَّر».
وتشعر غالبية القبائل التي يصنفها رجال فبراير على أنها كانت منحازة للنظام السابق بالغبن والعزلة، ويقول ممثلون عنها إن الأمم المتحدة شاركت في اللقاء حين وضعت الالتزام بمبادئ فبراير شرطا للتباحث في مسألة الحوار بين الليبيين في جنيف، رغم أن تلك القبائل تشكل قوة عددية لا يستهان بها في ليبيا.
ومن بين هذه القبائل، في المنطقة الغربية من البلاد، قبائل النوايل، والمحاميد، ووريمة، والصيعان، والأصابعة، والعجيلات، وورشفانة، وورفلة، وترهونة، وغيرها. وفي الجنوب هناك قبائل المقارحة، والتبو، والطوارق، وسوكنة، وهون، وزلة. وفي الوسط توجد قبائل سرت، وفي الشرق هناك أكثر من نصف القبائل لم تكن مع «ثورة فبراير».
ويضيف الورفلي: «انظر للمهجرين الليبيين.. عددهم مليونان وكسور. ولو افترضنا أن كل مهجر له أخ أو قريب واحد فقط داخل ليبيا مؤيد مثله للنظام السابق، فأنت هنا أمام أكثر من أربعة ملايين ليبي، بينما عدد السكان يبلغ نحو ستة ملايين نسمة. إذن ثلاثة أرباع الليبيين كانوا مؤيدين للقذافي. أنا شخص واحد مؤيد ومقيم في المهجر وعندي في الداخل ثلاثون من أقاربي مؤيدون مثلي».
ويرى أحد زعماء القبائل الليبية غير المشاركة في حوار الأمم المتحدة أن السبب في عدم التعويل على الحوار يرجع إلى أن الطريقة التي يتبعها «تريد أن تضع العربة أمام الحصان.. طرح مسألة تشكيل حكومة موسعة كان ينبغي أن يأتي بعد التوافق على خارطة طريق للخروج من الأزمة أولا، مثل الحكومة اللبنانية التي انبثقت عن مؤتمر الطائف بين الأطراف اللبنانية. وقتها اتفقت الأطراف اللبنانية على خارطة طريق أولا، ثم شكلت بعد ذلك حكومة موسعة تمثل كل أطراف الصراع».
ومنذ سقوط طرابلس والعديد من المدن الليبية الأخرى في أيدي المتطرفين تحاول الكثير من القبائل المحسوبة على القذافي النأي بنفسها عن الاقتتال الجاري بين طرفي «ثورة فبراير»، لكن طول أمد الأزمة والحروب أصبح يؤثر على الحياة اليومية للجميع، وفي كل المناطق. ويقول محمود الجبري، وهو ناشط ليبي: «نحن اليوم لسنا أمام قضية سياسية، بل قضية حياة. المواطن البسيط غير آمن.. عمليات التهجير للخصوم تجري على قدم وساق حتى اليوم، والناس لا يجدون غاز الطهي، والكهرباء تقطع عدة ساعات يوميا. الحياة أصبحت قاسية على الجميع، وحين بدأت الأمم المتحدة الدعوة للحوار يبدو أنها لم تضع هذا في الحسبان، لأنها ركزت على عقد لقاءات بين شخصيات لا علاقة بها بالواقع اليومي ولا قدرة لها على وقف الاقتتال والتشريد».
وعلى سبيل المثال قامت معظم القبائل منذ سقوط طرابلس بتشكيل مجلس أعلى للقبائل. ويقول رئيس اللجنة القانونية بالمجلس، وهو من قبيلة ورفلة: «بمجرد وصول الدعوة لي لحضور حوار جنيف اتصلت بالمجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة، وعرضت عليه الدعوة التي وصلتني، فرفضها، وقرر عدم المشاركة في جنيف، لعدة أسباب منها أن ورفلة صدر بحقها قرار رقم 7 الصادر من المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان السابق الذي كانت تهيمن عليه جماعة الإخوان وحلفاؤها من المتطرفين) في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2012 باقتحام مدينة بني وليد من طرف الميليشيات وجرى تشريد أهاليها وقتل العديد من الناس، وهناك المئات ما زالوا يقبعون في سجون الميليشيات جراء هذا القرار».
ويضيف الورفلي أنه «من بين أسباب عدم المشاركة أيضا أن الأطراف التي تشارك في لقاء جنيف هي أطراف منتقاة، وهي أطراف لا تملك القوة الفاعلة على الأرض. كما أن قبائل ورفلة ما زالت ترفض أن تشرف الأمم المتحدة على أي عمل يتعلق بليبيا على أساس أن الأمم المتحدة كانت سببا في الأحداث التي مرت بها البلاد من خلال القرارين رقمي 1970 و1973 (بالتدخل الدولي عن طريق حلف الناتو في ليبيا) والتي أدت إلى ما نحن فيه اليوم».
وقال «المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة» إن أي شخص منها يذهب لحوار جنيف سوف يعلن المجلس براءته منه ويرفع الغطاء الاجتماعي عنه. ويشعر العديد من أبناء القبائل بالمرارة من التداعيات التي أعقبت سقوط نظام القذافي وانتشار الفوضى في البلاد، وتحول عدة مدن إلى معاقل للمتطرفين. ويطالب البعض الأمم المتحدة، قبل أن تدعو للحوار، بأن تعتذر للشعب عما حل ببلاده من خراب.
وعلى سبيل المثال يقول الورفلي: «على الأمم المتحدة أن تعرب عن أسفها للشعب الليبي، وما ألحقته بالبلاد من دمار للبنية التحتية وحل لمؤسسات الدولة وتدمير الجيش. هنا يمكن الحديث مع الأمم المتحدة. لكن أن يجري حرق الأخضر واليابس تحت مظلة الأمم المتحدة، ثم تتحول بعدها إلى سائق سيارة إسعاف ومطافئ لمعالجة الجرحى وإطفاء حريق شب هنا أو شب هناك، فقبائل ورفلة ترفض هذا».
ومن جانبه، يؤكد قذاف الدم، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن الصراع في بلاده «لم يعد على سلطة، وإنما على بقاء وطن، وعلينا جميعا أن ننحني أمامه ونقدم تنازلات، فالوطن للجميع، وأنا أدعو لحراك جديد يؤدي إلى حوار موسع على غرار مؤتمر الطائف بعد الحرب الأهلية اللبنانية.. بحيث لا يتم إقصاء أحد، ويتم تحت رعاية الأمم المتحدة، وفي مكان محايد.. نقرر فيه جميعا شكل الدولة وعلمها ونشيدها ودستورها.. ونختار مجلس وزراء محايدا بالاتفاق، ليشرف على انتخابات حرة.. وتُسلَّم كل الأسلحة للقوات المسلحة والشرطة، ونُسقط جميعا الحق العام، وليطالب من يريد بالحقوق الخاصة وفقا للقانون في الدولة الجديدة».
ويضيف: «أما الحوار الذي يجري الآن فهو، للأسف، يُدعى إليه من يحملون السلاح.. وأنا أتساءل: هل يريدوننا أن نحمل السلاح ليستمعوا لصوتنا ونحن الأغلبية والرقم الصعب في المعادلة؟ إننا، وحتى هذه اللحظة، نتصرف بمسؤولية وطنية في لحظة فارقة في تاريخ الوطن، ويشاركني في ذلك أغلبية الوطنيين الأحرار. وستخرج ليبيا قريبا بيد أبنائها.. فدولة الباطل ساعة».
ومن المعروف أن هناك قبائل أصبحت مشردة بالكامل.. وجرى تهجير سكان من بلداتهم في «العزيزية» و«السواني» و«المعمورة» و«الناصرية» و«الحاتة». وكل هؤلاء من المنطقة الغربية من البلاد، ولا يوجد ممثلون لهم في الحوار، ومنها قبائل النوايل والعجيلات والأصابعة والزنتان.
ويقول عبد الله الترهوني، أحد مشايخ ترهونة، لـ«الشرق الأوسط» إن «المشاركين في الحوار شخصيات سياسية لا تملك رصيدا مجتمعيا ولا ميليشيات مسلحة، ولا أي قوة على الأرض، وبالتالي الحوار يشبه الظاهرة الصوتية لا أكثر ولا أقل». ويضيف: «ليست القبائل الرئيسة فقط التي لم تنخرط في حوار جنيف، بل إن أطرافا فاعلة على الأرض وتملك قوة مسلحة ما زالت بعيدة عن طاولة الحوار».
وأهم هذه الأطراف «الجيش الوطني» الذي يخوض «معركة الكرامة» في المنطقة الشرقية وما يجاورها وفي المنطقة الغربية، خاصة في مناطق الوطية والعجيلات ورقدالين والزنتان وكيكلة وغيرها. وهناك أيضا «الجماعات المتطرفة والجهوية» الموجودة في صبراتة ومصراتة وبنغازي ودرنة، وتسمى في بعض الأحيان بـ«الدروع» وفي بعض الأحيان بـ«فجر ليبيا» وفي أحيان أخرى بـ«الشروق» وما إلى ذلك من مسميات.
وبينما تجري الأمم المتحدة محاولاتها لرأب الصدع بين الليبيين، وبغض النظر عن الملاحظات والانتقادات لطريقة السير في هذا المسعى، تبدو اللقاءات بين التيار المدني من «قادة فبراير» وزعماء من نظام القذافي والقبائل الكبيرة، والتي عقدت في القاهرة، لافتة للنظر كونها تمس بشكل مباشر القوى الرئيسة التي يمكنها لعب دور في تحقيق الاستقرار في ليبيا.
لكن سيكون هناك العديد من الملفات التي تحتاج إلى الحسم قبل أن تظهر نتائج «التفاهم بين خصوم الأمس». ويشير أحد المصادر إلى أن بعض الخطوات التي جرى اتخاذها بالفعل تسببت في غضب نحو 25 نائبا في برلمان طبرق من المحسوبين على قوى المتطرفين. ويضيف: «مثل هؤلاء كانوا في السابق يسعون للتحالف مع أنصار القذافي، وحين فشلوا وخسروا الأغلبية في البرلمان الجديد أصبحوا يرفضون أي مصالحة يتبناها نواب التيار المدني مع قيادات من النظام السابق».
وحاول أحد قيادات قبيلة ورشفانة، وهي من القبائل الكبرى في ليبيا أيضا، والمحسوبة على القذافي، اتخاذ خطوات عملية للوقوف إلى جانب برلمان طبرق علانية، لكن جرى التنبيه عليه من عدة قبائل أخرى بضرورة التأني قبل «الارتماء في أحضان هذا البرلمان مجانا».
وسبق لزعماء من قبيلة القذاذفة الاعتراف بالبرلمان، لكن ما زالت توجد تحفظات على مسلك الحكام الجدد خاصة أولئك الذين يجهرون بالعداء للنظام السابق، ويخشون تقديم تنازلات عن بعض شعارات وممارسات «فبراير». ووفقا للمصادر المصرية، تحاول القاهرة جسر الهوة بين الأطراف الرئيسية، من أجل تشكيل «جبهة ليبية خالصة» تكون قادرة على فرض الاستقرار والتخلص من «دولة الميليشيات والمتطرفين».
ويشكو البرلمان والحكومة والجيش المعترف بهم من قبل المجتمع الدولي من ضعف الإمكانات أمام سطوة المتطرفين المدعومين من بعض الدول في المنطقة والعالم، رغم تغير المزاج العربي العام لصالح الاعتدال بعد ما رآه من تصرفات «الإخوان» والمتطرفين حين وصلوا للحكم في تونس ومصر وليبيا وغيرها.
ويقول الورفلي إنه بعد خروج «الإخوان المسلمين» من حكم مصر وتونس، بدأ الموقف يتغير كثيرا تجاه ليبيا وتجاه معاناة الشعب. كما أن المؤسسة العسكرية القائمة حاليا في ليبيا أدركت أنها لا يمكنها تحقيق النصر على المجاميع المتطرفة والميليشيات الخارجة عن القانون إلا بالاستعانة بأبناء القوات المسلحة الليبية وضباطها، ممن أقصتهم المجاميع المتطرفة حين هيمنت على مفاصل الدولة في السنوات الثلاث الماضية.
ولوحظ في اللقاءات التي عقدت بمصر أن برلمان ليبيا وحكومته وجيشه يحاولون ضم المخزون البشري والعسكري للقبائل من أجل حسم المعارك التي طالت مع ميليشيات المتطرفين. ويبدو أن رئاسة المجلس الأعلى للقبائل الليبية التي تشكلت في شهر مايو (أيار) الماضي في بلدة العزيزية جنوب غربي طرابلس، التقطت الخيط، وقررت أن تعقد مؤتمرا لها بجوار مبنى البرلمان في طبرق، لكي تبعث برسالة مفادها أنها قررت بشكل رسمي الوقوف مع الدولة الجديدة ضد دولة الميليشيات.
ووفقا للمصادر، يبدو رئيس المجلس الأعلى لمؤتمر القبائل، الدكتور العجيلي بريني، وهو وزير سابق في عهد القذافي، وينتمي لقبيلة ورشفانة، أكثر ميلا لعقد مؤتمر القبائل، الذي يتكون من 30 شخصية، في طبرق، لكن بعض ممثلي القبائل اعترضوا على أساس أن هذه الخطوة تقديم للتنازلات المجانية لصالح الفبرايريين، و«تمنح صكا على بياض للبرلمان الذي لم يقدم أي تنازل ولم يقدم أي بوادر حسن نوايا تجاه القبائل وتجاه المهجرين وتجاه السجناء وتجاه المعتقلين والمدن المدمرة. فبأي حق تذهب القبائل للبرلمان الذي ما زال متشبثا بمبادئ فبراير؟».
ويعول العديد من الليبيين على الدور المصري لإصلاح ذات البين بين الأطراف الرئيسية. ويقول الورفلي إنه على هذا الأساس اتصلت مصر بأطراف ليبية مختلفة، ومن بينهم مسؤولون سابقون؛ من ضباط الجيش والقيادات الفاعلة. ويضيف أن مصر، مشكورة، تلعب الآن دورا كبيرا جدا ومحوريا لمساعدة ليبيا، مشيرا إلى أن «الليبيين لا يريدون عودة النظام السابق، ولكن يريدون عودة الأمن والأمان.. والشخصيات التي تلتقي بمصر همها استعادة الوجه الحقيقي لليبيا».



مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مكافأة أميركية بقيمة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن قائد «كتائب سيد الشهداء» العراقية

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

عرضت وزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء» العراقية المسلحة المدعومة من إيران هاشم فنيان رحيمي السراجي، التي تعتبرها واشنطن منظمة إرهابية.

وقالت وزارة الخارجية في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، الخميس، إن البحث جارٍ عن السراجي المعروف أيضاً باسم أبو آلاء الولائي، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وجاء في المنشور أن «كتائب سيد الشهداء»، «قتلت مدنيين عراقيين وهاجمت منشآت دبلوماسية أميركية في العراق، بالإضافة لمهاجمة قواعد عسكرية أميركية وأفراد في العراق وسوريا».

وعرض المنشور إمكان الإقامة في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المكافأة المالية لمن يدلي بمعلومات عنه.

والسراجي أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي» المؤلف من أحزاب شيعية مقرّبة من إيران ويشكّل الكتلة الأكبر في البرلمان.

وتستهدف جماعات مدعومة من إيران السفارة الأميركية في بغداد ومنشآتها الدبلوماسية واللوجستية في المطار، بالإضافة إلى حقول نفط تديرها شركات أجنبية.

ولم يسلم العراق من تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي استمرت أكثر من 40 يوماً. وخلالها، تعرّضت مقار للحشد الشعبي ولفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران لغارات منسوبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيما استهدفت مصالح أميركية بهجمات تبنتها فصائل عراقية، ونفّذت طهران ضربات ضد مجموعات إيرانية كردية معارِضة في شمال البلاد.

وكثّفت واشنطن ضغطها على بغداد لمواجهة الفصائل الموالية لطهران من خلال تعليق شحنات النقد وتجميد تمويل برامج أمنية في العراق.


اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)