الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

قال إن التفسير المتطرف للدين ظلم للمسلمين أكثر مما هو ظلم للآخرين

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب
TT

الإسلام من وجهة نظر بوذية.. الدالاي لاما يتكلم

الدالاي لاما  -  غلاف الكتاب
الدالاي لاما - غلاف الكتاب

يعتبر الدالاي لاما بابا البوذيين، إذا جاز التعبير، مثلما أن فرنسيسك هو بابا المسيحيين. فكلمته مسموعة ليس فقط في بلاد التيبت، وإنما في كل أرجاء العالم البوذي، بل وفيما وراء ذلك.. فهو أحد حكماء العصر الراهن، وأحد الشخصيات الروحية الكبرى التي تحظى بالاحترام على الصعيد العالمي كله. و«الدالاي لاما» هو لقبه وليس اسمه الحقيقي، وهو يعني حرفيا «بحر العلوم» أو «بحر الحكمة». أما اسمه الحقيقي، فهو تنزان غياتسو، وهو لا يعني شيئا بالنسبة للآخرين ولا أحد يعرفه به.
سوف أعتمد في هذه الدراسة أساسا على كتابه التالي: «الإسلام والمسيحية واليهودية: كيف يمكن أن نعيش بسلام؟ نحو الإخاء الكوني بين الأديان». يرى هذا الزعيم الديني أن خصوصية الإسلام التي تميزه عن غيره تكمن في تلك العلاقة القوية جدا التي تربط بين المسلم وربه. فهنا يوجد قبول مطلق ولا مشروط بالتعالي الرباني لغة وفكرا وهيئة. وهذا التعالي الرباني يرافقه اقتراب الله من المؤمن كما تقول الآية القرآنية الكريمة: «..ونحن أقرب إليه من حبل الوريد». وبالتالي، فالله قريب وبعيد في الوقت ذاته. والإسلام يطلب من معتنقيه الإيمان بالطبيعة اللانهائية والأبدية الخالدة لله. وكل تصوير لله ممنوع، لأن ذلك يشجع على عبادة الأوثان التي يحرمها الإسلام تحريما قاطعا. ولذلك لا توجد صور في أماكن العبادة الإسلامية. ومن سمات هذا الدين أن المسلم يسلم نفسه كليا للإرادة الإلهية ويخضع لها دون نقاش. ومن هنا جاءت كلمة «إسلام».
لكن الشيء المهم في الإسلام الذي لفت انتباه الدالاي لاما هو تركيز القرآن الكريم على الرحمة والتسامح. فقد فوجئ بأن كل سورة من سور القرآن تُفتتح بهذه الآية الكريمة: «بسم الله الرحمن الرحيم». ومع ذلك، فان الصورة الشائعة عن الدين الحنيف حاليا هي أنه دين القسوة والعنف والرعب! فكيف حصل ذلك؟ كيف انقلبت الأمور عاليها سافلها؟ قبل أن يجيب الدالاي لاما عن هذا السؤال، نلاحظ أنه يتوقف مطولا عند سورة الفاتحة، بل ويوردها مترجمة بشكل كامل. ويبدي أشد الإعجاب بورود كلمتي «الرحمن الرحيم» أكثر من مرة فيها:
«بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.
الرحمن الرحيم.
مالك يوم الدين.
إياك نعبد وإياك نستعين.
إهدنا الصراط المستقيم
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
لماذا يتوقف الدالاي لاما عند هذه النقطة أكثر من غيرها؟ لأن مفهوم الشفقة أو الرحمة والرأفة يشكل القيمة الأساسية في الديانة البوذية التي ينتمي إليها. والدين الذي يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد والكائنات لا يمكن أن يكون إلا دينا عظيما. من هنا سر إعجابه بالإسلام ودهشته واستغرابه عندما اكتشفه أو تعرف عليه لأول مرة. فقد كان يعتقد أنه دين القوة والعنف والضرب والقتل، فإذا به يكتشف العكس تماما. ويقول بأنه لم يكتشف الإسلام إلا متأخرا، وقد فوجئ بما اكتشفه وأعجب به أشد الإعجاب. وقد حصلت أول زيارة له إلى بلد عربي مسلم عام 2005 حيث استقبلوه بحفاوة في الأردن. وقد أعجب بالأذان الذي يتعالى من المساجد كثيرا. وفي إحدى المرات قال له شيخ مسلم: «إن من يقتل إنسانا آخر لا يمكن أن يكون مسلما حقيقيا. فقتل النفس محرم كليا في القرآن؛ حيث تقول الآية الكريمة: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)». وقال له شيخ آخر بأنه ينبغي على المسلم أن يحب مخلوقات الله كما يحب الله ذاته. ثم يعلق على ذلك: «وهذا رائع». ثم يضيف: «بالطبع، فإن اللغة التي يستخدمها الإسلام للتعبير عن التعاطف الكوني أو الشفقة الكونية مختلفة عن تلك التي تستخدمها الديانة البوذية. ولكن المفهوم هو ذاته في نهاية المطاف. ثم إن التأثير النفسي الذي يحدثه على أخلاقية الفرد وسلوكه متطابق في كلتا الحالتين. إنه متطابق مع المبدأ البوذي الذي يدعو إلى التعاطف الكوني والشفقة والرحمة مع جميع البشر والكائنات».
وفي نهاية المطاف لا يتوانى الدالاي لاما عن طرح هذا السؤال:
إذا كانت حقائق الإسلام هكذا، إذا كان يفتتح كل سوره بعبارة: «بسم الله الرحمن الرحيم».. إذا كان يدعو إلى الشفقة والرحمة بالعباد، فمن أين شاعت عنه كل هذه الصورة المرعبة المشوهة؟ ولماذا؟ يرى الحكيم البوذي الكبير أن السبب يعود إلى التفسير الحرفي والسطحي لبعض الآيات الداعية إلى الجهاد والقتال. وهو يرى أن التفسير الحرفي لهذه الآيات لا يتوافق مع تركيز القرآن الكريم على صفة «الله الرحمن الرحيم». لا ريب في أن القراءة الحرفية لهذه الآيات الإشكالية الصعبة ممكنة وواردة. وعليها تعتمد الحركات المتطرفة، ومنها تستمد قوتها الضاربة وجرأتها على القتل والذبح. ولكن هناك قراءة أخرى للقرآن الكريم، والدليل أن بعض علماء المسلمين قالوا له بأن الجهاد يمكن تفسيره على أساس مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء لا على أساس الحرب والقتال. بمعنى آخر، فهناك الجهاد الداخلي الروحاني الذي ينساه الإسلام السياسي كثيرا.
على أي حال، فان الدالاي لاما يقول لنا بأن التفسير الحرفي المتشدد لهذه الآيات القليلة نسبيا في القرآن هو الذي يوهم الناس بأن الإسلام هو دين عنف بشكل حصري. (أفتح هنا قوسا وأقول ما يلي: من خلال قراءاتي المتنوعة لاحظت أن معظم شخصيات العالم خائفة، بل ومرعوبة من بعض آيات القتال الواردة في القرآن الكريم. وجميعهم يترجوننا لكي نعيد تأويلها عن طريق ربطها بسياقها التاريخي الصعب الذي كان سائدا في الفترة النبوية الأولى. بمعنى آخر فإنهم يطالبوننا بعدم تعميمها على جميع العصور وبالأخص على عصرنا الحالي.. لماذا؟ لأن ذلك يعني إدانة الآخرين إلى أبد الآبدين وإباحة دمائهم بشكل لا رجوع عنه. إنه يعني تبرير كل التفجيرات العمياء التي تحصد المدنيين بشكل عشوائي كيفما اتفق بحجة أنهم كفار أو غير مسلمين. وحتى اللاهوتي الكبير هانز كونغ المنفتح جدا على الإسلام وتراثه يطالبنا بذلك. وبالتالي، فإن المثقفين العرب والمسلمين مطالبون بإيجاد مخرج لهذه المشكلة الشائكة التي تتوقف على حلها إزالة الصورة المرعبة والمشوهة السائدة عنا وعن ديننا في شتى أنحاء العالم).
لكن لنعد إلى الزعيم البوذي الشهير ولنستمع إليه يقول:
«في عام 2008 تلقيت دعوة من الجامع الكبير بمدينة دلهي بالهند لكي أحضر مؤتمرا عن الإرهاب. وقد سعدت جدا بهذه الدعوة الكريمة. وكان من بين الحاضرين مشايخ كبار من الهند وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا والأردن.. وأمام الجميع قلت ما يلي: (إنه لمن المهم جدا أن يعلن كل زعماء الدين في العالم أن العنف المرتكب باسم الدين شيء مرفوض قطعيا وبلا نقاش. فالعنف والدين الحق شيئان متضادان لا يجتمعان. ينبغي علينا جميعا أن نقول لأتباعنا بأن الشفقة والرحمة ببني البشر هما شيئان أساسيان بالنسبة لكل الأديان. رحمة الله وسعت كل شيء. ولكن من يستطيع أن يقنع (داعش) بذلك؟ إذا كان هناك شيء واحد لا يدخل في قاموس (داعش) والداعشيين فهو مفهوم الشفقة والرحمة. انظروا ما فعلوه بالرهينة الياباني المسكين مؤخرا».
ثم يردف الدالاي لاما قائلا:
«إن الصورة المشكلة حصريا عن الإسلام كدين عنف خاطئة. ولكن ينبغي على كبار شيوخ الإسلام أن يتخذوا منها موقفا واضحا لا لبس فيه ولا غموض. ينبغي عليهم أن يقولوا لأتباعهم بأنه لا توجد أي علاقة بين الله والعنف، أو بين الإسلام والتفكير الإقصائي. ينبغي عليهم أن يقولوا بأن التفسير المتطرف للدين ليس فقط مسيئا للتراث الإسلامي ومشوها لسمعة المسلمين، وإنما هو أيضا مخالف للغنى الفكري والروحي والأخلاقي الذي يمثله تراث الإسلام الكبير. إنه ظلم للإسلام أكثر مما هو ظلم للآخرين».
من يستطيع أن يقول أفضل من ذلك؟ ولكن الشيء الذي فات الدالاي لاما هو أن التفسير العنيف، بل والإرهابي، لرسالة الإسلام هو من صنع حركات الإسلام السياسي وبالأخص جماعة الإخوان المسلمين وكل ما تفرع عنها من حركات أشد عنفا وبطشا. وهذا ما يعترف به صراحة الأستاذ فريد عبد الخالق الذي كان عضوا في جماعة «الإخوان» لفترة طويلة قبل أن يبتعد عنهم.. لماذا؟ لأن الإسلام، كما يقول صراحة، ذو بعد إنساني فيه شفقة ورحمة بالعباد إذا ما فهمنا القرآن الكريم جيدا. وهذا ما لا يدركه «الإخوان» أو بعضهم. (انظر بالفرنسية كتاب: «الإخوان المسلمون». تأليف كزافييه تيرنسيان. ص: 41 - 42. والكتاب عموما متعاطف مع «الإخوان» لا متحاملا عليهم. ولذا لا يمكن اتهامه بأنه يحاول تشويه سمعتهم). وبالتالي، فسبب فشل «الإخوان» يعود إلى هذه النقطة بالذات: أي إلى إهمالهم جوهر القرآن الكريم القائم على الرحمة والمغفرة ومكارم الأخلاق، لا على الحرب والضرب والعنف والإكراه والقسر. «لا إكراه في الدين»، يقول النص العظيم. لكن لنعد مرة أخرى إلى الدالاي لاما وموقفه منا ومن تراثنا الديني. ولحسن الحظ، فقد وقعت أخيرا على أحدث مقابلة أدلى بها لمجلة «عالم الأديان» الفرنسية. وكان ذلك في نيودلهي بالهند. ومعلوم أنه لم يعد يعطي مقابلات إلا نادرا. المهم أنه عندما وصلوا بالسؤال إلى مسألة «داعش» صمت كثيرا قبل أن يجيب وعلى وجهه الهم والغم: «هذه أخطر مسألة في الوقت الراهن. هذا أكبر تحد تواجهه البشرية اليوم. فالجميع شرقا وغربا قلقون من هذه الظاهرة الجديدة التي لم تكن في الحسبان. في الواقع أن هذه عادة قديمة عند بعض المسلمين، ولكنها انتعشت كثيرا في هذا العصر. وفي غضبهم العارم، فإن هؤلاء الأشخاص مستعدون للقتل حتى بالقنبلة الذرية! لو كانوا يمتلكونها بالطبع. إنهم خطرون جدا جدا. وبالتالي، فينبغي أن نعالج الأساس العميق لهذا المرض لأنه أصل المشكل. والأصل هو انعدام الحوار الديني داخل الإسلام، ثم بين الإسلام من جهة وبقية الأديان من جهة أخرى».
ثم يقول لنا الدالاي لاما ما معناه: «انظروا إلى الهند. إنه بلد ضخم تتعايش فيه الأديان والمذاهب المتعددة منذ عشرين قرنا. هل هذا قليل؟ صحيح أنه حصلت أحيانا صدامات ومشكلات لا تنكر. ولكن بشكل عام، هناك تعايش سلمي مرموق. يوجد هنا في الهند هندوس ومسلمون، سنة وشيعة، يهود ومسيحيون.. إلخ، الخ، ومع ذلك فلا يتقاتلون إلا نادرا. وربما كان الفضل في ذلك يعود إلى وجود مفهوم هام جدا في الهند ألا وهو مفهوم: (اللاعنف). وقد استخدمه غاندي سلاحا سياسيا فعالا. ونحن البوذيين أخذناه عنه. وهو مهم جدا لكي يسود السلام العالم».
وهنا اعترض الصحافي الفرنسي قائلا: «ولكن البوذيين مارسوا العنف ضد المسلمين في بورما؟» فرد عليه الدالاي لاما: «نعم، وهذا ما آلمني جدا. وقد أعطيت الأوامر بإيقافه فورا».
وأخيرا، فأنا أقول: «يا ناس اسمعوا وعوا. لا توجد حقيقة واحدة في العالم، وإنما عدة حقائق وأديان. وهي ليست متناقضة فيما بينها، وإنما متكاملة إذا ما فهمناها على حقيقتها. وينبغي أن تتعايش بسلام في عصر العولمة الكونية على الرغم من أنف التطرف والمتطرفين. وهم عموما أقلية في كل الأديان. وهذا ما يقوله هانز كونغ أيضا. فجميع الأديان تنهى عن القتل والكذب والسرقة والنميمة والرذيلة وتدعو إلى مكارم الأخلاق. وبالتالي، فهناك نواة أخلاقية مشتركة عظيمة بين جميع الأديان على اختلاف طقوسها وشعائرها وعقائدها.. فاتبعوها وانسوا ما تبقى.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».