ميريل سبارك.. البحث عن الجزة الذهبية

صدرت لها الأعمال النثرية الكاملة بعد 8 سنوات من رحيلها

ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
TT

ميريل سبارك.. البحث عن الجزة الذهبية

ميريل سبارك ... غلاف الكتاب
ميريل سبارك ... غلاف الكتاب

«الجزة الذهبية: مقالات» The Golden Fleece: Essays كتاب من تأليف الروائية والناقدة الاسكوتلندية ميريل سبارك Muriel Spark حررته وقدمت له بنيلوب جاردين Penelope Jardine وصدر عن دار النشر كاركانيت Carcanet بمانشستر.
وميريل سبارك قاصة وشاعرة ولدت في إدنبرة عام 1918. عاشت 6 سنوات في روديسيا متزوجة، ثم عادت إلى إنجلترا بعد طلاقها حيث رأست تحرير مجلة «بويتري رڤيو» في الفترة 1947 - 1949. ونشرت أول ديوان شعري لها عام 1952. في مطلع ستينات القرن الماضي عملت في نيويورك، وأخيرا استقرت في إيطاليا. أصدرت في حياتها 22 رواية منها: تذكر الموت (1959) زهرة عمر الآنسة ﭼين برودي (1961) فتيات رقيقات الحال (1963) رئيسة دير كرو (1974)، كما صدرت لها عدة مجموعات قصصية. وتوفيت في إيطاليا في 13 أبريل (نيسان) 2006 عن 88 عاما.
وتقول بنيلوب جاردين محررة الكتاب إن سبارك، التي رحلت العام الماضي، طلبت منها أن تجمع شمل ما كتبت من مقالات ومراجعات للكتب ومساهمات صحافية ومقابلات وأحاديث إذاعية وخطب وآراء - أو، بكلمة أخرى، كل أعمالها النثرية غير القصصية. وكانت جاردين صديقة حميمة للمؤلفة تولت متابعة معاملاتها مع الناشرين، وترجمات أعمالها إلى اللغات الأجنبية، ومراسلاتها، وأرشيفها، كما صحبتها عام 1991 في رحلة إلى جزيرة سيلت ببحر الشمال (وهي تابعة لألمانيا - قرب ساحل الدانمرك).
وقد اختارت جاردين أن تقسم محتويات الكتاب إلى 4 أقسام:
فالقسم الأول يحمل عنوان «الفن والشعر» ويضم مقالات عن فن النظم، ومدينة راڤينا الإيطالية، والناقد الفني الإنجليزي ﭼون رسكين من القرن الـ19 مقارنا بناقد فني آخر من القرن العشرين هو السير هربرت ريد، والشاعر الاسكوتلندي روبرت بيرنز، و3 مقالات عن ت. س. إليوت، والشاعر الأميركي روبرت فروست، والشاعر الإنجليزي جون ميسفيلد، والفن الزخرفي، وعلاقة الفن بالسياسة، والأديبة الإنجليزية إميلي برونتي صاحبة رواية «مرتفعات وذرنغ».
والقسم الثاني من الكتاب يحمل عنوان «سير ذاتية وأسفار» ويضم ذكريات سبارك عن طفولتها حين كانت في سن العاشرة، والتعليم الذي تلقته في اسكوتلندا، وكيف أصبحت روائية، والحياة في روما، ومدينة البندقية، وإسطنبول، ومقاطعة توسكانيا، وأيامها في إيطاليا.
أما القسم الثالث فيحمل عنوان «أدب» ويضم مقالات عن فن كتابة السير والتراجم، وبطلها المفضل في الأدب (اختارت هيثكليف بطل رواية «مرتفعات وذرنغ»)، والكتب التي تحب أن تعيد قراءتها والسبب في ذلك، وتقديم روايتها «الآنسة جين برودي» على خشبة المسرح (تحولت الرواية أيضا إلى فيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني)، وفن القصة القصيرة، والعنصر الخارق للطبيعة في الأدب والحياة.
كذلك يضم هذا القسم عددا من المقالات عن أدباء اللغة الإنجليزية: الشقيقات برونتي (إميلي وشارلوت وآن)، وإليزابث جاسكل، وماري شللي (مؤلفة رواية «فرانكنستين» وزوجة الشاعر شللي)، وروبرت لويس ستڤنسون مؤلف رواية المغامرات «جزيرة الكنز»، وإديث ستويل (وهي شاعرة إنجليزية ميالة إلى التجريب أثرت في الشاعر بدر شاكر السياب)، والروائي الألماني هاينريش بول، والروائي البلجيكي مؤلف القصص البوليسية جورچ سيمنون.
والقسم الرابع والأخير من الكتاب يحمل عنوان «دين وسياسة وفلسفة» ويضم مقالات عن المفكر الديني الإنجليزي جون هنري نيومان (من القرن التاسع عشر) ومواعظه ويومياته، والروائي الفرنسي مارسيل بروست صاحب رواية «بحثا عن الزمن المفقود»، وسفر أيوب من أسفار العهد القديم، والفيلسوف المسيحي الوجودي الدانمركي كيركجارد.
وينتهي الكتاب ببيان تواريخ كل هذه المقالات وأماكن نشرها في الصحف والمجلات.
وتتفاوت هذه المقالات في الطول والعمق فمنها ما يحتل صفحات كاملة، ومنها ما لا يزيد على نصف صفحة. كذلك تختلف نغمتها باختلاف المناسبات التي ولدتها. فمنها ما هو بحث معمق، ومنها ما هو مجرد رد على سؤال صحافي. ولكنها تجتمع على رسم صورة وافية لتفكير مؤلفتها وتوجهاتها وما تحب وما تكره.
إن سبارك التي اشتهرت بوصفها روائية في المحل الأول توضح هنا أنها أكثر ولعا بفن القصة القصيرة. تقول في كلمة قصيرة مؤرخة في 1989 موضحة الفرق بين هذين اللونين من الإبداع: «إن للقصة القصيرة - عموما - فكرة واحدة مهيمنة عليها على حين يجمل بالرواية أن تشتمل على عدة أفكار متداخلة - وفي رأيي أنها يجب أن تحوي أفكارا بعدد ما فيها من فصول». وتنصح الروائي أن يكتب كل فصل من روايته وكأنه قصة قصيرة، قائلة إن هذا هو ما صنعته في روايتها المسماة «بوابة ماندلباوم» (1965). وقد مكنها هذا من أن تتحدث من وجهة نظر الشخصيات المختلفة في كل فصل من الرواية. ومن مزايا هذا المنهج أنه يمكن الروائي من نشر روايته مسلسلة (حيث إن كل فصل منها يمكن أن يقوم مستقلا بذاته) وأن يبيع أجزاء الرواية للصحف والمجلات قبل نشرها في مجلد واحد.
وتضيف سبارك أن النظر إلى المسألة من وجهة النظر التجارية هذه ليس بالضرورة معاديا للإجادة الفنية. فاعتبارات التجارة لا تختلف عن أي اعتبارات أخرى في الحياة، ويجب ألا تؤثر في العملية الإبداعية. إن العدو الوحيد للفن - في نظرها - هو الفن الرديء.
وتكرر سبارك أن وجود فكرة واحدة في القصة القصيرة هو الأفضل. وتجد - من خبرتها الشخصية - أن القصة القصيرة شكل فني أصعب من الرواية. إنها - على حد تعبيرها - «شكل من أشكال القصيدة. وهي لهذا السبب وحدة صعبة، ولكنها الشكل الذي استمد منه أكبر قدر من المتعة». والمقالة الافتتاحية في الكتاب «الجزة الذهبية» (وهي الأقدم من حيث التاريخ: 1948) تروي الأسطورة الإغريقية التي يستمد منها الكتاب عنوانه. تقول الأسطورة (وهي ترجع إلى القرن الثالث ق.م.) إن شابا وشابة من أقارب ملك ثيساليا - يدعوان هيلي وفريكسوس - أثارا حفيظة زوجة أبيهما إلى الحد الذي جعلها تقرر أن تقتلهما. ولكن حال دون تنفيذ خطتها كبش ذهبي مجنح أرسلته الأرباب لكي يحمل الشاب والفتاة بعيدا. سقطت هيلي من على ظهر الكبش إلى البحر، ومن ثم أصبح الآن يدعى هليسبونت نسبة إلى اسمها. أما فريكسوس فرحل سالما إلى البحر في كولخيس. وعلى الفور قدم الكبش أضحية يشكر بها رب الأرباب زيوس. وظلت جزة الكبش الذهبية الرائعة معلقة على غصن شجرة في حديقة، يحرسها تنين ضارٍ.
وتمضي الأسطورة قائلة إن ملك ثيساليا أراد أن يتخلص من ابن أخيه جيسون - الذي كان وريثا شرعيا للعرش - فادعى أن الجزة الذهبية إنما تنتمي إلى بيته. وإذ كان يعتقد أن استرداد الجزة أمر محال فقد أمر ﭼيسون أن يجئ بها، آملا أن يلقي حتفه خلال مخاطر الرحلة. ولكن ﭼيسون لم يخف، وأرسل مناديه إلى كل أجزاء بلاد اليونان، داعين أبطال الأساطير إلى الانضمام إلى الأمير الشاب في مغامرته الخطرة. وما لبث العملاق هرقل، والمغني أورفيوس، والعراف كاثنوس، والتوأمان كاستور وبولوكس وغيرهم كثيرون أن جاءوا ليشاركوا في الرحلة. وأبحرت الجماعة، وملؤها الحماس، على ظهر السفينة أرجو، غير آبهة بأن أشد الأخطار كانت تكمن في طريق الحصول على الجزة الذهبية.
وبعد عدة مغامرات تمكن جيسون من انتزاع الجزة بمساعدة ميديا وهي أميرة من كولخيس وقعت في حبه واقترنت به. ووسط مظاهر البهجة والاحتفال عاد ﭼيسون بالجزة إلى ثيساليا. غير أنه بدلا من أن يتسلم العرش من عمه وقع شجار بينهما وحرمه العم من حقه ونفاه عن الأرض.
لقد أحسنت بنيلوب ﭼاردين صنعا بجمع هذه الأشتات المتفرقة بما يكشف عن اتساع رقعة اهتمامات سبارك وخبراتها، ويبرز الأشخاص والأماكن والأفكار التي دخلت في نسيج فنها القصصي والشعري. إن عين الروائية اللماحة تتبدى هنا حين تصف مدنا مثل البندقية وروما وراڤينا وإسطنبول. لا يدعي أحد - ولا أظن سبارك ذاتها كانت تدعي - أنها كانت ناقدة عظيمة. ولكن نقدها ممتع وكاشف لأنه امتداد لموهبتها الإبداعية، ووثيق الصلة بها.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.