حيا أو ميتا.. العولقي مصدر إلهام للإرهابيين

«إنسباير» الإلكترونية التي تولى الإشراف عليها استمرت في نشر تعليمات عملية حول كيفية إطلاق النار وصنع العبوات الناسفة

رسامو كاريكاتير فرنسيون يشاركون مع أفراد عائلاتهم في {مسيرة الجمهورية} في شوارع باريس أمس (رويترز)
رسامو كاريكاتير فرنسيون يشاركون مع أفراد عائلاتهم في {مسيرة الجمهورية} في شوارع باريس أمس (رويترز)
TT

حيا أو ميتا.. العولقي مصدر إلهام للإرهابيين

رسامو كاريكاتير فرنسيون يشاركون مع أفراد عائلاتهم في {مسيرة الجمهورية} في شوارع باريس أمس (رويترز)
رسامو كاريكاتير فرنسيون يشاركون مع أفراد عائلاتهم في {مسيرة الجمهورية} في شوارع باريس أمس (رويترز)

أثبت رجل الدين المتطرف أنور العولقي عبر محاضرة مصورة له كيف أنه مصدر إلهام شرير ومستمر حتى بعد مقتله في هجوم شنته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) باستخدام طائرات من دون طيار في سبتمبر (أيلول) 2011.
وعلى امتداد أكثر من 5 سنوات حتى الآن، وفي خضم الجهود التي يبذلها المحققون الغربيون المعنيون بمكافحة الإرهاب، بحثا عن مصادر النفوذ والتأثير وراء المخطط الإرهابي الأخير، عاود اسم العولقي الظهور مرة بعد مرة.
في إطار الهجوم الفاشل ضد طائرة ركاب فوق ديترويت عام 2009، وطعن عضو برلماني بريطاني في لندن عام 2010، والتفجير المدمر في ماراثون بوسطن عام 2013، والآن إطلاق النار على رسامي كاريكاتير وضباط شرطة في باريس، أثبت العولقي أنه مصدر إلهام لا ينضب.
والملاحظ أن اثنتين من بين هذه الهجمات الأربع، وقعتا بعد موت العولقي، الإمام الأميركي المولد الذي انضم لفرع تنظيم القاعدة في اليمن.
في عصر «يوتيوب»، لم يترك مقتل العولقي تأثيرا يذكر على نفوذه، ذلك أن مجلة «إنسباير» الإلكترونية التي تولى الإشراف عليها مع أميركي آخر، سمير خان، استمرت في نشر ليس الخطاب المسلح فحسب؛ وإنما أيضا تعليمات عملية حول كيفية إطلاق النار وصنع العبوات الناسفة.
فعليا، تحول العولقي لاسم بارز في عالم التطرف. وقد عمل بصورة أساسية باللغة الإنجليزية، وهي لغة التجارة العالمية، وعاون في اجتذاب مجموعة من المتطوعين. وعند مراجعة الهجمات الأربع سالفة الذكر، نجد أنها وقعت على أيدي نجل مصرفي نيجيري، وطالب جامعي بريطاني، واثنين من المهاجرين الشيشان إلى ماساتشوستس، وفرنسيين من أصول جزائرية. ولا تزال خطب العولقي توفر حججا دينية لتلك الأعمال التخريبية التي تندد بها بقوة الغالبية الكاسحة من المسلمين والسلطات الإسلامية.
كما تحول العولقي داخل الغرب إلى وجه «القاعدة في شبه الجزيرة العربية». وتكمن المفارقة في أن هذه المجموعة التي تكونت بصورة معلنة مطلع 2009 على يد مسلحين يمنيين وسعوديين، حلت محل المجموعة الرئيسة المشكلة لـ«القاعدة» داخل باكستان باعتبارها التنظيم الإرهابي الأكثر إثارة للخوف داخل الولايات المتحدة وربما الآن في أوروبا.
من ناحية أخرى، فإنه منذ انفصاله عن «القاعدة» منذ عام مضى، استحوذ «داعش» على بؤرة الاهتمام، في البداية عبر مكاسبه على الأرض، ثم من خلال قطعه رؤوس الصحافيين ورهائن آخرين. إلا أنه إذا كانت «القاعدة في شبه الجزيرة» تتحمل بالفعل مسؤولية حادث «شارلي إيبدو»، فإن هذا يعني أنها استعادت ميزتها الدعائية في تنافسها المحموم مع الجماعة المنشقة عنها.
يذكر أن دلائل تشير إلى أن فرع «القاعدة» باليمن والعولقي كانا لهما دور في الإعداد لهجوم باريس، تراكمت باستمرار منذ حادث إطلاق النار، الأربعاء الماضي. ويبدو أن الشقيقين، سعيد وشريف كواشي، منفذي الهجوم، حرصا على الإشارة إلى «القاعدة في شبه الجزيرة».
في هذا الصدد، قال أحد شهود العيان إنه سمع الشقيقين يصرخان في وجه المارين أمام الحادث، مطالبين إياهم بإخبار «وسائل الإعلام بأن هذا من فعل (القاعدة باليمن)»، وقد أخبرا سائق السيارة التي اختطفاها بأن هجومهما يأتي انتقاما لمقتل العولقي.
وأفاد مسؤولو استخبارات وشهود عيان أن الشقيق الأكبر، سعيد كواشي، 34 عاما، قضى بعض الوقت في اليمن بين عامي 2009 و2012، حيث تلقى التدريب على أيدي «القاعدة في شبه الجزيرة»، بل وتشير بعض التقارير إلى أنه التقى العولقي. وتبعا لما ذكره الصحافي اليمني محمد القبيسي، فإن سعيد كواشي تجول لفترة وجيزة في أرجاء العاصمة اليمنية صنعاء برفقة عمر فاروق عبد المطلب الذي حاول نسف طائرة فوق ديترويت في أعياد الميلاد عام 2009. وقد أخبر عبد المطلب محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) أن مخططه حصل على الموافقة والتوجيه الجزئي من جانب العولقي.
أيضا، خلال مقابلة موجزة أجراها معه عبر الهاتف مراسل تلفزيوني فرنسي قبل مقتله وشقيقه الجمعة، ربط شريف كواشي، 32 عاما، الهجوم بـ«القاعدة في شبه الجزيرة» والعولقي.
أيضا، بعث عضو في «اللجنة الإعلامية» بتنظيم «القاعدة في شبه الجزيرة» للصحافيين ببيان ادعى فيه صراحة مسؤولية التنظيم عن الهجوم ضد «شارلي إيبدو».
إلا أنه لم يفسر واحد من البيانات الصادرة السبب وراء انتظار الشقيقين 3 سنوات قبل مهاجمتهما الصحيفة.
في هذا الصدد، أوضح جيه إم بيرغر، زميل مشروع العلاقات الأميركية بالعالم الإسلامي التابع لمعهد «بروكينغز»، الذي درس شخصية العولقي، أن «اسم العولقي لا يزال يظهر كثيرا في قضايا تتعلق براديكاليين غربيين، لكن بالنظر للفترة الزمنية التي مرت منذ وفاته، فإنه من غير المعتاد أن نقابل قضية التقى المشتبه فيهم في إطارها به شخصيا»، واستطرد موضحا: «يعكس هذا الأمر الفترة الزمنية الطويلة للتخطيط. وقد لا نعرف على وجه اليقين أبدا ما إذا كان هذا الهجوم قد جرى الإعداد له حينذاك، أم إن الأهداف أو تفصيلات أخرى قد تم تغييرها بمرور الوقت».
يذكر أن العولقي ولد في نيومكسيكو عام 1971 بينما كان والده اليمني يخوض دراسته الجامعية. وقد عاد برفقة أسرته لليمن في الـ7 من عمره، ثم عاد للولايات المتحدة في سن الـ19 لدراسة الهندسة بجامعة ولاية كولورادو. واكتشف بداخله ميلا للوعظ الديني، وقضى 8 أعوام إماما ذائع الصيت بمساجد في دنفر وسان دييغو وواشنطن، حيث ألقى خطبة داخل «كابيتول هيل» وألقى كلمة خلال حفل غداء عقده البنتاغون.
وقد خضع لتفحص دقيق من قبل «إف بي آي» لفترة وجيزة عام 1999 لاتصاله بمسلحين معروفين، ومرة أخرى عام 2002 عندما اكتشفت السلطات أن 3 من منفذي هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كانوا يرتادون مساجد يخطب بها. وأثارت اللجنة الوطنية المعنية بالتحقيق في الهجمات، احتمالية أن يكون العولقي جزءا من شبكة دعم لمنفذي الهجمات، لكن «إف بي آي» خلص إلى أنه لم تتوافر لديه معرفة مسبقة بالمخطط.
عام 2002، انتقل العولقي للندن، حيث اكتسب شهرة واسعة وأبدى توددا أكثر تجاه الجماعات المسلحة. وبعد انتقاله لليمن عام 2004، بدأ يدعو للجهاد العنيف ضد الولايات المتحدة ودول أخرى نعتها بأنها أعداء الإسلام.
بحلول عام 2009، تم الربط بين العولقي والميجور نضال حسن، الطبيب النفسي بالجيش الأميركي الذي قتل 13 شخصا في حادث إطلاق نار في «فورت هود» بولاية تكساس. وتوصل «إف بي آي»، وكذلك السلطات الكندية والبريطانية، إلى أن دعوات العولقي للعنف موجودة على الكومبيوترات الشخصية لجميع من اتهموا بالتخطيط لشن هجمات إرهابية. وقد اجتذب موقعه الإلكتروني وصفحته عبر «فيسبوك» أعدادا كبيرة من مختلف أرجاء الدول الناطقة بالإنجليزية، وسافر العشرات من الأجانب لليمن لمقابلته.
وفي أعقاب كشف مخطط محاولة نسف طائرة فوق ديترويت، خلص الرئيس أوباما إلى أن العولقي «تحول الآن إلى إرهابي (فاعل)»، مما دفعه لاستصدار رأي قانوني من وزارة العدل يفيد بأن قتله من دون محاكمة، رغم حصوله على المواطنة الأميركية، لا يعد خرقا للقانون والدستور. يذكر أن الهجوم الذي جرى تنفيذه بطائرات من دون طيار والذي قتل فيه العولقي قضى أيضا على سمير خان واثنين آخرين من عملاء «القاعدة»، وبعد أسبوعين تسبب هجوم آخر في مقتل نجل العولقي البالغ من العمر 16 عاما، مما أثار غضب كثير من اليمنيين. وأعلن مسؤولون بإدارة أوباما، أن نجل العولقي، عبد الرحمن، الحاصل أيضا على المواطنة الأميركية، لم يكن الهدف المقصود من الهجوم.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



تفاوت الردود الأوروبية على تهديدات ترمب بالانسحاب من «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

تفاوت الردود الأوروبية على تهديدات ترمب بالانسحاب من «الناتو»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن مفاجئاً أن يأتي الرد الأقسى على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من الحلف الأطلسي، في خطابه إلى الأمة، الأربعاء، من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الموجود في جولة آسيوية تشمل اليابان وكوريا الجنوبية.

إمبراطور اليابان ناروهيتو وزوجته يستقبلان الخميس الرئيس إيمانويل ماكرون وزوجته بالقصر الإمبراطوري في طوكيو (إ.ب.أ)

ماكرون سعى، منذ وصوله إلى القصر الرئاسي في ربيع عام 2017، إلى بناء علاقات وثيقة مع ترمب، لا بل طمح إلى شيء يشبه علاقات صداقة. لكن تجربة السنوات التسع بينت له أن ترمب لا يُؤمن جانبه، وآخر دليل على ذلك استهزاؤه به، الأربعاء، إذ قال بمناسبة غداء خاص الأربعاء إن ماكرون «تعامله زوجته معاملة سيئة للغاية. لا يزال يتعافى من لكمة قوية على فكه»، في إشارة إلى مقطع فيديو نشر في مايو (أيار) الماضي تظهر فيه بريجيت زوجة الرئيس ماكرون وكأنها توجه لطمة على وجهه، الأمر الذي نفاه الأخير مراراً وبقوة، عاداً ذلك بمثابة مزاح بعد رحلة طويلة من فرنسا إلى فيتنام.

ولم يشأ الرئيس الفرنسي الدخول في جدل مع نظيره الأميركي، مكتفياً بالقول إن تعليقاته «ليست أنيقة ولا ترقى إلى المستوى» المفترض برئيس لدولة مثل الولايات المتحدة، مضيفاً: «لذا لن أرد عليها، إذ إنها لا تستحق الرد».

رد قوي من ماكرون

بيد أن ماكرون لم يمتنع عن التصويب على ترمب في موضوع الحلف الأطلسي الذي يريد الأخير الانسحاب منه بشكل «لا يقبل الجدل»، وفق ما قاله لصحافيين، الأربعاء. وحسب ماكرون الذي يدعو منذ تسعة أعوام إلى تمكين الاتحاد الأوروبي من بلوغ «الاستقلالية الاستراتيجية»، وتخفيف الاعتماد على الحلف الأطلسي، فإن «إثارة الشكوك بشأنه، كل يوم، حول الالتزام (الأميركي) به (يعني) أننا نفرغه من جوهره».

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وذهب الرئيس الفرنسي إلى اتهام واشنطن بإضعاف الحلف المذكور «عندما تقول كل صباح سنفعل هذا ولن نفعل ذاك أو غيره». كما أخذ عليها الإفراط في الثرثرة، موجهاً كلامه بشكل غير مباشر إلى ترمب بقوله: «هناك كثير من الكلام، وكثير من التقلّب. نحن جميعاً بحاجة إلى الاستقرار والهدوء والعودة إلى السلام، هذا ليس استعراضاً (فنياً)».

ودعا ماكرون إلى «التحلي بالجدية، وعندما نكون جديين لا نقول كل يوم عكس ما قلناه في اليوم السابق». وهجومه هنا على ترمب جاء مباشراً، إذ إن الأخير يكثر من الحديث للصحافة بمناسبة وغير مناسبة، خصوصاً بشأن الحرب على إيران ودوافعها، وكيفية الانتهاء منها، بما في ذلك مصير مضيق هرمز، وكيفية التمكن من ضمان حرية الإبحار فيه.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث إلى الصحافة خلال زيارة للنصب التذكاري للحرب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

تذكر مصادر دبلوماسية في باريس أنها ليست المرة الأولى التي يهدد فيها ترمب بالانسحاب من الحلف الذي رأى النور في عام 1949 لمواجهة طموحات الاتحاد السوفياتي في أوروبا. فإبان ولايته الأولى، اتهم الأوروبيين مراراً بأنهم لا يسهمون كفاية بالميزانيات الدفاعية الفردية والجماعية، وفي آخر اجتماع لقادته طالبهم بتخصيص 5 في المائة من دخلهم القومي للدفاع، وهي نسبة لا تبلغها اليوم سوى قلة قليلة من أعضاء الحلف الأوروبيين.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت (أ.ف.ب)

وتشدد هذه المصادر على أن تفعيل المادة الخامسة من معاهدة الحلف التي تعد أن أي اعتداء على أي دولة عضو يعد اعتداءً على الأعضاء كافة، لم تفعل سوى مرة واحدة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2001 عندما هاجمت القوات الأميركية أفغانستان. وينظر الأوروبيون بكثير من القلق إلى قول ترمب: «لم أتأثر يوماً بحلف الناتو. كنت دائماً أعلم أنه نمر من ورق وفلاديمير بوتين يعلم ذلك أيضاً».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

واشنطن مستفيدة أيضاً من «الناتو»

يعي الأوروبيون أنهم استفادوا من حماية المظلة الأميركية - الأطلسية، خصوصاً النووية، طيلة سبعة عقود. إلا أنهم، في الوقت عينه، يرون أن الطرف الأميركي يستفيد من وجود الحلف بعدة أوجه: مبيعات السلاح للجيوش الأوروبية التي تعد بمئات المليارات، واستخدام القواعد الأميركية على الأراضي الأوروبية التي توفر للجيش الأميركي ما يشبه حاملة طائرات تمتد على مساحة غالبية القارة الأوروبية، والقدرة على التأثير على سياسات أوروبا ودفعها لتكون تابعة للولايات المتحدة، وتمكينها من أن تكون الناطقة باسم 32 دولة، لا بل زعيمة العالم الغربي.

المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

وإذا كانت المصادر المشار إليها تعد أن ترمب بصدد «ابتزاز» الأوروبيين بالتلويح بالانسحاب من «الناتو»، وقبل ذلك بتجميد مبيعات الأسلحة الأميركية لأوكرانيا عبر تمويل أوروبي وعن طريق الحلف، فإنها تؤكد في المقابل أن ترمب لا يملك العصا السحرية للخروج منه. ذلك أن قراراً بهذه الخطورة الذي سيغير صورة المنظومة الأمنية الغربية ومنها أمن الولايات المتحدة، لا يمكن اتخاذه بهذه السهولة، بل يجب أن يمر عبر الكونغرس والتصويت لصالحه بنسبة الثلثين بفضل التعديل الذي أقر في عام 2023.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

وليس من المؤكد، اليوم، أن نسبة كهذه يمكن أن توافق على رغبة ترمب رغم سيطرة الجمهوريين على مجلسي الشيوخ والنواب. وعد كميل غران، الأمين العام المساعد لـ«الناتو»، في تصريح لصحيفة «لو موند» أن ترمب يهاجم الحلف الأطلسي كل مرة يشعر فيها بالإحباط إزاء الأوروبيين؛ لأنه يعلم أن أمراً كهذا يولّد توتراً داخل المنظومة الأطلسية.

البحث عن البديل

وفي أي حال، فإن كثيرين يرون أن ترمب أوجد أزمة وصفها إيفو دالدر، سفير واشنطن السابق لدى الحلف في بروكسيل، بـ«الأسوأ التي واجهها الحلف منذ نشأته». غير أن زميله تشارلز أدامز، السفير الأميركي السابق عد، في حديث ليل الأربعاء - الخميس للقناة الإخبارية الفرنسية «إل سي آي»، أنه يتعين على أوروبا بالأحرى أن تفكّر في جدوى الدور الأميركي داخل «الناتو». فالولايات المتحدة هي الحليف الذي يتبيّن في النهاية أنه لا يسهم إلا في خلق الارتباك والفوضى عبر العالم. وعلى أوروبا أن تطرح على نفسها هذا السؤال أيضاً، مضيفاً: «أنا لا آخذ على محمل الجد تهديدات دونالد ترمب ولا تصريحات ماركو روبيو حول هذا الموضوع، كما هي الحال في أي موضوع آخر».

وكان باستطاعة آدامز أن يضيف إلى اللائحة وزير الدفاع بيت هيغسيت الذي قال الثلاثاء إن «أي تحالفات لا تساوي الكثير إذا لم تكن بعض الدول مستعدة لدعمك عندما تحتاج إليها»، وهي المقولة التي ينطلق منها ترمب الذي يتهم الأوروبيين بـ«الجبن» و«التقاعس»؛ لأنهم لم يستجيبوا لطلب المساعدة الأميركية لفتح مضيق هرمز.

من اليمين المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتفقدون مسرح مناورات لقوات حلف شمال الأطلسي في باردوفوس بالنرويج (أ.ب)

حقيقة الأمر أن كل ردود الفعل الأوروبية لم تكن في اتجاه واحد. فثمة دول لا تريد مطلقاً الابتعاد عن «الناتو» لاستشعارها الخطر الروسي وعلى رأسها دول بحر البلطيق وبولندا التي دعا وزير دفاعها فلاديسواف كوسينياك - كاميش إلى التهدئة قائلاً: «لا يوجد (ناتو) من دون الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يسود هذا الهدوء. لكن لا توجد أيضاً قوة أميركية من دون (ناتو)».

كذلك، فإن ألمانيا التي توجد على أراضيها قوة أميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أنها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية (رامشتاين) تخفف من وقع تصريحات ترمب، إذ قال متحدث باسمها الخميس إن برلين «لا تزال ملتزمة بـ(الناتو)»، وإنها «ليست المرة الأولى التي تصدر فيها عن ترمب تصريحات مماثلة، وبما أنها ظاهرة متكررة، فيمكنكم على الأرجح الحكم بأنفسكم على العواقب».

طائرة «يوروفايتر» تابعة لسلاح الجو الألماني تتجه نحو المدرج في قاعدة نورفينيش الجوية للقيام بدورية على حدود بولندا (د.ب.أ)

أما كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، فقد أكد أنه سيتصرف بما يخدم مصلحة بلاده بغض النظر عن «الشائعات»، مضيفاً أن عدم الاستقرار الناجم عن الحرب في إيران يعني أن على بريطانيا إعادة التركيز لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا.

بالنظر لما سبق، تبدو أوروبا أمام أزمة مستعصية، وسببها استحالة توقع ما سيقرره ترمب. ولذا سيتسارع البحث عن البدائل، حيث لا يمكن لأوروبا أن تخسر المظلة النووية الأوروبية دون أن تجد البديل. من هنا أهمية المحادثات الخاصة بكيفية إفادة أوروبا من القوتين النوويتين في القارة القديمة، وهما فرنسا وبريطانيا. ولكن هذه مسألة أخرى.


روته لإجراء مباحثات مع ترمب في واشنطن بعد أن هدد أوروبا بوقف تزويد أوكرانيا بالأسلحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)
TT

روته لإجراء مباحثات مع ترمب في واشنطن بعد أن هدد أوروبا بوقف تزويد أوكرانيا بالأسلحة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف إمدادات الأسلحة لأوكرانيا للضغط على الحلفاء الأوروبيين للانضمام إلى «تحالف الراغبين» لإعادة فتح مضيق هرمز. وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن ترمب هدد بإيقاف دعمه لمبادرة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تمولها دول أوروبية لصالح المجهود الحربي الأوكراني.

يتوجه الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته إلى واشنطن الأسبوع المقبل لإجراء محادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حسبما صرحت المتحدثة باسمه أليسون هارت لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في بروكسل. وقالت هارت إن الزيارة إلى العاصمة الأميركية كانت مقررة منذ فترة، مضيفة أن تفاصيل برنامج الزيارة ستعلن في الأيام المقبلة.

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

من جانب آخر، ذكرت وزارة الدفاع الروسية الخميس أن قوات الصواريخ الاستراتيجية أجرت تدريبات في سيبيريا تضمنت تحركات مموهة لصواريخ (يارس) الباليستية العابرة للقارات، والقادرة على حمل رؤوس نووية، حسب تقرير «وكالة الصحافة الفرنسية». وقالت الوزارة إن الطواقم تدربت على مجموعة من الأنشطة، بما في ذلك استخدام التمويه والإخفاء لحجب تحركات الصواريخ التي تنطلق من الأرض في الميدان. وتدربوا أيضاً على التصدي لهجمات معادية افتراضية ومواجهة أسلحة الهجوم الجوي. ولم تُعلن الوزارة عن أي عمليات إطلاق صواريخ.

وتجري روسيا تدريبات منتظمة لقواتها النووية الاستراتيجية لاختبار جاهزيتها القتالية وإرسال إشارات تحذيرية إلى الغرب، في وقت يشهد توتراً شديداً مع خصومها في حلف شمال الأطلسي بسبب حربها في أوكرانيا.

وبالنسبة لروته، من المرجح أن توفر هذه المقابلة فرصة لمحاولة تخفيف التوترات داخل الحلف بشأن الحرب مع إيران. وأعرب ترمب مؤخراً عن إحباطه الشديد من تباعد الحلفاء عن التدخل العسكري الأميركي في إيران، وعدم إبدائهم أي استعداد خلال الحرب للمشاركة في أي مهمة عسكرية محتملة لحماية شحنات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

ومن بين الموضوعات الأخرى التي من المرجح أن تناقش الجهود الجارية لإنهاء الحرب الروسية ضد أوكرانيا، فضلاً عن قمة «الناتو» المقرر عقدها في تركيا في يوليو (تموز) المقبل.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الأمين العام لحلف «الناتو» شارك في المحادثات التي تمت عبر «تقنية الفيديو كونفرانس» الأربعاء مع ممثلي الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن عملية السلام في أوكرانيا.

المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

وكتب زيلينسكي على موقع «إكس» للتواصل الاجتماعي، أن الجانب الأميركي كان يضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترمب جاريد كوشنر، والسيناتور ليندسي غراهام.

وأضاف زيلينسكي: «تقدر أوكرانيا جميع الجهود التي تبذلها أميركا من أجل تحقيق سلام لائق. اتفقنا على أن تظل فرقنا على اتصال وثيق خلال الأيام المقبلة لتعزيز وثيقة الضمانات الأمنية بين أوكرانيا والولايات المتحدة. وهذا ما يمكن أن يمهد الطريق لنهاية موثوقة للحرب». ولم يفصح الرئيس الأوكراني عن تفاصيل أخرى.

وخلال الفترة الأخيرة، قال زيلينسكي إن الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على أوكرانيا للانسحاب من مواقعها الأخيرة في منطقة دونباس الصناعية بشرق البلاد من أجل تحقيق السلام، وهو ما تطالب به روسيا، إلا أن وزير الخارجية الأميركي روبيو نفى ذلك واتهم زيلينسكي بالكذب.

وطالب المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في موسكو، زيلينسكي باتخاذ قرار بشأن هذا الأمر على الفور الأربعاء. وقبل المكالمة الأميركية، أجرى زيلينسكي محادثات مع رئيسي الوزراء، البريطاني كير ستارمر، والنرويجي يوناس جار ستور.

ذكرت وزارة الدفاع الروسية، الأربعاء، أن قواتها سيطرت بالكامل على منطقة لوهانسك في شرق أوكرانيا، مما يعني أنها انتزعت السيطرة على مساحة من الأراضي ظلت تتطلع للسيطرة عليها منذ 2022. وقال متحدث عسكري أوكراني إنه لم تحدث أي تغيرات ميدانية في المنطقة خلال الأشهر الستة الماضية. ولم يتم التأكد من أي من هذه الادعاءات من قبل الطرفين من مصادر مستقلة.

وميدانياً؛ استهدفت روسيا أوكرانيا في مارس بعدد قياسي من الطائرات المسيّرة منذ بدء الحرب في فبراير (شباط) 2022، بحسب تحليل «وكالة الصحافة الفرنسية» لبيانات أوكرانية نُشرت الخميس. وبحسب البيانات التي تجمعها القوات الجوية الأوكرانية يومياً، أطلقت القوات الروسية 6462 مسيّرة، من بينها هجوم غير مسبوق في 24 مارس شهد إطلاق نحو ألف طائرة خلال 24 ساعة.

وقال سيرهي كوريتسكي الرئيس التنفيذي لشركة نافتوجاز الحكومية للنفط والغاز في أوكرانيا إن روسيا شنت هجوماً يوم الأحد على منشآت تابعة للشركة في منطقة سومي شمال شرقي البلاد، مما تسبب في اندلاع حرائق. وأضاف في بيان أن الهجوم تسبب في أضرار جسيمة ولم يقدم مزيداً من التفاصيل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف «الناتو» العام الماضي (د.ب.أ)

أعلن مسؤولون روس، الخميس، أن هجوماً بطائرات مسيرة أوكرانية على مصفاة نفط تسبب في اندلاع حريق في جمهورية باشكورتوستان الروسية. وقال رئيس جمهورية باشكورتوستان، راضي خابيروف، عبر تطبيق «تلغرام»، إنه تم إسقاط عدة طائرات مسيرة لدى اقترابها من المنشأة في مدينة أوفا، وهي إحدى المدن الكبرى في المنطقة. وأضاف خابيروف أن حطام إحدى الطائرات المسيرة سقط في منطقة صناعية، ما أدى إلى اندلاع النيران في موقع مصنع.

وقال خابيروف إن طائرة مسيرة أخرى أصابت مبنى سكنياً، مؤكداً أنه لم تسجل أي وفيات أو إصابات. وتقع باشكورتوستان على بعد نحو 1400 كيلومتر من أوكرانيا، بالقرب من كازاخستان.


النمسا رفضت كل الطلبات الأميركية لعبور أجوائها

صورة عامة لمدينة فيينا عاصمة النمسا بتاريخ 16 أبريل 2025 (رويترز)
صورة عامة لمدينة فيينا عاصمة النمسا بتاريخ 16 أبريل 2025 (رويترز)
TT

النمسا رفضت كل الطلبات الأميركية لعبور أجوائها

صورة عامة لمدينة فيينا عاصمة النمسا بتاريخ 16 أبريل 2025 (رويترز)
صورة عامة لمدينة فيينا عاصمة النمسا بتاريخ 16 أبريل 2025 (رويترز)

أفادت الحكومة النمساوية «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، بأنها رفضت منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط الطلبات الأميركية كلها لعبور عسكري لأجوائها، مؤكدة تمسّكها بحيادها.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع النمساوية، ميخائيل باور، إن «طلبات قُدّمت بالفعل وتم رفضها منذ البداية»، موضحاً أنه «في كل مرة يتعلق الأمر بدولة في حالة حرب، يتم الرفض».

والنمسا دولة محايدة منذ عام 1955. يحدها من الشمال والجنوب والشرق أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وسويسرا المحايدة من الغرب.

وانتقد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف مثل فرنسا وإسبانيا؛ لرفضها السماح باستخدام مجالها الجوي في الحرب ضد إيران.

وفي منتصف مارس (آذار)، أعلنت سويسرا رفضها استخدام مجالها الجوي تماشياً مع عقيدتها المتمثّلة بـ«الحياد العسكري».