عشائر صلاح الدين وكركوك.. خدعها «داعش» باسم المظلومية فبلع بعضها الطعم

«الشرق الأوسط» تفتح ملف العشائر على ضوء دعوة العبادي إلى «ثورة عشائرية» (2)

عناصر أمن عراقية تنتشر على أحد مداخل تكريت مركز محافظة صلاح الدين (رويترز)
عناصر أمن عراقية تنتشر على أحد مداخل تكريت مركز محافظة صلاح الدين (رويترز)
TT

عشائر صلاح الدين وكركوك.. خدعها «داعش» باسم المظلومية فبلع بعضها الطعم

عناصر أمن عراقية تنتشر على أحد مداخل تكريت مركز محافظة صلاح الدين (رويترز)
عناصر أمن عراقية تنتشر على أحد مداخل تكريت مركز محافظة صلاح الدين (رويترز)

طبقا لرواية النائب في البرلمان العراقي عن محافظة صلاح الدين مشعان الجبوري لا تبدو قصة سقوط محافظة صلاح الدين ومركزها مدينة تكريت مشابها لقصة سقوط الموصل 10 يونيو (حزيران) 2014.
ففي سرده لهذه القضية الخطيرة وما ترتب عليها من مواقف عشائرية حادة التباين في محافظة متنوعة عشائريا وعرقيا ومذهبيا، يرى الجبوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «تنظيم داعش نجح في إحداث شرخ خطير بين صفوف عشائر صلاح الدين كما نجح في خلق خلافات عشائرية معقدة قد تستمر فترة طويلة من الزمن لأن التنظيم مارس في واقع الأمر في بدء دخوله إلى محافظة صلاح الدين سياسة الخداع للعشائر من بوابة المظلومية التي يعيشها أبناء السنة في تلك المحافظات»، مضيفا أن «هذه الخدعة انطلت بالدرجة الأساس على العشائر الصغيرة في المحافظة التي انقسمت بدورها إلى قسمين، الأول، من هذه العشائر أعلن ترحيبه بـ(داعش) تحت هذه الذريعة، أما الثاني، منها فإنه أراد أن يتذاكى على (داعش) وأن يتخذ منها بوابة للعودة إلى السلطة التي فقدها».
مشعان الجبوري الذي يؤيد قسم من طروحاته هذه الشيخ حسن الخزرجي، نائب رئيس مجلس عشائر صلاح الدين ومستشار المحافظ للشؤون العشائرية. ويقول الجبوري - «إنني إذا شئت أن أعطي أمثلة واضحة على ذلك فإن عشيرة البيجات (العشيرة التي ينتمي لها رئيس النظام السابق صدام حسين وتقطن العوجة جنوب تكريت) تكاد تكون كلها مع (داعش) من منطلقات كثيرة لعل في المقدمة منها أنها تمني نفسها بالعودة إلى السلطة بأي ثمن حتى لو بوساطة (داعش) لكن التنظيم أمره مختلف فهو وإن تدخل تحت هذه اليافطة أو تلك لكنه ما أن يتمكن فإنه يبدأ بفرض قوانينه ولوائحه ويقوم على البيعة التامة للوالي والخليفة دون نقاش».
ولا تفوت الجبوري، وهو سياسي مثير للجدل ويوصف بأنه يتخذ مواقف حادة، الإشارة إلى مجزرة قاعدة «سبايكر» في تكريت التي قتل فيها «داعش» مئات الجنود، قائلا: إن «هذه المجزرة نموذج صارخ لهذا التناقض الذي تحدثنا عنه بينما تمنى البعض الوصول إليه من غايات وبين ما أراده (داعش)، إذ إن من ارتكب هذه الجريمة بحق الجنود الشيعة في تلك القاعدة لم يكونوا من الدواعش الذين دخلوا تكريت في اليوم الثاني بل من فعلها هم أفراد من عشيرة البيجات وأفراد من عشائر أخرى صغيرة هناك من باب انتقامي أولا وتثبيت أمر واقع ثانيا سرعان ما رفضه (داعش) الذي لم يعط هؤلاء المنفذين أي امتياز سوى الانتماء إلى التنظيم وأصبحوا مطلوبين عشائريا ومنها عشائر الوسط والجنوب».
الجبوري في سياق سرده لوضع العشائر في صلاح الدين يرى أن «العشائر الكبيرة في صلاح الدين، وفي المقدمة منها الجبور، تقاتل ضد (داعش) وهي متماسكة إلى حد كبير وحظيت بمساندة الحكومة والحشد الشعبي الشيعي، أما عشائر أخرى مهمة مثل الخزرج والقيسيين مثلا فهي تكاد تنقسم بين محاربة (داعش) وبين إما الانضواء تحته أو الصمت حيال ممارساته لأن مناطقها محتلة من التنظيم، وحيث إن المنظومة العشائرية تحمل العشيرة مسؤولية ما يفعله أفراد منها فإن عشائر صلاح الدين في وضع لا تحسد عليه بسبب هذا الالتباس الحاصل بين ما تريده وما هو موجود على أرض الواقع».
أما الشيخ حسن الخزرجي، نائب رئيس مجلس شيوخ صلاح الدين ومستشار المحافظ للشؤون العشائرية، فيرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: أن «العشائر في صلاح الدين وإن كانت لا تختلف عن العشائر العربية الأخرى في عموم العراق فإن ما يميز محافظة صلاح الدين هو أنها نسيج متنوع عشائريا حيث فيها سنة وشيعة في كل عشيرة تقريبا فضلا عن كون صلاح الدين أصلا تتكون من عرب وأكراد وتركمان وبالتالي فإن العشائر تسعى للمحافظة على وحدتها التي اهتزت بالفعل عند دخول (داعش)»، مشيرا إلى أن «تنظيم داعش دخل تحت ذريعة حماية أهل السنة مما يعانونه من مظلومية وللأسف فإن هناك سياسيين عملوا على تغذية مثل هذا الشعور لاعتقادهم بإمكانية استثمار (داعش) لصالحهم وهو ما لم يتحقق».
ويضيف الشيخ الحزرجي قائلا: إن «النسيج العشائري في عموم صلاح الدين بدأ يتماسك ثانية بعد أن بدأت العشائر تقاتل (داعش) في كل المدن والقصبات التابعة لصلاح الدين رغم أن هناك حواضن للدواعش في بعض المناطق مثل مدينة تكريت والشرقاط وبيجي. الانتفاضة العشائرية بدأت تتسع بعد أن بلعت الكثير من العشائر الطعم أول مرة وتم تضليلها لكن انكشفت الأمور الآن بشكل واضح تماما».
ولا تبتعد رؤية الشيخ شعلان الكريم، أحد شيوخ عشائر صلاح الدين وعضو البرلمان، عن الرؤية التي قدمها زميله النائب مشعان الجبوري أو الشيخ حسن الخزرجي بشأن وضع عشائر صلاح الدين اليوم. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يقول الشيخ الكريم إن «النسيج العشائري في صلاح الدين يعد من بين الأقوى ما بين العشائر العربية في العراق وهذا أمر معروف لكن هذه العشائر لا تزال تعتمد في حل المشكلات التي تعترضها على مجموعة الأعراف التي تحتكم إليها العشائر في أي نزاع ومن خلال شيوخ العشائر وأهل الرأي والحكمة»، مشيرا إلى أن «هذا الأمر كان ولا يزال موجودا لكن حصلت متغيرات لا بد من الإشارة إليها ومنها دخول الإرهاب بعد عام 2003 إلى العراق الذي أصبحت للمحافظات الغربية حصة الأسد منه». ويضيف الشيخ الكريم قائلا «وحيث إن الإرهاب لا دين له فإنه أيضا لا عشيرة له حيث دخل أفراد من كل العشائر سواء في صلاح الدين أو الأنبار أو ديالى أو كركوك أو الموصل إلى المجاميع الإرهابية وأود هنا أن أوضح أنني لا أقصد مجاميع المقاومة لأنها كانت مشروعة بل أقصد مجاميع إرهابية انتمى إليها قسم من أبناء عشائرنا حتى حين دخل (داعش) الذي وجد حواضن له هنا وهناك». ويرى الكريم أن «العشائر وبعد أن أدركت حقيقة هذا الوضع انتفضت ضد هذا الواقع وهي اليوم تحارب الإرهاب و(داعش) وأود التأكيد على أن لشيوخ العشائر دورا بارزا في توحيد صفوف عشائرهم بهذا الاتجاه بعد أن ثبت للجميع أن (داعش) بدأ يستهدف النسيج العشائري والاجتماعي وفرض أجندات لا قبول للعشائر بها من قبل».
وفي منطقة عشائرية كبيرة مثل قضاء الحويجة وناحيتي الرياض والرشاد التابعتين لمحافظة كركوك حيث عشائر العبيد والجبور فإن أمرهما يبدو مختلفا بسبب وقوع تلك المناطق لا سيما الحويجة تحت سيطرة «داعش». ويوضح الشيخ أبو فراس، وهو أحد شيوخ عشيرة العبيد هناك ممن لا يستطيع المجاهرة باسمه الصريح، لـ«الشرق الأوسط» إن «أمر العشائر في الكثير من مناطق كركوك لا ينطبق عليه ما ينطبق على العشائر في المناطق الأخرى وهنا أتحدث عن عشائر العبيد والجبور والبوحمدان والسادة النعيم والدوريين في الحويجة وفي كل من ناحيتي الرشاد والرياض حيث إن الذي حصل أن (داعش) تمدد في هذه المناطق وفرض سيطرته، وبالتالي فإن كل من لم يقف إلى جانبه خرج من المنطقة ومن بينهم شيوخ العشائر مثل شيوخ العبيد والجبور بينما هناك من بقي صامتا وفي بالمقابل صمت عنه (داعش) ولا أحد يتحرك لا بالسلب ولا بالإيجاب».



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.