ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

اجتماعات قبلية وعسكرية تقدم صورة مختلفة عن المستقبل

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل
TT

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

ليبيا.. مفاتيح الحل في يد القبائل

توجد 5 مفاتيح لوقف الفوضى والاقتتال الجاري في ليبيا. المفتاح الأول هم زعماء قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة، وكلها منتشرة في عموم ليبيا وتتركز في الوسط. والمفتاح الثاني هم قادة قبائل الشرق خاصة قبائل العبيدي والقطعان والمنفة والفرجان. والمفتاح الثالث زعيما قبيلتي التبو والطوارق في الجنوب والجنوب الغربي من البلاد. والمفتاح الرابع هو النائب باشاغا وأنصاره، وهو الرجل المعتدل في مدينة مصراتة والمدن القريبة من طرابلس في غرب البلاد. أما المفتاح الخامس والمهم فيتمثل في الجيش الوطني وتركيبته التي تحتاج إلى إعادة هيكلة.
وحضرت «الشرق الأوسط» جانبا من عدة اجتماعات عقدها قادة ليبيون في القاهرة والإسكندرية وفي مدن ليبية خلال الأسابيع الأخيرة، وتبين من خلال المناقشات الهادئة التي شارك فيها رجال قبائل أقوياء وعسكريون مخضرمون ممن لا يحبون الظهور في وسائل الإعلام، أن ما يظهر على السطح من اقتتال وخلافات يعد مقدمة لصراعات أكبر يحتمل وقوعها في المستقبل إذا لم يلتفت العالم ودول الجوار إلى الأطراف الرئيسية التي تملك مفاتيح الحل في هذا البلد الغني الذي يعاني من الفوضى منذ سقوط نظام القذافي في 2011 وحتى الآن.
ولوحظ خلال هذه الاجتماعات أن الميليشيات المسلحة مثل «فجر ليبيا» التي يتركز وجودها في مصراتة وطرابلس وتنظيم أنصار الشريعة الذي يوجد في بنغازي وصبراتة وسرت، وتنظيم داعش الموجود في درنة، كلها تنظيمات هشة يمكن القضاء عليها سريعا في حال توحدت القيادات القبلية والعسكرية والسياسية المشار إليها. لكن الأطراف المعنية بالتطورات في ليبيا، أي أن دول الجوار والأمم المتحدة، مستمرة في التعامل مع ما يجري على السطح فقط «دون الالتفات حتى الآن لمفاتيح الحل الأساسية في ليبيا».
وخلال واحد من هذه الاجتماعات جاء اتصال هاتفي لقائد عسكري وسياسي ليبي، من أحد الوسطاء المقربين من المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، برناردينو ليون. وكان هذا الوسيط يقيم في دولة اليونان، وقال عبر الهاتف للقائد المشار إليه: لماذا لا تقومون بالاتصال بالسيد ليون.. إنه ينتظر مكالمة منكم من أجل المساعدة في الحل. فأجاب الرجل قائلا: أرقام هواتفنا معه، وكان من الحصافة أن يتصل بنا هو إذا كان يسعى بالفعل إلى وضع حل للمشكلة الليبية، لكنه لم يفعل، فلماذا نبادر نحن بالاتصال.
ويمكن في حال جمع المفاتيح الخمسة المشار إليها، وفقا للنتيجة المبدئية التي أسفرت عنها تلك الاجتماعات، أن يكون هناك شكل للدولة الليبية التي تعاني من التمزق والصراعات. وهذه أهم تفاصيل ما دار في هذه اللقاءات..
بالنسبة للمفتاح الأول، الخاص بزعماء قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة، يوجد تحت أيدي هذه القبائل عدة مئات من الضباط المحترفين الذين يأتمر بأمرهم ألوف الجنود ممن تركوا الجيش وعادوا لبيوتهم بعد سقوط نظام القذافي. وبعض هؤلاء الضباط رجع وانضم بالفعل إلى الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر، ويوجد في غرفة العمليات برئاسة أركان الجيش حاليا ضباط كثيرون من قبيلة ورفلة مثل قائد سلاح الجو، سعد الورفلي، وهو من معقل ورفلة في مدينة بني وليد.
لكن الضباط الكبار الذين يمكنهم إصدار أوامر بعودة ألوف الجنود السابقين المنتمين لقبيلة ورفلة والقبائل الأخرى كالمقارحة والقذاذفة، للانخراط في صفوف الجيش، ما زال معظمهم بعيدا عن ساحة المعركة ولم يتصل بهم أحد، وبعضهم يعيش في مصر وتونس والجزائر منذ 2011 حتى اليوم. هذا المفتاح المهم المتمثل في قادة عسكريين لديهم اعتبار كبير داخل قبائلهم وبين جنودهم، لم يلتفت إليه أحد على ما يبدو.
ويشير أحد المجتمعين: «حين انخرط عدة مئات من الجنود السابقين مع جيش حفتر في معارك غرب طرابلس في الأسابيع الأخيرة، تحت اسم (جيش القبائل)، تمكنوا من صد هجمات قوات (فجر ليبيا) ومن معها من متطرفين، ما بالك لو انضم للجيش كل الضباط والجنود في الجبهة الغربية».
ويقول أحد القادة ممن شاركوا في واحد من هذه الاجتماعات في القاهرة: لديك أسماء لضباط لديهم القدرة على حشد ألوف الجنود التابعين لهم من الذين تركوا الجيش بعد انهيار النظام السابق، لكن هناك إصرارا على تجاهلهم من جانب البرلمان الحالي وجيش حفتر ودول الجوار والأمم المتحدة.
مثلا حين تذكر اسم الفريق مبروك السحبان، وهو من قبيلة المقارحة فهذا كان آمرا للمنطقة الدفاعية الغربية في ليبيا أيام معمر القذافي، بداية من منطقة ورشفانة قرب طرابلس حتى حدود تونس والجزائر. كل المعسكرات هناك كانت تابعة له.
ويضيف أحد الزعماء القبليين أن «الفريق السحبان يعد رمزا كبيرا داخل قبيلته ويطلق عليه أيضا لقب شيخ قبيلة، وهو ضابط مخضرم ومحترف، واسمه في العسكرية الليبية كبير مثل اسم قادة مصريين تاريخيين كالجمسي وأبو غزالة وسعد الدين الشاذلي. إذا استعان حفتر أو عبد الرزاق الناظوري رئيس أركان الجيش الحالي، بمثل هذا القائد العسكري فأنت تكون قد استعنت بنحو 3 آلاف أو 4 آلاف جندي وضابط، ممن يأتمرون بأمره، لأن لديهم ولاء له ويطيعون أوامره أيا كانت، وسيعودون للانضمام للجيش بكلمة منه. كما أنك لو استعنت بمثل هذا الرجل تكون قد أتيت بكل قبيلته معك وهي قبيلة تنتشر وتحكم من غريان شمالا إلى سبها جنوبا، مرورا بمناطق الشويرف ومزدة والشاطئ. هذه كلها مناطق مقارحة».
وتقول المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» إن الفريق السحبان يعيش في الوقت الحالي في مصر «التي يوجد فيها ما لا يقل عن 100 ضابط ليبي من رتبة عقيد فأعلى. ولم يتصل بهم أحد لا من حكام ليبيا الجدد ولا من دول الجوار ولا من الأمم المتحدة. كما أن الجزائر يوجد فيها من 20 إلى 30 ضابطا كبيرا إضافة إلى عدة مئات من الضباط الآخرين في تونس».
وتضيف المعلومات أن «مثل هؤلاء، من قبائل ورفلة والمقارحة والقذاذفة عسكريون أداروا معارك للجيش الليبي لمدة 8 شهور تحت قصف حلف الناتو، وصمدوا فيها، بينما الجيش العراقي انهار أمام ضربات التحالف الدولي في 2003 في عدة أيام.. وبالتالي، ونظرا لثقلهم القبلي، فهم يمثلون أحد المفاتيح المهمة لحل الأزمة الليبية سواء اليوم أو في المستقبل».
وبدا من خلال اجتماعات مماثلة عقدت في القاهرة بين أطراف تمثل قبائل ليبية مهمة، بشكل غير رسمي، أن هذه الأطراف لا تعطي اهتماما يذكر لا باجتماعات دول الجوار حول مشكلة بلادهم، ولا بجهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لسبب بسيط، وهو أن «تلك الدول والسيد ليون يتعاملون مع السطح لا مع العمق.. يقدمون مبادرات لاسترضاء من يظهرون على شاشات التلفزيون سواء من قادة البرلمان والجيش أو من قادة الميليشيات المتطرفة.. يريدون الجمع بين فصائل ليست لها الكلمة النهائية في مستقبل الدولة الليبية».
ولمح بعض المجتمعين إلى أن دولة الجزائر التي تعقد اجتماعات مع أطراف ليبية، كل على حدة، منذ عدة أشهر، سعيا لجمع القادة الليبيين حول مائدة حوار في نهاية المطاف، أكثر الدول تفهما للتركيبة الليبية. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الجزائر ربما ستستمع أخيرا لعدد من زعماء القبائل من ورفلة والمقارحة ومن قبائل الشرق أيضا. ويبدو أن تحفظات بعض شيوخ القبائل على الجزائر تكمن كما تردد في بعض الاجتماعات التي عقدت في مدينتي طبرق والبيضا بليبيا، في أنها تعطي أولوية لتأمين حدودها مع ليبيا، أكثر من الجهود المنتظرة لحل الأزمة الليبية.
والمفتاح الثاني المهم في حل المعادلة هم قادة قبائل الشرق خاصة قبيلة العبيدي، التي ينتمي إليها رئيس البرلمان الحالي عقيلة صالح، وقبيلة القطعان وقبيلة المنفة التي ينتمي إليها المجاهد التاريخي عمر المختار، إضافة لقبيلة الفرجان، وهذه القبيلة الأخيرة ينتمي إليها حفتر، لكن كل هذه القبائل لم تتمكن من حسم الأمر، لا في مدينة درنة ولا في مدينة بنغازي، ولا في مدينة سرت التي توجد فيها ميليشيات المتطرفين من «فجر ليبيا» و«أنصار الشريعة» وتنظيم داعش، رغم أن هذه القبائل، ومنها أيضا قبائل معدان وورفلة والقذاذفة وأولاد وافي، وباقي القبائل الأخرى، تمثل العدد الأكبر في تلك المدن من الشمال الأوسط وغالبيتها ضد المتطرفين.
ويقول أحد زعماء القبائل ممن شاركوا في الاجتماعات التي عقد بعضها أيضا في الإسكندرية شمالي غرب القاهرة، إن ألوفا من أبناء هذه القبائل كانوا ضباطا وجنودا في الجيش الليبي السابق، لكن الحكام الجدد يتجاهلون إعادة ضمهم إلى صفوف الجيش الجديد خشية مطالبة الرتب العسكرية الكبيرة بمواقعها القديمة في الجيش، بعد أن قام بعض من الضباط الصغار بترقية أنفسهم من مجرد ملازم أول إلى رتبة لواء، وهو أمر يقف حجر عثرة أمام «تقوية الجيش الحالي».
ويضيف أن الأمر «يحتاج إلى شجاعة من أجل إعادة إصلاح هذه الأمور حتى يكون هناك حسم للمعارك ضد المتطرفين. وإذا لم يجر إصلاح هذه المشاكل الآن فإنها ستظل موجودة لتظهر في المستقبل. لا يمكن التوصل لحلول بتجاهل هذه القوات التي تنتظر وستواصل الانتظار إلى حين. من مصلحة دول الجوار، وأوروبا، إذا كانوا يريدون اتقاء شر الإرهاب مستقبلا، الضغط على حفتر من أجل معالجة وضع الضباط والجنود السابقين لتقوية جيشه، وبالتالي سيضطر لتقديم تنازلات صعبة لكن لا بد منها».
وانخرط عدد كبير من الضباط والجنود السابقين من قبائل المنطقة الشرقية في الجيش، لكن حتى بالنسبة لهؤلاء ما زالت توجد حساسيات بشأن الرتب العسكرية والأقدمية داخل المؤسسة العسكرية، وظهر ذلك واضحا وفقا للمصادر نفسها أثناء معارك بنغازي ضد المتطرفين، خلال الأسابيع الأخيرة، حين لوح بعض القادة، ممن يعدون أنفسهم أكثر أقدمية في الجيش، بأنهم هم من سيتولى الإعلان عن تحرير بنغازي، أمام وسائل الإعلام، وليس حفتر أو الناظوري.
وتخلو مدينة مثل سرت التي يهيمن عليها المتطرفون من أي قوات تابعة للجيش الوطني، منذ الحرب العنيفة التي شهدتها المدينة وانتهت بقتل القذافي فيها. ويقول أحد شيوخ القبائل هناك: «سرت تعرضت لتدمير وقصف من حلف الناتو.. القوة القتالية الرئيسية خرجت منها بعد مقتل القذافي.. مات من مات، واعتقل من اعتقل، وهرب من هرب. ولم يستطع من خرج منها أن يعود إليها. كان ينبغي على الجيش الوطني معالجة هذا الأمر، لكن القادة الجدد يخافون من اتهامهم بإعادة القيادات العسكرية التي كانت في الجيش أيام النظام السابق، وهذا في حد ذاته يعرقل الحل ويؤخره سنوات بل يفتح الباب لمزيد من الاحتقان والتربص».
ووفقا لما دار في عدد من الاجتماعات المشار إليها، فقد تبين من أحاديث المشاركين فيها أن المفتاح الثالث والمهم، للمشاركة في حل الأزمة الليبية والتعجيل بإنهاء الحرب ضد المتطرفين، هما قبيلتا الطوارق والتبو.. «هناك ضابط كبير يدعى علي كنة، وهو أيضا برتبة فريق.. وهو من قبيلة الطوارق، ويطلق عليه الطوارق لقب أمغار، ويعني أمير. وهو الآن موجود في الجزائر.. والطوارق مقاتلون شرسون جدا.. وتحت يد علي كنة ألوف المقاتلين المحترفين في جنوب وجنوبي غرب ليبيا.. من مصلحة من ترك هؤلاء القادة وهؤلاء الجنود بعيدا عن المعارك التي يخوضها جيش حفتر؟ جيش حفتر وحده غير قادر حتى الآن على طرد المتطرفين من مدن درنة وبنغازي وطرابلس وسرت وصبراتة وسبها. فإلى متى؟».
ورغم مشاركة عسكريين كثر من قبيلة التبو في الحرب على المتطرفين خاصة في مناطق الجنوب والشمال الأوسط، فإنه كانت هناك أسئلة لا تجد إجابات، كما بدا خلال اجتماع آخر عقد في القاهرة، وهي: «لماذا لا تأتي من التبو بالقائد العسكري المخضرم، واسمه بركة ورد أجوه.. وهو برتبة لواء ويعد شيخا معتبرا بالنسبة لقبيلة التبو أيضا؟».
أما المفتاح الرابع، وفقا لما دار في الاجتماع المشار إليه، فيكمن في النائب فتحي باشاغا وأنصاره، الذين أصبحوا يمثلون التيار المعتدل في مدينة مصراتة والمدن القريبة من طرابلس في غرب البلاد. ومع ذلك، ورغم أهمية هذا التحول، فإن حكام ليبيا الجدد ودول الجوار والأمم المتحدة «يتجاهلون هذا التيار المعتدل الذي تشكل في أوساط المتطرفين، خاصة داخل قوة (فجر ليبيا)، وهي قوة ضاربة تنتمي بالأساس إلى مدينة مصراتة ويسيطر عليها قادة متشددون من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة».
ويقول أحد المشاركين في الاجتماع: «إذا لم يسارع المعنيون بحل الأزمة الليبية لمؤازرة تيار باشاغا فإن المتطرفين في الغرب يمكن أن يقضوا على حركته في المهد، وبالتالي إطالة أمد الأزمة الليبية.. يوجد قادة لكتائب مهمة في مصراته، منها كتيبة الحلبوص وكتيبة المحجوب، أصبحوا يميلون إلى إيجاد حلول سلمية بدلا من الاقتتال الذي تصر عليه قوة (فجر ليبيا)، لكن مثلهم مثل تيار باشاغا، لا يجدون المساندة لا من الداخل أي من البرلمان والجيش حتى ولو بشكل سري، ولا من الأطراف الإقليمية والدولية».
أما المفتاح الخامس والمهم فيتمثل في الجيش الوطني نفسه وتركيبته «التي تحتاج إلى إعادة هيكلة.. قادته مثل حفتر والناظوري يتخوفون من وصمهم من جانب المتطرفين بأنهم يستعينون بقادة من جيش القذافي، بينما كان ينبغي على قادة الجيش الوطني أن يعلنوا صراحة أن عقيدة القوات المسلحة لا دخل لها بالتوجهات السياسية».
ويضيف أحد القادة القبليين: «نحن نقول كيف تريد من الجيش السابق أن يحارب معك، وأنت لا تريد أن تضم قياداتهم السابقة ولا تريد أن تعطي لهذه القيادات مكانتها واحترامها، حتى لو لم تعدها للعمل في الجيش بشكل رسمي. مجرد أن تعطي الاعتبار لهذه القيادات وتدعوها للانضمام للعمليات القتالية ضد المتطرفين، ولو معنويا، ستجد معك قوات كبيرة ومعتبرة من الجنود والضباط الذين يعزفون في الوقت الراهن عن المشاركة من قبائل ورفلة والطوارق وترهونة وغيرها.
وظهر من خلال هذه الاجتماعات أن بعض القادة القبليين تحدثوا مع رئاسة الأركان الحالية في الجيش الليبي عن حاجة البلاد لإعادة مثل هؤلاء الضباط بجنودهم للخدمة من أجل سرعة حسم المعارك قبل تفسخ البلاد ودخولها في المجهول.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».