المعتقلون السوريون المسيحيون بين استبداد القوات الحكومية وإرهاب المتطرفين

رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان: 450 معتقلا بينهم 28 امرأة وفصائل شيعية شاركت في الخطف

 مقاتلون غير متطرفين يحمون كنيسة بمدينة حلب ليلة عيد الميلاد قبل أيام (أ.ف.ب)
مقاتلون غير متطرفين يحمون كنيسة بمدينة حلب ليلة عيد الميلاد قبل أيام (أ.ف.ب)
TT

المعتقلون السوريون المسيحيون بين استبداد القوات الحكومية وإرهاب المتطرفين

 مقاتلون غير متطرفين يحمون كنيسة بمدينة حلب ليلة عيد الميلاد قبل أيام (أ.ف.ب)
مقاتلون غير متطرفين يحمون كنيسة بمدينة حلب ليلة عيد الميلاد قبل أيام (أ.ف.ب)

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرا قالت فيه إن أكثر من 215 ألف معتقل لدى السلطات السورية، تمتلك الشبكة قوائم بـ112 ألفا منها موثقة، ومن بين المعتقلين 450 شخصا من الديانة المسيحية، بينهم 28 امرأة. وبحسب التقرير فإن هذه الإحصائية هي الحد الأدنى من المعتقلين، لأن معرفة عقيدة الضحية القتيل أو المعتقل ليست بالأمر السهل.
كما رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حالات خطف من قبل ميليشيات محلية وميليشيات شيعية خارجية، حصلت بهدف الابتزاز المادي وطلب فدية مالية ضخمة مقابل الإفراج.
ويستعرض التقرير كثيرا من حالات الاعتقالات التي حدثت لدى مداهمة مراكز تجمعات سياسية واعتقال أفرادها وتخريب ونهب محتوياتها. كما حدث في مقر المنظمة الآثورية الديمقراطية ومكتب إحدى الجمعيات الإغاثية التابعة لحزب الاتحاد السرياني في القامشلي.
وسجل التقرير الإفراج عن قرابة 185 شخصا من معتقلات النظام، بينهم 19 امرأة، ولا تزال البقية (265) محتجزة حتى لحظة إعداد التقرير، أكثر من نصفهم في عداد المفقودين قسريا.
ويشير التقرير إلى أن عمليات الاعتقال التعسفي تحدث من دون أي مذكرة قانونية أو اطلاع المعتقل أو أهله على أسباب أو مكان الاحتجاز، وقد شملت مختلف المحافظات السورية، وبشكل خاص الحسكة والقامشلي، وحلب، ودمشق، وحماه، وحمص. وطالت هذه الاعتقالات سياسيين ونشطاء سلميين وقادة رأي في قوى الحراك السياسي والمدني.
ووثق التقرير قيام التنظيمات المتشددة بانتهاكات بحق سكان المناطق والقرى التي يتبع أهلها الديانة المسيحية، التي وقعت تحت سيطرتها، حيث تعرض البعض منهم للاعتقال والتعذيب على خلفية طائفية، بهدف التهجير، مما أجبرهم على النزوح إلى مناطق أخرى، كما حصل عندما سيطر تنظيم داعش على محافظة الرقة وأجزاء واسعة من محافظة دير الزور والحسكة وريف حلب.
كما سجل التقرير ما يزيد على 10 حالات اعتقال لأشخاص من الديانة المسيحية، في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة، في كل من محافظة إدلب ومحافظة حلب.
أما الجهات الشيعية التي تقوم بالخطف، يقول فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ«الشرق الأوسط»: «أغلب حالات الخطف التي افتعلتها الميليشيات الشيعة، كلواء أبو الفضل العباس و(حزب الله) كانت بهدف الانتقام الطائفي وغالبية الضحايا تعرضوا لتعذيب وحشي، ثم قُتلوا». ويضيف أن أعداد الناجين بينهم كانوا قلة: «نذكر إحدى الحالات التي حصلت في جديدة الفضل، حيث قامت إحدى الميليشيات الشيعية المشاركة للقوات الحكومية، وبعد مجزرة بجديدة الفضل، باعتقال شقيقين مسيحيين من عائلة بطرس وقتل أحد الشقيقين بعد تعذيبه وإطلاق سراح الآخر بعد دفع عائلته لمبلغ 15 مليون ليرة سوريا في 21 أبريل (نيسان) 2013».
عن مبررات الخطف عموما، يقول عبد الغني: «بالنسبة للمعارضة المسلحة وثقنا بعض حوادث الخطف التي كانت بغرض الابتزاز المادي وطلب الفدية، وغالبا ما تكون مبالغ طائلة في البداية ثم وأثناء التفاوض مع عائلة الضحية، يتم تخفيض قيمة المبلغ المطلوب. بمعنى أن الإنسان يتحول إلى سلعة. وفي بعض حوادث الخطف كانت التهمة العمالة والتعاون مع السلطات السورية، وهناك حوادث الهدف منها عمليات التبادل».
أما بالنسبة للخطف على الأساس الطائفي فغالبا ما تقوم به المجموعات المتشددة. ويؤكد التقرير على أن الحكومة السورية مارست، ولا تزال، جرائم الخطف والتعذيب، ضمن هجوم واسع النطاق، وبشكل منهجي، وهو ما يشكل جرائم ضد الإنسانية، بحسب المادة السابعة من قانون روما الأساسي، كما يُعد جريمة حرب بموجب المادة الثامنة من قانون روما الأساسي.
ويضيف أن التنظيمات المتطرفة شنت هجمات واسعة على خلفية دينية بهدف التهجير، ويشكل هذا جريمة حرب. كما ارتكبت جريمة الإخفاء القسري بحق عدد من أبناء تلك المناطق.
ووفقا للتقرير، فإن بعض فصائل المعارضة المسلحة مارست عمليات خطف وابتزاز، ويجب على المعارضة السورية تحمل مسؤولياتها في متابعة هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، باعتبار أنها تخضع لسيطرتها.
طالب التقرير مجلس الأمن باتخاذ أي فعل أو ردع للنظام الحاكم في سوريا من خلال تطبيق القرارات الصادرة عنه كالقرار 2042 الصادر بتاريخ ١٤ مايو (أيار) 2012. والقرار 2043 بتاريخ 21 مايو 2012، والقرار 2139 الصادر بتاريخ 22 فبراير (شباط) 2014، والقاضي بوضع حد للاختفاء القسري.
وحث التقرير على ضرورة وضع قضية المعتقلين وقضية التعذيب، ضمن أول سلم الأولويات لأي عملية سياسية أو تفاوضية، وممارسة ضغوط مباشرة على الحكومة السورية للإفراج عن جميع المحتجزين السياسيين وغير الجنائيين.
وفي معرض رده على الصعوبات التي واجهت الشبكة في عملية التوثيق، يجيب بقوله إن الصعوبات تنبع من خوف الأهالي والأصدقاء بالدرجة الأولى من الحديث عن المعتقلين. وتسود ثقافة في المجتمع السوري بأن ذلك سوف يسبب لهم الضرر الكبير فيفضلون التكتم والسكوت، ونحن نحاول دوما الوصول إلى أحد أقرباء الضحية وهذا يشكل تحديا هائلا.
أما بالنسبة للمقابلات مع الضحايا الناجين من الاعتقال، فغالبا ما يرفض الناجي من الاعتقال اللقاءات الشخصية، بسبب الخوف والوضع الأمني المحاط به، فأغلب الضحايا موجودون في مناطق يسيطر عليها النظام، لذلك نقوم بإجراء توثيق الشهادات معهم، إما عبر الهاتف أو «سكايب»، وفي حال وجود الناجي خارج سوريا، فإننا نقوم بإجراء مقابلات شخصية مع الضحايا أنفسهم.
وغالبا ما يتردد الضحية في الإفصاح عن جميع الانتهاكات التي تعرض لها أثناء احتجازه، خاصة إذا كان الانتهاك يتعلق بالعنف الجنسي، بسبب الشعور بأنه ربما سيحط من كرامة الشخص أمام المجتمع، والكثير من الناجين أبدوا لنا عدم رغبتهم في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالعنف الجنسي، وهناك بعض الناجين رفضوا ذكر ما تعرضوا له من تعذيب بسبب خوفهم من عودة السلطات السورية والانتقام من عائلاتهم.



مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
TT

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)
وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

سيطر ملف المصريين العاملين في ليبيا على مباحثات وزيري العمل في البلدين، التي ركزت على تنظيم أوضاعهم، وتعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة «وافد» ومنصة التأشيرة الإلكترونية، لتسهيل إجراءات دخولهم وتنقلهم بين البلدين.

والتقى وزير العمل والتأهيل في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، علي العابد، نظيره المصري حسن الرداد، على هامش أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، التي احتضنتها العاصمة المصرية القاهرة، أمس الاثنين.

وتطرق اللقاء إلى تنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا، وفق الإجراءات واللوائح المعمول بها، بما يسهم في تنظيم سوق العمل، وتعزيز انسيابية الإجراءات بين البلدين.

وزير العمل المصري حسن الرداد خلال مباحثات مع نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» (وزارة العمل الليبية)

وقالت وزارة العمل في حكومة «الوحدة الوطنية» إن مباحثات الجانبين تناولت «أهمية تفعيل اللجان المشتركة بين ليبيا ومصر، وتعزيز التنسيق في الملفات ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب دعم الربط الإلكتروني بين منصة (وافد) ومنصة التأشيرة الإلكترونية، بما يسهم في تطوير الإجراءات وتنظيم حركة العمالة».

وأكد الوزيران حرصهما على «تعزيز التعاون المشترك، وتطوير آليات التنسيق في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، بما يخدم المصالح المشتركة بين ليبيا ومصر».

وأوضحت وزارة العمل المصرية أن المباحثات تناولت عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك في مجالات العمل والتشغيل والتأهيل، وتنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا.

وسبق أن أطلقت وزارة العمل والتأهيل الليبية منصة «وافد» الرقمية لتسجيل العمالة الأجنبية، وقالت حينها إن هذا الإجراء يهدف إلى «تنظيم سوق العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في ليبيا».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» التفعيل الرسمي لمنظومتي «وافد» و«E - VISA LIBYA»، باعتبارهما المنصة الوطنية المعتمدة لإدارة التأشيرات الإلكترونية، وتنظيم دخول وإقامة الأجانب في ليبيا، وذلك مع انطلاق المرحلة الثانية من المشروع.

ولا توجد أرقام رسمية في ليبيا عن عدد العمالة الأجنبية، بسبب الانقسام السياسي ووجود حكومتين، واتساع عمليات التهريب، وتسرب كثير من الوافدين إلى سوق العمل بشكل غير رسمي، لكن العابد ذكر في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أن عدد العمالة الأجنبية في ليبيا تجاوز مليوني شخص.

وقالت الحكومة إن وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، محمد بن غلبون، أصدر تعميماً يقضي بالبدء الرسمي في تشغيل المنظومتين، في إطار تنفيذ رؤية الحكومة لتطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز مسار التحول الرقمي.

ووقعت مصر وليبيا خلال اجتماع اللجنة العليا المشتركة، بحضور عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» ومصطفى مدبولي رئيس الحكومة المصرية، 13 اتفاقية مشتركة في سبتمبر (أيلول) 2021، شملت مجالات المواصلات والكهرباء والبترول، بالإضافة إلى البنية التحتية والشباب والرياضة والتأمينات الاجتماعية.

وفي ختام اللقاء، هنأ وزير العمل والتأهيل الليبي نظيره المصري بمناسبة انتخابه رئيساً لفريق الحكومات في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، مؤكداً حرص ليبيا على «مواصلة تطوير علاقات التعاون المشترك مع مصر في مختلف مجالات العمل، والتشغيل والتأهيل».

ويتولى ائتلاف الشركات المصرية، المكون من «أوراسكوم» و«حسن علام» و«رواد الهندسة الحديثة»، تنفيذ مشروعات كبيرة في العاصمة طرابلس، من بينها مشروع الطريق الدائري الثالث، الذي تبلغ تكلفة تنفيذه 4.263 مليار دينار، بالإضافة إلى تنفيذ مشروع طريق غات - أوباري جنوب غربي ليبيا.

(الدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية)، و9.44 في السوق الموازية.


انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
TT

انقلابيو اليمن يرفعون أسعار الوقود ويعمّقون المعاناة

منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)
منظر من شارع الستين في صنعاء أكبر شوارع العاصمة اليمنية المختطفة (الشرق الأوسط)

فرضت الجماعة الحوثية زيادة جديدة على أسعار المشتقات النفطية بمناطق سيطرتها، لترفع بذلك تكلفة المعيشة على ملايين السكان الذين يواجهون تدهوراً اقتصادياً واسعاً وتراجعاً في مصادر الدخل وانقطاعاً للمرتبات.

وأقرت شركة النفط الخاضعة للجماعة في صنعاء رفع سعر لتر البنزين إلى نحو دولار واحد (525 ريالاً يمنياً)، لتصبح قيمة الصفيحة سعة 20 لتراً نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، مقارنة بنحو 17.8 دولار (9500 ريال) سابقاً.

كما رفعت سعر الديزل إلى نحو 1.07 دولار للتر (575 ريالاً)، لتباع الصفيحة بالسعر الجديد بنحو 21.5 دولار (11 ألفاً و500 ريال)، بدلاً من نحو 19.6 دولار (10 آلاف و500 ريال)، وفق سعر صرف ثابت للدولار عند 535 ريالاً تفرضه الجماعة بالقوة على الصرافين، ويختلف عن الريال اليمني في المناطق اليمنية المحررة.

تأتي الزيادة في وقت تعاني فيه الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً متراكمة؛ نتيجة انقطاع المرتبات وتراجع فرص العمل وتدهور الخدمات، إلى جانب الضرائب والجبايات التي تفرضها الجماعة على المواطنين والأنشطة التجارية.

وتسود مخاوف لدى السكان من أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى موجة جديدة من الغلاء، بالنظر إلى ارتباط تكاليف النقل بأسعار السلع والخدمات، خصوصاً المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

جانب من طوابير كثيفة أمام محطة وقود في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال «أمين»، وهو أحد سكان ضواحي صنعاء، إن زيادة أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على أصحاب السيارات، «بل تنتقل سريعاً إلى أجور المواصلات وأسعار المواد الغذائية والخدمات».

وأضاف: «راتبي لا يكفي الاحتياجات الأساسية، وكل زيادة في سعر الوقود تعني أننا سندفع أكثر مقابل المواصلات والمواد الغذائية. الوضع أصبح صعباً جداً على الأسر محدودة الدخل».

أعباء النقل

يواجه سائقو سيارات الأجرة بدورهم ضغوطاً متصاعدة؛ إذ يجدون أنفسهم أمام خيار إما رفع أجور النقل وإما تحمل ارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال أحد سائقي سيارات الأجرة في العاصمة اليمنية المختطفة إن رفع سعر البنزين يضع السائقين أمام «خيارين صعبين»، موضحاً: «إذا رفعنا الأجرة؛ فلا يستطيع المواطن الدفع، وإذا أبقيناها كما هي، فلن يغطي الدخل تكلفة الوقود والصيانة».

وفي مدينة ذمار، قال أحد العاملين بالأجر اليومي إن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية أصبح ينعكس على مختلف تفاصيل الحياة اليومية؛ نتيجة ارتباط نقل السلع والخدمات بتكلفة الوقود.

تجمع سيارات أجرة في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضاف أن أسرته اضطرت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص مشترياتها من المواد الأساسية، قائلاً: «كل شيء يرتفع مع ارتفاع الوقود، بينما فرص العمل منعدمة، وهذا يجعلنا أمام معادلة صعبة».

وفي محافظة إب، قالت ربة أسرة إن الزيادات المتتالية في أسعار الوقود فاقمت الأعباء المعيشية، في ظل ثبات المداخيل وارتفاع تكاليف الغذاء والمواصلات.

وأضافت: «لم نعد نعرف كيف سندبر احتياجاتنا اليومية. كلما ارتفع سعر الوقود؛ ارتفعت معه أسعار المواصلات والمواد الأساسية، بينما دخل الأسرة لم يتغير».

احتكار وإيرادات

تتهم مصادر يمنية الجماعة الحوثية باستغلال سيطرتها على سوق المشتقات النفطية لتحقيق إيرادات كبيرة، من خلال احتكار استيراد الوقود وتوزيعه وبيعه في المناطق الخاضعة لنفوذها، إلى جانب الإيرادات الناتجة عن الضرائب والجبايات المفروضة على السكان والأنشطة التجارية.

وتقدر المصادر أن الجماعة تجني ملايين الدولارات يومياً من تجارة المشتقات النفطية، فضلاً عن موارد أخرى، بينما تتهمها بتوجيه جزء من هذه الإيرادات لتمويل أنشطتها العسكرية وتعزيز قدراتها في الحرب.

شاحنة مرور تقطع أحد شوارع صنعاء ضمن حملة جباية حوثية (الشرق الأوسط)

وتشير تقارير محلية إلى أن الجماعة تتسبب بأزمات متكررة في الوقود من خلال منع دخول شحنات المشتقات النفطية الآتية من المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، رغم انخفاض تكلفتها مقارنة بالوقود المستورد عبر ميناء الحديدة، وفق هذه التقارير.

وخلال السنوات الماضية، فرض الحوثيون أكثر من 9 زيادات سعرية على المشتقات النفطية في صنعاء وبقية مناطق سيطرتهم؛ مما أدى إلى ارتفاع متواصل في أسعار الوقود، وانعكس على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، وسط تدهور اقتصادي ومعيشي متفاقم.


الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون ينقلون اقتصاد الجباية إلى الساحل الغربي اليمني

قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)
قادة حوثيون في ميناء المخا بعد السيطرة عليه (إعلام حوثي)

تواجه مناطق الساحل الغربي لليمن، وفي مقدمها مديريتا حيس والمخا ومحيطهما، موجة واسعة من التضييق المعيشي بعد سيطرة الجماعة الحوثية حديثاً، والتي سارعت إلى نقل منظومتها لتحصيل الموارد وفرض الجبايات والإتاوات القسرية والإجراءات المصرفية وحرب العملات مع الحكومة الشرعية، وحوّلت الأنشطة الزراعية والتجارية المحدودة مصادر لتمويل أنشطتها الميدانية.

لم تقتصر الإجراءات الحوثية على الجبايات والإتاوات؛ إذ توجهت مباشرة صوب المنظومة المصرفية عبر ذراعها النقدية في صنعاء، حيث بدأت فرض حظر تام على تداول الطبعة النقدية الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في عدن، ووجهت ببدء استبدالها بالطبعات القديمة المتهالكة أو الفئات المعدنية البديلة المستحدثة والمعتمدة لديها.

وبعدما سيطرت على مدينة المخا، أقدمت الجماعة على نقل محتويات مبنى البنك المركزي فيها إلى جهة مجهولة، في عملية وصفتها مصادر محلية في المدينة بالنهب المنظم.

وأعيد افتتاح مقر فرع البنك المركزي اليمني في المدينة في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بعد توقف نشاطه قرابة 10 سنوات بفعل الانقلاب الحوثي والحرب التي فرضتها الجماعة.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (البنك المركزي اليمني)

وكشفت مصادر محلية مطلعة في المدينة عن اعتزام الجماعة إطلاق آليات تبادل مجحفة للعملات وبلا غطاء مصرفي عادل؛ ما أسهم في شل الحركة التجارية، المتضررة أصلاً بالعمليات العسكرية وسيطرة الجماعة؛ ما تسبب في توقف جماعي للأنشطة المصرفية وتلاشي قيمة المدخرات الحقيقية في غضون أيام.

ومن شأن ذلك، وفق خبراء اقتصاديين، أن يعمّق انقسام أسعار الصرف ونقل الفجوة المصرفية الحادة إلى قلب مجتمعات الساحل الغربي.

جبايات عاجلة

بدأت ملامح التضييق المعيشي في مديريات جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز، فور سيطرة الجماعة على المنطقة، وكان افتتاح مكاتب ما يسمى «الهيئة العامة للزكاة» أولى خطواتها الميدانية لتحصيل الجبابات وفرض واقع مالي جديد، ولم يتوقف الأمر عند مصادرة المباني الحكومية وتحويلها مراكز للتحصيل الإجباري، بل امتد ليشمل عسكرة الطرقات الحيوية الرابطة بين القرى والبلدات.

مقار جديدة افتتحها الحوثيون لمؤسسات الجباية التابعة لهم في مديريتَي حيس والمخا (إكس)

وذكرت مصادر محلية أن الجماعة، وبمجرد سيطرتها، استحدثت منظومة من «الموازين الإلكترونية» ونقاط التفتيش العسكرية على المداخل المؤدية إلى الأسواق المحلية، لوزن محاصيل المزارعين من خضراوات وفواكه وقات، وفرض رسوم مالية ونسب عينية مجحفة قبل السماح ببيعها وتداولها؛ ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الغذائية الأساسية وعجز السكان عن الشراء.

ووجَّه القادة الميدانيون خطابات لوجهاء وأعيان المناطق التي أخضعوها لسيطرتهم أخيراً، يحثونهم فيها على الإسراع بدفع مبالغ دورية لدعم «قوافل رفد الجبهات والمقاتلين»، والإسراع بتحصيلها من السكان، إلى جانب خطابات مشابهة للتجار وكبار ملاك المزارع.

وتعتزم الجماعة إقرار نظام جمارك داخلي مزدوج يفرض رسوماً على حركة البضائع القادمة من المحافظات المحررة.

وتضمنت توجيهات القادة الحوثيين للتجار والوجهاء وملاك المزارع الكبيرة بتقديم تبرعات مالية وعينية تتمثل بالمواشي والمواد الغذائية، وألزمت الأعيان بحصر العائلات في مناطقهم وتقديم بيانات كاملة عنهم لتقدير التبرعات التي سيجري إقرارها بناءً على عدد أفراد كل عائلة.

دمار هائل في ميناء المخا بفعل استهدافه من قِبل الحوثيين قبل السيطرة عليه (غيتي)

وكشفت المصادر المحلية، عن أن الجماعة ألزمت المطاعم والمحال التجارية بتقديم وجبات ومواد غذائية للمقاتلين وعناصر الأمن والمسلحين التابعين لها، وسط تهديدات مباشرة بالعقوبات القاسية والمصادرة في حال تجاهل طلباتهم.

تكلفة السيطرة

تقول مصادر «الشرق الأوسط» إنه، وفي مواجهة التذمر الشعبي الواسع بسبب تلك الإجراءات، لوّح القادة الحوثيون بالرد على شكاوى التجار وملاك المزارع بمواجهة تهم الخيانة، عادّين أن هذه الأموال المطلوب جبياتها هي مقابل إجباري لما سمّوه «تحريرهم» من سلطة الحكومة الشرعية، وطلبوا من السكان إظهار الامتنان والشكر بذريعة تخليصهم من «الاحتلال الأميركي والإسرائيلي»، وفقاً لرواية الجماعة وسرديتها.

وتعكس التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة عن منظمات محلية حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية المروعة في المنطقة، فحسب تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، جرى اقتحام ومداهمة نحو 356 منشأة حكومية ومنزلاً خاصاً تعرضت لنهب كلي أو جزئي ومصادرة الأصول المادية والسيولة النقدية الموجودة بداخلها.

الجماعة الحوثية نقلت مباشرة ممارسات اقتصاد الحرب إلى المناطق التي سيطرت عليها أخيراً (إ.ب.أ)

وشملت عمليات المصادرة العسكرية نحو 30 سيارة خاصة و17 دراجة نارية، بالإضافة إلى نهب أجهزة ومركبات تابعة لمركز الأمم المتحدة الإنساني في المخا؛ ما تسبب في شلل تام لحركة الإغاثة والتبادل التجاري المحلي وحرمان المحتاجين من المساعدات الطارئة.

وكانت «مؤسسة تمكين المرأة اليمنية» وثقت في تقرير لها، منذ أيام، أكثر من 18 واقعة مصادرة أموال وممتلكات وفرض جبايات مباشرة خلال سعي الحوثيين على مناطق في جنوب محافظة الحديدة وغرب محافظة تعز.

ويعتمد غالبية سكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر على الزراعة الموسمية والصيد التقليدي، وهي أنشطة اقتصادية ذات دخل محدود ومتقطع، ويؤدي فرض الجبايات القسرية وصدمات الحرب إلى الإضرار بها بشكل بالغ.

أعمال جباية حوثية مكثفة لتمويل تصعيد الجماعة العسكري وتجنيد المزيد من المقاتلين (غيتي)

وتشهد المنطقة موجة نزوح جماعي واسعة النطاق عقب التطورات العسكرية الأخيرة، وسجلت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن «الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين» نزوح ما لا يقل عن 823 أسرة (تضم أكثر من 5671 فرداً) من مديرية المخا وحدها باتجاه المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية في تعز والمحافظات الجنوبية.

من جهتها، تتوقع الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن إجمالي العائلات المشردة والمهجرة قسرياً بفعل هذه الإجراءات الاقتصادية والأمنية التعسفية تجاوز 2300 أسرة في عموم مناطق الساحل الغربي؛ ما ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة وأزمة لجوء حادة تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية.