حين يتحول الوطن والمنفى إلى لوحات فنية

المتحف البريطاني يستضيف 5 فنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودي
من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودي
TT

حين يتحول الوطن والمنفى إلى لوحات فنية

من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودي
من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودي

نظّم المتحف البريطاني بلندن معرضا مشتركا لـ5 فنانين ينتمون إلى منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهم منى السعودي من الأردن، وعبد الله بن عنتر من الجزائر، وجنان تولون، وإيبك دوبن من تركيا، وميراي قصّار من لبنان. وقد جمعهم موضوع واحد هو المنفى وتداعياته على الناس المنفيين قسرا أو اختيارا.
تشترك الفنانة الأردنية منى سعودي مع الفنان الجزائري عبد الله بن عنتر في توظيف بعض النصوص الشعرية للشاعر الفلسطيني محمود درويش في أعمالهما الفنية، الأمر الذي منحهما قوة مضمونية واضحة في التعاطي مع ثيمتي الوطن والمنفى، من دون التضحية بالمقومات الفنية والجمالية للعمل الفني، الذي هيمن عليه عنصران رئيسيان، وهما الرسم التخطيطي والمنحى الحروفي «الكاليغرافي» الذي احتل مساحة واسعة من لوحات منى سعودي على وجه التحديد، بينما انحسر كثيرا في أعمال بن عنتر إلى جملة واحدة ذات صيغة استفهامية، أو عنوان لمجموعة شعرية مستقرة في ذاكرة القرّاء الجمعية. ومنى سعودي واحدة من أشهر النحاتين في الوطن العربي. وُلدت بعمان عام 1945، وتعيش في بيروت حاليا. ونظرا لولعها المبكر بالنحت تحديدا فقد أخذت رسوماتها أشكالا نحتية في الأعم الأغلب. عرض القائمون على هذا النشاط 4 لوحات للفنانة منى سعودي، إحداهما تضم بوسترين في إطار واحد أنجزته لمناسبة يوم الأرض الذي يصادف في 30 مارس (آذار)، كما أتاح موقع المتحف لمتصفحيه إمكانية مشاهدة مجموعة أخرى من الأعمال الفنية لمنى سعودي، من بينها عمل نحتي شديدة الدقة والرهافة والإتقان يحمل عنوان «الأرض الأم».

* تكوينات مُرهفة

* تنضوي لوحات منى السعودي كلها في هذا المعرض تحت عنوان واحد هو «تحية إلى محمود درويش» لكن مضامينها تختلف بحسب القصائد الموظّفة في هذه الأعمال الفنية، ومن بينها اللوحة المستوحاة من قصيدة «الأرض» التي اختارت منى سعودي هذه الأبيات الآتية التي يقول فيها درويش:
«أنا الأرض
والأرض أنتِ
هذا نشيدي
وهذا خروجُ المسيح من الجرح والريح
أخضر مثل النبات يغطّي مساميره وقيودي
وهذا صعودُ الفتى العربي إلى الحلم والقدس»
أبعاد هذا العمل 100 × 70 سم وهو منفّذ بالطباعة الحريرية على الورق أسوة ببقية الأعمال المعروضة.
لم يخرج العمل الثاني عن موضوع قصيدة «الأرض»، لكن المقاطع الموظفة هنا تختلف عن سابقتها حيث تبدأها منى سعودي بالبيت الآتي: «وفي شهر آذار تستيقظ الخيل سيّدتي الأرض!»، إضافة إلى أبيات شعرية أخرى متداخلة تصعب قراءتها أحيانا، وهي تحيط بالكائن الأنثوي من دون أن تتخلل تكوينه المرهف.
لا تختلف تقنية العمل الثالث كثيرا، فقصيدة «شجرة العاشق» تلتف على التكوينين العلوي والسفلي حيث تستهل منى لوحتها ببيت مقطوع لا يكتمل معناه ما لم نضِف له السطرين المغيّبين قسرا وهما: «قد قالت لي الأيام:
اذهب في المكان»
ثم تليهما الأسطر الـ3 الآتية:
«تجد زمانك عائدا في موج عينيها
فقلت: الجسم لا يكفي لنظرتها
وهذا البحر...»
إلى آخر هذه القصيدة التي أوحت للفنانة منى سعودي بأن ترسم شكلين متضامين يتحدان مع التكوين العلوي ليشكّلا في خاتمة المطاف شجرة العاشق التي أشرنا إليها قبل قليل. أما الملاحظة الأخيرة التي يمكن أن نسوقها في هذا المضمار هي أن الأعمال الـ3 المتبقية والمعروضة على الموقع الإلكتروني للمتحف مستوحاة من 3 قصائد أخرى لمحمود درويش، وهي «الرمل» و«نشيد إلى الأخضر» و«تلك صورتها» و«هذا انتحار العاشق»، ولا تُشكل هذه المقاطع الشعرية إلا جزءا يسيرا من اللوحات التي هيمنت عليها التكوينات التخطيطية النحتية مع سيادة واضحة للفراغات البيضاء على سطوح اللوحات التصويرية.
تتميز تجربة الفنان الجزائري عبد الله بن عنتر بتنوّعها وثرائها، فهو مهتم بالتراث الجزائري والموسيقى المحلية والعالمية من جهة، كما أنه رسام وحفار ونحات من جهة أخرى، وأكثر من ذلك فهو شاعر وقد أصدر مجموعتين شعريتين، كما أنجز الكثير من الكتب الفنية التي تجمع بين الخط والصورة المرسومة بالحبر الصيني والألوان المائية. تقتصر مشاركة بن عنتر على كتاب فني يحمل عنوان «العصافير تموت في الجليل» لمحمود درويش أيضا، وقد نفذه بالحبر الصيني وبتقنية التنويع على اللون الواحد ودرجاته المتعددة. يحتوي الكتاب على 30 ورقة كبيرة قياس 25.5 ×22 سم لكن كل واحدة من هذه الأوراق مقسمة إلى 3 أقسام مطوية تضم الرسومات والمقاطع الشعرية التي أوحت له بتنفيذ هذه الأعمال الفنية.
وجدير بالذكر أن أسلوب بن عنتر يميل إلى التجريد أكثر من ميله إلى التصوير التشخيصي أو الواقعي. كما أنه «يتقن الإنصات إلى لوحته»، حسبما يقول، فثمة رنين موسيقي ينبثق من قلب الألوان المحتفية بوحدتها بعيدا عن الضجيج المفتعَل والبهرجة الفارغة.

* منطق الطير

* اشتركت الفنانة اللبنانية ميراي قصّار بعملين فنيين لا غير ينضويان تحت عنوان واحد، وهو «تحية إلى جوتو». وكلا العملين مريح لبصر المتلقي؛ فثمة تقشف واضح في التكوينات والألوان، الأمر الذي يمنح المشاهد فرصة كبيرة للتأمل والغوص في عمل فني لا يُغرقك بتفاصيله وإنما يكتفي بتزويدك ببعض المفاتيح أو الشيفرات السرية التي تقودك إلى جوهر العمل الفني ومضمونه الذي يراهن على الكثافة وشدة التركيز، كما هو الحال في هذين العملين المتقشفين، حيث يبدو في العمل الأول رجل لا يظهر منه إلا قدماه وكفاه ورأسه، وثمة 3 خطوط ممتدة من الرأس إلى أعلى المثلث الأيسر من اللوحة متخذا شكل منقار كبير، فيما يأخذ رأس الكائن البشري المموه قليلا شكل العين السوداء ليُحيلنا هذا التكوين إلى «منطق الطير»، الذي اشتغل عليه فريد الدين العطّار.
تكرر ميراي في لوحتها الثانية التنويع على الفكرة السابقة بتقشف أكبر لا يتيح لنا سوى النظر إلى رأس غارق في السواد ويدين مرفوعتين من غمار اللون الواحد. قد لا تبدو فكرة النفي أو المنفى واضحة في هذين العملين، لكن المتلقي سيحتاج بالتأكيد إلى معرفة بعض المعلومات عن «منطق الطير» والرحلة الشاقة التي تقوم بها آلاف مؤلفة من الطيور المتنوعة التي تلقى حتفها في الطريق، ولا يصل منها إلى حضرة إله الطير «السيمرغ» سوى 30 طيرا.
يقوم مشروع الفنانة التركية إيبك دوبن على فكرة الهجرة القسرية التي اجتاحت العالم في القرن الـ20، وسوف تظل قائمة طالما أن هناك إنسانا يسعى على وجه البسيطة. يضم الكتاب الفني 10 صور مؤلمة مُلتقَطة من أرض الواقع للمهاجرين أو المقتلعين من جذورهم في لحظات مؤثرة لمغادرة بيوتهم وأوطانهم أو عبور الحدود وما تنطوي عليه من مخاطر جمة. لقد أضفت إيبك دوبن لمسات فنية «طفولية» على هذه الصور التي تتمحور حول 3 موضوعات رئيسية، وهي الهوية والعنف والهجرة القسرية. لا بد من الإشارة إلى أن الفنانة إيبك دوبن قد خضعت لدورات تدريبية في علم الاجتماع والعلوم السياسية التي رفدت هاجسها الفني في التصوير وإنجاز الكتب الفنية التي تلامس حياة المهاجرين وترصد معاناتهم اليومية في بلدان اللجوء.

* النفي الجسدي

* ربما تكون الفنانة التركية جنان تولون هي الأوفر حظا في هذا المعرض لأن القائمين على هذا النشاط الفني قد وافقوا على عرض 33 لوحة مؤطرة على جدار واحد. وقد تقف شهرتها وراء هذه الموافقة، فهي واحدة من أشهر الفنانات التركيات المعاصرات، وهي معروفة بأعمالها الفنية ذات التكوينات الهندسية التي تنطوي على أبعاد درامية مثيرة، كما أنها تعالج ثيمات الهجرة الاختيارية أو الاقتلاع القسري. لا تقتصر موضوعات تولون على النفي الحقيقي، وإنما تمتد إلى النفي المجازي إن صح التعبير، فلقد أُصيبت هذه الفنانة في سن مبكرة من حياتها بمرض شلل الأطفال الذي أقعدها في مستشفى بفرنسا على مدى 10 سنوات، فلا غرابة أن تتناول ثيمة نفيها عن جسدها الخاص بها الذي تصفه بأنه «لا ينتمي إليها»، وهي تبدو مثل الشخص الذي يرتدي ملابس مستعارة.
درست تولون الهندسة والتصميم في جامعة بيركيلي بكاليفورنيا قبل أن تصبح فنانة تشكيلية وتكرّس جزءا كبيرا من وقتها للفن التشكيلي.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».