حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

إردوغان يعد الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي «منصات للشتائم»

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
TT

حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية

تشكل العلاقة بين وسائل الإعلام والحزب الحاكم في تركيا مادة جدل واسع في البلاد، بعد انهيار الهدنة مع حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب إردوغان في عام 2011، الذي وصل ذروته أخيرا مع الحرب التي يشنها الحزب والحكومة على ما يسمونه «الكيان الموازي»، الاسم الذي يطلقونه على جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية ويسيطر على مجموعة واسعة من وسائل الإعلام التركية.
ويقوم حزب العدالة والتنمية بالتحكم في 6 صحف و8 قنوات تلفزيونية، يقول خصومه إنه تم شراؤها من خلال العمولات مقابل المقاولات أو المناقصات. لكن العنوان الأبرز للعلاقة مع الإعلام تتجلى في رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان الذي يمتلك علاقة جدلية بوسائل الإعلام التركية، وهو ما يثير المؤسسات الدولية التي ترعى حرية الإعلام، فيما قالت تقارير الاتحاد الأوروبي وبعض المؤسسات الدولية إن حرية الإعلام في تركيا قد تراجعت خلال الـ12 عاما الماضية أي منذ أن تولى «العدالة» سدة الحكم في البلاد.
وانتقد رئيس جمعية حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، جويل سيمون، في مقال بصحيفة الـ«غارديان» البريطانية، حرية الصحافة في تركيا. وتطرق في مقاله إلى تفاصيل الاجتماع الذي عقدته الجمعية مع إردوغان الشهر الماضي، قائلا: «إذا كان إردوغان يتصرف علنا بهذا الشكل مع مجموعة من الصحافيين الدوليين، فمن يعلم ماذا يقول في دائرة خاصة؟».
واستغرب سيمون في مقاله كيف أن إردوغان تجاهل في اللقاء الذي جمعهما المعتاد في التعامل مع هذه الأمور، فلم يعرب عن ولائه العميق الذي لا يتغير تجاه حرية الصحافة، أو يوضح السبب الذي يجعله يتخذ موقفا متوترا. ولفت سيمون إلى أن إردوغان لم يتبع هذا السيناريو المتعارف عليه، موضحا أن رئيس الجمهورية التركي شرع في الهجوم عليهم وأبدى موقفا مشاكسا منذ بداية الاجتماع. وأوضح أن إردوغان يصف أخبار وسائل الإعلام بـ«الانحياز والتدخل»، مضيفا أن «هدفه الرئيسي ليس الإعلام المحلي على الرغم من كثرة التوبيخات التي يوجهها له، بل (نيويورك تايمز) و(سي إن إن) العالمية، وأنه قال إنه لن يتسامح على الإطلاق مع الإساءات، كما ذكر أنه يعارض شبكة الإنترنت».
بدوره يقول، طارق أونال، وهو خبير إعلامي ومدير شبكة «روتا» للأخبار، إن عام 2011 نقطة تحول في علاقة حكومة «العدالة والتنمية» مع الإعلام بجميع وسائله، حيث بدأ الطرفان بسل السيوف لمواجهة كليهما الآخر، وأعلنت الحكومة على لسان رئيس وزرائها آنذاك أنها لن ترحم أيّا من وسائل الإعلام التي تقف بجانب الطرف المعارض لسياستها. و«لهذا السبب أقول إن (العدالة والتنمية) كان يستخدم أسلوب (التقية) منذ تولية السلطة حتى عام 2011، أو بمعنى آخر أسقط القناع عن وجهه في موضوع الحريات، والسبب في هذا أنه بعد أن تمكن من السلطة المطلقة في البلاد لم يعد يحتاج إلى ديمقراطية أو إلى إعلام حر يليق بالمعايير الدولية والأوروبية، وبهذا بداء الصراع بين الحكومة ووسائل الإعلام». ويقول أونال لـ«الشرق الأوسط» إن «إردوغان شخص لا يحب الإعلام والإعلاميين قطعا، وإنما استطاع الاستفادة منهم على مر السنين الماضية، ولهذا يستقبل الإعلاميين الذين يرى فيهم إمكانية لتمرير أفكاره والدعاية لحكومته وحزبه، ونرى هذا على أرض الواقع، لأنه يمنع جميع الإعلاميين والمؤسسات التي تنتقده من المشاركة في جولاته أو في المؤتمرات التي يعقدها».
ويرى أونال أن إردوغان «يكن العداء الأكبر لوسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي»، مشيرا إلى أنه في اجتماع لممثلي وسائل الإعلام الإلكترونية والحكومة والأكاديميين «كان واضحا أن إردوغان يرى الإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي ليس إلا نافذة تسمح للناس بشتم الحكومة، باختصار هذه هي نظرة إردوغان للإعلام إلكتروني، ولهذا يطمح إردوغان بجميع الوسائل للحد من انتشاره، وإذا لزم الأمر تقليص حرية التواصل الاجتماعي بين الجميع، ويريد استصدار القوانين ليتيح لحكومته إغلاق أي مؤسسة إعلامية لا تروق له».
وقال أونال: «أنا أعمل في المجال الإعلامي منذ الثمانينات، وأنا شاهد على أن جميع الحكومات كانت تدعم أو تنشئ بعض وسائل إعلام تستطيع من خلالها أن تنقل وجهه نظرها للشارع، أي تصبح لسان حالها والناطقة باسمها، ولكن تلك الحكومات لم تكن تشن حملات ترهيب وإقصاء لوسائل الإعلام الأخرى كما تفعل حكومة (العدالة والتنمية)».
ويشير إلى أن وسائل الإعلام الموالية تنقسم إلى 3 فئات؛ فئة برأسمال الحزب، وفئة أجبرت على الولاء، وفئة أخرى هي الإعلام المكمم. ويعطي مثلا كيف أن الحزب قام بإنشاء إعلام برأسمال الحزب مباشرة ليكون لسان حاله ومن بينها «تلفزيون 24»، وفضائية «آ» للأخبار، و«تلفزيون 360»، هذه الفضائيات الـ3 أقيمت برأسمال الحزب لتكون الناطقة باسمه، وهذا هو القسم الأول من الإعلام. أما القسم الثاني، فيتكون من قنوات موالية مثل «القناة الـ7» و«قناة ألف» و«تلفزيون آ.ت.ف»، وتلك القنوات اختارت أن تكون موالية لأنه توجد لأصحابها مصالح مع الحكومة. كما يوجد قسم ثالث من الإعلام، وهو الإعلام المكمم، الذي أجبر على الخضوع للحكومة لكي يبقى على قيد الحياة، وأكبر مثال على هذا، مجموعة «دوغوش» للإعلام التي توجد فيها قناة «إن تي في» الإخبارية، ومجموعة «دوغان» التي تمتلك العشرات من الفضائيات، ومن بينها «سي إن إن تورك».
ويوضح أونال أن وسائل الإعلام التي أنشأها «العدالة والتنمية» تمول بطريقتين؛ «الأولى الإعلانات للشركات والمنتجات الخاصة، والثانية الإعلانات الحكومية لمؤسسات الدولة وهي من أهم الإعلانات التي تريد وسائل الإعلام أن تأخذها، فنرى أن وسائل إعلام الحكومة تعج بإعلانات بنوك الدولة؛ (خلق بنك) و(زراعات بنك) وخطوط الطيران التركية، كما أن أكثر الشركات الخاصة في تركيا تتسابق لإعطاء الإعلانات لتلك القنوات لأنها تريد أن تنال رضا الحكومة لكي تمنحها من مناقصات من الدولة، وبعض الشركات تعطي إعلانات لإبعاد بلاء الحكومة عنها سواء في الضرائب أو في معاملاتها الرسمية».
ويتابع أونال أن «الأمر نفسه ينطبق على صحفهم الموالية؛ وعلى رأسها جريدة (ستار) التي اشتراها المقربون من إردوغان، وجريدة (ميلاد) التي لا يصل عدد المطبوع منها إلى 10 آلاف نسخة، ولكنها تأخذ نصيبها في الإعلانات مثل جريدة (حرييت) أو جريدة (زمان) التي تبيع مليون نسخة، ومقدار الإعلانات الذي أخذته جريدة (ميلاد) من المؤسسات الحكومية في 3 أشهر من هذا العام يصل إلى 900 ألف ليرة، أي نحو 400 ألف دولار. في المقابل أخذت جريدتا (حرييت) و(زمان) في الفترة نفسها نحو مليون ليرة، أي 450 ألف دولار. باختصار جريدة لا تمثل 10 في المائة من حجم جريدة (حرييت) تتساوى معها في إعلانات الدولة».
ودخلت جريدتا «اقشام» و«يني شفق» حلقة الموالاة نتيجة المصالح المشتركة بين أصحابها وحكومة «العدالة» لتكون لسان حال الحكومة.. وبالنسبة لجريدة «صباح»، فقد جمع رجال الأعمال الموالون لحزب العدالة والتنمية أموالا وقاموا بشرائها لتكون ناطقة باسم «العدالة والتنمية».
ويقول جيهون بوزكرت، رئيس تحرير قسم الأخبار السياسية في جريدة «آيدنلك» المعارضة إنه «منذ أن اعتلى إردوغان وحزب (العدالة) سدة الحكم في البلاد وهو يحاول أن تكون جميع وسائل الإعلام في تركيا تحت سيطرته بالكامل، ويظهر هذا جليا في إجابته عن الأسئلة التي يوجهها له الصحافيون؛ إذ يجيب عن الأسئلة بطريقة لم يعتدها أي صحافي في العالم، فمن بين الأجوبة التي رد بها على صحافي لم يعجبه السؤال الذي وجهه إليه، أن قال له بأن رائحة فمه نتنة». ويرى بوزكرت أن «هذا الأسلوب يدل على أن إردوغان لا يتحمل النقد أو الاعتراض على وجهه نظره».
وأشار إلى أن المتعارف عليه في جميع أنحاء العالم أن الحكومات تنتقد بحدة من جميع وسائل الإعلام لأن السلطة بيدها، و«لهذا مع مرور الزمن بدأ الحقد من قبل إردوغان يزداد يوما بعد يوم على وسائل الإعلام التي تنتقده، وبدأ بإقصاء المؤسسات الإعلامية التي تنتقد إجراءات حكومته ودعم المؤسسات التي تنهال عليه بالمديح». ويقول: «منذ عدة سنوات اقتصر المدعوون من الصحافيين على طائرة رئيس الوزراء على ما نسميهم بالصحافيين الموالين فقط لا غير، كما أنهم هم الوحيدون الذين يقبل إردوغان إجراء اللقاءات الصحافية معهم».
وتحدث بوزكرت عن الضغوط التي تتعرض لها الصحافة المعارضة، متهما إردوغان بأنه «قام بالتعاون مع شريكه في السلطة آنذاك جماعة فتح الله غولن بتلفيق اتهامات للإعلاميين والصحافيين الذين كانوا ينتقدونه، بالضلوع في مؤامرة للانقلاب على الحكومة المنتخبة، كما قامت الحكومة بالضغط على الشركات والمؤسسات الخاصة لعدم إعطاء وسائل الإعلام المعارضة لهم إعلانات حتى لا تستطيع هذه الوسائل الاستمرار في البث أو النشر وتكون نهايتها إما البيع أو الإفلاس وإغلاق مكاتبها». وأشار إلى أن أول ضحايا «إردوغان – فتح الله غولن» هو زعيم حزب الشباب جيم أوزان الذي كان يمتلك أيضا وسائل إعلام قوية مثل قناة «ستار» وهي من أكثر القنوات مشاهدة في تركيا وجريدة «ستار» أيضا، وأنه «تم تلفيق التهم لمجموعته الإعلامية ووضعت الدولة يدها على التلفزيون والجريدة والمنشآت التي تعود لعائلة أوزان، مما أجبره على الهروب خارج البلاد، ومن ثم بيعت الجريدة والتلفزيون للمقربين من حكومة إردوغان»، مضيفا أنه تم أيضا «إخضاع كثير من المؤسسات الإعلامية بتخويفها بأن يكون مصيرهم مصير جيم أوزان ووسائل إعلامه».
ويرد بوزكرت قوة الإعلام الموالي لحزب العدالة والتنمية إلى أن المقربين من الحكومة بدأت تهطل عليهم الأموال نتيجة المشاريع والمناقصات التي كانوا يأخذونها من الدولة، و«كانوا بحاجة إلى مؤسسات إعلامية تبرئ وتنقي فسادهم، ولهذا قاموا بإنشاء خزائن لجمع الأموال لشراء المؤسسات الإعلامية التي وضعت الدولة يدها عليها، وكانت صحيفة (صباح) و(تلفزيون آ.ت.ف) من أهم وسائل الإعلام التي اشتراها المقربون من إردوغان».
وفي المقابل، يتهم جيم كوجك، وهو كاتب ومحرر في جريدة «يني شفق» الموالية، ما سماه «الكيان الموازي» بالتسبب باعتقال الكثير من الصحافيين الذين لا تتناسب أفكارهم مع أفكار الكيان الموازي. ويقول كوجك لـ«الشرق الأوسط» إن «تركيا تعيش الآن أفضل فترات حرية الإعلام في تاريخها الحديث، فالجميع يكتب ويرسم وينقد كما يشاء، لكن الحرية لا تعني الاعتداء وشتم وتوبيخ الآخرين، فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين».
ويضيف: «لا توجد دولة في العالم تسمح لأي صحافي بأن يسب أو يشتم رئيسا أو مسؤولا انتخب بطريقة شرعية، لكننا نرى في وسائل التواصل الاجتماعي أن الرئيس يحقر ويشتم في بعض وسائل الإعلام الإلكتروني، فمن الطبيعي أن تقوم مؤسسات القضاء في تركيا بتحريك دعاوى ضد من يتطاول على مسؤول في الدولة». ورأى أن «هذه الإجراءات عندما تطبق في بريطانيا أو ألمانيا أو أميركا يكون الأمر طبيعيا، ولكن عندما تطبق في تركيا تكون انتهاكا لحريات الإعلام».
وإذ اعترف بوجود صحافيين اعتقلوا بتهمة الانتماء لتنظيمات محظورة، فإنه كرر اتهامه «الكيان الموازي» بتلفيق التهم، مشيرا إلى أن «الأغلبية العظمى من الدعاوى القضائية التي أقيمت ضد الصحافيين كانت على أساس السب والشتم والتعدي على الحريات الشخصية للمواطنين ومن بينهم مسؤولو الدولة».
ويشير كوجك إلى أن «الكيان الموازي» يمتلك الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، «فهم كانوا يمهدون لانقلاب على الشرعية، ولهذا من الطبيعي أن تكون هناك محاسبة لتلك الوسائل، وبقدر الإمكان تقليص مجال عملها وانتشارها». ويقول: «السيد إردوغان بصفته رئيسا منتخبا يتقبل وبكل صدر رحب الانتقادات الإيجابية والمعقولة، ولكنه لا يتحمل بأي شكل من الأشكال التطاول عليه وعلى حزبه أو على أي مسؤول في حكومات (العدالة والتنمية)، وهذا شيء طبيعي لمن يريد المحافظة على سمعة حزبه وحكوماته»، معتبرا أنه «من الطبيعي أن يقوم بدعم مؤسسات إعلامية موالية له مثل (قناة 24)، أو مجموعة جريدة (صباح) لكي تستطيع الصمود أمام أقدم وأقوى مجموعات إعلامية يتحكم بها رجال أعمال لا يوجد لهم هدف غير تحقيق مكاسب مادية على حساب الشعب».
وأضاف: «في البداية كان يتبع حزب (العدالة) صحيفة وتلفزيون، أما اليوم فقد أصبح له الكثير من وسائل الإعلام، وأنا لا أرى في هذا أي محظور، وهو شيء طبيعي جدا أن يكون لكل حزب وسائله الإعلامية، ومن الطبيعي أن يكون هناك إعلام بديل غير الإعلام الذي اعتدناه من إعلام النخب الذي يوجه ويخدم فقط رأس المال ورجال الأعمال. أما بالنسبة لعدم السماح لبعض وسائل الإعلام بالدخول إلى الاجتماعات أو الفعاليات التي تقوم بها رئاسة الجمهورية أو الحكومة، فهي تصرفات عادية لأن هذا لا يطبق على الجميع، بل فقط على وسائل الإعلام التي تتبع الكيان الموازي»، موضحا أن «هذا القرار أتى بعد أن أثبت القضاء أن الكيان الموازي كان يخطط للانقلاب على الشرعية، ولهذا تم منع جميع وسائل إعلامه من المشاركة في الاجتماعات الرسمية، وهو نوع من أنواع أخذ الحيطة والحذر»، مشيرا إلى أن الحكومات التي كانت قبل «العدالة» كانت تحظر دخول كثير من الوكالات والصحف إلى اجتماعاتها، و«أيضا رئاسة الأركان كانت تحظر دخول العشرات من الصحف، ومن بينها جريدة (زمان) ووكالة (جيهان) و(يني شفق) وجريدة (عقد) وجميع الإعلام المحافظ لم يكن يسمح لهم بالدخول إلى رئاسة الأركان».



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».