المعارضة تربط التصعيد العسكري في الرقة بالحراك الدولي و«خطة ديمستورا» في حلب

خبراء لـ («الشرق الأوسط»): تأثيرها معنوي وعسكري لصالح النظام على طاولة المفاوضات

عدد ضحايا سوق الخضار في مدينة الرقة التي تعرضت لقصف من طيران النظام الثلاثاء وصل لـ95 شخصا أكثر من نصفهم مدنيون (نور فرات/ رويترز)
عدد ضحايا سوق الخضار في مدينة الرقة التي تعرضت لقصف من طيران النظام الثلاثاء وصل لـ95 شخصا أكثر من نصفهم مدنيون (نور فرات/ رويترز)
TT

المعارضة تربط التصعيد العسكري في الرقة بالحراك الدولي و«خطة ديمستورا» في حلب

عدد ضحايا سوق الخضار في مدينة الرقة التي تعرضت لقصف من طيران النظام الثلاثاء وصل لـ95 شخصا أكثر من نصفهم مدنيون (نور فرات/ رويترز)
عدد ضحايا سوق الخضار في مدينة الرقة التي تعرضت لقصف من طيران النظام الثلاثاء وصل لـ95 شخصا أكثر من نصفهم مدنيون (نور فرات/ رويترز)

قتل نحو مائة شخص، معظمهم من المدنيين، في أعنف غارات تشنها طائرات النظام السوري على مدينة الرقة الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، وقال مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن الأربعاء: «ارتفع إلى ما لا يقل عن 95 شخصا، بينهم 52 مدنيا، عدد الشهداء الذين قضوا (الثلاثاء) في غارات النظام التي استهدفت مواقع مختلفة في المدينة الشمالية»، مضيفا أن نحو 120 شخصا آخر أصيبوا بجروح.
وذكر أن «عناصر من تنظيم داعش قد يكونون قتلوا في هذه الغارات». وتابع أن بعض المواقع التي تم استهدافها في هذه الغارات التي بلغ عددها نحو 10 غارات «تقع بالقرب من مراكز لتنظيم داعش» الجهادي المتطرف «الذي يقيم مراكزه بين المدنيين».
وفي دمشق، قال مصدر أمني سوري لوكالة الصحافة الفرنسية إن الغارات التي شنها سلاح الجو السوري على مدينة الرقة «استهدفت مقار لـ(داعش)»، مشددا على أنه ليس هناك من تنسيق مسبق مع التحالف الدولي. وأوضح أن الجيش لديه «خطة عمل نتابع تنفيذها».
والرقة هي مركز المحافظة الوحيدة الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش بشكل كلي في سوريا، بحيث أصبحت معقله الرئيس. وظلت المدينة في منأى عن غارات النظام لعدة أشهر رغم شنه ضربات جوية ضد معاقل تنظيم داعش في شمال سوريا وشرقها منذ الصيف الماضي، علما بأن الغارات الأخيرة هي الأعنف على المدينة من قبل الطيران السوري، كما تتعرض المدينة أيضا لغارات تشنها طائرات التحالف الدولي.
وتربط المعارضة السورية بين تصعيد النظام العسكري باتجاه المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، ولا سيّما الرقة، والحراك بشأن الملف السوري وما يحكى عن حلول يبحث فيها، معتبرة أنّ النظام يهدف من خلالها إلى القول للمجتمع الدولي إنّه مساهم في مواجهة الإرهاب.
واعتبر أبو أحمد العاصمي، عضو المجلس العسكري في الجيش الحر، أنّ النظام يحاول من خلال التصعيد العسكري في الرقة كسب الوقت في ظل الحراك الدولي والبحث في خطّة ديمستورا التي تنص ببندها الرئيس على وقف القتال في حلب وبعث رسائل إلى أميركا للقول إنه جزء من الحرب على الإرهاب.
ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «داعش» منذ بدء ضربات التحالف اعتمد سياسة الاختباء في مناطق مدنية، معتبرا أنّ النظام لن يقدر على تقويض التنظيم في هذه المناطق.
ورأى العاصمي أنّ الوضع يختلف في دير الزور حيث المعارك مباشرة ولها هدف ميداني عسكري وليس سياسيا.
كذلك، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد هشام جابر أنّ النظام متفرغ اليوم لجبهة حلب بعدما بات مرتاحا لوضعه إلى حد ما في دمشق والساحل والطريق بينهما، ويحاول كسب أكبر قدر من المكاسب في ظل التوجّه الدولي نحو الاتفاق على خطّة ديمستورا. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ضرب الرقة الموجودة في شمال شرقي حلب، التي تعتبر عاصمة (داعش) سيكون له تأثير معنوي وعسكري كبير بالنسبة إلى النظام، ولا سيّما على طاولة المفاوضات، وهو الأمر الذي يسعى إليه بتكثيف غاراته عليها بشكل غير مسبوق في هذه الفترة».
ويلفت جابر إلى أنّ النظام الذي يعمل باتجاه واحد في حربه هذه، وكما في أي حرب، لن يهتمّ بالخسائر في صفوف المدنيين، مشيرا في الوقت عينه إلى أنّ هناك تنسيقا، وإن كان غير مباشر بين الطلعات الجوية التي ينفذها النظام وتلك التي يقوم بها «داعش»، منعا لأي تصادم قد يؤدي إلى حرب بين الطرفين.
وفي حين يشير رامي عبد الرحمن في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ النظام يتمنّى إسقاط عدد كبير من مقاتلي «داعش»، للحصول على مصداقية أمام المجتمع الدولي، يعتبر أنّه قد يكون يعتمد سياسة ممنهجة يهدف من خلالها إلى تأليب السوريين الموجودين في مناطق «داعش» وتهجيرهم، كما حصل في مدينة حلب، أو أنه يستعين بطيارين يفتقرون إلى الخبرات اللازمة وكل ما يقومون به هو قصف المناطق التي يفترض أنّ فيها وجود لـ«داعش». وذكّر عبد الرحمن بما حصل قبل نحو شهرين، عندما أظهر شريط فيديو طيارا وهو يقول: «سيدي الطائرة تبدو معي ثقيلة»، فما كان للأخير إلا أن أمره برمي البرميل المتفجر أينما كان مستهدفا بذلك منطقة مدنية.
وفي موقف له تجاه استهداف النظام للمدنيين، استنكر الائتلاف الوطني على لسان أمينه العام نصر الحريري، «سلبية التحالف الدولي تجاه المجازر المرتكبة بحق أهالي الرقة، جرّاء البراميل المتفجرة التي تمطر بها طائرات النظام المدنيين». وقال الحريري: «إنّ هذا الغموض والسلبية والسلوك غير الواضح في استراتيجية التحالف الدولي بالتعامل مع الواقع السوري، من شأنه أن يدفع المستضعفين للالتحاق بصفوف الجماعات المتطرفة، لكونها السبيل الوحيدة الموجودة أمامهم، في ظلّ هذا التخاذل الدولي في التعاطي مع المسألة الإنسانية بسوريا».
وأشار الأمين العام إلى «أنّ القصف الذي تشهده الرقة ليس عشوائيا، بل هو منتظم يستهدف المدنيين فقط، وأن إصرار التحالف على عدم وضع حدّ لمجازر الرقة يعني أنّ ذلك إقرار بالجريمة وتقديم خدمات مجانية لقوات الأسد».
وتضررت أماكن كثيرة جراء الغارات الجوية، بينها عدد من المنشآت العامة مثل المتحف الوطني والمنطقة الصناعية ومسجد.
والرقة هي مركز المحافظة الوحيدة الخاضعة لسيطرة «داعش» بشكل كلي في سوريا، بحيث أصبحت معقله الرئيس.
وظلت المدينة في منأى عن غارات النظام لعدة أشهر رغم شنه ضربات جوية ضد معاقل التنظيم في شمال سوريا وشرقها منذ الصيف الماضي.
وزادت الغارات الجوية التي تشنها القوات الحكومية السورية منذ بدأ تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة مهاجمة مواقع التنظيم في سوريا في سبتمبر (أيلول) الماضي مع بدء تنفيذ طائرات التحالف ضرباتها، مع العلم أنّ 90 في المائة من الغارات التي استهدفت «داعش» من قبل النظام لم تكن صائبة واستهدفت المدنيين، وفق المرصد.
وكان المرصد قد أعلن في السادس من سبتمبر الماضي أن 8 غارات على الرقة أسفرت عن مقتل 53 شخصا معظمهم من المدنيين، وآخر استهداف لمراكز «داعش» عبر طيران النظام كان في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فيما كان آخر قصف للتنظيم من قبل النظام أيضا، في 23 الحالي في دير الزور، أدى إلى مقتل 17 مقاتلا خلال يومين. وقد شن سلاح الجو السوري 1592 غارة جوية في أنحاء سوريا على مدى الشهر الماضي قتل خلالها 396 مدنيا على الأقل.
عدد ضحايا سوق الخضار في مدينة الرقة التي تعرضت لقصف من طيران النظام الثلاثاء وصل لـ95 شخصا أكثر من نصفهم مدنيون (نور فرات/ رويترز)



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.