بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

المنظمة الدولية أرسلت أكثر من 50 مبعوثا وممثلا ومستشارا ومنسقا إلى مناطق ساخنة.. لكن دون جدوى

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع
TT

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

بعثات الأمم المتحدة.. السلام الضائع

في الأسبوع الماضي، قال مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، لتلفزيون «بي بي سي» البريطاني إنه يعتقد أن «ثمة فرصة متاحة لحل الأزمة السورية». وأن وقف إطلاق النار «قد يتحقق بسبب التهديد المشترك الذي يمثله مسلحو تنظيم داعش»، لعدة جهات إقليمية ودولية. وأشار دي مستورا إلى حالة الإرهاق التي بدأت تظهر بين الأطراف من طول النزاع. لكن المبعوث استدرك قائلا: «سيكون الحديث عن خطة سلام حديثا طموحا، ومضللا». هكذا تبدو الأمور على هذه الشاكلة دائما.. حروب ساخنة، قضايا معقدة، واجتهادات أممية طموحة، لكنها مضللة؛ إن لم تكن فاشلة.. عشرات المهام للمبعوثين الدوليين من كل الجنسيات.. يجوبون أركان العالم لنزع فتيل الحروب، في الشرق الأوسط، وأفريقيا وأوروبا.. من رواندا إلى الكونغو والسودان ودارفور والجنوب.. إلى فلسطين والعراق وسوريا.. واليمن وليبيا وأوكرانيا.. وغيرها.. وغيرها.. والمحصلة دائما مخيبة.
في العام الماضي، عقد مركز «بروكينغز» في واشنطن ندوة عن «دبلوماسية الأمم المتحدة»، والمبعوثين الذين يرسلهم الأمين العام للأمم المتحدة، خصوصا إلى سوريا (في ذلك الوقت، كان المبعوث الرابع هو الإبراهيمي). وقد خلصت الندوة إلى مجموعة أفكار تبين أسباب فشل البعثات الدبلوماسية.
قال جيفري فيلتمان، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، وسابقا كان سفيرا في الخارجية الأميركية، إنه أحس بأنه «عاري» عندما انتقل من دبلوماسي أميركي إلى دبلوماسي دولي. وذلك لأنه كان يتحدث «باسم القوة الأميركية»، ثم، فجأة، وجد نفسه عاريا «دون قوة». ولهذا، لم ينجح مبعوثو الأمم المتحدة لأنه لا تقف إلى جانبهم «هذه القوة الأميركية».
ستروب تالبوت، رئيس مركز «بروكينغز»، وسابقا كان رئيس تحرير مجلة «تايم»، ونائب وزير الخارجية، قال إنه دون دبلوماسية الأمم المتحدة (المبعوثون) كانت الأمم المتحدة ستعجز عن تحقيق ما حققت. وذلك لأنها لا تقدر على التركيز على العمليات العسكرية (القوات الدولية) لأنها لا تملك قوات مسلحة. وقال ويغار سترومان، سفير النرويج في واشنطن، وسابقا كان مبعوثا للأمم المتحدة إلى البوسنة والصرب، إن نجاح أو فشل المبعوث يعتمد على اتفاق أو عدم اتفاق الدول الكبرى (دول الفيتو في مجلس الأمن). وفي فترة النقاش، جاءت هذه الآراء:
قال أحدهم: «كل شيء يعتمد على مصلحة الغرب. متى نجح مبعوث دولي عندما حاول حل مشكلة بطريقة لا تخدم مصلحة الغرب؟». وقال ثان: «كان ريتشارد هولبروك أنجح مبعوث دولي». وقال ثالث: «كان هولبروك أنجح مبعوث دولي لأنه كان مناكفا. هل يجب أن يكون المبعوث الدولي مناكفا لينجح؟».

* في انتظار الفشل.. أو النجاح
* هنا قائمة غير حصرية لمبعوثين شخصيين باسم الأمين العام للأمم المتحدة، في وظائفهم الحالية، وفي انتظار نجاحهم أو فشلهم؛ وهم: كريستوفر روس (الولايات المتحدة): الصحراء الغربية. هيلي منكريوس (جنوب أفريقيا): السودان، وجنوب السودان. هيروت سيلاسي (إثيوبيا): الساحل الأفريقي. روبرت فاولر (كندا): النيجر، أغاديز. نيكولاس ميشال (سويسرا): الغابون وغينيا الاستوائية. سعيد جينيت (الجزائر): البحيرات، أفريقيا. مودبو توري (مالي): البحيرات، أفريقيا (موفد ومستشار). روبرت سيري (هولندا): السلطة الفلسطينية. جيمس رولي (الولايات المتحدة): المساعدات الإنسانية، الأراضي الفلسطينية المحتلة. تيرجي لارسين (النرويج): لبنان. جين لوتي (الولايات المتحدة): معسكر «الحرية» الإيراني في العراق. ستيفان دي مستورا (إيطاليا): سوريا. رمزي عز الدين رمزي (مصر): مناوب، سوريا. جمال بنعمر (المغرب): اليمن. نيكولاس كاي (الولايات المتحدة): الصومال. عبد الله المعتوق (الكويت): المشكلات الإنسانية. سجريد كاق (هولندا): أسلحة سوريا الكيماوية. جورج كاربنتر (فنلندا): ليبيا، مساعدات إنسانية. ليلى زروقي (الجزائر): الأطفال في مناطق الحرب. أنتوني بانبيري (بريطانيا): «إيبولا». براسادا جونالاقادا (الهند): الإيدز. جينس كاركلينغ (لاتفيا): الإنترنت. أحمد الهنداوي (الأردن): الشباب. ولأن ميثاق الأمم المتحدة يكلف مجلس الأمن بالمحافظة على الأمن، سواء بمنع الحروب حتى لا تبدأ، أو بوقف الحروب بعد أن تبدأ، فإنه يوجد اختلاف بين 3 مهام: أولا: قوات حفظ السلام، وهي تقوم بإرسال قوات عسكرية بعد نهاية حرب؛ مثلا: في الجولان، وفي سيناء، وفي البوسنة، وفي جنوب السودان. ثانيا: عملية بناء السلام، وهي القيام بجهود دبلوماسية لمنع بداية حرب، أو منع استئنافها؛ مثلا: قرارات وقف إطلاق النار، وتشجيع المفاوضات، وإرسال مبعوثين. ثالثا: عمليات صناعة السلام، هذه جهود بعيدة المدى.. وتتمثل في البرامج الإنسانية، والتعليمية، والصحية، والثقافية. في كل الحالات، يصدر مجلس الأمن القرارات، ويقوم الأمين العام بتنفيذها. وبالنسبة للجهود الدبلوماسية لمنع بداية حرب، أو منع استئنافها، فإنه يوجد هيكل معقد في مكتب الأمين العام.
وهنا أسماء بعض وظائف الذين يقومون بهذه الجهود الدبلوماسية (يبلغ عددهم 50 تقريبا): وهي: مبعوث شخصي، مثل ستيفان دي مستورا، سوريا. ومبعوث خاص، تيري رود لارسين، لبنان. ومستشار خاص، مثل جين لوتي، معسكر «الحرية» في العراق. ومنسق خاص مثل روبرت سيري، عملية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وممثل خاص مثل نيكولاس هيسوم، أفغانستان. ومبعوث إنساني، مثل عبد الله المعتوق، الكويت. ومدير بعثة. مثل الجنرال إقبال سنخا، مرتفعات الجولان.
بالإضافة إلى الدبلوماسيين، يقدر الأمين العام للأمم المتحدة على اختيار شخصيات عالمية مشهورة لمساعدته في مهمة وقف الحروب، أو منع الحروب.. مثلا: في عام 1993، اختار سايروس فانس، وزير الخارجية الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر، مبعوثا خاصا إلى البوسنة، خلال الحرب بين البوسنة المسلمة وصربيا المسيحية الأرثوذكسية. في عام 2000، اختار جيمس بيكر، وزير الخارجية في إدارة الرئيس بوش الأب، مبعوثا خاصا إلى الصحراء الغربية. في عام 2009، اختار الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون مبعوثا خاصا إلى هايتي، وذلك بعد الزلزال الذي دمر أجزاء كبيرة من العاصمة، وبعد فوضي سياسية وعسكرية استدعت إرسال قوات من الأمم المتحدة. في عام 2012، اختار كوفي أنان، الذي كان أمينا للأمم المتحدة، مبعوثا خاصا إلى سوريا. وكان ذلك بتنسيق مع جامعة الدول العربية.
في عام 2012، اختار غوردن براون، رئيس وزراء بريطانيا السابق، مبعوثا خاصا لشؤون التعليم. ومن وقت لآخر، يستحدث الأمين العام للأمم المتحدة مواضيع جديدة، ويعين لها مبعوثين. مثلا: مبعوث خاص للشباب، ومبعوث خاص لمرض الايدز، وأخيرا، مبعوث خاصة لمرض «إيبولا».

* محاولات الإصلاح
* فشل معظم بعثات السلام دعا مجلس الأمن الدولي في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي لتبني أول قرار يتعلق بعمليات حفظ السلام. وللمرة الأولى خلال 15 عاما، كلف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الحائز على جائزة نوبل للسلام، خوسيه راموس هورتا بإعادة النظر في مفهوم عمليات قوات حفظ السلام التي قتل عشرات من جنودها في مالي وخطف آخرون في هضبة الجولان السورية في الأشهر الماضية، فيما يشهد العالم رقما قياسيا من الأزمات. وأسرع الرئيس السابق لتيمور الشرقية في مباشرة العمل. وسيسعى مع فريق الخبراء الذي يترأسه إلى تحديد سبل تحسين هذه العمليات في سائر أرجاء العالم والحصول على مانحين (بالجنود أو المال) وعلى مزيد من الدعم. وقال خوسيه راموس هورتا من مقر الأمم المتحدة في نيويورك: «وضع عمليات حفظ السلام تغير بمجمله نحو الأسوأ في بعض الجوانب». وأضاف أن فريق الخبراء سيسعى إلى إقناع القوى الناشئة، مثل الصين والبرازيل والهند وتركيا ومصر، بتقديم مساهمة أكبر سواء في ما يتعلق بالوسائل المالية واللوجيستية أو الجنود.
وسينظر أعضاء الفريق الـ15 أيضا في عدم التوازن بين الدول الثرية التي تمول عمليات حفظ السلام (الولايات المتحدة واليابان وفرنسا) والدول الفقيرة التي تساهم بقوات مثل بنغلاديش وباكستان والهند. وهذه السنة سحبت الفلبين قوتها المتمركزة في هضبة الجولان في إطار قوة مراقبة فض الاشتباك بعد تعرض جنودها لهجوم مسلحين معارضين سوريين، واحتجاز جنود فيجيين من «القبعات الزرق» رهائن. وفي شمال مالي، خلفت سلسلة هجمات عنيفة 31 قتيلا في صفوف جنود الأمم المتحدة منذ انتشار البعثة في يوليو (تموز) 2013.
وقد تطور دور «القبعات الزرق» من مراقبة خطوط وقف إطلاق النار إلى دور «المحاربين الحراس للسلام» مما يثير قلق الدول المساهمة بقوات. ويعتزم فريق الخبراء هذا التوجه إلى هذه البلدان للاستماع إلى مطالبها وكذلك إلى المقر العام لحلف شمال الأطلسي في بروكسل للسعي إلى إقناع الحلف بالمساعدة على تعزيز عمليات الأمم المتحدة. وسيبحث أعضاء الفريق أيضا مع الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في كيفية مشاركة الدول الأفريقية في هذه المراجعة لا سيما أن كثيرين من جنودها يفتقرون للتدريب أو يتهمون بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
ورأى هيستر بانيراس، قائد القوة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور بغرب السودان، أن قرار مجلس الأمن الأخير «يمنحنا مزيدا من هامش المناورة لتلبية بعض حاجاتنا وإحداث فرق على الأرض».
وتساهم نحو 90 دولة في قوات السلام في إطار 13 عملية أممية لحفظ السلام في العالم بمشاركة نحو 12 ألفا و500 شرطي حاليا مقابل 1600 فقط قبل 20 عاما.

* الوضع في سوريا
* سؤال لا يزال يحير كثيرا من المراقبين، هل ينجح المبعوث الدولي الخامس إلى سوريا فيما لم ينجح فيه المبعوثون الأربعة قبله؟
كان الأول سودانيا: الفريق محمد أحمد الدابي. قبل أن يصل إلى سوريا، واجه تغطية إعلامية غير مشجعة، ورد فعل من المعارضة السورية غير مشجع أيضا، ولذعات مثل أن اسمه «الدابي» وهو «الثعبان» بالعامية السودانية، وكانت منظمة «هيومان رايتس ووتش» جادة عندما قالت إنه اشترك في «الإبادة» التي نفذتها حكومة الرئيس الفريق عمر البشير في دارفور.
وكان الثاني نرويجيا: الجنرال روبرت مود، الذي عين قائدا لقوات المراقبة الدولية، ثم أخذ نصيبه من الغموض: هل هي قوات مراقبة؟ أم حفظ سلام؟ هل هو قائد عسكري؟ أم مبعوث دبلوماسي أيضا؟ في البداية، طلب زيادة عدد القوات، ثم طلب تجميد طلبه، ثم أعلن تجميد عمل القوات، ثم انسحب. وقال: «ليس سقوط نظام الأسد إلا مسألة وقت»، ثم قال؛ في المؤتمر الصحافي نفسه: «لن يكون سقوط الأسد كافيا لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا».
وكان الثالث المناوب سنغاليا: الجنرال أبو بكر غاي، الذي خلف الجنرال النرويجي، لكنه، لم يكن مبعوثا شخصيا، واكتفى بمنصب ممثل الأمين العام وقائد قوات المراقبة، بعد أن انخفضت من 500 إلى 150 فقط، ثم إلى صفر.
وكان الثالث الرئيسي غانيا؛ كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة. تفاءل، وقدم خطة من 6 نقاط. وبعد 6 أشهر، بدأ يشتكى الدول الكبرى للصحافيين، في مؤتمراته الصحافية. ومما قال: «آن الأوان لتزيد الدول الكبرى الضغط على الأطراف السورية المختلفة.. آن الأوان للتحرك. أكرر: آن الأوان لنتحرك.. الآن»، وحذر من استفحال الأزمة في سوريا، و«احتمال انتشارها إلى الدول المجاورة» (قبل قرابة 3 سنوات من «داعش العراق»). وحذر من أن هناك مائة ألف لاجئ سوري (وصل العدد الآن إلى قرابة 5 ملايين، في الداخل والخارج).
وكان المبعوث الرابع جزائريا: الأخضر الإبراهيمي. ومثل الغاني، راهن على الدول الكبرى، وخيبت أمله. راهن على مؤتمر «جنيف2» في عام 2014 لتطبيق إعلان «جنيف1» في عام 2012. وانهار «جنيف2» بعد جولتين فقط.
وها هو المبعوث الخامس: الإيطالي دي ميستورا. تولى منصبه في يونيو (حزيران) الماضي.
في الأسبوع الماضي، أيضا، نقلت وكالة الأنباء السورية أن الرئيس السوري بشار الأسد قال إنه ينظر في خطة هدنة دولية في حلب، تفصل بين المناطق التي يسيطر عليها الثوار، والتي تسيطر عليها الحكومة.
في الوقت نفسه، قال المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، دانيال روبنشتاين، لـ«الشرق الأوسط» إن التزام بلاده بحل سياسي في سوريا يشترط رحيل الرئيس السوري بشار الأسد. وعن خطة المبعوث، قال روبنشتاين: «لدينا نسبة عالية من الثقة فيه، ولديه سجل جيد في المجتمع الدولي». ثم استدرك روبنشتاين، وقال: «الوقت مبكر لمعرفة التفاصيل التي يفكر فيها، أو التي يمكن الاتفاق عليها من قبل الأطراف المختلفة».
وفي الوقت نفسه، قال وزير خارجية النظام السوري، وليد المعلم: «سوف نتسلم قريبا جدا صواريخ (إس 300) المضادة للطائرات»، والتي كانت موسكو جمدت تسليمها قبل أكثر من عامين، استجابة لضغوط أميركية وإسرائيلية.
أما في جانب المعارضة السورية، فحدث ولا حرج.. قال قائد قوات «فجر الحرية» وائل الخطيب: «لن نقبل بأي هدنة مع النظام إلا بعد سقوطه». وقال قائد «جيش القصاص»، فراس الخرابة: «ليس للنظام السوري أي ذمة أو عهد». وقال قائد «جيش المجاهدين»، صقر أبو قتيبة: «أصبح مجلس الأمن عاجزا عن إيجاد حل شامل للوضع السوري».

* نجاحات وسط الظلام
* في عام 1995، نجح مبعوثان نجاحا تاريخيا:
* الأول: مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة (سايروس فانس، وزير الخارجية في إدارة الرئيس كارتر). الثاني: مبعوث الرئيس الأميركي بيل كلينتون (ريتشارد هولبروك، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية). في ذلك العام، وقعت الأطراف المتحاربة في يوغوسلافيا اتفاقية دايتون (ولاية أوهايو) لإنهاء الحرب التي بدأت قبل ذلك بأربع سنوات مع سقوط جمهورية يوغوسلافيا. (ومع سقوط الإمبراطورية السوفياتية، وسقوط الأحزاب الشيوعية في دول شرق أوروبا).
شملت حروب يوغوسلافيا مناطق مثل: البوسنة، والهرسك، وكرواتيا، والجبل الأسود، وسلوفينيا، وكوسوفو. وكانت أكبر الحروب بين المسلمين في البوسنة والمسيحيين الأرثوذكس في صربيا. ورجحت كثيرا كفة المسيحيين، ووقعوا تقتيلا في المسلمين. وبعد تجاهل، وتلكؤ، وتردد استمر 3 سنوات تقريبا، أحست الدول الغربية الكبرى (أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) أن أوروبا تشهد أكبر مذبحة منذ الحرب العالمية الثانية.
في النهاية، ربما عقدة الذنب هي التي جمعت في باريس للتوقيع النهائي على الاتفاقية كلا من: الرئيس الأميركي بيل كلينتون، والرئيس الفرنسي جاك شيراك، ورئيس وزراء بريطانيا جون ميجور، ورئيس وزراء ألمانيا هيلموت كول، ورئيس وزراء روسيا فيكتور تشيرنو ميردين.
لهذا، ولأن الحرب كانت في قلب الغرب، ولأن الغرب (بعد تجاهل، ثم تردد) أجمع على وقفها، وإحلال السلام، نجح المبعوثان: الأممي، والأميركي.

* نجاح أم فشل؟:
* كان نجاح المبعوثين كبيرا، وتاريخيا، وذلك لأكثر من سبب:
* أولا: منعا لما كان قد أعلن عنه الزعيم الصربي رادوفان كاراديتش (في 1991، مع بداية الحرب): «خلال أسبوع واحد، سوف نزيل سراييفو من الخريطة. وخلال شهر، سوف نزيل المسلمين من البوسنة».
ثانيا: خاصة هولبروك (مبعوث الرئيس كلينتون)، وذلك لتحدي قادة أوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي شيراك الذي عارض تأسيس «دولة إسلامية في قلب أوروبا» ومثل رئيس وزراء بريطانيا ميجور الذي كاد يبكي وهو يتحدث عن «مسيحية أوروبا». في عام 2009، تذكر كلينتون: «لم يرفض الأوروبيون إبادة المسلمين مثلما لم يرفضوا إبادة اليهود».
لكن، حتى اليوم، يظل السؤال: هل نجح المبعوثان حقيقة؟
كان النجاح المثالي هو استمرار يوغوسلافيا دولة مسيحية ومسلمة. لكن، طبعا، لم يكن ذلك ممكنا، وربما لن يكون ممكنا.
في الأسبوع الماضي، عاد إلى الصرب من لاهاي الزعيم الصربي فوغسلاف سيسيلج، بعد أن قضى أكثر من 10 سنوات في السجن (بعد أن حاكمته محكمة الجنايات الدولية على جرائم يوغوسلافيا). واستقبله عشرات الآلاف في مطار بلغراد، وقال إنه غير مقتنع بما حدث (تأسيس دولة البوسنة المسلمة، ثم تأسيس دولة كوسوفو المسلمة)، وصفق له عشرات الآلاف.

* لعنة العراق:
* وهناك المبعوث البرازيلي سيرجيو ميلو. نجح مرات كثيرة، ثم وقعت عليه لعنة العراق.
عام 1999، أرسله الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا خاصا إلى جزيرة تيمور الشرقية للإشراف على انفصالها عن إندونيسيا، وتأسيسها بصفتها دولة مستقلة. وكان سبب نجاحه هو تأييد الدول الغربية له، تحت ضغوط من كنائس عالمية، ومن دولتين مهمتين: أستراليا (المجاورة)، والبرتغال (المستعمرة السابقة). ولم يكن صعبا عليه فصل إقليم مسيحي في جزيرة صغيرة عن دولة مسلمة تتكون من 18.307 جزيرة.
كان مرشحا ليكون أمينا عاما للأمم المتحدة، وذلك لأنه قضى كل حياته العملية في الأمم المتحدة، ونال ماجستير في الفلسفة الأخلاقية من جامعة البرازيل، ودكتوراه في الأنظمة الدولية من جامعة السوربون، وكان يتكلم 5 لغات، وكان نجح في مهام أخرى، غير تيمور الشرقية، منها: اتفاقية السلام في السودان (1972)، اتفاقية نهاية حرب بنغلاديش (1973)، غزو تركيا لجزيرة قبرص (1974).
لكن، فشل البرازيلي في مهمة أخرى: في العراق، حتى قبل أن يبدأ مهمته الرئيسية.. قتلته حرب العراق، عندما انفجر مبنى الأمم المتحدة في بغداد، وقتلت معه 20 من موظفي مكتبه. كان ذلك عام 2003 (بعد أشهر قليلة من غزو العراق). أرسله الأمين العام مبعوثا خاصا ليرسي قواعد السلام في العراق.

* «الأميركي غير الهادئ»:
* في عام 1995 عين الرئيس كلينتون الدبلوماسي المناكف ريتشارد هولبروك مساعدا لوزير الخارجية للشؤون الأوروبية. وصار مهندس اتفاقية دايتون (ولاية أوهايو) التي أنهت حرب البوسنة، وصار لقبه «كيسنجر البلقان».
لم يكن مبعوثا باسم الأمين العام للأمم المتحدة، لكنه كان يتفاوض بتفويض منه، واعتمدت الأمم المتحدة الاتفاقية، ثم أرسلت قواتها إلى هناك لتنفيذها، ولفترة من الزمن، تعاون مع مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة: سايروس فانس (وزير خارجية أميركا في إدارة الرئيس جيمي كارتر). عكس فانس العاقل الهادئ، كان هولبروك مناكفا، وعندما استقال فانس «بسبب تعنت الأطراف المتحاربة»، أقسم هولبروك على أن يستمر «بسبب تعنت الأطراف المتحاربة».
وقبل الوصول إلى الاتفاق، الذي يعتبر حتى اليوم، من أكبر نجاحات الدبلوماسية الأميركية، لم يتردد هولبروك في استعمال لهجة قوية مع الذين فاوضهم، خاصة سلوبودان ميلوسيفيتش رئيس الصرب السابق (مرة قال له في وجهه أمام صحافيين: «أنت كذاب محترف»).
بعد البوسنة، أرسل إلى أفغانستان، ومع الرئيس الأفغاني حميد كرزاي كانت له مواجهات ساخنة، لكن، كانت مهمته الأخيرة هذه هي الأصعب التي كلف بها. وتوفي فجأة، بعد أن عاد من زيارة أخرى إلى هناك.
لكن:
أولا: هذا «الأميركي غير الهادئ» (اسم كتاب عنه، إشارة إلى كتاب صدر قبل 50 سنة هو «الأميركي الهادئ»)، لم ينجح في البلقان إلا لأن القوة الأميركية (والأمم المتحدة) كانت معه. ولم ينجح في أفغانستان لأن القوة الأميركية (والأمم المتحدة) بدأت تضعف هناك.
ثانيا: لم يكن مناكفا فقط مع الأجانب الذين فاوضهم، بل أيضا مع زملائه الأميركيين. ناكف هيلاري كلينتون لأنه كان يرى أنه أحق منها وزيرا للخارجية. ويقال إن أوباما وعده بأن يخلفها.. لكنه توفي قبل عامين من استقالتها. وناكف زوجاته الثلاث؛ واحدة بعد الأخرى، مع أخبار بأنه كان «زير نساء».



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».