يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

يرفضون تقديم تنازلات ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)

يدير الشيخ حسن عبد الله، أحد أبناء قبيلة «ورفلة» كثيرة العدد في ليبيا، دكانه تحت اسم «تشاركية السلام»، في ضاحية تطل على ميناء طبرق البحري. وتنعقد في هذه المدينة جلسات البرلمان، ويوجد بالقرب منها مقر قيادة أركان الجيش الجديد. ويستمع عبد الله إلى نشرة الأخبار من مذياع قديم معلق على الجدار. وكانت النشرة تتضمن حديثا عن مساعي الصلح بين ميليشيات المتطرفين التي تقودها جماعة الإخوان في طرابلس، من جانب، وقوات الجيش والبرلمان، من الجانب الآخر. ويقول «يتعاملون مع ليبيا وكأن فيها هذين الطرفين فقط. أين نحن من معادلة المصالحة؟ ما زالوا يتجاهلوننا».
وتعد قبيلة ورفلة، ومركزها الرئيس في مدينة بني وليد، واحدة من قبائل ليبيا التي اتهمها «ثوار 17 فبراير 2011» بموالاة العقيد معمر القذافي أثناء حكمه للبلاد طيلة 42 سنة، مع قبائل أخرى من بينها «القذاذفة» و«المقارحة»، إضافة للآلاف من عائلات وبيوت عدة مدن ترى أنها تعرضت للغبن جراء «الثورة»، مثل مدينة تاورغاء التي جرى تهجير سكانها بالكامل عقب مقتل القذافي. ويضيف الشيخ عبد الله قبل أن يغلق تشاركيته في ذلك المساء أن الجميع يحصر مساعي المصالحة بين حكام «17 فبراير» الذين انقسموا على أنفسهم و«يتقاتلون على السلطة الآن»، بينما هناك الألوف في السجون، ونحو مليون اضطروا للهجرة للدول المجاورة ولا يتحدث عنهم أحد، ويجري اتهامهم بأنهم «من أتباع القذافي».

تتبنى الأمم المتحدة الدعوة إلى الحوار بين الخصوم الليبيين، من خلال مبعوثها الخاص إلى ليبيا، برناردينو ليون، لكن مساعيه ما زالت تقتصر، على ما يبدو، على محاولة جمع رؤوس قيادات «ثورة فبراير»، من خلال «حوار غدامس» بين وفد من البرلمان وعدد من النواب الذين يقاطعون جلساته، في حين تتواصل محاولات أخرى، تبدو أكثر شمولية، تقوم بها الجزائر، للاستماع إلى وجهات نظر جميع الفرقاء، بمن فيهم المحسوبون على نظام القذافي، قبل الدعوة إلى اجتماع موسع للمصالحة، إلا أن مصادر سياسية تقول إن جماعة الإخوان المسلمين التي تقود ميليشيات المتطرفين في البلاد تعرقل مساعي لم الشمل وترفع شعارات متشددة وتقدم نفسها كأنها الوصي على الشعب الليبي، رغم قيامه بإسقاط مرشحيها للبرلمان الصيف الماضي.
وفي أول إجراء عملي لدعوات الحوار والمصالحة التي أطلقها رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، خصص البرلمان لجنة من لجانه سماها «العدل والمصالحة الوطنية». وتسعى اللجنة إلى استلهام تجارب بعض الدول التي شهدت نزاعات مماثلة لما تمر به ليبيا، لوضع أسس لحوار شامل يبني لمرحلة جديدة في البلاد التي تشهد حربا بين المتطرفين، والجيش. ويعد من أكبر هذه الميليشيات ما يسمى بـ«قوة فجر ليبيا» التي يقودها إخوان متشددون ينتمون لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة.
ويقول عضو لجنة «العدل والمصالحة الوطنية»، النائب عن مدينة بنغازي، إبراهيم عميش «نسعى للتعلم من التجارب السابقة للعديد من الدول التي مرت بحروب محلية أو بثورات داخلية، مثل ليبيا». ويوجد إدراك لدى عدد من أعضاء هذه اللجنة لأن الصراع في جوهره «صراع قوى سياسية وكيانات مسلحة على قضية السلطة والديمقراطية والممارسة ومن يحكم وبأي طريقة، والعلاقة بالنظام السابق وغيرها».
ويعلق عميش قائلا «كل هذه التقاطعات تضع البلاد في حالة من الصراع الذي يمتد إلى أن يصل إلى قضية الصراع المسلح، وتبدأ أعمال القتل والتدمير، وهذا ما نمر به الآن»، مشيرا إلى أن التجارب التي مرت بها العديد من الدول وعلى رأسها جنوب أفريقيا، أكدت على أنه لا بد، في النهاية، من أن يستقيم الأمر، وأن تكون هناك دولة وشعب يريد أن يطمئن على مستقبله في دولة ذات سيادة. ولهذا - كما يقول «لا بد أن تجلس جميع الأطراف على طاولة حوار، وتطرح فيه كل القضايا، ويجري الاتفاق على الحد الأدنى لتحقيق السلم الاجتماعي وتحقيق مراحل بناء الدولة، والتوافق حول الكثير من المسائل الأخرى».
ودعا البرلمان نوابه الذين يقاطعون جلساته للحضور، ولم يستخدم بحقهم اللائحة الداخلية والقوانين التي تعطيه الحق في فصلهم بسبب الانقطاع عن الجلسات. ويبلغ عدد النواب المقاطعين أقل من 25 غالبيتهم من جماعة الإخوان ومدينة مصراتة. ويتحجج هؤلاء النواب بأن البرلمان انعقد في غير المكان الذي ينص عليه الإعلان الدستوري، وهو مدينة بنغازي، ويقول عميش «طبعا البرلمان انعقد في غير مكانه لأسباب كثيرة أمنية، ونملك وثائق وشهادات وتقارير صادرة عن عسكريين ومن الاستخبارات ومن وزير الداخلية، تقول إنه لا يمكن انعقاد المجلس في مدينة بنغازي أو مدينة طرابلس بسبب الأوضاع الأمنية، وبالتالي تم اختيار مدينة طبرق باعتبارها مدينة آمنة ومؤمنة».
ويقول إنه بالإضافة إلى دعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار والبدء في الحوار حول هذا الأمر، كانت الاستجابة من مجلس النواب (البرلمان) بأن وجه الدعوة للنواب الذين امتنعوا عن الحضور والذين هم محسوبون على قوى ما يعرف بـ«فجر ليبيا»، وأيضا بعض الأطراف التي اتخذت موقفا في هذا الخصوص ومنحازة للصراع الموجود في المنطقة الغربية، وقلنا لهم أن يأتوا وأن يحلفوا اليمين وأن يتولوا مهامهم البرلمانية من أجل تحقيق مرحلة بناء الدولة وفتح قضايا الحوار، وهو ما أكد عليه أيضا الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، حين حضر لليبيا أخيرا، إلى جانب استمرار جهود ممثله الخاص، ليون، الذي أشرف على «لقاء غدامس» وجرى الاتفاق فيه على وقف إطلاق النار وإتاحة الفرصة لاستخدام المطارات التي دمرت، وعلاج جرحى المواجهات وإتاحة الفرصة لعودة النازحين.
ويزيد عميش موضحا أنه بدأ بالفعل وضع قواعد لهذا الحوار، لكن العقبة الحقيقية تكمن في أن الذين شاركوا فيه «كانوا من النواب الذين انحازوا للطرف الآخر (الإخوان المتشددين) ولم يحضروا»، مشيرا إلى أن «عددهم قليل، وغيابهم لم يؤثر على الإطلاق في قضية النصاب القانوني لجلسات البرلمان، أو حتى على سير جلسات مجلس النواب نفسه».
ويتخذ البرلمان الليبي مواقف مبدئية من أي حوار، قائلا إنه يتمسك بشروط إلقاء السلاح والاعتراف بالمسار الديمقراطي قبل المصالحة.. وبينما تواصل الجزائر الاستماع للفرقاء الليبيين قبل «الحوار الشامل»، اتهم أنصار القذافي جماعة الإخوان بمحاولة إفشال كل محاولات لم الشمل، ويقولون إن الجماعة مثلها مثل رؤساء الميليشيات المسلحة، يرفضون تقديم تنازلات، ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح، وعلى دعم بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي لها قنوات اتصال مع قوى ما يعرف بـ«الإسلام السياسي»، وقادته من «الإخوان» والجماعات الليبية المقاتلة و«أنصار الشريعة» التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وتجري جهود الأمم المتحدة والجزائر بالتزامن مع جهود يقوم بها سياسيون ليبيون، من الداخل والخارج، لوضع حد للفوضى الجارية في البلاد. وأبدى البرلمان مجددا، وكذا عدة أحزاب وشخصيات سياسية، الاستعداد للتحاور وتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة لإنقاذ ليبيا، بشرط ترك السلاح جانبا، والارتضاء بما يقرره الشعب بالوسائل الديمقراطية وبشكل سلمي، ورحبوا باللقاء الذي عقد في «غدامس». لكن ما هي قدرة مثل هذا اللقاء على وقف الاقتتال الداخلي خاصة في المناطق الغربية؟ يجيب نائب بنغازي قائلا «الذين حضروا (حوار غدامس) هم نواب، ولم يستطيعوا أن يلتزموا بأي شيء يمكن أن يفرضوه على الأطراف المسلحة. بل بالعكس.. الأطراف المسلحة أدانتهم واتخذت مواقف ضدهم بهذا الخصوص، بسبب مشاركتهم في الحوار، وهذا طبعا يثبت أن الجماعات المسلحة لا تريد الحوار، وأنها (جماعات إرهابية). مثلا تنظيم ما يعرف بـ(أنصار الشريعة) لا يعترف حتى بقضية الدستور، ولا بكيانات الدولة، ولا يريد قيام جيش وشرطة، و(...).. هذا الأمر مرفوض».
ويقول فرج بوهاشم، الناطق الرسمي باسم البرلمان الليبي، إن عدد النواب المقاطعين لجلسات مجلس النواب يتراوح بين 20 و25 نائبا، وإن من بين هؤلاء من يتردد على المجلس بشكل غير منتظم.. أي أنه يأتي ثم يذهب ويغيب لفترات طويلة، ومنهم من جاء وانقطع عن الحضور، ومنهم من لم يأت منذ البداية، وأغلب هؤلاء المقاطعين محسوبون على التيار المتشدد، وعلى جماعة الإخوان المسلمين. أي أنهم من «الإخوان» ومن مجموعة أخرى تتستر بالدين أو ما يعرف بـ«الإسلام السياسي».
ويتكون البرلمان من 188 نائبا، وليس 200 نائب كما هو مفترض وفقا للإعلان الدستوري، لكن بوهاشم يقول إن هناك دوائر لم تجر فيها الانتخابات من الأساس بسبب الظروف الأمنية، وتشمل 12 مقعدا، وستجرى الانتخابات فيها في حال توافرت الظروف المناسبة، مشيرا إلى أن «هؤلاء لا تستطيع أن تدخلهم في عملية جمع وطرح لإجمالي عدد النواب، كما يحاول البعض أن يفعل، وذلك بأن يضيف عدد الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات على دوائر النواب المقاطعين». وبالنسبة لتقييمه لـ«حوار غدامس» مع عدد من أولئك النواب، يقول بوهاشم إن الأمر الإيجابي هو «الروح التي سادت اللقاء والحوار الذي كان يسير بشكل جيد».
ويبدو الضغط في اتجاه الحوار قويا، رغم اتهام أنصار القذافي وأطراف أخرى لجماعة الإخوان بالعمل على عرقلته، وتهديد الجماعة لبعض دول الجوار بأنها لن تشارك في أي عملية تفاهم من هذا النوع يمكن أن يوجد فيها محسوبون على النظام السابق. ومن مظاهر الضغط من جانب السياسيين المعتدلين لحل الاحتقانات القاتلة بين الأطراف الليبية، وجود لجنة جرى تشكيلها سريعا لتعمل بشكل مؤقت إلى أن تتحول إلى لجنة دائمة للحوار، وهذه اللجنة تعمل أيضا تحت إشراف مجلس النواب، وهي برئاسة محمد شعيب، النائب الأول لرئيس البرلمان، وحضر شعيب الاجتماع الذي عقده «بان كي مون» في طرابلس.
ويقول عميش إن الهدف من لجنة المصالحة والحوار ليس فقط محاولات جمع الخصوم حول مائدة واحدة، ولكن ستتولى قضية العدالة الانتقالية، وتطبيق قضايا العدل، ويشمل ذلك الأطراف الذين في السجون، ويشمل أيضا قضية التعويضات وجبر الضرر والمصالحة، بما يعني إنهاء قضية الصراع واللجوء للقضاء، لتسوية جميع القضايا العالقة سواء خلال فترة الحرب ضد القذافي أو بعدها. كما أنها تنطبق أيضا على فترة القذافي، خاصة قضايا النزاع على الأملاك والأراضي، وغيرها، إلى جانب موضوع المهجَّرين ممن كانوا يحسبون على النظام السابق، ومنهم نازحون خارج ليبيا ونازحون داخل ليبيا، وهذا الأمر يشمل مدنا بالكامل مثل تاورغاء.
ومع ذلك، تبدو فرص الحل في ليبيا شديدة التعقيد، بسبب الخلفيات والقرارات التي اتخذت على عجل من جانب قادة الثورة في الأيام الأخيرة لنظام القذافي. ويقول عميش «في الحقيقة هناك أمر مهم جدا.. وهو أن هذه الحالة التي تمر بها البلاد، منذ بدايتها، كان يمكن ألا تصل إلى هذا الحد. أي منذ المجلس الانتقالي (2011) ثم المؤتمر الوطني (البرلمان السابق 2012 - 2013 حتى منتصف 2014)، كان يمكن أن تمر حالة ليبيا مثلها مثل أي بلد عادي فيه جماعات مسلحة وغيره، أي أن تنتهي الأمور سريعا بالمصالحة الوطنية، لكن الصراعات داخل المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، والأجنحة الأخرى التي أرادت أن تكون لها أذرع عسكرية، أفسدت كل شيء»، مشيرا إلى أن العديد من الأطراف حاولت استغلال الميليشيات المسلحة لصالحها، ليس من جماعة الإخوان والمتطرفين فقط، ولكن من أطراف محسوبة على نظام القذافي أيضا.
ويشير عميش إلى الممارسات السابقة التي تسببت في استفحال مشكلة الميليشيات والمتطرفين الرافضين للحوار والذين لا يعرفون غير لغة السلاح للهيمنة على السلطة بالقوة. ويقول «للأسف أن هناك بعض الكتائب المسلحة السابقة، أيا كانت السلطة أو الوسائط التابعة لها.. كانت تصرف لهم رواتب ضخمة. بعضهم كان يقول إن عدد من معه من عناصر الميليشيا التي يقودها يبلغ 11 ألف عنصر، لكن في الحقيقة لم يكن العدد يزيد على 3 آلاف، ومع ذلك تصرف الرواتب لـ11 ألفا، لدرجة أن البنوك اشتكت وقتها من هذا الأمر. كما تشكلت جماعات أخرى قوية كانت تُدعم بالسلاح والمال من أجل «تحرير مناطق» بعينها (من الخصوم السياسيين) بمقابل مالي يصل أحيانا إلى 20 مليون دينار (الدولار يساوي 1.3 دينار ليبي). وأصبح كل من يملك السلاح يريد أن يتحكم في كل شيء لتحقيق السلطة والمال.
ويعول الكثير من السياسيين الليبيين على المتغيرات التي جرت في مصر وتونس، والتي نتجت عنها خسارة جماعة الإخوان لتعاطف الرأي العام وللانتخابات. وبدأت نتائج هذه المتغيرات تنعكس على الواقع الليبي، من خلال اتجاه بعض المتشددين إلى تعديل في مواقفهم، مما تسبب في خلافات، على سبيل المثال، بين قيادات مدينة مصراتة التي تضم أبرز الداعمين لجماعة الإخوان وعملية «فجر ليبيا»، وتدور هذه الخلافات حول مستقبل ارتباط مصراتة بـ«الإخوان» وباقي التيارات المتشددة، ومنها جماعة «أنصار الشرعية» الموالية لتنظيم القاعدة. ويرى بعض قادة المدينة وأغلبهم من رجال الأعمال والعواقل القبليين، أن «الإسلاميين» يستغلون مصراتة وشبابها وقوتها العسكرية في عمليات ضيقة تسببت في خصومات بين مصراتة والعديد من القبائل والمناطق، خاصة في محيط طرابلس إضافة لمدينتي بني وليد وتاورغاء وغيرهما.
كما دخل أكثر من خمسين من الأدباء والفنانين والمثقفين في مصراتة على الخط، وأصدروا نداء لرأب الصدع والتصالح والعيش السلمي بين الليبيين، من خلال «رسالة مفتوحة من مثقفي مصراتة لمثقفي الشرق الليبي»، قالوا فيها «من هنا نبدأ.. وهل من مبتدأ أعظم أثرا وأكثر دلالة في مقام الإصلاح ودرء الخصام من النهي عن تقطيع الأرحام ليكون الجواب نعم للسلام والوئام ولا للخصام وتقطيع الأرحام؟». وتضمنت الرسالة كلمات مشجعة للمثقفين والأدباء في شرق ليبيا، وجاء فيها «أساتذتنا وإخواننا وزملاؤنا من المثقفين والفنانين والإعلاميين والمسرحيين، وكل أهل الثقافة والأدب، في شرقنا الحبيب، شرق الإبداع والتألق، منابت الجود والكرم، أشقاء المصير».
وتقول رسالة مثقفي مصراتة لمثقفي شرق ليبيا أيضا «هذا نداء من قلوب تتحرق شوقا إلى التصافي، ليس عن طمع ولا جشع ولا هلع بل عن يقين بأن كل الليبي على الليبي حرام، دمه وماله وعرضه، وأن إطفاء النار في أي مرحلة من اشتعالها خير من انتظارها لتنطفئ بفعل الزمن أو الوهن أو بعد أن تأكل أخضر الوطن ويابسه ثم تأكل بعضها لتسفر عن الهشيم والرماد. ولأنكم أهل الوعي والتوعية، وأهل الصحوة في الفكر كما القول، ندعوكم لنجعل من قاسم الثقافة والأدب والكلمة والصورة واللوحة، علامة على رقي الإحساس بالوطن والمواطن، وأن نستعلي على الحزازات الضيقة المؤقتة الرديئة، عبر رؤى ثقافية وفكرية وفنية، تقدم للبلد أروع ما فيه».
وجاء هذا الموقف الذي يعضد مساعي الحوار والسلام بين أبناء الوطن الواحد، بالتزامن مع حضور العديد من الشخصيات الأوروبية إلى مصراتة خلال الأسابيع الأخيرة في محاولة لتهدئة الموقف بين الأطراف المتشددة فيها (من «الإخوان») وباقي الأطراف خاصة البرلمان والجيش الوطني، وذلك قبل أن ينفذ هذا الجيش تهديداته بالتدخل لطرد ميليشيات «فجر ليبيا» بالقوة من العاصمة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ألوف الأسر عن العاصمة.
وفي المقابل، تحاول الأطراف الدولية الحصول على تنازلات من البرلمان والجيش أيضا، وهي تتعامل، في بياناتها، خاصة تلك التي تصدرها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، على اعتبار أن ليبيا فيها برلمانان وحكومتان وقوتان مسلحتان، وهذا ما يرفضه البرلمان الشرعي الذي انبثقت منه حكومة عبد الله الثني، وأيد عمليات الجيش ضد المتطرفين، حيث يتمسك البرلمان بشرعيته التي اعترفت بها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
ويعلق عميش على بعض البيانات الغربية التي تطالب «جميع» الأطراف الليبية بأن تضع السلاح جانبا وأن تدخل في حوار، وتحاول أن تساوي في التعامل بين الميليشيات والجيش، قائلا «تلك البيانات تتحدث عن كل الأطراف المسلحة التي تستخدم القوة والسلاح والعنف، وتحثها لكي تلجأ إلى الحوار، لكنها لم تذكر اسم الجيش الوطني صراحة.. صحيح أن تلك البيانات الغربية لم تحدد من الذي ينبغي عليه أن ينحي السلاح جانبا، إلا أنه لا يمكن لأي جهة دولية أن توجه نداء مثل هذا (بوضع السلاح جانبا) إلا لقوات غير شرعية تملك السلاح، لكن بالنسبة للجيش الوطني، ومن بعد ترشيح وتعيين اللواء عبد الرازق الناظوري رئيسا للأركان، بدأ الحديث يدور عن عملية محددة تتعلق بعمليات للقوات المسلحة الشرعية ضد المتطرفين».
وعلى الجانب الآخر، بدأ البرلمان في تقديم بوادر حسن نوايا إضافية تجاه المصالحة الشاملة بطريقة بدا أنها تعطي بعض الطمأنينة للعديد من الأطراف الليبية الفاعلة، ومن بينها تلك القطاعات التي كانت مؤيدة للقذافي، والتي كانت تعارضه أيضا، واضطر معظم قادتها للخروج من البلاد منذ أواخر 2013 حتى الآن، والإقامة في تونس ومصر، بسبب تهديدات المتطرفين لهم. ومن بينهم وزراء ونواب سابقون، ورجال أعمال وفنانون ومثقفون وصحافيون، وغيرهم.
وقرر البرلمان، في خطوة يراها الكثيرون مشجعة لجهود المصالحة والحوار، إدخال تعديلات على قانون العزل السياسي، أو إلغاءه في ما بعد بشكل كامل. وكان هذا القانون قد أصدره المتطرفون أثناء هيمنتهم على البرلمان السابق، وأجبروا باقي النواب على تأييده تحت تهديد السلاح، وهو قانون يمنع كل من عمل مع نظام القذافي، منذ عام 1969 حتى مقتله في 2011، من العمل السياسي أو العمل الرسمي في الدولة، وينطبق هذا القانون حتى على المعارضين الذين كانوا قد انشقوا عن نظام القذافي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وأيضا من انشق عن نظام القذافي والتحق بـ«ثورة فبراير».
ومن جانبه، يقول عقيلة صالح، رئيس البرلمان، إنه يتعهد بعدم إقصاء أي طرف من الأطراف الليبية من الحوار الوطني الذي يسعى إليه مجلس النواب. ويضيف «لن نقصي أحدا، بشرط أن يترك السلاح، وأن يرتضي بالعملية الديمقراطية»، مشيرا إلى أنه يوجد على جدول أعمال مجلس النواب قانون العدالة الانتقالية الذي يهدف إلى رد الحقوق إلى أصحابها، ومعالجة الأوضاع التي وقعت في الماضي، بما فيها تعديلات ستشمل ما يخص الأراضي والمساكن والشركات سواء أجنبية أو محلية.
وبينما يعزز الجيش من مواقعه في حربه على المتطرفين في بنغازي ودرنة، تمكّن أخيرا من الوجود بقوة عبر قواعد عسكرية مهمة في كل من جنوب غربي العاصمة وشمال غربي العاصمة، وقام بتجديد قاعدة «الوطية» العسكرية التي تعد قوة ضاربة يمكنها أن تحدد مصير من يسيطر على طرابلس. ومن جانبها، تسعى حكومة الثني أيضا لترك أبواب الحوار مفتوحة مع من لا يحملون السلاح، ومع من يرتضون بنتائج انتخابات مجلس النواب، ولهذا تواصل ليبيا اتصالاتها مع دول الجوار لمساعدتها في بسط الاستقرار والأمن والخروج من النفق المظلم الذي فرضته عليها الميليشيات المتطرفة.
وتعد تونس من بين دول الجوار المهمة بالنسبة لليبيا رغم وجود حزب النهضة الإخواني وزعيمه راشد الغنوشي في ذلك البلد. لكن رئيس البرلمان الليبي يتعامل بأريحية مع جارته ومع تصريحات الغنوشي الداعية للمصالحة، قائلا «تونس دولة جارة لنا، ولدينا نازحون ليبيون هناك، ولهذا نحن نشكرهم على عنايتهم بالأسر الليبية وعلاج الجرحى الليبيين. حتى بالنسبة لجماعة النهضة، وحسب ما نعلم، هي تؤيد الاستقرار وتؤيد المصالحة في ليبيا. كما أن السيد الغنوشي يدعو للمصالحة، وأذكر حين التقيت بفخامة الرئيس التونسي أكد لي أنه رجل ديمقراطي ويؤيد الشرعية والديمقراطية في ليبيا».
ويدير الشيخ عبد الله ابن قبيلة «ورفلة» رأسه يمينا ويسارا قبل أن أين يقول مجددا «ما زالوا يتجاهلوننا»، ويختفي في شارع الكورنيش المطل على الميناء، ومن هناك بدت أضواء السفن تنعكس على صفحة البحر، وهي تودع يوما استعدادا لاستقبال يوم جديد.

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الخامسة) خريطة ولاءات القبائل في الصراع مع المتطرفين
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.