ناصر النصر: الصراعات الطائفية تستعر في العالم العربي مع انحسار دور الدولة

الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات لـ («الشرق الأوسط»): عالمنا يواجه تحديات جسيمة

ناصر عبد العزيز النصر
ناصر عبد العزيز النصر
TT

ناصر النصر: الصراعات الطائفية تستعر في العالم العربي مع انحسار دور الدولة

ناصر عبد العزيز النصر
ناصر عبد العزيز النصر

أكد ناصر بن عبد العزيز النصر الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات أن المنطقة العربية تواجه تحديات جسيمة، أبرزها الصراعات الطائفية، التي تستعر في وقت «يتزامن مع انحسار الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية»، داعيا لتعزيز مبدأ «المسؤولية الجماعية والمصالح المتبادلة والتحديات المشتركة».
النصر قال لـ«الشرق الأوسط» إن ارتفاع موجات التطرف ورفض الآخر يأتي نتيجة آيديولوجيات مستحدثة تهدد التعددية الحضارية والثقافية في العالم.
وأكد أن «تعزيز التفاهم بين الثقافات وبناء جسور الثقة لن يتأتى إلا من خلال الحوار السلمي وتثقيف الأجيال الشابة بأهمية احترام الآخر والتعددية وتعزيز قيم التسامح».
النصر كان يتحدث لـ«الشرق الأوسط» بعد مشاركته في الدورة الـ14 لمؤسسة «عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري» التي أقيمت في مراكش بالمغرب أخيرا.

* للحفاظ على التعددية الحضارية والثقافية في العالم.. ما التحديات التي تتعرض لها التعددية والتنوع؟
- موجات التطرف ورفض الآخر نتيجة آيديولوجيات مستحدثة تهدد التعددية الحضارية والثقافية في العالم؛ فهناك فريق متعصب يرفض احترام الآخر ويرفض التمثل بقيم التسامح التي دعت إليها الأديان السماوية. لا ينبغي في أن نشك في أن أي دين أو عقيدة تبرر العنف أو تدعو إليه، إنما التأويل من صنع البشر أنفسهم. إننا رأينا على مر العصور أن التنمية البشرية والاكتشافات العلمية لم تتحقق سوى بتزاوج المعارف وتبادل الخبرات بين الشرق والغرب.
* هل يقتصر عملكم على منطقة الشرق الأوسط الملتهبة حاليا بالصراعات الآيديولوجية..؟
- عملنا يمتد إلى منطقة جنوب شرقي آسيا، حيث عقدنا المنتدى السادس لتحالف الحضارات في بالي بإندونيسيا، كما أن لدينا علاقات تعاون وثيقة مع الصين وماليزيا. لدينا أنشطة في غرب وشرق أوروبا أيضا من خلال البرامج في مجال الشباب والإعلام التي نقوم بها بالتعاون مع حكومات أو المنظمات في تلك الدول. ونسعى الآن لفتح مجالات جديدة للتعاون مع أفريقيا.
* شاركتم في منتدى الأمم المتحدة الخامس لتحالف الحضارات الذي عقد في فيينا، حيث دعا القادة المشاركون لتعزيز التفاهم بين الثقافات والحضارات ومواجهة التطرف وبناء الثقة وتمتين التسامح وضمان حرية المعتقد الديني والتعددية.. ما السبل لتحقيق هذه الغاية؟
- العالم الذي نعيش فيه الآن يواجه تحديات جسيمة، وبالأخص المنطقة العربية، بما تشهده من صراعات طائفية. ويتزامن هذا الواقع مع انحسار الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية في عالم تترابط مصالحه وتحدياته، وقد شهد العالم تطورات كثيرة منذ انعقاد منتدى تحالف الحضارات في فيينا. إن الملجأ، وبكل تأكيد، هو النظر إلى مبدأ المسؤولية الجماعية والمصالح المتبادلة والتحديات المشتركة.
تعزيز التفاهم بين الثقافات وبناء جسور الثقة لن يتأتى إلا من خلال الحوار السلمي وتثقيف الأجيال الشابة بأهمية احترام الآخر والتعددية وتعزيز قيم التسامح، وهنا يأتي الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به رجال الدين ومنظمات المجتمع المدني.
نقول في التحالف إن الإيمان بالتنوع والعيش المشترك هو الأساس لا بد من تحقيقه لخدمة الدبلوماسية الوقائية القائمة على انتهاج الحوار وحل الخلافات بالطرق الودية.
* من شركاؤكم في هذه المنطقة؟ هل تتلقون دعما من الحكومات...؟
- لدينا الآن 141 عضو في مجموعة أصدقاء التحالف، وهم يمثلون بعض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدة منظمات مثل «الفاو»، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واليونيسكو، والإيسسكو. بالإضافة إلى هؤلاء فإن لدينا مذكرات تفاهم مع عدة جامعات ومؤسسات علمية. نتلقى دعما من بعض الحكومات والمنظمات توجه إلى دعم وتمويل أنشطة وبرامج التحالف.
* ألا توافقون على أن الصراعات الثقافية أساسها سياسي.. وبالتالي تحتاج إلى حلول سياسية..؟
- ليست كل الصراعات أساسها سياسي.. هناك صراعات كثيرة تنتج عن عدم تكافؤ الفرص وانعدام التنمية والحوكمة السيئة وتهميش بعض الفئات والأقليات، ثم تتحول إلى مشكلة سياسة.
* ما السلطة التي تمتلكونها لفرض القيم التي ترعاها الأمم المتحدة في مجال تعزيز التفاهم بين الحضارات ومواجهة التطرف؟
- تم تأسيس تحالف الحضارات عام 2005 بمبادرة أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة تحث رعاية كل من إسبانيا وتركيا. وقد خولنا الأمين العام للأمم المتحدة بالعمل على استخدام الوساطة والدبلوماسية الوقائية بالتعاون مع الإدارات الأخرى المختلفة في الأمم المتحدة لتخفيف حدة الصراعات ذات الطابع الديني أو الثقافي.
* في كلمتك بـ«مراكش» حددت 4 ركائز لعمل التحالف من أجل تحقيق تغيير جذري في التنمية الإنسانية، العمل على تطوير التعليم، وتمكين الشباب، واستثمار الإعلام، ومعالجة مشكلات الهجرة.. كيف ستطبقون هذه الأهداف؟
- لدينا بالفعل برامج متداخلة في هذه المجالات الـ4، التي تشكل ركائز التحالف. على سبيل المثال، نعمل على تمكين الشباب من خلال تقديم منح لدعم مشاريعهم الصغيرة التي تهدف إلى مد جسور التفاهم والتعددية بين المجتمع. كما نقوم بتنظيم برامج تبادل للشباب من منطقة الشرق الأوسط، وبين شباب من أوروبا والولايات المتحدة، وذلك لتوضيح الصورة وتقريب وجهات النظر في المسائل المتعلقة بالاختلافات الثقافية والدينية. نقوم بتنظيم مدرسة صيفية نقدم فيها للشباب دورات تثقيفية تهدف إلى توعيتهم بأهمية قيم التسامح واحترام التعددية ونمط التفكير المنهجي. كما نقوم بتنظيم ندوات ودورات تدريبية للصحافيين لمناقشة أفضل الطرق لتناول المواضيع التي تتعرض للتعددية الثقافية والدينية. وقد أصدرنا أخيرا كتيب عن كيفية انتقاء المصطلحات الصحيحة عند تغطية المواضيع الخاصة بالمهاجرين والهجرة، وقد تعاون معنا في المحتوى منظمة العمل الدولية ومنظمة الهجرة الدولية ومؤسسة «بانوس» في فرنسا وعدد من الصحافيين الذين يقومون بتغطية مواضيع المهاجرين.
* دعوتم لإشراك رجال الدين في تحقيق أهداف تحالف الحضارات.. بينما هناك من يرى أن (بعض) رجال الدين يتحملون المسؤولية في تعزيز الانقسام والصراعات الحضارية.
- المنظمات الدينية، ورجال الدين، تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة، وهي اتباع الوسطية في الخطاب الديني ونبذ التطرف وتعزيز القيم الحقيقية للأديان السماوية التي تدعو إلى التسامح والرحمة.
هناك بعض من رجال الدين لا يتبعون هذا المسلك، ونجد أن هناك الكثير منهم من يتميز بالاعتدال.
* ماذا فعلتم بالنسبة للتهديدات التي تواجه المسيحيين في سوريا والعراق، وكذلك الإيزيديون والأقليات الدينية والعرقية في العراق؟!
- الأمم المتحدة لديها مفاهيم وقوانين واضحة تنص على احترام جميع الأقليات سواء الدينية أو العرقية أو النوعية، وقد نص ميثاق الأمم المتحدة على ذلك كون احترام الأقليات أحد حقوق الإنسان.
وقد قمت أخيرا بتنظيم اجتماع حول موضوع التهديدات التي تتعرض لها الأقليات في مختلف أنحاء العالم، حيث عرضنا فيه رؤية المسؤولين في الأمم المتحدة ورجال الدين وخبراء القانون.
إن الحكومات تقع على عاتقها المسؤولية الأولى في حماية حقوق الأقليات، وعلى المجتمع الدولي تقديم المساعدة للحكومات في حال فشلها في حماية الأقليات.
* في أحد المؤتمرات قلتَ إنك تسعى لاستخدام الفن لتخفيف التوترات باعتبار أن «الموسيقى (تعمل) لتهدئة الألباب والنفوس فتكون مصدرا للأمل والأخوة في عالم يغلب عليه اليأس»؛ ألا ترون ذلك ضربا من المثالية؟!
- أسعى لاستخدام ليس فقط الفن بكل أشكاله ولكن الرياضة أيضا، ولا أتفق معك في أن هذا ضرب من المثالية.
عندما توليت قيادة التحالف في فبراير (شباط) 2013، قمت بلفت انتباه المنتدى العالمي لتحالف الحضارات المنعقد في فيينا بقراري نحو استخدام الرياضة والموسيقى والفن والترفيه لتعزيز ثقافة السلام، إذ إن هذه المفاهيم يمكن أن تجلب الناس والثقافات معا لتجاوز الخلافات.
دعني أعطك مثالا على دور الرياضة.. المناضل العظيم نيلسون مانديلا. يمكننا التفكير في كيفية تبنيه مفهوم الرياضة من أجل السلام (نيلسون مانديلا توفي في 5 ديسمبر «كانون الأول» 2013).
فمن يستطيع أن ينسى تلك اللحظة العاطفية عندما كان يرتدي (مانديلا) زي الرياضة في جنوب أفريقيا وتسلم «كأس العالم» في عام 1995 في جوهانسبورغ بجنوب أفريقيا؟
لقد عرف مانديلا كيف يمكن للرياضة أن تسهم في توحيد فئات البشر.
الرياضة مثل الفنون التي لا تعترف بالفروق الطبقية أو الدينية أو العرقية أو اللغوية. فمن منا لا يستمتع بالموسيقى أو بالنظر إلى قطعة فنية رائعة؟ نرى مئات البشر من مختلف الجنسيات والأديان يجتمعون في قاعة واحدة للاستمتاع بحفل موسيقى. أليس هذا تقاربا بين الشعوب؟! إن الأدب والشعر والفنون يمكن أن تخاطب الذات البشرية ومن ثم يمكن استخدامها لإرسال رسائل سلام.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.