أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

القيادي اليساري رفعت السعيد يكشف كواليس لقاءاته مع قادة المجلس العسكري ومبارك ونجله جمال.. وصراعات الإطاحة بحكم «الإخوان»

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
TT

أسرار الأيام الأخيرة من حكمي مبارك ومرسي

مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد
مبارك في بداية عهده يجتمع مع خالد محي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ورفعت السعيد

يرصد السياسي والمؤرخ المصري رفعت السعيد المتغيرات الدقيقة التي أسهمت بقوة في إنهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، سواء من الشعب أو من الأجهزة المعنية. وكشف السعيد للشقيقة مجلة «المجلة»، في عددها الصادر هذا الشهر، عن كواليس الاضطرابات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ عام 2011، ودور جماعة الإخوان المسلمين ورئيس المخابرات ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة في محاولة الإمساك بدفة الأحداث وسط أمواج متلاطمة من المظاهرات والفوضى الأمنية التي ضربت البلاد عقب تخلي مبارك عن الحكم. كما يتطرق السعيد لصراعات جبهة الإنقاذ التي أطاحت بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي، ويتناول في الوقت نفسه لمحات وأسرارا من المقابلات التي جمعته مع كل من الرئيس الأسبق ونجله جمال، وعدد من قادة الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي كان يرأسه مبارك حتى جرى حل الحزب بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وفي ما يلي ملخص لشهادة القيادي اليساري البارز رفعت السعيد الموسعة لـ«المجلة» بشأن سنوات الاضطرابات الكبرى التي مرت على مصر منذ أحداث 25 يناير إلى ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 التي أطاحت بالرئيس محمد مرسي وجماعة والإخوان المسلمين.

بدأ رفعت السعيد شهادته بكشف تفاصيل دعوة المجلس الأعلى للقوات المسلحة له لمقابلة عدد من قادته في أعقاب قرار الرئيس حسني مبارك بتكليف القوات المسلحة بتسلم السلطة بعد تخليه عن منصب رئيس الجمهورية مساء الجمعة 11 فبراير (شباط) عام 2011.
يقول السعيد إنه كان حاضرا في هذه المقابلة، من أعضاء المجلس العسكري الحاكم وقتها، اللواء محمد العصار، واللواء ممدوح شاهين، واللواء محمود حجازي، واللواء إسماعيل عتمان، الذي كان مسؤولا عن الإعلام (إدارة الشؤون المعنوية بالجيش)، بالإضافة إلى اللواء عبد الفتاح السيسي (رئيس الدولة الحالي) الذي كان عضوا في المجلس بحسب وظيفته كمدير للمخابرات العسكرية والاستطلاع، وذلك وفقا لما كان مكتوبا على بطاقة التعريف الخاصة به، والتي أعطاها للسعيد حيث لم تكن عليها أي أرقام هواتف، وهو أمر نادر لا تجده إلا في كروت تعريف الشخصيات المهمة.
ويتابع السعيد، الذي تعرض للاعتقال والسجن في عهد عبد الناصر، قائلا إن هذه المقابلة مع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة جرت وقائعها بعد تخلي مبارك عن سلطاته بنحو 4 أو 5 أيام، في فندق «تيريومف» بشارع الخليفة المأمون في شرق القاهرة، واستمرت نحو 5 ساعات، ويقول إن الذي كان يتحدث في هذا اللقاء هو اللواء السيسي «لسبب لم أكن أعرفه»، ويواصل متذكرا ذلك اللقاء: «المهم جلست، وقلت لهم: حضراتكم لا تعرفونني.. أنا رجل لا أريد شيئا، ولا أتنازل عن رأيي إلا إذا اقتنعت بعكسه.. أريد فقط أن أتقدم بالنصيحة من وجهة نظري، وأن أستمع لأقدم رتبة عسكرية فيكم».
ويضيف السعيد أن أقدم رتبة بين القادة العسكريين الجالسين كان اللواء محمود حجازي، الذي بادره بالقول: «نحن، في العسكرية، لا يتكلم الأقدم أولا، ولكن يتكلم الأقل أقدمية أولا». فسأله رفعت السعيد متعجبا: «ولماذا؟»، فقال له اللواء حجازي: «لأن الأقدم رتبة لو تكلم، وكان في كلامه شيء من الخطأ، فإن الأقل منه رتبة لن يستطيع أن يقول له إنه على خطأ، وما يجب وما لا يجب. لكن عندما يتكلم الأقل أقدمية أولا فإن الأعلى رتبة منه يستطيع أن يصحح له ويقول له أنت أخطأت في كذا وينبغي كذا ولا ينبغي كذا، وعلى هذا نستطيع أن نتبادل الأفكار وأن نتفاهم مع بعضنا بعضا».
ويتابع الدكتور السعيد قائلا إن السيسي، الذي كان أقل لواءات أعضاء المجلس العسكري أقدمية في ذلك اللقاء، واصل حديثه بعد ذلك و«تكلم باستفاضة شديدة، ولا أعتقد أنه مسموح لي بأن أقول كل تفاصيل الحوارات التي جرت هناك، لكني قلت لأحد أعضاء المجلس العسكري: أنتم جيش منضبط، فما معنى أن يكون مبارك جالسا في بيته وهو ما زال رئيسا للجمهورية، وتسمحون بمرور دبابة أمام كاميرات التلفزيون مكتوب عليها يسقط مبارك.. تمر هذه الدبابة بهذه اللافتة، فمن كان يقف وراء المكتوب عليها، وهل كان ذلك دون إذن من قادة الجيش، مثلا؟». وأجاب عضو عسكري البارز قائلا: «نحن مَنْ كتبها.. هذه رسالة للعالم، ولك، ولـ(25 يناير)، ولمبارك نفسه.. رسالة لمبارك بأن الجيش لم يعد معه».
وفهم الدكتور السعيد من خلال المجريات التي أعقبت تخلي مبارك عن سلطاته بأيام أن الجيش كان قد حسم أمره قبل قرار مبارك نفسه بالتخلي عن سلطاته.

* التوريث وسقوط مبارك
* ويسترجع السعيد ذكرياته إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك مبينا في حديثه أن من بين أهم المتغيرات التي أسهمت بقوة في إنهاء رئاسة مبارك ما تعكسه الرسالتان اللتان وصلتا له من أحد أشد المقربين من عائلة مبارك وقصر الرئاسة، وذلك في الأشهر الأخيرة من عام 2010، حين قال له إن الرئيس قرر أن يقف بقوة ضد رغبة بعض الأطراف الحزبية والعائلية في ترشيح جمال مبارك، نجل الرئيس، للرئاسة، التي كان موعدها في خريف عام 2011، خلفا له، ثم عاد نفس هذا الرجل، وكان عضوا مهما في مجلس الشورى (الغرفة الثانية في البرلمان)، ونقل رسالة مغايرة للسعيد، قال له فيها: «الموقف تغير.. لقد تجمَّعوا حوله، وأقنعوه بترشيح جمال».
في أواخر عام 2009 ومطلع عام 2010 كانت الأسئلة السياسية في مصر قد أخذت تكبر وتتضخم دون إجابة. والمظاهرات تتزايد في الشوارع، والحركات الشبابية والمعارضة تتشكل في القاهرة وبعض المحافظات. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي كان مقررا التحضير لها منذ صيف 2011، أصبحت سلالم نقابة الصحافيين في العاصمة أشهر مكان تعلو فيه صيحات الرافضين لما يتردد عن اعتزام الرئيس مبارك توريث ابنه جمال الحكم، رغم أن الرئيس وقادة الحزب الحاكم كانوا ينفون هذا الأمر. وفي تلك الأثناء اقترب الدكتور السعيد من نائب كان يحظى بأهمية كبيرة بين أعضاء مجلس الشورى، لسببين: صداقته الطويلة لمبارك، وصلة القربى مع أسرته. ويقول السعيد إن الرجل تعرف على مبارك قبل عدة عقود، أي في مطلع ستينات القرن الماضي، حين كان كل منهما في بعثة دراسية في موسكو، وإنه كان حين يتحدث عن فترة الدراسة تلك يقول عنه إنه كان عسكريا مستقيما جدا، وكان يمكث طيلة الوقت في استذكار دروسه، ولا يحب الخروج. كما أن كل التقارير التي كانت تُكتب عنه وهو طالب كانت تقول إنه دؤوب، وإنه لا يخرج كثيرا ولا يشرب الخمور.
ويوضح السعيد قائلا إنه في واحدة من المرات التي كان فيها القلق كبيرا في البلاد بشأن المستقبل، خاصة أن مبارك كان قد بلغ من العمر نحو 80 عاما دون أن يعين نائبا له، سأل قريب أسرة مبارك وصديقه: «أريد أن أسألك سؤالا وتجيبني عنه بصراحة.. هل قريبك (يقصد مبارك) ينوي توريثنا لابنه؟».. فأجابه الرجل: «لا.. وحين تناقشت معه في هذا الموضوع رد مبارك قائلا إن مصر ليست عزبة أبي حتى أورثها له (لجمال). وقال لي أيضا اذهب إلى قريبتك (أي إلى سوزان مبارك) وأخبرها بأن هذا لا يصح ولا ينفع، وأنا أخشى على الولد من أن يتعرض للقتل لهذا السبب».
ويتابع السعيد أنه بعد مرور نحو شهر، وفي أحد الأيام، حين كان في قاعة مجلس الشورى، وجد الرجل نفسه يبحث عنه، وحين قابله قال له: «أريد أن أخبرك بأن المعلومة التي قلتها لك أصبحت خطأ. نجحوا في إقناعه بأن يأتي جمال رئيسا، وأن يجري إعداده لهذا الأمر.. كلهم (أعضاء من أسرة مبارك وقيادات من الحزب الوطني) تجمعوا حول الرئيس، وأخذوا يتحدثون معه ويعطون المبررات ويقنعونه حتى اقتنع.. أخبرك بهذا حتى لا يأتي يوم وتجد جمال مرشحا للرئاسة فتقول إنني كنت أكذب عليك».
ومن وجهة نظر السعيد فإن مبارك في أيامه الأخيرة «انقطع الإرسال بينه وبين الجميع وجرت محاصرته محاصرة تامة بطريقة كان يطلق عليها البعض حلقة النار، وأحد أبرز من كانوا يحيلون بين مبارك والآخرين رئيس ديوان رئيس الجمهورية، زكريا عزمي، الذي كان يشغل موقعا قياديا في الحزب الحاكم أيضا. ويتذكر السعيد إحدى الوقائع التي تخص هذا الموضوع، قائلا إنه «حين جرى تعيين أحد أصدقائي ممن كانوا يعملون في مؤسسة (الأهرام)، لرئاسة الهيئة العامة للاستعلامات (وهي واحدة من الهيئات المهمة للدولة خاصة على الصعيد الخارجي) اصطحبه مبارك معه في رحلة لإحدى الدول الأجنبية، لأنه كان يريد أن يتعرف عليه بشكل جيد». وفي الطائرة، حسب رواية السعيد، «أخذ رئيس هيئة الاستعلامات يتبادل الحديث مع مبارك، إلى أن قال له: يا ريس.. أنا عندي طلب بسيط، وهو أن تعطيني الإذن بأن أتصل بك في أي وقت، لأنه أحيانا تكون هناك معلومات تأتيني ينبغي أن تعلم بها أو أريد أن أسأل عن معلومة حتى لا أخطئ». ويضيف السعيد أنه أثناء انتقال رئيس هيئة الاستعلامات من المقعد المجاور لمبارك إلى مقعده الآخر في الطائرة، قال له المسؤول عن مكتب الرئيس: «أنت كسرت حلقة النار».. وكان يقصد حلقة النار حول مبارك. وأصيب رئيس الهيئة بالقلق، وحين عاد لمصر أبلغ السعيد عن الواقعة، فأخبره بأن ما حدث يعني أنه سيفقد موقعه، وهو ما حدث بعد نحو شهرين من تعيينه في هذا الموقع.

* السنوات العشر الأخيرة
* ويتحدث السعيد عن أن السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك كانت قد ازدحمت بالحديث عن الفساد والإفساد بطريقة جنونية وظاهرة للعيان، لكن كانت لديه مشكلتان أساسيتان طوال تلك المدة. الأولى تتعلق بـ«جماعة الإخوان المسلمين» والثانية تدور حول «توريث الحكم لجمال». ويزيد قائلا: «أشهد بأن مبارك كان يكره (الإخوان)، واكتشفت أنه قرأ الكتب الثلاثة التي كنت قد أصدرتها. وحين كنت أقابله في مناسبة من المناسبات، كان يقول لي: (اكتب لنا كتابا جديدا عن الإخوان.. الموضوع بسيط وليس كيمياء)».
لكن السعيد يعود ويذكر أنه، أي مبارك، كان أيضا حريصا على استخدام الإخوان كـ«فزَّاعة» لباقي قوى المعارضة ذات التوجهات المدنية والليبرالية واليسارية. وقام حزب مبارك بالتنسيق مع جماعة الإخوان في الانتخابات النيابية، ويقول السعيد إنه حين اكتشفت قوى المعارضة تحالف حزب مبارك مع «الإخوان» في انتخابات برلمان «2005 – 2010»، كان بعض المحيطين بمبارك يتحججون بأنهم يقومون بهذا الأمر في محاولة لترضية الجماعة من أجل الابتعاد عن المشاكل وتهدئة الأجواء السياسية في البلاد. ويضيف السعيد قائلا إنه وفقا لما تحصل عليه من معلومات فإن جمال مبارك كان في الأسبوعين الأخيرين من حكم والده يسيطر على الأمور، وهو من يقرر من يلتقي بمبارك.
وحضر رفعت السعيد زفاف، أو ما يسمونه في مصر «كتب كتاب»، جمال مبارك على زوجته خديجة ابنة رجل الأعمال المعروف محمود الجمَّال، والذي جرى في قصر القبة التاريخي بوسط القاهرة، في حضور أسرتي العروسين، خاصة مبارك وزوجته سوزان. وكان نجل الرئيس قد وجه الدعوة لكل رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة للحضور. وتوجه السعيد للسلام على العروسين، ثم سار عدة خطوات للسلام على مبارك نفسه، حيث فوجئ بمبارك يقول له: «لماذا لا تكتب لنا كتابا عن مساوئ فاروق حسني». وكان فاروق حسني، وهو فنان تشكيلي بالأساس، وزيرا للثقافة، ويتعرض لانتقادات مستمرة من صحف ونواب المعارضة بشدة، ويكرهه تيار «الإخوان»، والمتطرفون. ولم يكن يعلم حتى هذه اللحظة أن مبارك يمزح معه وفي الوقت نفسه يبلغ رسالة تحذير للوزير، لأن فاروق حسني كان يقف، بنفسه، خلف السعيد، دون أن يراه. وقبل أن يلتفت خلفه قال السعيد لمبارك: «يا سيادة الرئيس.. أولا أنا أعتقد أن فاروق حسني رجل محترم، وهو صديقي.. وأريد أن أقول لك إنه بعد مرور 300 سنة سيقال إنه في زمن حسني مبارك كان هناك وزير اسمه فاروق حسني أنقذ الآثار الإسلامية والآثار القبطية من الضياع، وأعاد ترميمهما».
ويقول السعيد إن مبارك كانت له طريقته في توجيه الرسائل لمن حوله، وإن حديثه المازح عن وزير الثقافة كانت إشارة إلى أن الرئيس يريد منه أن يراجع نفسه وألا يتسبب في شيطنة منتقديه. كما أن مبارك كان أحيانا يشير إلى بطن أحد الوزراء ويبدي ملاحظة أنه أصبح أكثر انتفاخا وبروزا من قبل، مما يعني أن الرئيس يعطي إشارة تحذيرية عن أنه يراقب الأمور ويتابع المتغيرات، وأن كل مسؤول عليه أن يأخذ حذره، وألا يتجاوز حدودا معينة، كما يقول رفعت السعيد.

* مقابلة الوريث
* يضيف السعيد: «تحدث معي أحد النواب الشباب في مجلس الشورى، وكان هذا النائب يعمل بمثابة سكرتير خاص لمبارك الابن في الشؤون السياسية وغيرها. وقال: (جمال بك يريد أن يقابلك).. وكانت المقابلة في مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل». وخلال اللقاء، وكان بالتحديد يوم 5 مايو (أيار) عام 2009، تلقى جمال مبارك نبأ عن وفاة زوجة رئيس الوزراء المصري حينذاك، الدكتور أحمد نظيف، وجرى إخطاره بموعد الجنازة، فتقرر إنهاء اللقاء من أجل الاستعداد للتوجه إلى العزاء. ومنذ ذلك الوقت تعذر انعقاد أي لقاء جديد بين الطرفين، رغم أنهما اتفقا على مواصلة مناقشة موضوع الضبعة.
ويتذكر السعيد المقابلة مع مبارك الابن ويقول إنه كان «غاية في الأدب.. لدرجة أنه نزل معي لكي يوصلني إلى باب السيارة». ويضيف أنه: «لم يكن يحبذ أن يعلم أحد بهذه المقابلة لأنها لم يكن لها شأن بالعمل السياسي، ولهذا قلت لجمال مازحا وهو يهبط معي درجات السلم خارج مكتبه: (فضحتني)، لكن، على أي حال لم يكن هناك أحد». ويصمت السعيد قليلا قبل أن يشير إلى أن نزول جمال مبارك معه حتى سيارته «ربما كان متعمدا».
وانتهت السنة، وجاءت بعهدها سنة 2010 التي خسرت فيها المعارضة مقاعدها في البرلمان، ثم تداعت الأحداث سريعا مع الشهر الأول من عام 2011. ويقول السعيد إنه: «من الخطأ أن تتأخر في إصدار القرار اللازم في الوقت المناسب. فلم تكن المظاهرات في الشوارع تطالب بإسقاط مبارك، بل كانت لديها مطالب محددة مثل العيش (توفير الخبز) والحرية والعدالة الاجتماعية. وبالتالي كان على مبارك أن يتخذ 3 أو 4 خطوات للإصلاح الجذري، سياسيا واقتصاديا، لكي ينقذ نفسه، لكنه لم يفعل».

* رئاسة مرسي وأملاك «الإخوان»
* ماذا فعل الدكتور السعيد الذي عرف على مدى نحو 3 عقود بكتاباته ومواقفه المنتقدة للإسلاميين، بعد أن فاز الدكتور مرسي برئاسة مصر في يونيو (حزيران) 2012، مع وجود أغلبية برلمانية تهيمن عليها جماعة الإخوان والإسلاميون الآخرون من سلفيين وجهاديين وغيرهم؟
يقول: «كنت واثقا أن هذا الوضع لن يستمر، ولا أعرف لماذا، إلا أنها كانت أمنية تفرض نفسها فتتحول إلى رأي. وحين سُئلت: ألا تلاحظ أنك تقول الدكتور مرسي، وليس الرئيس مرسي؟ أجبتُ: نعم أنا متعمد ذلك، لأنني لا أعده رئيسا، لسببين، الأول ما شاب الانتخابات من عوار، إضافة للتدخل الأميركي والقطري. ولم يكن مرسي يتلقى التعليمات من مكتب إرشاد (الإخوان)، ولا من المرشد، بل من خيرت الشاطر (نائب مرشد الجماعة)، وأنا أعرف من هو الشخص الذي كان ينقل التعليمات بينهما، وهو شاب حاصل على الدكتوراه من كندا، ومقبوض عليه الآن في قضايا (الإخوان)».
وظل السعيد مكروها من «الإخوان» والمتطرفين كراهية شديدة كان يشعر بها ويراها من حوله، حسب قوله، رغم أن «الإخوان» حلّوا كجيران عليه قرب منطقة سكنه فوق جبل المقطم الذي يعد من مناطق نفوذ «الإخوان»، وذلك بعد أن اشترت الجماعة مقرا لها هناك من ناحية الغرب، بينما حاصرته مجموعة أخرى من المحسوبين على «الإخوان» من حزب الوسط الذي اتخذ له مقرا هو الآخر يقع إلى الشرق قليلا من مسكن رفعت السعيد.
ويقول السعيد الذي خصصت له الدولة حراسة بسبب التهديدات التي تلقاها بالقتل: «كنت أرى من نافذة غرفة نومي قيادات حزب الوسط وهي تجتمع في مقر الحزب». ويضيف أن «الإخوان» كانوا يكرهونه، وأنه يعطيهم الحق في هذا.. «لأنني كنت أهاجم أفكارهم وأنبش في تاريخهم وأدرسه، لدرجة أن بعضهم كان يقول لي أنت درست تاريخنا أكثر مما درستْه كوادر (الإخوان)».
ويقيم السعيد في ضاحية المقطم الواقعة على رأس الهضبة الشهيرة المعروفة بنفس الاسم منذ سنين طويلة، ويعده السكان هناك بمثابة «عمدة المنطقة» حيث يرأس الجمعية الرئيسة الموجودة هناك، واسمها «جمعية البيئة بالمقطم» وكانت تقدم خدمات للأهالي وتنافس ما تقوم به أنشطة عناصر الجماعة هناك. وبدأ السعيد يشعر بالقلق من اقتراب مقرات لـ«الإخوان» من مقر سكنه. ويقول إنه بعد عدة أشهر من ثورة يناير 2011 اشترت الجماعة المبنى الأول، وهو عبارة عن فيلا، بما قيمته 8 ملايين جنيه، وأصبح المبنى هو المقر الرسمي لمكتب الإرشاد، ثم بعد قليل اشترت الجماعة أيضا قصرا مجاورا بما قيمته 12 مليون جنيه.

* جبهة الإنقاذ.. وتحالفات الساعات الأخيرة لثورة 30 يونيو
* وصلت الجماعة إلى قمة السلطة بانتخاب الدكتور محمد مرسي رئيسا لمصر، إلا أنه سريعا ما تشكلت جبهة معارضة قوية ضد نظام مرسي و«الإخوان»، وحملت هذه القوى عنوان «جبهة الإنقاذ» عقب إصدار مرسي «التعديلات الدستورية» الشهيرة التي حصن فيها نفسه من المساءلة وأدت لردود فعل غاضبة في الأوساط العامة. وضمت «جبهة الإنقاذ» العديد من رؤساء ورموز الأحزاب والشخصيات السياسية، كان من بينهم الدكتور محمد البرادعي وعمرو موسى، وغيرهما، إضافة للسعيد أيضا، والذي يضيف أن عددا من قيادات الجبهة كان في البداية ضد إسقاط حكم «الإخوان».
ويكشف السعيد، لأول مرة، عن أنه كان هناك صراع بين الدكتور البرادعي وعمرو موسى، على موقع «المنسق العام لجبهة الإنقاذ»، لكن السعيد لم يشأ التحدث في تفاصيل هذا الموضوع، لكنه يقول إن البرادعي لم يكن يخفي على أعضاء جبهة الإنقاذ أنه كان يتلقى اتصالات هاتفية من جون ماكين، النائب في الكونغرس والمرشح الأميركي السابق للرئاسة، وأنه كان يناقش معه الأوضاع في مصر. وفي إحدى المرات، كما يتذكر السعيد، أبلغه البرادعي بأن ماكين قال له إن «مشكلتكم في مصر أنكم لا تختارون شخصا واحدا يتحدث مع الجانب الأميركي»، ويضيف السعيد أن البرادعي كان يقصد نفسه بهذا «الشخص الواحد».
وبينما كانت ثورة الشعب المصري تقترب ضد حكم جماعة الإخوان، والتي جرت في 30 يونيو (حزيران) العام الماضي، عقدت جبهة الإنقاذ اجتماعا لإصدار بيان بشأن الموقف من الرئيس مرسي. ويقول السعيد: «بدأنا نتحدث عن أن نظام مرسي فقد مشروعيته، وهنا اعترض البرادعي، وقال إن معنى فقد شرعيته أي أننا ننقلب عليه، وأنا ضد الانقلاب. وحين بدأ عدد من قادة الجبهة يعكفون في الجانب الآخر على صياغة البيان، وكان الذي يقوم بكتابته هو سامح عاشور، نقيب المحامين، وعضو الجبهة، أخبرني البرادعي بأنهم إذا طالبوا في البيان بإسقاط مرسي فإنه سينسحب من جبهة الإنقاذ». ويضيف أنه أدرك من طريقة كلام البرادعي أنه لم يكن يريد الانسحاب، لكنه كان يريد الضغط بحيث لا يخرج البيان بتلك الطريقة. ويقول السعيد إن صيغة البيان التي كانت تقول «إسقاط حكم الاستبداد» كانت تزعج البرادعي، و«لكي أقوم بتهدئة الوضع والحيلولة دون انشقاق الجبهة وتصدعها تدخلت وجعلت الصيغة كالتالي (إسقاط استبداد الحكم)، وهذا أعطى فرقا كبيرا في المعني، أراح البرادعي».
وسقط حكم مرسي و«الإخوان»، في نهاية المطاف، بعد أن انتفض ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين. وجرى تعيين البرادعي نائبا لرئيس الدولة المؤقت، المستشار عدلي منصور، لكنه استقال حين قررت السلطات فض اعتصام «الإخوان» في ميدان رابعة العدوية، وسافر إلى خارج البلاد. وبدأت جبهة الإنقاذ تفقد زخمها، رغم قرب موعد الانتخابات البرلمانية، وتلويح عدة أحزاب من تلك التي تشكل الجسم الرئيس في الجبهة بتشكيل تحالفات لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها خلال شهرين أو ثلاثة. ويقول السعيد: «أعتقد أن كثيرا من هذه التحالفات وهمية أو شكلية، أو أن بعضها مضر، بمعنى أنها ستتسبب في كسر وحدة القوى المدنية والديمقراطية وتفتت أصواتها.. بينما سيوحد (الإخوان) والمتأخونون والسلفيون والمتأسلمون صفوفهم حتى ولو لم يعلنوا ذلك»، مشيرا إلى أن «الأحزاب والنخب المصرية في محك خطير، وعلى الجميع أن يدرك مسؤوليته تجاه الوطن، قبل فوات الأوان».



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended