مؤسس مركز التوعية الإعلامية الأميركي: أتذكر نزاهة العاهل السعودي.. وذكاء السادات وعيون صدام الشريرة

السفير مارك هامبلي أكد لـ {الشرق الأوسط} ان اختيار لندن مركزا للتواصل لأنها «العاصمة الثانية» للعالم العربي

السفير الأميركي مارك هامبلي
السفير الأميركي مارك هامبلي
TT

مؤسس مركز التوعية الإعلامية الأميركي: أتذكر نزاهة العاهل السعودي.. وذكاء السادات وعيون صدام الشريرة

السفير الأميركي مارك هامبلي
السفير الأميركي مارك هامبلي

السفير الأميركي مارك هامبلي مؤسس مركز التواصل الإعلامي في العاصمة البريطانية التابع للكونغرس، عرفه أغلب الصحافيين العرب في بريطانيا، يتحدث العربية بطلاقة، كان حلقة الوصل بين المؤسسات الإعلامية العربية والخارجية الأميركية، وسهل كثيرا من اللقاءات بين مسؤولي الإدارة الأميركية خلال زيارتهم للندن مع ممثلي الصحافة العربية، وقبل ذلك خدم في العديد من العواصم العربية، دبلوماسيا محترفا، سافرت معه «الشرق الأوسط» مرتين إلى العراق، ضمن وفد رسمي لمراقبة الانتخابات العراقية بعد سقوط صدام حسين، وتعرف عن قرب على عديد من الزعماء العرب، خلال عمله في الخارجية الأميركية.
«الشرق الأوسط» أجرت معه حوارا بالعربية والإنجليزية عبر البريد الإلكتروني، وجاء على النحو التالي:

* كيف بدأت حياتك المهنية في السلك الدبلوماسي؟
- التحقت بالخدمة الدبلوماسية الأميركية بعد الجامعة، وكان أول منصب عينت فيه قنصلا وسكرتيرا ثانيا في سفارتنا بسايغون لدى فيتنام.
كانت سفارتنا في فيتنام تضم أكبر بعثة دبلوماسية أميركية في العالم في ذلك الوقت. وكانت «سفارة حرب». وكانت الولايات المتحدة تدعم الحكومة الفيتنامية الجنوبية في صراعها ضد الفيت كونغ وأسيادهم في هانوي. ولكن عملي لم يكن له علاقة بالسياسة في ذلك الوقت. كنت أعمل في القسم القنصلي، بتقديم الآلاف من جوازات السفر إلى الجيش الأميركي، والموافقة على زواجهم من النساء الفيتناميات، ومنح الجنسية لأبنائهم، وتسهيل عمليات تبني الأيتام الأميركيين - الفيتناميين في منازل جيدة في الولايات المتحدة. في وقت فراغي، كنت أرجو كتابة أطروحة الدكتوراه حول الحركات القومية العربية لجامعة كولومبيا. ولكن القدر اختار لي خلاف ذلك. دمرت جميع مادتي البحثية في حادث تحطم طائرة في الفلبين، وأصبح الانتهاء من الدكتوراه مستحيلا.
عندما عرضت على فرصة مغادرة فيتنام لدراسة اللغة العربية، قبلتها بسعادة كبيرة. كنت قد درست في الجامعة الأميركية في بيروت بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) عام 1967. وفكرت أن هذا من شأنه أن يعطي لي فرصة جيدة لدخول منطقة من العالم أجدها رائعة؛ الشرق الأوسط.
* كيف قمت بتأسيس مركز التواصل الإعلامي في لندن؟ وكيف جاءتك هذه الفكرة الرائعة في ذلك الوقت؟
- إن فكرة إنشاء مركز التوعية الإعلامية لم تكن فكرتي في البداية. أنشئ المركز في استجابة لطلب من الكونغرس الأميركي من أجل فهم أفضل لكل من وسائل الإعلام العربية المطبوعة التقليدية وشبكات التلفزيون الفضائية العربية المتنامية. وكان الاسم الفعلي للمركز من بنات أفكار نائبي الدكتور نبيل خوري، الذي قد يعرفه كثير من القراء من ظهوره المتكرر على شاشات التلفزيون العربية، ومن عمله في الإسكندرية والدار البيضاء وبغداد وصنعاء.
ظللت لسنوات في المركز، وكان لدينا تمويل خاص بتكليف من الكونغرس، وعلى درجة من الاستقلال عن وزارة الخارجية الأميركية. كانت مهمتنا تقديم وسائل الإعلام العربية إلى مجموعة أوسع من المسؤولين الأميركيين، وهذا ما فعلناه من خلال ملخص يومي من الموضوعات، ومقالات الرأي، والافتتاحيات التي تظهر في وسائل الإعلام العربية، بما في ذلك «الشرق الأوسط»، و«الحياة» و«القدس العربي» بالإضافة إلى العديد من البرامج الحوارية والبرامج التي تذاع على القنوات الفضائية العربية. وبعد مرور 11 عاما، لا يزال هذا النشاط المهم مستمرا، بل وأصبح النشاط الأساسي للمركز. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بتنظيم زيارات إعلامية إلى العراق، بعد سقوط صدام حسين وإلى أماكن أخرى في العالم العربي وحتى إسرائيل. وفي اثنتين من هذه الرحلات إلى العراق، وكذلك إلى إقليم كردستان العراقي تعرفت على بعض الصحافيين العرب العظام في تلك الفترة.
* لماذا قررتم أن يكون موقع المركز في لندن وليس في دبي أو القاهرة؟
- لقد اخترنا أن يكون المقر المادي للمركز الإعلامي في لندن لأربعة أسباب.
أولا، وسائل الإعلام العربية، وأبرزها صحيفتكم الموقرة «الشرق الأوسط» تتخذ من العاصمة البريطانية مقرا لها.
ثانيا، تقدم لندن خدمة يومية إلى كل مدينة مهمة في العالم الإسلامي، وكان السفر إلى كل من هذه البلدان الرئيسة جانبا مهما من عمل المركز.
ثالثا، تقيم معظم شبكات التلفزيون الفضائية العربية المهمة أنشطتها الرئيسة أو مقراتها في لندن، كما أن لندن، بطرق عديدة، هي «العاصمة الثانية» للعالم العربي. إنها أكثر ترحيبا من باريس وواشنطن وبرلين ونيويورك.
رابعا، يمر جميع العاملين «في الأخبار» عبر لندن، لذلك كان من الممكن ترتيب الاجتماعات، والمقابلات، وفي بعض الأحيان البرامج معهم. سمح لنا هذا أيضا بمساعدة مؤسسات بارزة، مثل كلية لندن للدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) ومؤسسة القرن المقبل (NCF) وغيرها على تنظيم سلسلة من حفلات العشاء، والاجتماعات، والمؤتمرات حول القضايا ذات الأهمية لمنطقة الشرق الأوسط. وشملت تلك المؤتمرات فعاليات لمناقشة قضايا الحكم والتغيير الاقتصادي والاجتماعي، ودور الإسلام كقوة سياسية متنامية.
كما تستضيف لندن أكبر سلك دبلوماسي في العالم، باستثناء نيويورك حيث يقع مقر الأمم المتحدة. ويعد السفراء العرب من بين الأفضل والأكثر تأثيرا في عواصمهم، وكانوا يشكلون مصدرا لا يقدر بثمن لتفسير وفهم الاتجاهات التي تؤثر على الشرق الأوسط. وكان هذا متوقعا نظرا لأن عميد السلك الدبلوماسي في لندن، وربما يكون أكبر سفير في العالم اليوم، هو سعادة خالد الدويسان سفير الكويت.
* هل تتذكر أبرز المسؤولين الذين جرت دعوتهم إلى المركز؟
- من دون شك، كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش خلال زيارته لدولة المملكة المتحدة. أراد الرئيس أن يجري مقابلة واحدة فقط خلال هذه الزيارة، وقرر أنه يريد إجراءها مع إحدى الصحف الناطقة باللغة العربية، أملا في الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور في الشرق الأوسط. وطلب مني ترتيب هذا اللقاء. في حين أن هناك كثيرا من الصحف الجيدة، التي تتخذ مقرا لها في لندن وكثيرا من الصحافيين ذوي الكفاءة، إلا أن صحيفة واحدة فقط كانت تتناسب مع متطلباتنا. كانت هذه الصحيفة هي «الشرق الأوسط»، لأنها تصدر يوميا، ليس فقط في أوروبا والشرق الأوسط، ولكن في ذلك الوقت، كانت تصدر أيضا طبعة يومية في بغداد. ويبدو أنه كان من المناسب أن نطلب من رئيس تحرير الصحيفة في ذلك الوقت، عبد الرحمن الراشد، أن يجري حوارا مع الرئيس. وقبل هذه الدعوة، ومكث مع الرئيس لمدة 20 دقيقة إضافية على الوقت المخصص للمقابلة. وقال الرئيس إنه وجد عبد الرحمن محاورا لطيفا يمكنه أن يطرح الأسئلة الصعبة من دون ضغينة. وكان هذا أطول لقاء حصري يمنحه رئيس أميركي إلى أي صحافي عربي.
* هل تستطيع أن تخبر قراءنا العرب عن تجربتك مع اللغة العربية؟
- لا شك في أن اللغة الإنجليزية أسهل بكثير في التعلم من اللغة العربية. كثير من الأصوات الموجودة في العربية لا وجود لها في اللغة الإنجليزية. ولكنني اجتهدت في تعلمها، ولقبت باسم «علي» حتى أستطيع إتقان حرف «العين». وكانت النتيجة جيدة للغاية.
اللغة العربية الفصحى صعبة، ولكن بعد أسابيع كثيرة من الدراسة الصعبة بما فيها من حفظ بعض النصوص من القرآن الكريم استطعت أن أكوِّن فهما أفضل للثقافة والمجتمع في العالم العربي.
اللغة العربية العامية أسهل قليلا، ولكنها تتغير من تونس إلى مصر إلى العراق. من أروع مباهج تعلم العربية العامية القدرة على فهم النكتة السياسية والشعبية الشائعة في معظم المجتمعات العربية، وخاصة في مصر، ولبنان، والعراق.
* هل ساعدك التحدث بالعربية في حياتك المهنية؟
- بالتأكيد، عندما يكون المترجمون الرسميون الذين يعملون معنا غير متاحين، كنت دائما مستعدا لترجمة وثائق أو القيام بالترجمة أثناء الاجتماعات. من المؤكد أن هذا لم يحدث قط بالطلاقة التي يتميز بها المترجمون المدربون لدينا أو المتحدثون باللغة العربية، ولكن لم تندلع حروب مطلقا بسببي.
* هل تستطيع أن تذكر الشخصيات الشهيرة التي اجتمعت بها خلال الأعوام التي قضيتها في الشرق الأوسط، مثل السادات ومبارك؟ ماذا يمكن أن تخبرنا عن تجربتك معهم؟
- كنت محظوظا لمقابلتي معظم الملوك والرؤساء والشخصيات البارزة التي تصنع الأخبار على مدى الـ40 سنة الماضية. على عكس كثير من الصحافيين العرب المشهورين، لم تتح لي الفرصة للجلوس معهم لإجراء حوارات. التقيت ببعضهم في سياق عملي مسؤولا رفيع المستوى في الحكومة الأميركية. وكنت في معظم المقابلات أقوم بتدوين الملاحظات خلال زيارة قام بها وزير أو بصفتي عضوا في وفد رسمي. وهكذا كان لقائي مع صدام حسين، الرجل الجدير بالتذكر، ولكن كان الشر يكمن في عينيه.
أتذكر ذكاء أنور السادات، وصدق رفيق الحريري، ونزاهة الملك عبد الله بن عبد العزيز. واستمتعت بالعمل مع اثنين من أمراء قطر؛ الشيخ خليفة بن حمد والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
وأذكر لقائي مع الرئيس السابق محمد حسني مبارك، بعد فترة وجيزة من اغتيال المرحوم أنور السادات. كنت مرافقا لوزير أميركي زائر سأل الرئيس الجديد متى سيتم تعيين نائب جديد للرئيس؟
دون تردد، أجاب مبارك: «كان هناك نائب رئيس واحد فقط جيد في التاريخ المصري».
رغم الجهود المتكررة لتشجيع مبارك في العقود اللاحقة من أجل إعداد مصر لتغيير لا مفر منه، فإنه لم يعين نائبا للرئيس حتى فبراير (شباط) عام 2011، عندما أصبح الوقت متأخرا جدا.
* هل تستطيع أن تخبر قراءنا العرب عن تجاربك بوصفك مراقبا في كثير من الانتخابات التي أجريت في العراق على مدار العقد الماضي؟ وما انطباعاتك؟
- لقد راقبت أربعة انتخابات في العراق على مدى العقد الماضي، بدءا من التصويت على دستور مؤقت جديد وثلاث انتخابات عامة في 2005 و2010 و2014، وعموما، تكون لدي أربعة انطباعات.
أولا، هناك طبيعة تنافسية في تلك الانتخابات. خلال الانتخابات البرلمانية الثلاثة، يغطي جميع الشوارع في كل من المناطق الحضرية والريفية في العراق لافتات لدعم مرشح أو قائمة انتخابية. تشمل هذه اللافتات جميع أنواع المرشحين، من رجال ونساء، علمانيين ومتدينين، شباب وكبار، محافظين وليبراليين. الاختيار المتاح للناخبين أكبر بكثير من أي شيء مشابه في أميركا أو أوروبا. في كركوك، كان هناك ألف مرشح يتنافسون على 12 مقعدا فقط في البرلمان.
ثانيا، هناك حماس عام بين السكان للتصويت في تلك الانتخابات. وكان يوم التصويت يوم عطلة في العراق، وغالبا ما يحضر الآباء والأمهات أطفالهم إلى اللجان انتخابية معهم ليبينوا لهم أنهم يختارون من سيحكمون بلادهم، وهو أمر لم يُسمع به أثناء عهد صدام.
ثالثا، كانت شجاعة الشعب العراقي الذي شارك في الانتخابات رغم التخويف من القوى التي تسعى إلى عرقلة العراق بعيدا عن مساره الديمقراطي. شارك أكثر من 65 في المائة من الناخبين المسجلين في العراق في الانتخابات التي أجريت عام 2014، وهي نسبة أعلى بكثير من انتخابات مماثلة في الولايات المتحدة. يمكن أن يتعلم الناخبون في أميركا الذين لا يواجهون التهديد بالعنف أو الموت إذا أدلوا بأصواتهم من المثال الذي قدمه العراقيون في يوم التصويت.
والرابع، رغم كل هذه الأخبار الجيدة، فإن عدم مشاركة السنة في العملية السياسية العراقية جدير بالملاحظة. في عام 2005، قاطع معظم السكان من السنّة الانتخابات العامة. وفي عام 2010، فازت الأحزاب والشخصيات التي أيدوها بأكبر عدد من المقاعد، ولكن ليس بما يكفي لتشكيل حكومة جديدة.
وفي عام 2014، لم يحققوا ذلك أيضا. وكان أحد الأسباب هو ضعف إقبال الناخبين في كثير من المناطق السنية في بغداد، إذ وصل إلى 20 في المائة في بعض الحالات. وجعل احتلال أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار على يد المتطرفين من الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» من المستحيل أن يتم التصويت كما ينبغي.
* متى قررت أنك قمت باختيار المهنة المناسبة؟
- في الواقع، قررت ذلك عندما كنت في الجامعة في واشنطن. في أحد الأيام قررت أنا وصديق لي حضور حفل استقبال في وزارة الشؤون الخارجية. وكان مضيف الحفل السيناتور روبرت كيندي، وكان للطلاب القادمين من أميركا اللاتينية فقط.
كانت تواجهنا مشكلتان؛ أولا، لم نكن مدعوين ولم نملك دعوات. وثانيا، لم نكن من أميركا اللاتينية أو حتى نتحدث بالإسبانية أو البرتغالية.
من حسن الحظ أن الإجراءات الأمنية لم تكن ضيقة في تلك الأيام، وتمكنا من تجاوز الحراس. وللدخول إلى حفل الاستقبال، كان عليك أن تحمل بطاقة بالاسم، واستطعنا أن ندعي أننا صاحبا اسمين كانا على طاولة كبيرة. وأصبحت السيد بيدرو مارتينيز من بوليفيا. في أثناء انتظار دخول القاعة مع الطابور المستقبل للسيناتور كيندي، وقعت العدسات اللاصقة من عيني على الأرض. كنت طالبا، وليس لدي الكثير من المال، لذلك نزلت على ركبتي وطلبت من الجميع من حولي إخلاء المساحة بينما أخذت أبحث عن عدستي الصغيرة. سألني صوت أعرفه من خلال التلفزيون عما أفعله على الأرض. قلت له إنني أبحث عن عدستي اللاصقة.. «لماذا؟ ها هي هناك»، قالها وهو ينحني إلى الأرض بجواري ويعطيني عدستي اللاصقة. سألني وهو يتطلع إلى بطاقة الاسم التي أحملها: «وماذا تريد أن تفعل عندما تكبر يا سيد بيدرو مارتينيز من بوليفيا؟»، بنبرة تشير إلى أنه يعرف أنني أنتمي إلى أميركا اللاتينية بالقدر الذي ينتمي هو إليها.
«حسنا، يا سيدي، آمل أن أنضم إلى السلك الدبلوماسي الأميركي». وعندها، قال وزير الشؤون الخارجية الأميركية دين راسك، وهو يساعدني للوقوف على قدميّ: «حسنا، يا بني، كل ما عليك أن تفعله هو أن تقوم من هنا».
* مر الآن أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الصراع السوري، مع تصدر أخباره للصفحات الأولى وأهم الأنباء منذ بدايته. هل تعتقد أن هناك احتمالية أن تصاب وسائل الإعلام بالملل؟ وهل تعرف كيف سينتهي الصراع في سوريا؟
- لا تزال سوريا بلد يمزقه الصراع، بعد مقتل أكثر من 150.000 من مواطنيها وتشريد أكثر من ثلث سكانها إما كلاجئين في دول أجنبية أو مشردين داخليا من منازلهم في سوريا ذاتها. يتجاوز العدد سبعة ملايين شخص. أخشى أن تصاب وسائل الإعلام بالملل بشأن الأزمة في سوريا. سوف يكون الحل الوحيد سياسيا، وسوف يتطلب قيادة جديدة في كل من المعارضة والنظام في دمشق، فضلا عن وحدة الهدف لدى جميع القوى الخارجية التي تدعم أولئك الذين يقاتلون في البلاد.
في هذه اللحظة، لا يبدو أنه من المرجح أن يتم أي من هذه الشروط في أي وقت قريب. لا يجب أن تدع وسائل الإعلام الدولية (بما في ذلك وسائل الإعلام العربي) العالم ينسى سوريا. إذا تركته ينسى، لن يكون هناك ضغط على حكومات العالم لكي تتخذ مسؤولياتها تجاه سوريا على محمل الجد. الشعب السوري هو الذي سيعاني، بالإضافة إلى الدول التي تواجه عبء دعم عدة ملايين من اللاجئين الذين سعوا إلى البحث عن الأمان في الخارج. على وجه الخصوص، يضم لبنان أكثر من مليون لاجئ ولكن هناك أيضا الأردن وتركيا وكردستان العراق.
* ما الوسيلة الإعلامية المفضلة لديك؟ كيف تتابع الأخبار بصفة يومية؟
- قد تفاجئ إذا علمت أنني ليس لدي جهاز تلفزيون، لذلك أنا لا أشاهد قنوات «سي إن إن» أو «فوكس» أو أي قنوات إخبارية أميركية. أقرأ «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» يوميا.
ولدي أيضا اتصال عالي السرعة بشبكة الإنترنت يتيح لي مشاهدة البرامج الإخبارية ونشرات الأخبار التلفزيونية. وأشاهد بانتظام قناة العربية والقنوات المحلية بناء على ما يجري في بلد معين.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».