ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

ثباتيرو حمل أخيراً رسالة لمحمد السادس من سانشيز حول الهجرة

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
TT

ترحيل مئات المهاجرين من شمال المغرب... وألمانيا وإسبانيا مع دعمه أوروبياً

مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)
مهاجرون غير شرعيين في مركز رياضي بلوس باريوس جنوب إسبانيا بعد إنقاذهم في مضيق جبل طارق في أغسطس الماضي (أ.ب)

بينما رحَّلت السلطات المغربية مئات المهاجرين خلال الأيام الماضية من مدينتي طنجة والناظور ومدن أخرى (شمال البلاد)، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية متطابقة مغربية وإسبانية أن خوسي لويس رودريغيز ثباتيرو رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق، وميغيل أنخل موراتينوس، وزير خارجية إسبانيا الأسبق، حملا رسالة من رئيس الحكومة الإسبانية الحالي الاشتراكي بيدرو سانشيز، إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال استقباله لهما يوم 31 يوليو (تموز) الماضي عقب حفل الاستقبال الذي أقامه في قصر مرشان في طنجة بمناسبة عيد الجلوس الـ19.
وقالت المصادر ذاتها إن فحوى الرسالة تمحور حول ارتفاع وتيرة الهجرة غير الشرعية من المغرب نحو إسبانيا، كما عبّر رئيس الحكومة الإسبانية للعاهل المغربي عن رغبته في أن تقوم بلاده بالعمل على الحد من ذلك.
وتراوح عدد المرحَّلين خلال الأيام الماضية، حسبما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، ما بين 1600 و1800 مهاجر غير شرعي. بينما التزمت وكالة الأنباء المغربية الرسمية الصمت إزاء عمليات الترحيل هذه. وقال متحدث باسم السلطات المحلية في طنجة إن هذه العمليات «تندرج في سياق جهود المغرب لمحاربة الهجرة غير الشرعية»، مشيراً إلى أنهم نقلوا إلى «مدن تتوافر فيها شروط حياة أفضل بالنسبة إليهم».
ويعد شمال المغرب ممراً تقليدياً للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا برّاً عبر مدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا شمال المغرب، أو بحراً عبر المتوسط. وشكلت إسبانيا هذا العام الوجهة الرئيسية للمهاجرين غير الشرعيين متجاوزة إيطاليا. ويتحدر أغلب المهاجرين المارين عبر المغرب من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
في غضون ذلك، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السبت في سانلوكار دي باراميدا (إقليم قاديس) بجنوب إسبانيا، اتفاقهما على سبل مواجهة مشكلة المهاجرين، وعلى ضرورة تقديم دعم أوروبي أكبر إلى المغرب المعني مباشرة بهذه الأزمة.
وقال سانشيز خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ميركل في ختام غداء عمل إن «المغرب يعاني من ضغوط تدفقات الهجرة من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، ونتيجة لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز تعاوننا ليس فقط مع البلدان التي ينطلق منها المهاجرون، ولكن أيضاً مع دول العبور مثل المملكة المغربية».
وذكر سانشيز أن «أربعة عشر كيلومتراً تفصل بين شواطئ إسبانيا وشمال أفريقيا، إلا أن المسافة بالنسبة للنمو هي أكبر بكثير»، مضيفاً أن «ردم هذه الهوة من انعدام المساواة يجب أن يكون إحدى أبرز مهمات الاتحاد الأوروبي». وأشار سانشيز إلى أن النتائج التي توصل إليها المجلس الأوروبي خلال القمة التي عقدها في يونيو (حزيران) الماضي «تعكس التزام جميع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في الاتحاد بضرورة تعزيز وتكثيف التعاون مع المغرب، مع إعطاء المملكة الدور الرئيسي الذي تستحقه في معالجة وتدبير تدفقات الهجرة».
وأضاف سانشيز: «لقد تقاسمنا أنا والمستشارة الألمانية خلال هذا الاجتماع القناعة ذاتها بأن المغرب هو أحد الشركاء الرئيسيين للاتحاد الأوروبي وإسبانيا»، مشيراً إلى أن المفاوضات جارية حاليا مع المفوضية الأوروبية من أجل توفير الموارد المالية اللازمة لمساعدة المغرب في تدبير عملية تدفقات الهجرة.
وقال إن إسبانيا وألمانيا تدافعان عن سياسة أوروبية حول الهجرة «عمودية وأفقية وشاملة»، ترتكز بشكل أساسي على دعم وتعزيز تعاون الاتحاد الأوروبي مع الدول الأفريقية، لا سيما بلدان شمال أفريقيا ليس فقط في مجال الهجرة ولكن بشكل خاص في مجال التنمية.
من جهتها، أكدت المستشارة الألمانية ميركل أن على الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تكثيف تعاونه مع المغرب في مجال الهجرة مع دعم وتقوية أسس ومرتكزات التعاون الموجه نحو المملكة المغربية وتونس «وهما البلدان الحدوديان اللذان يحتاجان إلى المساعدة». وقالت ميركل إن «المغرب البلد الذي يلعب دوراً مهماً ورئيسياً في قضية الهجرة، هو أيضاً شريك تجمعنا معه علاقات اقتصادية واتصالات جد وثيقة».
وأشارت ميركل إلى أن «ألمانيا التي عملت لسنوات مع المملكة المغربية حول قضايا مرتبطة بالتنمية تريد المساهمة في دعم المغرب لمواجهة تحدي الهجرة»، مضيفةً أن ألمانيا وإسبانيا تتقاسمان مقاربة مشتركة في هذا المجال.
وجاء في بيان صدر في مدريد عن اللقاء أن «سانشيز وميركل اتفقا على إبلاغ المفوضية الأوروبية بضرورة دعم الصندوق الائتماني الأوروبي لأفريقيا الذي تأتي منه الأموال الموجهة بشكل خاص إلى المغرب لمراقبة حدوده».
وذكرت ميركل أن ألمانيا دفعت مساهمتها لهذا الصندوق «من أجل تونس والمغرب لأنهما بحاجة إلى دعم في مجال الأمن الحدودي والتعاون في التنمية».
وشددت ميركل على أن قضية الهجرة تعد «تحدياً علينا أن نواجهه معاً لأنه لا يمكن لأي بلد أن يدعي أنه محصن ضد هذا التحدي. إنها قضية تطرح لنا مشكلة كبيرة كاتحاد أوروبي».
وقالت إن أوروبا « يجب ألا تتحدث فقط عن أفريقيا، بل أيضاً مع أفريقيا، من أجل الحد من ظاهرة الهجرة والوصول إلى موقف مشترك خلال قمة رؤساء الدول والحكومات المقررة في سالزبورغ في سبتمبر (أيلول) المقبل».
وتزامن لقاء ميركل - سانشيز في إسبانيا مع البدء بتنفيذ اتفاق وقع في السادس من أغسطس (آب) الماضي عندما التزمت مدريد استعادة المهاجرين الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد أن سجلوا أسماءهم في إسبانيا بحسب قواعد البيانات الأوروبية. إلا أن هذا الاتفاق يبقى رمزياً، لأن قلة من المهاجرين الذين يصلون إلى إسبانيا انتقلوا إلى ألمانيا.
وكانت ميركل وعدت بالعمل على اتفاقات من هذا النوع داخل الاتحاد الأوروبي لإقناع وزير داخليتها هورست زيهوفر بالتخلي عن مشروعه لطرد أي طالب لجوء سبق أن تسجل في قاعدة البيانات الأوروبية في بلد آخر.
وتسعى برلين حالياً إلى إقناع إيطاليا واليونان بالموافقة أيضاً على استعادة المهاجرين الذين تسجلوا على أراضيهما قبل أن يتوجهوا إلى ألمانيا.
وفِي ردِّ فعل إزاء ترحيل السلطات المغربية للمهاجرين غير الشرعيين من شمال المغرب، قال محمد السوسي، الناشط بمركز الشمال لحقوق الإنسان بطنجة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن العملية انطلقت عقب محاولة جماعية لاقتحام حواجز مدينة سبتة من طرف مجموعة تناهز 600 مهاجر غير قانوني نهاية يوليو الماضي، الشيء الذي أثار استنكاراً لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي، اللذين عبرا عن قلقهما إزاء الارتفاع المتواصل لضغط المهاجرين على الحدود مع المغرب.
وأضاف السوسي أن «العملية شملت عدة مدن شمالية على طول الساحل المتوسطي، منها الناظور وتطوان والفنيدق وطنجة ومرتيل. كما أن السلطات المغربية لم تكتفِ هذه المرة بتمشيط الغابات القريبة من هذه المدن، التي تأوي إليها جماعات المهاجرين الأفارقة، بل شملت هذه المرة الأحياء السكنية داخل المدن والعمارات التي يقطنها الأفارقة».
وحول سير العملية، قال السوسي: «لم نسجل أية ممارسة للعنف ضد المهاجرين أو تجميعهم بشكل غير لائق. عموماً كان تعامل السلطات جيداً». ويضيف السوسي: «لكننا نتساءل عن الجدوى من هذه العملية. لأن ترحيل المهاجرين عبر نقلهم بحافلات إلى مدن أخرى في البلاد لا يحل المشكلة. لأنهم حتما سيعودون. وربما أن عناصر الفوج الأول الذي رحل قبل أيام في طريقهم من جديد إلى الشمال».
من جانبه، اعتبر عمر الناجي، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمدينة الناظور، أن حملة احتجاز وترحيل المهاجرين الأفارقة تخللتها عدة خروقات. وقال الناجي لـ«الشرق الأوسط» إن احتجاز المهاجرين من طرف قوات الأمن والدرك جرى من دون أمر من النيابة العامة، كما أن النقل إلى مدن جنوبية تم من دون موافقة المعنيين، الشيء الذي تعتبره الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خرقاً لحقوق المهاجرين.
وأوضح الناجي أن العملية انطلقت في الناظور يوم الثلاثاء 7 أغسطس، ولا تزال مستمرة، وشملت مخيمات المهاجرين في الغابة القريبة من الناظور إضافة إلى أحياء سكنية داخل المدينة. وقدرت الجمعية عدد المهاجرين الأفارقة الذين رحلوا من الناظور وحدها بنحو 600 مهاجر. وأضاف: «نعتبر أن هذه العملية لن تحل المشكلة. ونعارض أن يستمر المغرب في لعب دور الحارس الذي يبعد المهاجرين عن الحدود الأوروبية».
وأوضح الناجي أن حملة الترحيل همَّت المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء فقط، ولم تشمل السوريين واليمنيين والفلسطينيين، الذين عبروا بدورهم الحدود الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى للمتوسط بهدف الحصول على اللجوء.
وأوضح الناجي أن اللاجئين اليمنيين والفلسطينيين بدأوا يصلون في الآونة الأخيرة فقط إلى شمال المغرب. وقدر عدد اليمنيين الموجودين حاليا بالناظور بنحو 50 شخصا، والفلسطينيين بنحو 20.
وقال الناجي: «هؤلاء وضعهم مختلف، فهم لاجئين وليسوا مهاجرين. وهدفهم دخول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين بغرض تسجيل أنفسهم كلاجئين».
وازداد الضغط على المغرب خلال الأشهر الأخيرة مع إغلاق طريق ليبيا في وجه المهاجرين الأفارقة. وارتفع عدد المهاجرين الذين يخترقون الحدود المغربية - الجزائرية في اتجاه شمال المغرب بحثاً عن فرصة لعبور مضيق جبل طارق.
وحسب المرصد الدولي للهجرة، فإن إسبانيا فاقت إيطاليا فيما يتعلق بوصول المهاجرين غير القانونيين عبر البحر، إذ يقدر عدد الذي عبروا الحدود الجنوبية لإسبانيا منذ بداية العام الحالي بنحو 23.5 ألف شخص، وهو رقم أعلى من الرقم المسجل خلال السنة الماضية، وقضى 304 خلال محاولتهم بلوغ سواحلها الجنوبية، وفق إحصاء لمنظمة الهجرة الدولية.
يذكر أن تقريرا أصدرته وزارة الخارجية الأميركية أخيراً سجل «استمرار السلطات المغربية في القيام بعمليات ترحيل قسري لمهاجرين في وضعية غير قانونية نحو وجهات داخل البلاد، انطلاقا من الناظور خصوصاً»، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى تراجع هذه العمليات في السنوات الأخيرة.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.