تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

أنقرة تشعر بأن هناك تفاهماً روسياً ـ أميركياً على تهميشها... والانفراد بالحلول

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا
TT

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تركيا أمام تحدي «الخيارات الصعبة» في سوريا

تثير التطورات الأخيرة في سوريا، سواء على الصعيد الميداني أو صعيد التحركات السياسية والدبلوماسية المنصبة على الملف السوري، قلق تركيا بشأن ما حققت في شمال سوريا، وإمكانية إجبارها على مغادرة مناطق تمركزها هناك... أو فرض تسويات تجعلها تقبل بأقل من طموحاتها في المنطقة.
جاء أوضح تعبير عن حالة القلق التي تعتري تركيا اليوم من جانب الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي قال، إن «التطورات في تل رفعت أو منبج شمال البلاد لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب». وكان إردوغان قد بحث التطورات الأخيرة في سوريا، بالتفصيل، مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة دول «بريكس» التي عقدت الأسبوع الماضي في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا. وقال الرئيس التركي، إنه تناول مع بوتين المستجدات «الشائكة» في محافظة درعا جنوب سوريا، وملف إدلب في الشمال، مشيراً إلى إمكانية وقوع أحداث طارئة وغير متوقعة في هاتين المحافظتين... و«نحن نريد أن يكون الشعب السوري محمياً من الهجمات، وبخاصة تلك التي تنفذها بعض (المنظمات الشرسة)، وسنعمل على تأمين هذه الحماية من خلال التباحث حول هذه القضايا». وتناول إردوغان مع بوتين أيضاً ملف منطقة تل رفعت بريف محافظة حلب السورية، ووجود عناصر من الميليشيات الكردية فيها، لافتاً إلى أن التطورات في تل رفعت ومنبج لا تسير حالياً في الاتجاه المطلوب، وأن عفرين وجرابلس والباب، هي المناطق الوحيدة في سوريا التي تتطور فيها الأمور في الاتجاه المطلوب. وللعلم، تقع هذه المناطق ضمن سيطرة فصائل الجيش السوري الحر والجيش التركي، في أعقاب عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات» اللتين نفذهما الجيش التركي بدعم من الجيش الحر، وأصبحت مرتبطة إدارياً بالولايات التركية الجنوبية، مثل غازي عنتاب وكيليس وهطاي. وأعلن إردوغان، أنه تم الاتفاق على عقد «قمة رباعية» تركية - روسية - ألمانية - فرنسية في إسطنبول في 7 سبتمبر (أيلول) المقبل لبحث التطورات في سوريا.

تشعر تركيا راهناً بقلق كبير من تصاعد الحديث عن تخطيط النظام السوري للبدء في عمل عسكري في محافظة إدلب بعد الانتهاء من ملف الجنوب. وهذا أمر سبق أن حذّرت أنقرة منه وطالبت روسيا بالوفاء بالتزاماتها، كـ«دولة ضامنة» لاتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي تم التوصل إليه في مباحثات آستانة، ومنع نظام الأسد من الإقدام على مثل هذه الخطوة.
وكشفت مصادر إعلامية قريبة من الحكومة التركية عن أن أنقرة قدمت «ورقة بيضاء» لموسكو بشأن الحل النهائي في «منطقة خفض التصعيد الرابعة» التي تضم قرى تمتد من اللاذقية وحماة وحلب، ومعظم ريف إدلب ومدينة إدلب، تزامناً مع تطبيق بنود مفاوضات بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين التي أسفرت عن فك الحصار الخانق الذي استمر لسنوات، وتتضمن إعادة التيار الكهربائي والمياه وعودة المرافق الحياتية والخدمية وفتح طريق حلب – دمشق، وإزالة السواتر والحواجز من منطقة دارة عزة نحو حلب الجديدة.
كذلك، شرعت تركيا، حسب صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة في خطة لإنشاء شبكة «طرق سريعة» في الشمال السوري؛ بهدف فتح المنطقة أمام المستثمرين وتحويل المنطقة إلى مركز تجاري. وقالت، إنه من بين جملة الاستثمارات التركية الرامية للنهوض بالشمال السوري، يجري العمل على شبكة «طرق سريعة» تربط مدن وبلدات ريفي محافظة حلب الشمالي والشرقي. وأضافت أنه سيصار إلى شق «طريق سريعة» تمتد من معبر تشوبان باي الحدودي المقابل لمعبر الراعي في سوريا، إلى مركز بلدة الراعي في شمال شرقي حلب، وأن الطريق ستكون جزءاً من شبكة طرق ستمتد من الراعي إلى مدينة الباب، ومن الراعي حتى جرابلس وصولاً إلى مدينة منبج.
وأشارت الصحيفة، في الوقت ذاته، إلى استمرار المفاوضات بين تركيا وروسيا بشأن حلب، منوّهة بوجود مخطط مشترك بين كل من تركيا، وروسيا، وإيران لإعادة إعمار المدينة المدمرة بالكامل وعودة سكانها إليها، وأيضاً وجود مخطط لتحويل منطقة تبلغ 30 كيلومتراً تمتد من حدود تركيا لتشمل حدود حلب ومنبج، إلى «منطقة آمنة»، بحيث تتحول المنطقة إلى مركز تجاري بعد استتباب الأمن فيها. وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أن تركيا ستواصل التنسيق مع موسكو وطهران بشأن الوضع في الشمال السوري.

- خطوات على الأرض
من ناحية ثانية، دعت تركيا جميع الفصائل والهيئات والتجمعات في شمال سوريا وأهمها «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) و«حكومة الإنقاذ» و«الائتلاف الوطني السوري» و«الحكومة المؤقتة»، وباقي الفصائل إلى مؤتمر عام يعقد خلال أسبوعين لمناقشة مستقبل منطقة إدلب على ضوء التطورات الأخيرة في الجنوب السوري، وفي كفريا والفوعة بمحافظة إدلب. ومن المتوقع، حسب ما رشح من معلومات، أن تطلب تركيا من الجميع تسليمها السلاح الثقيل والمتوسط لتتولى جمعه وتخزينه لديها، ومن ثم يُعلَن عن تأسيس ما يسمى «الجيش الوطني» من جميع الفصائل المسلحة، وتأسيس «هيئة موحّدة» للكيانات غير العسكرية تنفذ مهاماً مدنية وخدمية بإشراف تركيا وإدارتها.
وبدأ الجيش التركي، بالفعل، تعزيز نقاط المراقبة التي نشرها في إدلب بكتل إسمنتية وسط جدل متصاعد حول مستقبل المحافظة الواقعة في شمال سوريا والمشمولة باتفاق «مناطق خفض التصعيد» الذي أمكن التوصل إليه خلال مباحثات آستانة بضمان كل من تركيا، وروسيا، وإيران. وحالياً، تواصل تركيا تعزيز نقاط المراقبة التي نشرتها سواء بالآليات العسكرية، أو أبراج الاتصالات ثم الجدران الإسمنتية، فضلاً عن إنشاء نقاط إسعاف شبيهة بالمستشفيات الميدانية.
كذلك، أعلنت تركيا مناطق الحدود مع سوريا «مناطق أمنية» يحظر الدخول إليها حتى اليوم 4 أغسطس (آب)؛ بسبب إرسال تعزيزات عسكرية إلى هذه المناطق واستمرار العمليات العسكرية فيها، وذلك بعدما أعرب الرئيس إردوغان عن قلقه من استهداف المدنيين في إدلب. وكان الرئيس التركي قد أكد في اتصال مع نظيره الروسي بوتين، أن «تقدم قوات النظام نحوها بطريقة مماثلة لما حدث في درعا يعني تدمير جوهر اتفاق آستانة».

- تهميش تركيا... وتداعياته
الحقيقة، أن المخاوف التركية أخذت تتصاعد بعدما ظهرت مؤشرات على تنسيق روسي - أميركي في سوريا عقب قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي.
وبحسب المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان «يبدو أن هناك تفاهمات روسية - أميركية طرأت خلال قمة هلسنكي الأخيرة بشأن الخطوط العريضة لملف تسوية الأزمة السورية، وذلك في ظل اتفاق أوسع على خريطة طريق جديدة لتشكيل توازنات إقليمية جديدة، وتحديد القوى المؤثرة في التعامل مع ملفات المنطقة في الفترة المقبلة». كذلك، ذهب مراقبون ومحللون إلى حد القول، إن خريطة سوريا السياسية والدستورية الجديدة، وعمليات إعادة الإعمار ووقف إطلاق النار وعودة اللاجئين، باتت كلها مسائل تختص بها موسكو وواشنطن؛ ما يعني عملياً إبعاد دور تركيا وإيران في المعادلة السورية أو تهميشهما.
ويرى بعض المحللين أن أنقرة، التي لن تستطيع التأثير في القرار الأميركي بسبب التوتر الشديد في العلاقات حالياً على خلفية قضية القس الأميركي أندرو برنسون وصفقة صواريخ «إس – 400» الروسية، ستضطر إلى التوجه إلى بدائل لواشنطن. وبالتالي، سيكون التحرك باتجاه التنسيق مع طهران وأطراف أخرى مثل فرنسا وألمانيا... إضافة إلى الحفاظ على قوة الدفع الحالية في العلاقات مع موسكو. لكن حتى هذه العلاقات، التي تحسّنت مع موسكو بشكل كبير في العامين الأخيرين، باتت هي الأخرى تحت تأثير مستجدات سلبية منها اللقاءات الروسية - الإسرائيلية والروسية - الإيرانية قبل قمة هلسنكي، واحتمالات وجود صفقة تفرض على تركيا في الشمال الشرقي والغربي من سوريا؛ بما يتعارض مع حسابات أنقرة وتفاهماتها مع واشنطن وموسكو بشأن الملف السوري. ثم هناك مشكلة أخرى لتركيا تتمثل في تمسك واشنطن بتحالفها مع ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) - ذات الغالبية الكردية - رغم التفاهمات بين واشنطن وأنقرة بشأن منبج. ومن وجهة نظر المحللين، فإن القيادة التركية سترفض حتماً أي نقاش مشابه لوضع منبج في منطقة شرق الفرات أو شرق سوريا، حيث تعتبر أن المسألة تتعلق بالتفاهمات الأميركية الروسية مباشرة.

- مشاعر قلق جدية
هذا، ويلفت مراد يتكين، الكاتب الصحافي المختص بالشؤون الخارجية ورئيس تحرير النسخة الإنجليزية لصحيفة «حريت» التركية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط» إلى الاجتماعات المتتالية بين النظام السوري وممثلي «قسد» دون أي شروط مسبقة، موضحاً أنها «تقلق أنقرة، ولا سيما، لجهة أنها قد تكون بتوصية أميركية - روسية للطرفين لحسم خلافاتهما في الشمال الشرقي وشرق سوريا». وكانت «قسد» - التي تشكل ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية عمودها الفقري - قد أبدت استعدادها للتوقف عن المطالبة بالنظام الفيدرالي والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي؛ الأمر الذي قد يخدم قضية استعادة سوريا وحدتها وسيادتها على كل ترابها الوطني.
من ناحية ثانية، يرى المحلل السياسي التركي سعادات أرجين «أن الخطة الروسية - الأميركية التي بدأت تتضح معالمها في اجتماع سوتشي، الثلاثاء الماضي، للدول الضامنة في آستانة (روسيا وتركيا وإيران) تقوم توحيد مسارات الحلول والقرارات بشأن سوريا (جنيف وآستانة وسوتشي) ضمن تفاهم أميركي - روسي للتوافق على شكل الحل السياسي والدستوري في سوريا. وهو ما يثير قلق تركيا من احتمالات إبعادها وطهران عن أي مسارات للحل مستقبلاً».

- طمأنة روسية لإسرائيل
وفي تأكيد واضح لهذه المخاوف من جانب أنقرة، «وفي حين بعثت موسكو برسائل طمأنة إضافية إلى إسرائيل بأن إيران وميليشياتها لن تكون موجودة في الجولان بجنوب غربي سوريا، فإنها (أي موسكو) طالبت تركيا بالقضاء على وجود (جبهة النصرة) في محافظة إدلب»؛ ما اعتبره مراد يتكين «ضغطاً روسياً صريحاً على تركيا وإحراجاً لها».
كما يبدو، فإن الأطراف الثلاثة الضامنة لمسار آستانة أخفقت في ختام اجتماعها الأخير في منتجع سوتشي الروسي، الثلاثاء الماضي، في تقريب وجهات النظر حول الملفات الأساسية التي طرحت للنقاش، وحال التباين الواسع حول الوضع في إدلب دون الاتفاق على خطوات مشتركة للتحرك في البيان الختامي الذي تجاهل الوضع في هذه المحافظة الحدودية السورية المتاخمة لتركيا. وأكد المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف بعد الاجتماع «ضرورة قطع دابر المجموعات الإرهابية في إدلب، وفي مقدمتها (جبهة النصرة)». وأضاف «لقد دعَونا المعارضة المعتدلة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الأتراك لحل هذه المشكلة».

- تحركات تركية
في هذه الأثناء، ورغم القلق، كشفت تركيا عن نيتها مواصلة عملياتها ووجودها العسكري في شمال سوريا لـ«تحويل المناطق التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية إلى مناطق آمنة». وذكرت وكالة أنباء «الأناضول» الرسمية، أن 3 فصائل عسكرية تابعة للجيش السوري الحر انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، ليشكلوا بذلك أكبر كيان عسكري معارض للنظام في محافظتي حماة (وسط)، وإدلب شمال غربي سوريا قوامه قرابة 100 ألف مقاتل.
وأفادت مصادر في المعارضة السورية بأن فصائل «جبهة تحرير سوريا»، و«جيش الأحرار»، و«صقور الشام» انضمت إلى «الجبهة الوطنية للتحرير»، التابعة للجيش السوري الحر، في خطوة من جانب تركيا لتثبيت وضعها في محافظة إدلب وتشكيل جيش وطني لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها «النصرة»، حسب اتفاق سابق مع موسكو على أن تتولى تركيا إخراج «النصرة» من منطقة حلب.
وقالت المصادر لـ«الأناضول»، إن الهدف من انضمام الفصائل المذكورة إلى «الجبهة» هو توحيد فصائل الجيش السوري الحر تحت سقف واحد. وراهناً، تواصل «الجبهة الوطنية للتحرير» أنشطتها بقيادة القائد الحالي للجبهة فضل الله الحجي.
هذا، وسبق أن انضمت فصائل «فيلق الشام»، و«جيش النصر» و«جيش إدلب الحر»، و«الفرقة الساحلية الأولى»، و«الفرقة الساحلية الثانية»، و«الفرقة الأولى»، و«الجيش الثاني»، و«جيش النخبة»، و«شهداء داريا الإسلام»، و«لواء الحرية»، و«الفرقة 23»، إلى «الجبهة» أواخر مايو (أيار) الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد مشاورات استمرت لأيام في العاصمة التركية أنقرة بين قيادات في المعارضة السورية ومسؤولين أتراك.
ورأى مراقبون، أن التحرك التركي استهدف تجنب الحرب على إدلب، بالإضافة إلى وضع جميع الفصائل تحت سيطرتها لتجنب الفوضى، ولا سيما، أن جميع المؤشرات تشير إلى أن الوجهة المقبلة من المعارك ستتجه إلى الشمال السوري... وخصوصاً محافظة إدلب، التي باتت وجهة لجميع الفصائل التي تدعمها تركيا، على اختلاف آيديولوجيتها.
وتراوح تصريحات المسؤولين الأتراك الآن بين التحذير والطمأنة، إضافة إلى الاستمرار في إرسال تعزيزات عسكرية إلى نقاط المراقبة التي أنشأتها في إدلب، وتحصين مواقعها، مع مطالبة واشنطن بألا تماطل في تنفيذ «خريطة الطريق» في منبج.
ووفق المحلل السياسي أرجين «تستهدف التحركات التركية إبعاد أزمة جديدة يمكن أن تواجه أنقرة بسبب الهجوم على إدلب؛ لأن تركيا التي استقبلت 3.5 مليون لاجئ، لن تستطيع تحمل استضافة 3 ملايين لاجئ آخرين في حال هجوم الأسد وحلفائه على إدلب».
ولفت المحلل التركي إلى الرسالة المبطنة للجيش التركي الموجهة إلى النظام بأن قواته المنوط بها حفظ الأمن في إدلب لن تسمح بالهجوم المحتمل على المحافظة. وهو ما يعني أن مواجهة ما قد تحدث إذا ما أقدم نظام الأسد على هذا الهجوم، لكن المعروف أن النظام لا يخطو خطوة إلا بمراجعة إيران وروسيا، وكلاهما الآن عرضة للعقوبات الأميركية التي ترفض تركيا تطبيقها.
أما يتكين فيتوقف عند اتصالات الرئيس التركي بالرئيس الروسي ولقائه معه في جوهانسبرغ، وأيضا اللقاء الرباعي التركي – الروسي – الفرنسي - الألماني المرتقب، الذي توقعت مصادر دبلوماسية أن يعقد على مستوى وزراء الخارجية، ويرى أن كل ذلك «محاولة أو مناورة من جانب أنقرة للخروج من فخ، ربما تسعى بعض الأطراف لدفعها إلى الوقوع فيه. ومن ثم، الحفاظ على التنسيق التركي - الروسي - الإيراني لمنع أي تطورات سلبية في الشمال السوري المتاخم للحدود التركية».

- أربعة خيارات... أمام تركيا
يتداول محللون سياسيون أتراك حالياً أربعة خيارات أو «سيناريوهات» يمكن لأنقرة اللجوء إليها أو حتى الاضطرار إلى القبول بها.
يتمثل الخيار الأول في الانسحاب التركي الجزئي من محافظة إدلب، والإبقاء على الوجود العسكري في بعض المناطق الحدودية.
والخيار الثاني يتمثل في الانسحاب الكامل حتى المناطق الحدودية التي تُنشئ فيها تركيا قواعد عسكرية كبيرة، والسيطرة غير المباشرة على بعض المناطق المحاذية لأراضيها من خلال إنشاء مجالس محلية من الفصائل السورية - بما في ذلك «جبهة النصرة» - . ومن ثم، التوافق مع روسيا بإشراك المجالس بأي تسوية سياسية قادمة، أو اتباع توظيف فصائل لاستهداف النظام؛ وهو ما سيؤدي إلى أن تواجه روسيا تحدياً طويل الأمد في سوريا... تسعى للتخلص منه.
والخيار الثالث قد يكون الانسحاب الكامل والاعتماد على الضمانات الروسية لمنع أي تحرك كردي، كما حصل بالفعل في الجنوب.
والخيار الرابع، والأخير، قد يكون تبادل الأراضي، عبر منح تركيا أراضي في شمال شرقي سوريا، كمنطقة تل أبيض وبعض مناطق محافظة الرقة مقابل ترك إدلب. غير أن هذا الخيار سيضعها تحت رحمة موجات نزوح جديدة بالملايين.


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.