مرجع أمني لبناني لـ {الشرق الأوسط}: قضينا بالكامل على البنية التحتية للإرهاب

«كتاب أسود» يوثقه في لبنان... وأكثر من ألف موقوف على ذمة قضاياه في 2017

قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
TT

مرجع أمني لبناني لـ {الشرق الأوسط}: قضينا بالكامل على البنية التحتية للإرهاب

قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)
قافلة تقل مقاتلي «سرايا أهل الشام» قرب بلدة عرسال اللبنانية على الحدود السورية صيف 2017 (أ.ف.ب)

منتصف الشهر الماضي، زار قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون يرافقه مدير الاستخبارات في الجيش العميد الركن إنطوان منصور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ثم رئيس مجلس النواب نبيه بري، فرئيس الحكومة سعد الحريري. في الزيارات الثلاث، دخل العماد عون، والعميد منصور مع كتاب أسود تبلغ سماكته نحو 15 سنتيمترا، وخرجا من دونه، بعد أن قدماه لقمة الهرم السياسي في البلاد. يمثل هذا الكتاب، خلاصة العمل الأمني لمديرية المخابرات في الجيش وحدها، ويحتوي آلاف الصفحات والتفاصيل الدقيقة عن حجم الشبكات الإرهابية التي أوقفت وفككت خلال العام 2017.
يضج «الكتاب الأسود» للإرهاب في لبنان، بالكثير من التفاصيل والوقائع. كل خلية موثقة بعدد أفرادها ومهماتها وأهدافها واعترافات الموقوفين منها، مع صورهم، وفي كثير من الأحيان صور المضبوطات التي وجدت معهم، من سلاح وعتاد ومخدرات.
ويؤكد مرجع أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» أن لبنان قضى بالكامل على البنية التحتية للإرهاب، مشيرا إلى أن ثمرة الإنجازات التي قامت بها الأجهزة الأمنية كانت قضاء مبرما على البنية التحتية الأساسية للإرهاب في البلاد، التي روعت اللبنانيين في السنوات الماضية، جازما بأن العام 2017 كان مفصلا أساسيا في هذه الحرب.
ويوضح المرجع، أن هذه الأرقام، تكشف فقط عما قامت به مديرية المخابرات في الجيش وحدها، مشيرا إلى وجود شركاء آخرين في عملية مكافحة الإرهاب في بقية الأجهزة الأمنية، وخصوصا في المديرية العامة للأمن العام وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، اللذين قاما بإنجازات أخرى في هذا المجال صبت جميعها نحو الهدف الأوحد وهو القضاء على الإرهاب.
مع هذا يعترف المرجع، بأن ثمة إمكانية لخروج بعض الإرهابيين بعمل من هنا أو هناك، لكنه يجزم مرة جديدة بأن البنية التحتية التي كانت تزود هؤلاء بالسلاح والمتفجرات والدعم اللوجيستي، أصيبت بضربة قاصمة. ويقول: «سيحاولون، ونحن سنبقى متيقظين لمنع أي خرق للأمن اللبناني، ويمكنني أن أجزم بأن لبنان في هذا المجال هو في مصاف الدول الأكثر أمنا في العالم اليوم». ويضرب المرجع في هذا الإطار، مثلا، كيف أن مشتبها به في أحد مخيمات النازحين السوريين في عرسال ومحيطها كان يحتاج إلى قوة كبيرة لجلبه، بات يكفيه أن تنتقل إليه دورية من عدة عناصر فقط.
وشكلت أزمة النزوح السوري ضغطا كبيرا على الأمن اللبناني، كما يقول المرجع، مبديا أسفه كون أكثر من 90 في المائة من الموقوفين هم من التابعية السورية، ما بات يستدعي عملا أكثر على هذا الملف.
ويعتبر المرجع أن الاستقرار السياسي ليس شرطا أساسيا في عملية الأمن، لكنه يشير في المقابل إلى أن التحريض يجب أن لا يكون جزءا من الخطاب السياسي، مشيرا إلى أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى قادرون على ضبط الوضع، لكن على السياسيين أيضا أن يساهموا في خفض حدة التشنج بين الناس. فإذا كان الاختلاف السياسي والتمايز وحتى الخلاف حقا مقدسا في الديمقراطيات، فهو يجب أن يترافق مع وعي لمخاطر بعض التصرفات.
الخلاف السياسي الداخلي وحده من كان عائقا أمام استرداد الجنود الأسرى الذين خطفتهم التنظيمات الإرهابية في محيط عرسال في العام 2014. وفي هذا الإطار يؤكد المرجع أن الجيش كان قادرا على شن عملية كبرى لاستعادة أسراه في حينها، كما كان مستعدا بعد ذلك. وفي نهاية المطاف قام بعملية «فجر الجرود» التي انتهت بتطهير الأراضي اللبنانية التي كان يحتلها تنظيم داعش الإرهابي، وبخسائر بشرية ومادية محدودة جدا.
تظهر أرقام «الكتاب الأسود» أن تنظيم داعش كان «البعبع» الأكبر إعلاميا ونفسيا، لكن تنظيم «جبهة النصرة» بزعامة أبو مالك التلي كان الأكثر خطورة، بعدما تبين أنه أكثر من قام – وحاول – بعمليات إرهابية على الأراضي اللبنانية.
يبلغ حصاد العام 2017 من الموقوفين لدى الاستخبارات اللبنانية 3743 موقوفا أحيل منهم إلى القضاء 1496. ويعتبر موقوفو الإرهاب الأكثر عددا إذ بلغ عدد المتورطين بعمليات إرهابية 943 شخصا، يضاف إليهم 290 شخصا دخلوا البلاد خلسة من الأراضي السورية، و22 شخصا بتهمة تمويل الإرهاب و59 شخصا بتهمة حيازة الأسلحة والذخائر.
أما أكبر الخلايا التي ضبطت فكانت في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2017. وهي تضم 11 شخصا مرتبطة بشادي المولوي. فقد خططت هذه المجموعة لإرسال سيارات مفخّخة إلى ضواحي مدينة بيروت واغتيال مدنيين وضبّاط حاليين ومتقاعدين في الجيش اللبناني. وضبط مع عناصرها كمية كبيرة من المتفجرات وحزام ناسف وأجهزة تفجير عن بعد وأسلحة مع ذخائرها من ضمنها مسدّس مزوّد بجهاز كاتم للصوت.
وفي 22 من الشهر نفسه أوقفت الاستخبارات عمر حسن العاصي المنتمي لتنظيم داعش خلال محاولته تنفيذ عملية انتحارية في مقهى «كوستا» في منطقة الحمرا ببيروت. وفي 3 مايو (أيار) تمكن الجيش من القيام بعملية في منطقة وادي سويد في عرسال أسفرت عن توقيف عمر حميد الملقب بـ«التوملّي»، المنتمي إلى تنظيم داعش. والموقوف كان وراء الاعتداء على دورية تابعة للجيش في بلدة عرسال مطلع العام 2013 أودت بحياة الرائد في الجيش بيار بشعلاني والمعاون إبراهيم زهرمان. وشكلت العملية ضربة معنوية مهمة للتنظيم. وفي حينها، اتصل قيادي من الجيش بوالدتي الضابط والعسكري مبشرا بضبط القاتل، قبل إذاعة الخبر.
وفي السادس من يونيو (حزيران) من العام نفسه استطاع الجيش القيام بإنجاز معنوي – ميداني آخر، تمثل بتوقيف فيصل حسين مملوك الذي شارك في تطويق مراكز الجيش واقتحام مبنى قوى الأمن الداخلي في عرسال والاشتباك مع عناصره في أحداث عرسال عام 2013. وفي اليوم التالي أوقف الجيش محمد بدر الدين الكرنبي المنتمي لتنظيم داعش لمشاركته في معركة عرسال ضد الجيش، ونقل انتحاريين وشراء وتفخيخ ونقل سيارات لتفجيرها وإطلاق صواريخ وعمل في تجارة الأسلحة الحربية وترويج وتعاطي المخدرات.
وفي الأول من يوليو (تموز) أوقف الجيش أحمد خالد دياب الملقب بـ«أحمد أبو السيك» المتهم بالاعتداء على وحدات الجيش في مهنية عرسال عام 2014. وقد اعترف أنه شارك بقتل العقيد نور الدين الجمل. وفي الحادي عشر من الشهر نفسه دهمت وحدات الجيش مقرا لمجموعة يرأسها السوري ياسر الغاوي، وضبطت مع أفرادها عبوات معدّة للتفجير وحزاماً ناسفاً و50 كلغ من المواد المستخدمة في تصنيع المتفجرات، بالإضافة إلى كميّة من الرمانات اليدوية والصواعق. وأدى الاشتباك إلى مقتل الغاوي وعاطف الجارودي وتوقيف ثلاثة آخرين، علما بأن الغاوي هو الرأس المدبر لعملية التفجير التي حصلت في رأس بعلبك قبل أكثر من شهر.
وفي سبتمبر (أيلول) تم توقيف عبادة مصطفى الحجيري المتهم بالانتماء إلى تنظيم جبهة النصرة بتهمة تأمين الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية، وإيوائه عدد كبير من المسلحين داخل منزله في عرسال. وأفيد أنه اعترف بإقدامه مع والده مصطفى الحجيري الملقب «أبو طاقية» على اقتياد العسكريين اللبنانيين وتسليمهم إلى التنظيم المذكور.
وفي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 أوقف الجيش أبرز قياديي تنظيم داعش اللبناني إبراهيم أحمد زعرور والسوري عدي حسين الخطيب. وهما شاركا في المعارك ضدّ الجيش اللبناني في عرسال، ورصد ومراقبة تحركات الجيش، وتخطيطهما لعدة عمليات إرهابية بواسطة سيارات مفخخة وعبوات ناسفة لاستهداف مراكز الجيش، بالإضافة إلى مشاركة الثاني في تفجير مقر هيئة علماء القلمون في عرسال واستهداف دورية الجيش أثناء توجهها إلى مكان الانفجار وتواصله مع أبو الورد المرتبط بانتحاريي القاع.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.