أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

تحالفات متقاطعة... وتمركزات مفاجئة... وحشود عسكرية سريعة الحركة

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا
TT

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

أحدث خريطة لتوزيع القوى المتصارعة في ليبيا

تُظهر أحدث خريطة لتوزيع القوى المسلحة في ليبيا تحالفات متقاطعة، وتمركزات مفاجئة في المواقع، وحشودا عسكرية سريعة الحركة. وباستثناء قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، في الشرق، يبدو أن باقي التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية، في الغرب، تفتقر إلى عقيدة واضحة بشأن الهدف من وجودها، وما تريد أن تفعله في الحاضر والمستقبل.
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي... ومنذ تفرُّق الجيش تحت ضربات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2011، تشكلت في غالبية المدن مجالس عسكرية لتأمين المرافق وحياة الناس فيها، يعد أقواها هو المجلس العسكري لمدينة مصراتة، إلا أن الصراع على النفوذ، تسبب سريعا في حروب صغيرة هنا وهناك، سقط ضحيتها مئات القتلى وآلاف المصابين، وتشريد الألوف.
ومن بين خلافات المجالس العسكرية، تسللت عناصر متطرفة وصلت في بعض المدن إلى تولي رئاسة تلك المجالس، والدخول بليبيا للمجهول، ما أدى إلى ارتفاع أسهم الجيش الوطني في الشرق، بعد أن تمكن من هزيمة المتطرفين، وفرض سلطة موحدة على مساحات شاسعة من البلاد.
وفي المقابل بقيت مدن الغرب، خاصة طرابلس ومصراتة، تحت وطأة تنافس محموم من جانب مسلحين من مشارب متعددة، رغم وجود سلطة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، المدعوم دوليا. وفي التقرير التالي صورة عن أهم مناطق وجود القوى المسلحة في عموم ليبيا، وفقا لما حصلت عليه «الشرق الأوسط» من مصادر عسكرية وأمنية مختلفة في ليبيا.
منذ عام 2014 تمكن المشير خليفة حفتر من إعادة تكوين «القوات المسلحة العربية الليبية»، وهو الاسم الذي كان يطلق على الجيش في عهد العقيد معمّر القذافي. ويبلغ قوام عناصر الجيش القديم التي كانت منتظمة في الخدمة نحو 140 ألف ضابط وجندي. لكن العدد الحالي الذي رجع للعمل تحت إمرة حفتر، يبلغ تقريبا ربع عدد القوات السابقة.
وكان الهدف من تجميع الجيش تحت اسم «عملية الكرامة»، قبل أربع سنوات، هو التصدي للجماعات المتطرفة التي استوطنت بنغازي، ثاني أكبر المدن والعاصمة التاريخية للشرق.
ولم ينجح حفتر فقط في دحر تنظيمات مصنفة دوليا كجماعات إرهابية، بل تمكن أيضاً من بسط سلطة الدولة على بنغازي، وكل مدن الشرق، ومعظمها مطل على البحر المتوسط، لكن ما زالت هناك بؤر إرهابية منتشرة في مدينة درنة التي تبعد نحو 250 كيلومترا من الحدود مع مصر، وبؤر أخرى في الصحراء الجنوبية الشرقية، وهي منطقة وعرة التضاريس.
- تمركزات الجيش
يتمركز الجيش في الوقت الراهن في معسكرات يقع معظمها في شرق البلاد حول مدينة بنغازي، خاصة منطقة الرجمة التي يدير منها المشير حفتر العمليات القتالية. وتمكن خلال الشهور الماضية من فرض حصار محكم على درنة لتضييق الخناق على الجماعات المتطرفة. ونجح في فتح معسكرات له داخل بنغازي، وفي مناطق القبة والبيضاء، وغيرها.
وللجيش وجود في الشمال الأوسط من البلاد أيضا، يمتد من إجدابيا، حتى مشارف مدينة سرت غربا. وإلى الجنوب من سرت انتزع الجيش قاعدة الجفرة الحيوية من أيدي جماعات متباينة التوجهات، لكنها كانت متحدة ضد الجيش.
وفي الجنوب قاتل حفتر بضراوة من أجل استعادة قاعدة براك الشاطئ الاستراتيجية من أيدي متطرفين في الشهور الماضية. وما زال يسيطر عليها، حيث يقوم بين حين وآخر باستخدام قاعدتها الجوية لتنفيذ غارات على جماعات متشددة في أقصى الجنوب.
وتتوزع القوى الرئيسية ذات التسليح القوي بين أربع مناطق الآن هي: الشرق، وطرابلس، ومصراتة في الغرب، وسبها في الجنوب.
- انقسامات طرابلس وما حولها
وقعت في طرابلس وما حولها حروب صغيرة متعددة كان أبرزها الحرب التي دارت في 2014 بين قوات من مدينة الزنتان الواقعة إلى الجنوب الغربي من العاصمة، وقوات من مدينة مصراتة، التي تبعد نحو مائتي كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. لكن الأمور تغيرت والتحالفات أيضا. وفيما بعد تمكنت قوات تتكون في معظمها من أبناء العاصمة، من طرد مقاتلي مصراتة وتحالفاتهم مع الإسلاميين المتشددين، من طرابلس في صيف العام الماضي. وتوالي القوات الطرابلسية وجود السراج كحاكم في طرابلس.
- مخاوف من تاجوراء
من ناحية أخرى، الاثنين الماضي، جرى رصد تحرك من عناصر من ميليشيات مصراتة في اتجاه منطقة القره بولي في شرق العاصمة، حيث تتمركز قوات أخرى مناوئة للسراج، منذ شهور، في منطقة تاجوراء التي تفصل القره بولي عن طرابلس. وتعرف هذه القوات باسم كتيبة بشير البقرة، وهي خليط من متعاونين سابقين مع السراج، وجماعات متطرفة.
وفي اليوم التالي وصل عدد القوات الجديدة التي قدمت من مصراتة، إلى أكثر من تسعين سيارة دفع رباعي وعليها نحو خمسمائة مقاتل مدجّجين بالأسلحة. وكان من السهل رؤيتها في منطقتي العلوص والقويعة، بينما أرسلت قوات البقرة وفودا للترحيب بالمقاتلين الذين وصلوا توا.
يقول قائد في إحدى الميليشيات، إن ممثلين عن قوات على خصومة مع السراج جاءت من مقار تمركزها قرب مطار طرابلس الدولي في الجنوب، لتقديم التهنئة بسلامة وصول تلك القوات المصراتية أيضا، و«هذا لا يصب في مصلحة القوات الطرابلسية».
بيد أن هذا لا يمنع من أن تتغير كل هذه الخطط خلال أيام. فقد وقع تململ من جانب بعض العسكريين المنخرطين في القوات التي جاءت مؤخرا من مصراتة، بسبب تأخير ساعة التقدم إلى وسط العاصمة، فكان الرد أنه لم يتم حسم الأمر بعد، لأن هناك آراء، في مصراتة، تقول إن توجيه القوات لاستعادة قاعدة الجفرة العسكرية، من قوات حفتر، أهم من الدخول في حرب مع قوات السراج في طرابلس.
- قوات على حافة التمرد
ولدى القوات المتمركزة في شرق العاصمة تنسيق مع قوات تابعة لقائد عسكري يفترض أنه يعمل تحت قيادة السراج، في غرب وجنوب غربي العاصمة. لكن في الوقت الراهن يبدو أن هذا القائد، وهو برتبة لواء، لم يعد على سابق الوفاق مع السراج. ويعتقد كبار رجال الأمن في طرابلس أنه إذا ما قام هذا اللواء بالاشتراك مع مصراتة في الهجوم على العاصمة من الغرب والشرق، فإنه يمكن لقواتهما السيطرة على المدينة بسهولة. وتتحرك قوات «اللواء» في ورشفانة حيث تسيِّر دوريات عسكرية في مناطق الزهراء، والعزيزية، والساعدية، والتوغار، والماية، والكسارات، وغيرها.
وفي أحدث مؤشر على ما يشبه التمرد في أوساط قيادات عسكرية في الغرب على السراج، يتحدث مصدر عسكري عن مشادة وقعت بين ضباط بالمنطقة الدفاعيـة لطرابلس، بقيادة اللواء عبد الباسط مروان التي تعمل تحت إمرة السراج، وضباط تابعين لقائد المنطقة العسكرية الغربية، المعين من السراج، اللواء أسامة الجويلي.
ولقد لاحظ عسكريو المنطقة الدفاعية لطرابلس، وجود تحركات لأكثر من ألف عنصر من قوات تابعة لجويلي، على تخوم طرابلس، دون أن تحصل على إذن من السراج بصفته القائد الأعلى للجيش... «وهذا مثير للقلق»، كما يشير المصدر نفسه. وتم إخطار السراج بهذه التطورات، إلا أن كل شيء تغير سريعا إلى الأسوأ بالنسبة لرئيس المجلس الرئاسي، إذ تمادت دوريات القوات المشار إليها، في اتجاه طرابلس، دون إبلاغ السراج، ووصلت إلى مناطق متقدمة من جنوب العاصمة مثل العزيزية، على بعد 45 كيلومترا، والسواني على بعد 20 كيلومترا.
- القوات الطرابلسية
توجد حالياً في وسط العاصمة قوات هي خليط من المدنيين والعسكريين، محسوبة على السراج، وإن كانت تعمل بشكل فيه نوع كبير من الاستقلالية. وهذه القوات تتبع قادة معروفين منهم هيثم التاجوري، وعبد الرؤوف كارا، وعبد الغني الككلي. لكن قواتهم تعد متواضعة إذا ما قورنت بالقوات التي تملكها كل من مصراتة والزنتان مجتمعة. وتعمل القوات الطرابلسية باعتبار أنها قوات تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، لكنها مع ذلك تتصرف في معظم الوقت كقوات مستقلة، ولديها سجون خاصة لا تتبع أي سلطة بما فيها السلطة القضائية. وفي كثير من الأحيان تدخل في مناوشات مع السراج نفسه.
وتسببت مخاوف القوات الطرابلسية من تنامي قوات الحرس الرئاسي، وهي قوة نظامية تابعة للسراج، برئاسة العميد نجمي الناكوع، في التضييق على هذه القوة، وتهميش الناكوع نفسه. بيد أن القوات الطرابلسية ليست على قلب رجل واحد في معظم الوقت. فهي تتنافس أيضا على النفوذ فيما بينها. ودخلت في صراع ضد بعضها بعضا، قبل شهرين، بسبب رغبة كل منها في الاستحواذ على شحنة سيارات «بيك آب» مستوردة من الخارج. ويقول وسيط شارك مرات عدة في حل الخلافات بين القوات الطرابلسية: التاجوري وكارا، هما عمود الدفاع عن طرابلس، إلا أنهما لم يعودا على وفاق كما كانا في الماضي.
- الكرّ والفرّ
هذه ليست المرة الأولى التي تقترب فيها قوات ضاربة تابعة لمصراتة من العاصمة. فقد جرت مثل هذه التحركات في الشهور الماضية، دون تنسيق مع الزنتان. وفي كل مرة يبدأ التحشيد لحرب كبيرة في طرابلس، إلا أن القوات المصراتية إما أنها تعود إلى مدينتها، أو تظل متمركزة قرب العاصمة لعدة أسابيع. لكنها، ومنذ أواخر العام الماضي، حصلت على مكسب من الخلافات التي وقعت بين كتيبة البقرة والسراج. وكان بشير البقرة مكلفا بالمشاركة في تأمين العاصمة، إلى أن قام بمحاولة لاقتحام مطار إمعيتيقة، ما دفع السراج إلى رفع الغطاء القانوني عنه.
ووجد خصوم السراج فرصة لدعم البقرة والتحالف معه. وتتمركز قوات البقرة، المكونة من مئات المقاتلين، في تاجوراء شرق العاصمة، وتتعاون مع قوات من ترهونة والخُمس، بالإضافة إلى مصراتة. وهي حاليا مصدر تهديد كبير.
- قوات وزير دفاع السراج
وزير الدفاع في حكومة المجلس الرئاسي، العقيد المهدي البرغثي، يبدو أنه ليس على وفاق مع السراج. ووقع الخلاف بين الطرفين بعد حادث الهجوم على قاعدة براك الشاطئ، في جنوب البلاد منذ نحو سنة، التي تهيمن عليها قوات من الجيش الوطني الذي يقوده حفتر. وجرى قتل وإصابة عشرات الجنود في القاعدة. وتبادل السراج ووزير دفاعه الاتهامات حول المتسبب في هذه الكارثة التي هزت المجتمع الليبي.
وفي الوقت الراهن يعمل وزير الدفاع بشكل شبه مستقل عن السراج، ولديه قوات في محيط طرابلس، ولا يعلن عادة عن نياته. ولديه اتصالات مع قوى مختلفة، بما فيها قوات تقع في الخانة المناوئة للسراج. ويبلغ عدد القوات الموالية لوزير الدفاع نحو ألف مقاتل، ويوجدون في مجموعات لها أسماء عسكرية منها الكتيبة 28، وموجودة في طريق الشط، وميدان الشهداء، وسوق الثلاثاء، ووسط طرابلس، والكتيبة 92 في شارع الزاوية، ومنطقة صلاح الدين، والكتيبة 301، موجودة في طريق المطار، والسواني، والكريمية، وغيرها.
ودعم وزير الدفاع عملية «البنيان المرصوص» التي أدت إلى طرد تنظيم داعش من مدينة سرت، لكن قيادات «البنيان المرصوص» - ومعظمهم من مصراتة - تفرقت بهم السبل، فبعضهم ما زال مواليا للسراج، والبعض الآخر يناصبه العداء وينحاز للمتطرفين.
ولم يعرف موقف البرغثي من هذه الاختلافات. ولم يسجل أي اشتباك مباشر لقواته في مناطق التماس بين الإخوة الأعداء حول طرابلس، أي في تاجوراء والزاوية، ووادي الربيع، حيث يوجد هناك خليط من المئات من العناصر المسلحة، بعضها من الموالين للسراج وبعضها من خصومه.
- العودة إلى المطار
جدير بالذكر، أنه وقعت الحرب بين مصراتة والزنتان في 2014. وكان آخر مظاهرها الاقتتال الشرس حول مطار طرابلس الدولي. ولقد تحصن مقاتلو الزنتان في المطار، وقامت قوات مصراتة بقصفهم بكل أنواع الأسلحة، ما أدى لحرق المطار بما فيه من طائرات، وانسحاب الزنتان إلى مدينتهم.
واليوم، إذ تخشى أطراف في المجلس الرئاسي من مغبة تحالف هاتين القوتين، يجري بحث مقترحات تقدمتا بها لأطراف في المجلس الرئاسي، بشكل غير رسمي، لكي تقتسم مصراتة والزنتان إدارة المطار وما حوله من أراض ومزارع في جنوب العاصمة.
ويقول مستشار في طرابلس، إن هذا مخرج مهم لتجنب وقوع حرب، لكنه يضيف أن هناك من يعارض هذا المقترح، وعلى رأس هؤلاء القوات الطرابلسية، فأي وجود لمصراتة والزنتان في أي مكان في طرابلس هو بمثابة تهديد مباشر لمئات من قوات التاجوري، وكارا، والككلي، وهي القوات التي يعتمد عليها السراج في نهاية المطاف.
- أنصار النظام السابق
أخيراً، تقول مصادر ممن كانت في الماضي من معاوني القذافي، إن هناك نحو سبعين ألفا من الضباط والجنود ممن لم يلتحقوا، منذ 2011، بالجيش الذي يقوده المشير حفتر، لأسباب سياسية تتعلق بانحياز حفتر إلى الانتفاضة التي أطاحت القذافي. ويشير إلى أن هؤلاء إما أنهم لجأوا إلى المنافي الاختيارية في مصر وتونس والجزائر وغيرها، للحفاظ على أرواحهم، أو اختاروا البقاء داخل ليبيا انتظارا لتغير الظروف على الأرض، خاصة من جانب المجتمع الدولي الذي يرفض عودة قادتهم للواجهة.
ومع ذلك، فإن معظم القيادات العسكرية التي تعمل مع حفتر هم أساساً من الجيش الليبي السابق. لكن بالنسبة لمن هم في داخل ليبيا، وينتظرون تغير الأوضاع، فيتركز وجودهم في مدينة بني وليد التي ما زالت تعلق صور القذافي على جدران المباني. وتوجد بعض البلدات في إقليم فزان، جنوبا، ما زال فيها قادة عسكريون يتمسكون بمبادئ القذافي، رغم أن بعضهم يتولى القيادة في مناطق عسكرية تابعة لحفتر.
- قوات الجضران
> ظهر اسم إبراهيم الجضران آمرا لحرس المنشآت النفطية في المنطقة الواقعة بين مدينتي إجدابيا وسرت. وكان يزعم أن لديه آلاف المقاتلين في تلك المنطقة التي تحوي مصافي لتصدير النفط، ودخل في حروب ضد المشير حفتر لحكم المنطقة بالقوة، لكنه خسرها، ومن ثم تفرق معظم مقاتليه. وجرى إقالته من جانب السلطات الحاكمة في شرق ليبيا وغربها.
وألقي القبض على الجضران قبل سنة، وأودع سجن في بلدة نالوت، جنوب غربي طرابلس، إلا أنه فر من محبسه ثم ظهر قبل أسبوعين في مصراتة، التي أصبح يهيمن عليها تحالف من زعماء «الإخوان» و«القاعدة» و«داعش».
ويقول مصدر أمني: «هناك أطراف محلية وإقليمية تعمل ضد حفتر، هي من ساعد على جمع المقاتلين، من متطرفين ومرتزقة أفارقة، لشن هجوم على المصافي النفطية، انطلاقاً من مركز عمليات يديره متشددون في مصراتة، في محاولة لتشتيت جهود الجيش في درنة. ويخشى المتطرفون من أي تقدم لحفتر في اتجاه غرب البلاد».
- جيش الصحراء
> يوم الخميس من الأسبوع الماضي، وأثناء الإعداد لشن هجوم على منطقة «الهلال النفطي»، شوهدت قوات تابعة لجماعات من متطرفين ومرتزقة في الصحراء الليبية والمعروفة باسم «جيش الصحراء»، وهي في طريقها للالتحاق بالهجوم على مصافي النفط. وتتمركز هذه القوات في مناطق ذات طبيعة صخرية بركانية في وسط الصحراء منها «الهروج» و«الجبال السود» و«أم الغرانيق» و«قرارة خلف الله».
ولا يقتصر وجود المقاتلين هناك على «جيش الصحراء» الذي شكله مقاتلو «داعش»، الفارون من مدن الشمال، ولكن المنطقة تضم مسلحين مناوئين لحكومات بلادهم في أفريقيا ومتطرفين قادمين من دول أفريقية، وآخرين فارين من مناطق القتال في العراق وسوريا. وانخرط مرتزقة من هؤلاء في الهجوم على الهلال النفطي.



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.