ليبيا... ماذا وراء مبادرة ماكرون؟

شكوك حول الانتخابات... وتحذير من «الصوملة»

ليبيا... ماذا وراء مبادرة ماكرون؟
TT

ليبيا... ماذا وراء مبادرة ماكرون؟

ليبيا... ماذا وراء مبادرة ماكرون؟

استضاف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أول مؤتمر الثلاثاء الماضي، من نوعه لقيادات تمثل جانباً من سُلطاتٍ رئيسية في ليبيا، بحثاً عن حل في البلد الذي يعاني من الفوضى منذ مقتل معمّر القذافي. إلا أن عمق الخلافات بين الأفرقاء الليبيين حال دون التوقيع على وثيقة ملزمة. ومع ذلك، حركت المبادرة الفرنسية المياه الراكدة في الملف الليبي، داخلياً وخارجياً. وتمكَّن الرئيس الشاب، من جمع الخصوم الأربعة في غرفة واحدة، لأول مرة، وهم: فائز السراج رئيس «المجلس الرئاسي»، وخالد المشري رئيس «مجلس الدولة»، وعقيلة صالح رئيس البرلمان، وخليفة حفتر قائد «الجيش الوطني».
وتسعى باريس للتوصل لاتفاق تدعمه الأمم المتحدة، ويفضي لإجراء انتخابات، قبل نهاية هذا العام، بيد أن هذه الخطوة من شأنها أن تثير مزيداً من الاحتقان داخل هذا البلد الأفريقي الغني بالنفط، وقد تثير كذلك غيرة أكثر من دولة أوروبية، وبخاصة إيطاليا التي تعتمد على نحو 35 في المائة من إمدادات النفط ونحو 20 في المائة من الغاز من ليبيا، مستعمرتها السابقة.

حضر مؤتمر باريس حول ليبيا ممثلون لحكومات بلدان عدة معنية بالوضع الليبي، ومنظمات إقليمية ودولية. ويرى المحلل الأمني والسياسي النمساوي ولفغانغ بوشتاي، أن معظم الأطراف الليبية التي دعيت إلى العاصمة الفرنسية باريس، ليس لديها سلطة أو نفوذ، باستثناء الجنرال حفتر في شمال إقليم برقة.
بوشتاي عمل في مجالات مختلفة منها الاستخبارات، والشؤون الاستراتيجية والسياسية، وإدارة الأزمات. وهو يقول إن «لا أحدا من (القادة الليبيين) الأربعة، الذين التقوا في العاصمة الفرنسية، يتمتع بالسلطة والنفوذ في داخل البلاد، لإقرار قانون انتخابي مناسب، ولا يمكن لأي منهم - باستثناء حفتر في شمال برقة - أن يكون له تأثير إيجابي حقيقي على الأمن... فالميليشيات في طرابلس، وفي أجزاء أخرى من البلاد، لن تضع أسلحتها فقط؛ لأن هناك لقاء جرى في باريس».

- خلافات عميقة
ورغم ما بدا من تفاؤل أمام كاميرات التصوير، فإن مراقبين محليين وغربيين يرون أن الحل في ليبيا، ربما لن يكون بتلك السهولة. إذ يقول عبد الله ناكر، رئيس حزب «القمة» الليبي ورئيس «مجلس ثوار طرابلس»: «لم تكن هناك ثقة بين الليبيين الذين اجتمعوا في باريس. لقد كان كل منهم يعبّر عن الجهة التي تقف وراءه. نحن في أزمة كبيرة». ويضيف، إنه رغم كل شيء يظل الحل بيد الليبيين عن طريق اللجوء لصناديق الاقتراع... متابعاً «أؤمن بأن الانتخابات ستقول من يحكم ليبيا، وحينها سنلتف حوله».
في الواقع، أظهر مؤتمر باريس عمق المشكلة، وذلك لدى وضع الأمور على طاولة الرئيس إيمانويل ماكرون. فموقف السراج من كل من حفتر وصالح، وحربهما في مدينة درنة، يعد الأقرب لموقف المشري التابع لجماعة الإخوان المسلمين. والمشري لا ينظر إلى مسلحي درنة باعتبارهم «إرهابيين»، بل باعتبارهم «ثواراً». ثم إنه يصف حفتر - المعيّن من قبل البرلمان الذي يرأسه صالح - بأنه «انقلابي ومطلوب للعدالة».
وفي المقابل، تصنف جبهة حفتر، جماعة الإخوان «تنظيماً إرهابياً». وهناك خلافات أخرى بين سلطات مجلس الدولة، وسلطات البرلمان. ولا يوجد أي تفاهم حول مَن يحق له أن يكون القائد الأعلى للقوات المسلحة. وللعلم، يتنازع على هذه الصفة في الوقت الراهن كل من السراج وصالح.
وعلى الأرض، ما زالت طرابلس ممزّقة الأوصال بين ميليشيات متنافسة ومدجّجة بالمدفعية والدبابات. في حين تغذي بعض الأطراف حرباً قبلية في جنوب البلاد. وأما في الشرق، فما زال الجيش يحارب مجموعات ارهابية، في درنة ومناطق صحراوية أخرى.
على خلفية هذه الأجواء، حدّد ماكرون يوم العاشر من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، لإجراء الانتخابات. وبينما شنّت وسائل إعلام إيطالية حملة انتقادات ضد نشاط الفرنسيين في ليبيا، يبدو الموقف الأوروبي ضبابياً من هذا الملف، في حين ابتعدت الولايات المتحدة، إلى حد ملحوظ، عن الخوض في مستقبل الليبيين، وهي تكتفي بين وقت وآخر بتوجيه ضربات لقواعد تخصّ متطرفين في الصحراء الشاسعة.

- قوى خارج التفاوض
من جهة ثانية، تغيب عن لقاء باريس ممثلون لقوى محلية ليبية لا يستهان بها، من بينها تحالف أنصار النظام السابق. ويقول أحد القيادات التي كانت تعمل بالقرب من القذافي: «لم توجه لنا دعوة... ولقاء باريس اقتصر على ممثلي مجموعات عملت في 2011 مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإسقاط القذافي». لكن مع هذا، يبدي قادة من النظام السابق حماسة لإجراء الانتخابات، ولا سيما أنهم يعدّون أنفسهم الغالبية.
أيضاً، تغيّب عن المؤتمر الفريق المحسوب على «حكومة الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل، وهي آخر حكومة موحدة حتى 2014، وما زال لها موالون في طرابلس ومصراتة، وتعد نفسها «الحكومة الشرعية» إلى الآن. ويقول المحلل السياسي والاقتصادي الأميركي شريف الحلوة، الذي التقى أطرافاً في هذه الحكومة، إنها «لا تعترف بالسراج، ولا تعترف بحفتر».
ولم يحضر المؤتمر، كذلك، أي من القادة العسكريين من مصراتة، وهي مدينة تمتلك قوات كبيرة، ولعبت دوراً مهماً في طرد تنظيم داعش من سرت في 2016، وهي ليست على وفاق مع حفتر. ويوضح أحد ضباط المدينة إن عسكريي مصراتة تلقوا دعوة للمشاركة في مؤتمر باريس قبل انعقاده بيوم واحد فقط، وهو ما حال دون اتخاذ قرار بشأنه مع باقي الضباط بسبب ضيق الوقت.
في هذه الأثناء، تضاربت عشرات البيانات في الداخل الليبي بخصوص المؤتمر. وأعلنت تشكيلات مسلحة في مناطق بغرب البلاد رفضها له، بينما حظي الاقتراح بإجراء انتخابات على رضا قطاعات قبلية وسياسية أخرى.
ويقول الحلوة، الذي زار مصراتة مرات عدة: «يجب أن نتأكد من أن أي اجتماع بخصوص ليبيا، دون دعوة القوى الثورية، سيواجه بكمية من الاعتراضات في الداخل؛ ما سيفقد فرنسا مصداقيتها على المدى الطويل مع قطاع من القوى الليبية، وهذا من شأنه أن يعطل أي وجود فرنسي في هذا البلد مستقبلاً».

- فرص إجراء الانتخابات
أما بوشتاي، ومع أنه يؤكد على أن لقاء باريس في حد ذاته «شيء إيجابي»، فهو يعتبر أن أي اتفاق بينهم لن يضمن ما هو مطلوب... «حتى لو كانت هناك جولة أخرى لتسجيل الناخبين، فلا يوجد سبب لافتراض أن الكثير من الليبيين الآخرين سيكونون على استعداد للتسجيل والتصويت بالفعل، بنهاية العام».
ويضيف المحلل النمساوي: «علاوة على ذلك، والأكثر أهمية، لا يمكن لأي من هؤلاء (القادة) الأربعة أن يضمن أن نتائج الانتخابات، في ظل هذه الظروف، ستكون مقبولة في جميع أنحاء ليبيا... «الدفع من أجل إجراء انتخابات، أمر سابق لأوانه، وأياً كان السبب، فهذه الخطوة لعبة خطرة للغاية». وحقاً، لا يوجد رئيس لليبيا منذ 2011 حتى الآن. كما أن البلاد تدار بواسطة إعلان دستوري. وهنا يقول ناكر: «الانتخابات ممكنة... فالوضع بهذه الطريقة لم يعد يحتمل». وترتفع أصوات ليبية بإجراء استفتاء على الدستور الجديد أولاً، أي قبل إجراء الانتخابات، بينما توجد إشارات دولية وإقليمية بأنه يمكن إجراء الانتخابات بقانون وفقاً للإعلان الدستوري.
بوشتاي، من جديد، يصف الدعوة لإجراء استفتاء على مسوّدة الدستور، بـ«الأمر الخطير»، موضحاً أنها تركت الكثير من الأسئلة الحاسمة مفتوحة... و«من المستبعد للغاية أن تحصل على أغلبية الثلثين المطلوبة عند التصويت عليها. وحتى لو حصلت على النسبة المطلوبة فإنها، بالتأكيد، لن توفر أساساً مناسباً لتحقيق الاستقرار». ويضيف بوشتاي، إنه يمكن لليبيا «استخدام صيغة معدلة من الدستور القديم (الدستور الملكي، ويعود لمطلع الخمسينات) كأداة مؤقتة لتحقيق الاستقرار في البلاد من القاعدة إلى القمة، على أن يوضع دستور نهائي، فيما بعد، ويُتخَّذ قرار بشأن الشكل المستقبلي لنظام الدولة الذي يريده الليبيون لأنفسهم».
وعن فرص إجراء الانتخابات في ظل الأوضاع الراهنة، يقول المحلل النمساوي: «ليبيا ليست مستعدة، بأي حال من الأحوال، للانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، لا على المستوى السياسي، ولا التنظيمي، ولا الأمني». بيد أنه يرى أن «مساهمة الانتخابات في استقرار ليبيا أمر ممكن، في حالة واحدة فقط، هي أن يكون هناك إقبال كبير من جانب الناخبين، وأن يكون هناك فوز ساحق (لمرشح رئاسي بعينه، أو لكتلة برلمانية بعينها).. وكلاهما غير مرجح، وفقا لآخر انتخابات (برلمانية) جرت في 2014».
ولا يخفي بوشتاي مخاوفه من أن تأتي الانتخابات - إذا أجريت - بنتائج كارثية أيضاً. ويشرح: «من المرجح جداً أن يتم الطعن في شرعية النتيجة.. فلنأخذ التطورات في الانتخابات السابقة في الاعتبار، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك بسهولة إلى تفاقم الوضع. ويمكن أن تتفكك ليبيا بطريقة خارجة عن السيطرة، تسمح لمختلف الإسلاميين الراديكاليين باستخدام أجزاء من البلاد لاستراتيجيتهم التوسعية خارج حدود ليبيا».

- رأي أميركي بالوضع
من جانبه، يرى باراك بارفي، الباحث في «مؤسسة أميركا الجديدة»، بالعاصمة الأميركية واشنطن – وهو يعمل في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما فيها ليبيا التي زارها مرات عدة – أنه «في حال استمرار انقسام البلاد إلى إقطاعيات، سيكون من الصعب إجراء هكذا انتخابات، وبخاصة في الأجزاء الوسطى والجنوبية البعيدة عن المناطق الساحلية». كذلك، يرى شريف الحلوة أن الأجواء في ليبيا لا تساعد راهناً على خوض اقتراع محايد.. فـ«الليبيون في حاجة إلى الشعور بالأمان قبل إجراء الاقتراع»، مشيراً إلى استهداف تنظيم داعش لمقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قبل عدة أسابيع.

- مصالح إيطاليا وفرنسا
على صعيد ثانٍ، كلما زاد التنافس الخارجي حول ليبيا، تعقد الموقف داخلها. ويقول المحلل النمساوي بوشتاي، إن المصالح الاستراتيجية المتداخلة جزئياً، هي فقط التي تقود سياسة اللاعبين الأوروبيين الرئيسيين في ليبيا... «ففي حين لدى إيطاليا مصالح اقتصادية وأمنية حيوية، تتعلق في الغالب بغرب ليبيا، بما في ذلك الرغبة في احتواء الهجرة غير الشرعية، تركز فرنسا أكثر على مكافحة الإرهاب، فيما يتعلق باستقرار منطقة الساحل».
ويردف أن «إيطاليا تشعر بالغيرة إزاء أي مبادرة سياسية فرنسية في ليبيا... فإيطاليا تعتبر ليبيا مثل (حكر دبلوماسي) خاص بها... وبعض الإيطاليين يتشك من أي نشاط اقتصادي فرنسي كبير. كما يعتقد بعض الإيطاليين أن الفرنسيين يريدون أن يحلوا محلهم بضفتهم شريكاً اقتصادياً رئيسياً في ليبيا، رغم أن هذا الموضوع، ولأسباب مختلفة، ليس هو القضية الأساسية الآن».
ومما يجدر ذكره هنا، أن هذه ليست المرة الأولى التي يمد فيها الرئيس الفرنسي ماكرون يده إلى الملف الليبي. إذ سبق له استضافة قمة بين السراج وحفتر في يوليو (تموز) الماضي. وجرى حينذاك الاتفاق على إجراء الانتخابات في أوائل 2018، وهو ما لم يحدث. إلا أن تلك الخطوة يبدو أنها شجعت الفرنسيين على تكرار التجربة بشكل أوسع، في مؤتمر الثلاثاء الماضي، وبخاصة أن منافسيه في روما مشغولون هذه الأيام في جدل سياسي – حزبي داخلي بين كتل حزبية في البرلمان لاختيار حكومة جديدة.
ويقول بارفي، إن الإيطاليين «يريدون استقرار ليبيا بأي ثمن، كي يضمنوا تدفق الغاز الليبي إلى إيطاليا، ويريدون استقراراً كافياً، حتى تعود شركة النفط (إيني) إلى ضخ النفط». ويشير إلى أن إيطاليا تنظر إلى ليبيا باعتبارها «رصيفاً استعمارياً سابقاً، بالإضافة إلى أن إيطاليا تتمتع بالكثير من الاستثمارات في ليبيا».

- رؤية البرلمان الأوروبي
أوروبياً، شارك الاتحاد الأوروبي في مساعٍ لإيجاد حلّ للأزمة في ليبيا، كان آخرها اجتماعات مع الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، بالقاهرة. ولدى البرلمان الأوروبي تقرير متكامل أعده أخيرا عن فرص إنقاذ ليبيا.
ويبدو بوشتاي متحمساً لعمل أوروبي جماعي، اعتماداً على التقرير نفسه. ويضيف موضحاً إنه «بإلقاء نظرة على هذا التقرير، يجب أن أقول إنه يتضمن رؤية واقعية بشكل متزايد للحالة على الأرض؛ لأنه يحتوي على بعض الأفكار الجيدة. ومن الأمثلة على ذلك، التأكيد على الحاجة إلى تضمين صيغة للتوزيع العادل للثروة النفطية، وتقسيم واضح للمهام والواجبات، بين المناطق الليبية التاريخية، من جانب، وأي حكومة وطنية، من الجانب الآخر... وأن الدستور الليبي القديم يمكن أن يلعب دوراً (لتحقيق هذا الأمر)».
ويستطرد قائلاً إن ما يوحّد الأوروبيين تجاه ليبيا هو «العمل على ألا تصبح دولة فاشلة». بيد أنه يشير كذلك إلى أن معظم دول الاتحاد الأوروبي الأخرى «تريد فقط احتواء الهجرة غير الشرعية من البحر المتوسط، مع وجود بعض المصالح الاقتصادية المحدودة (نسبياً) لكل منها في ليبيا»؛ ولهذا «تترك معظم الدول الأوروبية قضية حل المشكلة الليبية لإيطاليا، وفرنسا».
ومن جانبه، يرى الحلوة أنه لا بد لأي دولة أوروبية تريد أن تتدخل في الملف الليبي أن تعود إلى الاتحاد الأوروبي، أولاً، مشيراً إلى أن «تعامل فرنسا بمفردها يضعف موقفها كدولة ضمن هذا الاتحاد الذي تعتمد عليه اقتصادياً وسياسياً. بينما يرى بارفي أن الممثلين الأوروبيين الرئيسيين في ليبيا، منذ انتفاضة 2011 هم الإيطاليون والفرنسيون والبريطانيون، بينما لم تشارك ألمانيا في التدخل، أو المشاركة، في تلك الحملة (التي قادها حلف الناتو)، مؤكداً أن «فرنسا وإيطاليا لديهما أهداف متباينة». ومن جانبه يصف بوشتاي رؤية الاتحاد الأوروبي الحالية حول ليبيا، بأنها «ضبابية للغاية»، قائلاً: إن مَن يحرّكها هي دول مثل إيطاليا وفرنسا، ويصف بوشتاي الاتفاق السياسي الليبي الذي أعد في 2015، وتوسّطت فيه الأمم المتحدة، وبمشاركة هذين البلدين، بأنه «اتفاق فاشل».

- الولايات المتحدة.... تراقب
في عام 2011 ظهر تناغم «أوروبي - أميركي»، في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، لإسقاط نظام معمّر القذافي. وفي الوقت الراهن لا يبدو أن الرئيس دونالد ترمب متحمس لمد يده في خضم الفوضى الليبية. ويقول باراك بارفي، إن الولايات المتحدة، لم يكن لديها مشكلة مع ليبيا وقتها، خلافاً لما كان عليه الوضع في السابق مع دولة كالعراق. ثم يوضح قائلاً إن ما حدث في منطقة الشرق الأوسط قبل سبع سنوات، هو أن ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا السابق، ونيكولا ساركوزي الرئيس الفرنسي السابق: «قاما بجر أوباما إلى التدخل في ليبيا... والآن ترمب غير مهتم».
ومن جانبه، يضيف ولفغانغ بوشتاي موضحاً، إن تحرّك الأميركيين يرتبط بمصالحهم الاستراتيجية... «الأميركيون ليس لديهم مصالح استراتيجية حيوية في ليبيا، فيما عدا ما تقوم به حكوماتهم، منذ عام 2012، من عمليات لمكافحة الإرهاب». بيد أنه يقول إن ضعف هذه الاستراتيجية الأميركية، يمكن أن يكون أمراً خطيراً، في حال أصيبت الانتخابات المبكرة في ليبيا بانتكاسة... و«هنا يمكن أن تتحوّل ليبيا إلى صومال جديد، وتندلع فيها حرب أهلية مستمرة. ويمكن للإرهابيين استغلال هذا الوضع بطرق مختلفة. وهذا من شأنه أن يجعل ليبيا نفسها مُهدِّدة لمصالح استراتيجية أميركية حيوية على نطاق واسع».
ويحذر بوشتاي من تنامي وجود المتطرفين في ليبيا، في ظل استمرار غياب رؤية موحدة بين دول أوروبية فاعلة، وغياب استراتيجية أميركية قوية، لإبعاد «شبح الصوملة» عن هذا البلد.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.