ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

انتقل من اليسار إلى أقصى اليمين... ومن الإقليمية إلى العداء لأوروبا والإسلام والمهاجرين

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف
TT

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

ماتيو سالفيني... حكاية شعبوي إيطالي متطرّف

«اليورو جريمة ضد الإنسانية»... قد يكفي هذا القول على لسان زعيم «الرابطة» («رابطة الشمال» سابقاً) ماتّيو سالفيني لإعطاء فكرة عن المعتقد السياسي والخطاب الصدامي للنجم الصاعد في المشهد اليميني الإيطالي، والرجل الذي يتأهب لتولّي حقيبة الداخلية في الحكومة الائتلافية الجديدة التي كان أبرز الذين وضعوا برنامجها ويقرّرون توزيع حقائبها. لكن شخصية هذا الشاب، الذي نسف المعادلات الدقيقة التي قامت عليها التوازنات السياسية التقليدية في إيطاليا منذ سبعة عقود، وأطلق صفّارات الإنذار في المحيط الأوروبي المتوجّس من عودة أشباح الماضي، أكثر تعقيداً من ذلك وأبعد تأثيراً مما يتبدّى للوهلة الأولى.
أبصر ماتيو سالفيني النور في مدينة ميلانو، عاصمة الشمال الإيطالي، عام 1973. في كنف عائلة ميسورة بعيدة عن الشواغل السياسية، التي سرعان ما جذبت اهتمام ماتّيو منذ مرحلة دراسته الثانوية. وعند التحاقه بكلية العلوم التاريخية في جامعة ميلانو كان قد برز كواحد من قادة حركة الشباب الشيوعي، عندما كان الحزب الشيوعي الإيطالي بزعامة انريكو برلينغوير أهم الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية وأبعدها عن تأثير الاتحاد السوفياتي.
بيد أن سالفيني لم يكمل دراسته الجامعية - على غرار لويجي دي مايو (أيار) زعيم حركة «النجوم الخمس» حليفة «الرابطة» في الحكومة الجديدة -، وتفرّغ للعمل السياسي إذ ترشّح للمرة الأولى في الانتخابات المحلية وفاز بعضوية المجلس البلدي لمدينة ميلانو عام 1993.
- من اليسار إلى اليمين
في العام 1997 كان ماتيو سالفيني ما يزال شيوعي الهوى عندما ترشّح للانتخابات عن حركة الشباب الشيوعي في بادانيا، وهو الاسم الذي يُطلق على مقاطعات الشمال الإيطالي التي كان يطالب باستقلالها حزب «رابطة الشمال» الذي أسسه قبل سنوات اومبرتو بوسّي. ومنذ ذلك التاريخ راح مسار سالفيني السياسي ينعطف نحو المطالب القومية ضد الحكم المركزي في روما ودفاعاً عن الهوية والصلاحيات المحلية، نافضاً عنه شعارات المجتمع الاشتراكي والتضامن والعدالة الاجتماعية.
لكن سالفيني لم يكتفِ بذلك الانعطاف، بل أصبح زعيماً للتيّار اليميني في «رابطة الشمال» التي - رغم تشدّدها في المطالبة بالاستقلال - كانت تنهج سياسة معتدلة إزاء الملفات الاجتماعية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ذلك التحوّل اللافت في مسار سالفيني داخل «رابطة الشمال»، الذي لم يتوقف عنده المراقبون حينذاك، أصبح موضع اهتمام وبحث في خلفياته ودوافعه بعد بروزه في صدارة المشهد السياسي محليّاً وإقليميّاً. وثمّة مراقبون يذهبون اليوم ناحية الإشارة إلى وجود «قوى خارجية» تدعم التوجّه الذي يقوده في إيطاليا، تلميحاً إلى موسكو والقوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة.
- في البرلمان الأوروبي
في العام 2004 فاز سالفيني بمقعد في البرلمان الأوروبي عن «رابطة الشمال»، وراح يتنقل من كتلة إلى أخرى... دائماً على أقصى يمين المشهد السياسي، إلى أن توثّقت علاقته بمارين لوبان زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي وخيرت فيلدرز زعيم «حزب الحرية» الهولندي المتطرف. ومع لوبان وفيلدرز شكّل سالفيني كتلة «أوروبا الأمم والحرية» عام 2014. ونشط في عدد من لجان العلاقات البرلمانية الخارجية مع الهند وكوريا وتشيلي وجنوب أفريقيا.
غير أن المنعطف الأهمّ في مسار سالفيني حتى الآن كان في العام 2013، خلال المؤتمر الفيدرالي لـ«رابطة الشمال» عندما تمكّن من استقطاب تأييد معظم القياديين التاريخيين وتغلّب على مؤسس «الرابطة» أومبرتو بوسّي الذي كان يرزح تحت وزر فضائح فساد مالي طالت عددا من أفراد أسرته وأقرب معاونيه. ولقد نال سالفيني، الذي كان أنصاره يطلقون عليه لقب «القبطان» 82 في المائة من أصوات المندوبين... وراح يقود رحلة الانحراف الكبير في مواقف «الرابطة» من الملفات الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والهجرة والسياسة المالية والتجارية.
وبعد بضعة أشهر فقط من تولّيه زعامة «الرابطة» أسقط مصطلح «الشمال» من اسمها واستعاض عن شعار «استقلال بادانيا» بشعار «الخروج من منطقة اليورو». ورغم الانتكاسة التي مُنيت بها «الرابطة» في انتخابات العام 2014، والمعارضة الشديدة داخل الحزب لسياسته الأوروبية، أصرّ سالفيني على نهجه وقرر توسيع حضور حزبه إلى مقاطعات وسط إيطاليا وجنوبها حيث كانت تتفاعل أزمة المهاجرين الذين يتدفقون بمئات الآلاف على المناطق الإيطالية التي تجاوزت نسبة البطالة فيها بين الشباب 50 في المائة. وحقاً نجح خطاب سالفيني المتطرف والعدائي في استقطاب تأييد واسع في المناطق التي كانت محظورة علـى «الرابطة» في السابق... بل كانت في مرمى سهام انتقاداتها.
- من الانعزالية إلى التطرف
ومع ارتفاع شعبية «الرابطة» خارج المقاطعات الشمالية، بفعل المنحى السياسي الجديد وخطاب «القبطان» الملهِب، قرر ماتيو سالفيني تأسيس فرعين للحزب في إيطاليا الوسطى والجنوبية. وفي أول استحقاق انتخابي إقليمي بعد التوسّع تقدمّت «الرابطة» للمرة الأولى على حزب «فورتسا إيطاليا» اليميني بقيادة رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلوسكوني لتدخل زعامة اليمين ضمن دائرة طموحاته التي كان يمهّد لها منذ سنوات.
وفي فبراير (شباط) 2015 قاد سالفيني مظاهرة حاشدة في روما ضد الهجرة واحتجاجاً على سياسة الحكومة لمعالجتها ورفض البلدان الأوروبية الأخرى مساعدة إيطاليا على احتوائها. وبلغت حدّة خطابه درجة الانتقاد المباشر لمواقف البابا فرنسيس من قضية المهاجرين ودعواته إلى التضامن معهم ومساعدتهم في محنتهم.
لم يكترث سالفيني للمعارضة في صفوف حزبه، ولا للتحذيرات المتكررة التي وُجهت إليه من الداخل والخارج، واستمرّ في تصعيد خطابه ومواقفه من الهجرة التي كانت تداعياتها تتفاقم بسرعة، ومن الشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السياسات المالية وقوانين العمل في البلدان الأعضاء. ولعله أدرك جيّدا أن المواقف الشعبوية ذات النفس العنصري هي السبيل الذي يضمن له المزيد من التأييد ويرسّخ وجوده على امتداد الجغرافيا الإيطالية. بل هي الباب إلى موقع القيادة في الأوساط اليمينية التي بدأت منذ فترة رحلة البحث الطويلة عن خلف للملياردير العجوز برلوسكوني.
وحقاً، لم يتأخر سالفيني في قطف ثمار رهانه عندما جاءت الانتخابات العامة الأخيرة يوم 4 مارس (آذار) الماضي حين حققت «الرابطة» انتصاراً كبيراً، متقدمة على حليفها برلوسكوني لتصبح القوة السياسية الثالثة في إيطاليا بعد حركة «النجوم الخمس» الشعبوية الاعتراضية والحزب الديمقراطي (يسار الوسط).
ومن ثم، في أعقاب فشل محاولات رئيس الجمهورية سيرجيو ماتّاريلاّ في إقناع الحزب الديمقراطي بالتحالف مع الحركة الشعبوية لتشكيل حكومة ائتلافية، سارع سالفيني إلى اقتناص الفرصة الأخيرة - التي يرجح أنه كان ينتظرها - وطلب من ماتّاريلاّ إمهاله بضعة أيام لمحاولة التوصل إلى تفاهم مع «النجوم الخمس»، مدركاً أن الرئيس يعجز عن رفض طلبه وطرح تشكيلته الوزارية التكنوقراطية، لأن لدى الرابطة والحركة معاً الغالبية الكافية في مجلسي النواب والشيوخ لإسقاط الحكومة.
- مفاوضات عسيرة
لم تكن سهلة المفاوضات الطويلة بين الرابطة والحركة لوضع برنامج مشترك تتشكّل الحكومة على أساسه، نظرا للتباين الكبير بين طروحات الفريقين ومواقفهما من الملفات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن ماتيو سالفيني كان متأكداً من أن هذه الفرصة الذهبية قد لا تتكرّر في القريب المنظور لكثرة تقلبات المشهد السياسي الإيطالي وزئبقيته الموصوفة. ويقول مراقبون تابعوا تلك المفاوضات عن كثب بأنها كانت «محكّ الاختبار» لزعيم الرابطة الذي برع في توجيه دفّتها لمصلحته مقابل التخلّي عن تعيين الرئيس للحركة التي نالت ضعفي الأصوات التي حصلت عليها الرابطة.
المواقف التي بنى عليها سالفيني نهجه السياسي محدودة من حيث كونها محصورة في القضايا المعيشية الملموسة، ومباشِرة مبسّطة في طروحات يستوعبها المواطن ويتفاعل معها بسهولة وعفويّة. أما خطابه السياسي فلا مواربة فيه ولا توري. فهو يستنهض الغرائز ويبتعد عن بهلوانيات السياسة الإيطالية واجترار لغتها الخشبية. خطاب يتماهى إلى حد بعيد مع خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عندما يدعو إلى أسبقية المصالح الإيطالية على أي اعتبار آخر، بما في ذلك المعاهدات المُبرمة والالتزامات المعقودة مع الأطراف الإقليمية والدولية، أو عندما يتعهد خفض الضرائب واعتماد تدابير حمائية في التجارة، أو رفض الاعتراف بزواج المثليين والطرد الفوري للمهاجرين غير الشرعيين الذين ينوف عددهم عن نصف مليون في إيطاليا. والحقيقة أن سالفيني لم يتردد في إعلان تأييده للمرشح ترمب منذ بداية حملته الانتخابية. وهو يجري اتصالات منتظمة بالمستشار السابق للرئيس الأميركي ستيف بانون، الذي يجهر بمعتقداته اليمينية المتطرفة، والذي سبق له أن أعلن تأييده للقوى المماثلة في أوروبا. كذلك يرفض زعيم «الرابطة» العقوبات التجارية المفروضة على روسيا، ويدعو إلى توثيق العلاقات معها على كل المستويات، والانفتاح على بلدان أوروبا الشرقية والشرق الأقصى، بما فيها كوريا الشمالية!
- العداء للمسلمين
أما بالنسبة إلى موضوع وجود المسلمين في أوروبا، فإن مواقف ماتيو سالفيني لا تقلّ وضوحاً وتطرّفاً عن مواقفه من القضايا الأخرى. فهو يدعو صراحة إلى حظر بناء المساجد في إيطاليا، لا بل يدعو إلى هدم بعضها، ويعتبر «... أن لا مجال للتوفيق بين التشريعات المدنية الإيطالية وأحكام الشريعة الإسلامية». ويدعو أيضاً إلى «... إعادة النظر في صيغة التعايش مع المعتقدات الدينية الأخرى في المجتمع الإيطالي»... وهو يرفض بشدة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أو حتى فكرة التقارب معها، ويطالب بحق النقض لأي دولة أوروبية قبل إبرام أي معاهدة مع دولة خارج الاتحاد، ويحذّر من «... المخاطر التي تتهدد الأمة جراء التمازج العرقي»، ويدافع بلا مواربة عن «نقاء الأمة غير الملوّثة».
ومن ثم، تبلغ مواقف سالفيني ذروة تطرفها عندما يتعلق الأمر بالعملة الأوروبية الموّحدة والشروط التي تفرضها المفوضية على السياسات المالية في الدول الأعضاء والعقوبات التي تتخذ في حال عدم استيفائها. فهو يعتبر اليورو «عملة فاشلة وخاطئة وتجربة مدمرة»، ويرفض التخلّي عن كامل الصلاحيات الوطنية في إدارة الملفات السيادية كالدفاع والأمن والسياسة الخارجية.
زعيم «الرابطة» الذي يتأهب في إيطاليا لتنفيذ برنامج حكومي أثار حفيظة الشركاء الأوروبيين واستدعى سيلاً من التحذيرات في بروكسل (العاصمة الأوروبية)، يعرف أيضاً كيف ينحني أمام العاصفة ويطمئن المتوجّسين من هذه التجربة الأولى في الاتحاد الأوروبي التي يصعد فيها المتطرفون والشعبويّون إلى سدة الحكم على أنقاض الأحزاب التقليدية المتهاوية. وتتراجع حدة خطابه مع الاهتزازات المتتالية في أسواق المال القلقة من التكاليف الباهظة لبنود البرنامج الاقتصادي التي قد تُغرق منطقة اليورو في أزمة جديدة، ويتعهد التزام الواقعية عند الإقدام على الخطوات العملية.
إلا أن الوجه الحقيقي لمشروع سالفيني لن يُكشف قبل أن تبدأ الحكومة الجديدة مهامها في الأسابيع المقبلة، عندما يبدأ بمعالجة ملفّ الهجرة وتتضحّ معالم السياسة الاقتصادية والمالية التي تقاربت مواقف الحليفين الائتلافيين حولها بشكل لافت في الفترة الأخيرة. ذلك أن التصريحات الهادئة التي حرص «القبطان» وزعيم الحركة على تكرارها في الآونة لم تقنع أحداً، لا سيما أن كليهما مصرّ على تسليم حقيبة المالية إلى باولو سافونا الذي يُعدّ ألدّ أعداء العملة الأوروبية الموحّدة التي وصفها في آخر كتاب له نزل إلى الأسواق منذ أيام، بأنها «قفص ألماني لا بد من وضع خطة بديلة للخروج منه عند الحاجة». وأردف «إن انضمام إيطاليا إلى منطقة اليورو خطأ تاريخي... لأن برلين لم تتخلَّ عن رؤيتها لدورها في أوروبا بعد سقوط النازية، بل عمدت إلى فرضها بالاقتصاد بدل القوة العسكرية».
- «الرابطة»... حكاية تحوّل من الانفصالية إلى الشعبوية المتطرفة
> أسس حزب «رابطة الشمال» اليميني المتطرف على يد أومبرتو بوسّي عام 1991 كاتحاد يضمّ مجموعة من الأحزاب الصغيرة في المقاطعات الإيطالية الشمالية والوسطى، وجاء تأسيسه تعبيراً عن الاستياء الذي كان يعمّ تلك المناطق من أداء مؤسسات الحكم المركزي في روما والفساد المستشري فيها، وإهدار الموارد المالية التي يُحصَّل معظمها في مقاطعات الشمال الصناعية على مشاريع فاشلة أو وهميّة في المناطق الجنوبية حيث توطّنت المحسوبيات وتسلطت المنظمات الإجرامية و«المافيا» أمام تقاعس الدولة أو تواطؤها.
الاسم الأول للحزب كان «الرابطة البادانية» La Lega Padana نسبة إلى منطقة بادانيا التي يعبرها نهر Po (بادوس باللاتينية)، وتبلغ مساحتها 120 ألف كيلومتر مربع ويعيش فيها نحو 27 مليون نسمة. المطالب التأسيسية للرابطة كانت الاستقلال التام (كان مألوفاً أن تستقبل الزائر إلى تلك المقاطعات لافتة كُتب عليها: لست في إيطاليا!) الذي أعلنه بوسّي في 15 سبتمبر (أيلول) 1996 أمام جمهور حاشد في مهرجان رمزي في مدينة البندقية.
في ذلك المهرجان دعا بوسي إلى تشكيل «حكومة ظلّ» في ذروة المواجهة مع روما، بعدما حققت «الرابطة» فوزاً لافتاً في الانتخابات العامة.
ولكن سرعان ما بدأت «الرابطة» تتراجع عن مطالبها الانفصالية أمام إجماع القوى السياسية على معارضتها وتحذيرات الدولة من أنها ستقمع بالقوة أي محاولة انفصالية، واكتفت بالمطالبة بمزيد من الصلاحيات الإدارية والمالية لمؤسسات الحكم المحلي في المقاطعات الشمالية.
- صعود برلوسكوني
في أواخر تسعينات القرن الماضي بدأ نجم رجل الأعمال الملياردير سيلفيو برلوسكوني بالصعود في المشهد السياسي الإيطالي بعد قراره «النزول إلى المعترك»، كما يحلو له أن يكرر، منطلقا من ميلانو، العاصمة الإدارية للشمال والمعقل الرئيسي لـ«الرابطة».
وبعد مرحلة من التجاذبات الشديدة بلغت توجيه اتهامات لبرلوسكوني، الذي حكم على رأس حزبه «فورتسا إيطاليا» (إلى الأمام يا إيطاليا) بالتواطؤ مع «المافيا»، قررت الرابطة الدخول في تحالف انتخابي مع زعيم «فورتسا إيطاليا» الذي تولى أربع مرات رئاسة الحكومة الإيطالية حتى العام 2001. ولقد أتاح ذلك التحالف لـ«الرابطة» أن تتولّى دائما حقائب وزارية مهمة في حكومات برلوسكوني وصلت إلى أربع حقائب عام 2008.
- نكسة 2012
غير أن «الرابطة» تعرضت 2012 لنكسة قاسية عندما انكشفت فضائح فساد إداري ومالي طالت مـؤسسها بوسي وعددا من أفراد أسرته ومعاونيه. تلك كانت الفرصة التي انقضّ عليها القيادي الشعبوي ماتّيو سالفيني، بكل طاقاته، ونجح في حشد تأييد الزعامات التقليدية التي كانت عازمة على التخلّص من عبء بوسّي. وفي المؤتمر الفيدرالي الذي عقدته الرابطة أواخر العام 2013 طوت نهائيا صفحة مؤسسها الذي انهزم أمام سالفيني بأغلبية ساحقة.
وتحت قيادة سالفيني أسقطت «الرابطة» مصطلح «الشمال» من اسمها، وبدأت مرحلة الانتشار الواسع في إيطاليا والتحالفات مع القوى السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا. وفي الانتخابات العامة التي أجريت في مطلع مارس (آذار) الماضي حققت «الرابطة» أفضل النتائج في تاريخها السياسي إذ نالت 17 في المائة من الأصوات لتصبح القوة الثالثة في مجلسي الشيوخ والنواب في الدولة التي أعلنت استقلالها عنها قبل 20 سنة. وها هي اليوم تتأهب لقيادة أول تجربة حكومية مشتركة بين اليمين المتطرف والشعبويين في الاتحاد الأوروبي... مدشّنة فصل القلق الكبير من عودة الغيوم السوداء نفسها التي تلبدّت بها السماء الأوروبية في أربعينات القرن الماضي.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.