ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني

محمود درويش
محمود درويش
TT

ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

محمود درويش
محمود درويش

كثيرة هي الدراسات التي تناولت شعر محمود درويش منذ بداياته الأولى، مروراً بتحولاته اللاحقة، والتي جعلت من إنتاجه الشعري عنواناً جمالياً وفكرياً وروحياً للفلسطينيين، سواء في أماكن الشتات أو على أرض الوطن. ولكن نادراً ما يجمع الدارس لتجليات درويش الشعرية بين الرصد العلمي المنهجي الموثق من جانب، وروح المبدع المتأججة وراء الكتابة من جانب ثانٍ، تلك الروح تلتقط نبض الإبداع الحي، وترى ما لا يراه العقل الأكاديمي المحايد. الجمع بين القراءتين هو ما نجده في كتاب «تغريدة الشاعر - أثر المكان على الهُوية في أعمال محمود درويش» تأليف الروائية الفلسطينية ليانة بدر.
الكتاب مأخوذ عن رسالة ماجستير قدمتها ليانة بدر لقسم الدراسات العربية المعاصرة في «جامعة بيرزيت» عام 2012، أي أنها تصدر في قراءة المكان من موقعها الفلسطيني، وصداقتها للشاعر - كما يظهر في إهداء الكتاب - مضافاً إلى ذلك خلفيتها الإبداعية، وحسها النقدي المرهف، وانضباطها العلمي.
يتناول الجانب النظري في الكتاب العلاقة بين المكان والهُوية، ويُبرز أهمية التركيز على دراسة علاقة الهُوية في تفاعلاتها مع المكان المفقود - المستحضر في شعر محمود درويش، وتتبع إمكانية الوصول إلى صياغات معرفية حول الهُوية والمكان في نتاجات الشاعر، بما يجاوز النظرة السائدة التي فرضتها معظم الدراسات التي عالجت الشعر الفلسطيني على أنه شعر «سياسي» و«نضالي» في المقام الأول والأخير، والتي قامت بعرضه بالتالي عبر سياق سياسي وتاريخي مباشر، منقطع عن أرضياته الجمالية والفكرية. لهذا السبب تولي الباحثة أهمية كبرى لمسألة الجانبين الجمالي والمعرفي في ظل النظر إلى تغييرات الأمكنة عبر حقب متعددة من حياة درويش، وحياة الفلسطينيين في أشعاره. كذلك تهتم بدر برصد سمات الهُوية في تغيراتها، بالنظر إلى علاقتها بمفهوم المكان عبر نتاجات الشاعر التي رسمت أشكالاً متعددة للهُوية الفلسطينية، بأبعادها الجمالية والتعددية، بعيداً عن القراءات السياسية المتعجلة، ذات البعد الواحد.
إن تتبع شعر محمود درويش من خلال رحلة الشاعر مع المكان (داخل الوطن - خارج الوطن - الرجوع - داخل الوطن وخارجه) سيكشف تعريفاً للمكان- الأمكنة من وجهة نظر أهله وأصحابه تعبر عن معاناة الفلسطينيين وإصرارهم على صياغة ذاكرتهم وصونها؛ وهو ما أدى بدوره إلى صياغة هُوية متعددة الأبعاد، تمثلها درويش وعبّر عنها باقتدار في أشعاره، خصوصاً في قصائده الأخيرة، وصولاً إلى الهُوية الكونية الأعم والأشمل. وفي هذه المرحلة استطاع درويش الوصول إلى محاورة تجربتي الوجود والعدم الإنسانيتين على المستوى الشخصي، لكي يصل إلى الانفتاح الدلالي الأشمل بمعناه الكوني.
وفي فصل بعنوان «تحولات الهُوية بالتوازي مع المكان عند الشاعر داخل الوطن» تُبرز الكاتبة ارتباط اللغة بالمكان والهُوية، فقد عمل درويش على بناء المكان الفلسطيني داخل النص عن طريق الاحتفاء باللغة العربية التي أراد الاحتلال محوها؛ لأنها تمثل قلب الهُوية النابض.
لقد شحذ هذا الشاعر طاقته الإبداعية كلها من أجل امتلاك المكان باللغة، وذلك بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني، حتى تصبح الذات الشاعرة مقيمة في اللغة، وداخل جغرافيا المدن المسلوبة في آن معاً. لهذا السبب تمثل قصائد درويش الأولى جزءاً من الذاكرة الجماعية، وتقترن بالمكان الأول الذي توحد به في دواوينه المبكرة مثل: «أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «العصافير تموت في الجليل»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «محاولة رقم 7»، ففي هذه الأعمال لا نكاد نبصر الفرق بين الشاعر والمكان؛ إذ يلجأ الشاعر إلى المكان ويتوحد به لبناء ما تهدم من أشكال الحياة الفلسطينية الأولى.
وقد مثلت المرحلة البيروتية - حتى عام 1982 وما بعده بقليل - استمراراً للتركيز على الهُوية البطولية للفدائي على نحو ما يظهر في قصيدة «مديح الظل العالي» وغيرها، بينما تَبرز أيضاً الهُوية الفلسطينية المتحدية التي لا تذعن للجوء، وإنما تحاور الأمكنة الغائبة وتفاصيلها، وهي تفيض حياة في حضورها الشعري. ويَعتبر بعض النقاد أن بيروت مكان ثانٍ لولادة القصيدة الدرويشية، فقد كانت بيروت - في تلك الآونة - عاصمة للثقافة العربية التي حملت الثورة مع نشيد الحداثة، وتفاعل معها الشاعر، فأنجب حينها بعضاً من أعظم الملاحم في تاريخ الشعر العربي خلال سنوات السبعينات ومطالع الثمانينات من القرن الماضي، مثل: «أحمد الزعتر»، «قصيدة الأرض»، «قصيدة بيروت»، «مديح الظل العالي».
كما تُعتبر مرحلة الإقامة في باريس مكاناً ثالثاً لتطور القصيدة الدرويشية؛ فقد ساعد تفرد المدينة الحضاري – بصفتها عاصمةً للكتابة والأدب والفنون - على الاندماج في سوية الحياة الموجودة هناك، بما أعطى أشعاره خلال تلك المرحلة عبقاً وجمالية وتميزاً له خصوصيته، بينما واصل فيها ملحمته الغنائية التي وظّف فيها أفقاً عريضاً لاستكشاف تجارب إنسانية متعددة، بدءاً من تكثيف استخدام رموز الأساطير اليونانية التي استخدمها سابقاً أو التركيز على الرموز المتعلقة بالتاريخ العربي أو مزجها معاً كما شاء، وكما شاءت له موهبته اللامعة.
أما الإقامة بين رام الله وعمان، فتمثل مكان القصيدة الرابع، غير أن درويش لم يكن ينتظر عودة منقوصة إلى الوطن؛ إذ رفضت السلطات الإسرائيلية إقامته في فلسطين 1948، لذلك أصبح كأنه عاد ولم يعد. وذلك بالإضافة إلى إدراكه أن كل لاجئ يكتشف بقلبه أنه من المستحيل أن يعود، وحتى لو استطاع العودة جسدياً؛ فهو قد تغيّر بعمق خلال منفاه.
وتشير أشعار درويش التي كتبت في المنفى بعد الخروج من بيروت إلى ذائقة جمالية مغايرة، حافلة بالتفاصيل الدقيقة التي تُظهر أن المنفى أثّر في تأسيس هوية مختلفة لأصحابه، تبعدهم عن تقشف الموضوع النضالي الخالص. ويظهر هذا بوضوح في أعماله الصادرة بين الخروج من بيروت وإلى ما قبل العودة إلى فلسطين. أما في أعماله الأخيرة، إثر عودته إلى فلسطين، فقد سجلت تغيُّر صورة المقاتل الفدائي الذي عاد إلى وطنه ليصير إنساناً عادياً، يتحكم القدر في مصيره، فهو ليس سوى «لاعب النرد» مثله في ذلك مثل الآخرين. كذلك برزت في قصائده خلال تلك المرحلة خيارات السيرة التي هي جزء من الجدل المعقد بين خيارات ثقافية وفكرية وجمالية كبرى، لم تنفصل عن بداياتها، بل أعادته إلى أغوار أعمق من تاريخه الشخصي، وتاريخ فلسطين المكان والعناصر، لكي يضيف إليها قدرات أكبر على النفاذ إلى الواقع الفلسطيني في تجلياته العربية والعالمية. هكذا اقترن سؤال الهُوية بالسيرة الذاتية، وظل في تغيّر دائم بعد ما خرج من المكان الأول.
ويعبّر الشاعر بشكل دقيق عن سؤال الهُوية المتغيرة خلال مقابلة أجريت معه حول كتاباته الشعرية بقوله:
«هذه فعلاً رحلة بحث عن الأنا المنقسمة والموزعة. البحث عن المكان أسهل؛ لأن المكان تغيّر بوضوح، وليس هناك سؤال فلسفي كبير عند البحث عن مكان مفقود أو لدى التغيّر في شكل المكان، هناك صورة بصرّية (على الأقل) لا تحتاج إلى استقراء استشرافي، ولا إلى بصيرة، فالمكان تغيّر عياناً. الصعب هو علاقة تغيُّر المكان بتغيُّر الأنا أو تغيُّر الأنا وعلاقتها بتغيُّر المكان. من الذي غيَّر الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلاً».
ويبدو هذا السؤال نفسه حاضراً في قصائد درويش، ولا سيما في آخر أشعاره في ديوانه الأخير «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» (2009) خصوصاً في قصيدة بعنوان «على محطة قطار سقط عن الخريطة». والجواب عند الشاعر يتكرر في إعادة للسؤال الوجودي عن كيفية تشكيل المكان الضائع، ومعناه، وانعكاسه على هُوية الإنسان. فالوقوف على المحطة لا يرتبط بانتظار القادم، ولا البحث عن جماليات ما، بل هو محاولة لإدراك موضع الذات في الكون، ومحاولة لتقصي أسباب النفي والإبعاد:
«وقفت على المحطة... لا لأنتظر القطار- ولا عواطفي الخبيثة في جماليات شيء ما بعيد- بل لأعرف كيف جُنّ البحر وانكسر المكان- كجرة خزفية، ومتى ولدت وأين عشت...».
يتمركز السؤال الحيوي في القصيدة حول فعل الولادة، أي الوجود، مترافقاً مع فعل تموضع الإنسان في حياة المكان، أي تحديد المكان الشخصي داخل المكان العام من أجل قراءة الهُوية. يحدد الشاعر علاقته بالمكان مجيباً عن سؤاله الأول في القصيدة نفسها بإعادة اكتشاف انتمائه إلى تفاصيل أرضه الأولى، محافظاً على علاقته الجسدية، وعلى أسمائه المتعددة التي تحيلنا إلى هويات متعددة، لا تكف عن التواجد في المكان الأصلي؛ ذلك أن الوجود الإنساني لأصحاب الأرض داخل المكان لا ينمحي، وهو وجود عضوي لا بديل له:
«أرى مكاني كله حولي - أراني في المكان بكل أعضائي وأسمائي».
تلك هي الهُوية- الهُويات المتعددة التي لم يتوقف عن تأكيدها في أشعاره كلها، حيث لا يمكن للاحتلال أن ينتزع منه علاقته بالأرض الأولى، حتى لو تشظت الأمكنة وانبثقت منها الهُويات المتحولة التي تجعله لاجئاً طريداً.
وفي هذا السياق، يُثْنِي درويش على إدوارد سعيد، لأنه ظل مخلصاً لصوته الأساسي بوصفه ضحيةً تقاوم الاستعمار الاستيطاني بحيث توحي قصيدته «طباق»- المهداة لسعيد - وكأنه يحاور توأمه الروحي حول أسئلة البقاء والوجود، هو الأليف الذي لا يألف المنفى، ويمتلك الحنين إلى حياة عادية مستقبلية، لها بساطة الاعتيادي، على الرغم من الرؤية المركبة. يقول درويش في هذه القصيدة:
«والهوية؟ قلتُ- فقال: دفاع عن الذات...- إن الهوية بنتُ الولادة، لكنها- في النهاية إبداعُ صاحبها، لا- وراثة ماضٍ. أنا المتعدّد. في- داخلي خارجي المتجدّدُ... لكنني- أنتمي لسؤال الضحيّة».
لقد نجح درويش في بناء منظومة جمالية كاملة، وامتلك القدرة المعرفية والموهبة الشعرية على فرض نماذج من اللغة والرؤيا والخيال على الساحة الشعرية العربية، والعالمية أيضاً من خلال الترجمة. وباختصار، ابتكر منظومة من القيم هي في وقت واحد جمالية وأخلاقية وضرورية، مثّلت برهة تاريخية وأدبية استثنائية، عاشها درويش، وهو يعلم أنه مكلف بمهمة كبرى، تمثلت في التقاط الوجدان الجمعي للأمة، وتحويل الشعر إلى قوة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. وقد فعل.
* كاتبة وناقدة مصرية



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».