اليوسفي: تغييري مسار رحلة عبد الناصر من المغرب إلى الجزائر سبب سقوطي في الانتخابات

«أحاديث في ما جرى» يستعرض سنوات الجرب والإشاعات المزيفة... وقصة أول وآخر ترشيح

اليوسفي رفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس (غيتي)  - غلاف كتاب «أحاديث في ما جرى» («الشرق الأوسط»)
اليوسفي رفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس (غيتي) - غلاف كتاب «أحاديث في ما جرى» («الشرق الأوسط»)
TT

اليوسفي: تغييري مسار رحلة عبد الناصر من المغرب إلى الجزائر سبب سقوطي في الانتخابات

اليوسفي رفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس (غيتي)  - غلاف كتاب «أحاديث في ما جرى» («الشرق الأوسط»)
اليوسفي رفقة العاهل المغربي الملك محمد السادس (غيتي) - غلاف كتاب «أحاديث في ما جرى» («الشرق الأوسط»)

قال عبد الرحمن اليوسفي، رئيس وزراء المغرب خلال حكومة التناوب التوافقي (1998 - 2002)، والأمين العام الأسبق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إن دوره في تحويل زيارة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر من المغرب إلى الجزائر، كان سبباً في سقوطه خلال الانتخابات التشريعية لعام 1963. جاء ذلك في مذكراته الصادرة حديثاً بعنوان «أحاديث في ما جرى» التي استعرض فيها شذرات من سيرته الذاتية، كما رواها لرفيقه في الحزب والمقاومة مبارك بودرقة، الملقب «عباس». وتضمنت مذكرات اليوسفي في جزئها الأول، والتي تضمنت 5 فصول، صفحات عن نشوء الحركة الوطنية وجيش التحرير ودورهما معاً في الكفاح من أجل الاستقلال، إضافة إلى تسجيل الإرهاصات الأولى للبناء الديمقراطي وترسيخ حقوق الإنسان، وما واكب ذلك كله، أحياناً، من صراعات بين السلطة والأحزاب خلال ما سُمي «سنوات الرصاص»، قبل وصول المعارضة إلى الحكم.
تنظيم أول إضراب
انخرط اليوسفي مبكراً في مواجهة تحديات الحياة وهو تلميذ صغير، في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي. فقد انتقل وحيداً من مدينة طنجة، مسقط رأسه في شمال المملكة، إلى مدينة مراكش في جنوبها، لمواصلة دراسته في المرحلة الثانوية، بعد أن تم رفض طلب حصوله على منحة تؤهله للالتحاق بثانوية مولاي يوسف بالرباط. وقبل بداية الرحلة، كان عليه اجتياز العديد من العراقيل الإدارية، كالحصول على جواز السفر، وطلب التأشيرة من القنصلية الإسبانية لعبور المنطقة الشمالية الخاضعة للنفوذ الإسباني، ثم الحصول على تأشيرة ثانية من القنصلية العامة الفرنسية لعبور المناطق الجنوبية الرازحة تحت الحماية الفرنسية.
وحين يتذكر اليوسفي تلك اللحظات، يقول إن شعوراً بالإهانة كان ينتابه وهو يخضع للمراقبة والتفتيش بصفة متكررة، من طرف أجانب وبطريقة سلطوية، ما دفعه إلى طرح العديد من الأسئلة حول تقسيم التراب الوطني بين قوتين أجنبيتين، وحول المضايقات التي كانت تعترض تنقله لغرض إتمام دراسته الثانوية في بلده المغرب. لكن لم يسعفه سنه آنذاك للإجابة عن كل تلك الأسئلة، إلا أن ذلك أسهم في تنامي وعيه حول الاستعمار، وعرقلة حرية التنقل، والحق في التمدرس، وأخيراً الحق في المقاومة، بدءاً بالاستنكار والاحتجاج.
في تلك الفترة نسج اليوسفي علاقة صداقة مع العديد من الطلاب في مراكش، وأسهم في تنظيم أول إضراب في الثانوية، احتجاجاً على قرار ظالم صادر عن المراقب العام، الذي أراد أن يعاقب جميع التلاميذ بدعوى أن أحدهم بصق على قطعة من الخبز، وقد وقفوا جميعاً محتجين ضد هذه العقوبة، «مؤكدين أنه لن يتجرأ أي مغربي أن يبصق على قطعة من الخبز، وهذا أمر مترسخ في تقاليدنا وثقافتنا».
وبعد التأكد من الأمر، اتضح أن المشكل يتعلق بقطعة صغيرة من الملح لم يتم ذوبانها كلية داخل العجينة، فطفت على سطح الخبز وبدت كأنها بصقة.
ومن بين زملاء اليوسفي في تلك الفترة، الذين ذكرهم على سبيل المثال لا الحصر: الطيبي بنهيمة الذي سيصبح وزيراً للخارجية، ومحمد الشياظمي الذي أصبح أميناً عاماً للبرلمان، ومحمد بوستة الأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال، ووزير خارجية المغرب الأسبق، الذي كان يتقاسم معه طاولة الدراسة في السنة الأولى، قبل أن يفترقا في السنة الثانية، غير أنهما سيلتقيان لاحقاً «حول ملفات وطنية ولحظات تاريخية»، كان أبرزها ميلاد الكتلة الديمقراطية في بداية التسعينات من القرن الماضي.
مرحلة الاستقطاب السياسي
عند عودة اليوسفي إلى الرباط لإتمام دراسته بثانوية مولاي يوسف، وللتحضير لنيل شهادة البكالوريا (الثانوية العامة)، كان المهدي بنبركة في تلك الفترة أحد الأطر الشابة للحركة الوطنية، وكان أستاذاً للرياضيات بثانوية «غورو»، كما كان أستاذاً لنفس المادة بالمدرسة المولوية (الأميرية)، التي كان الأمير مولاي الحسن (ولي العهد آنذاك) وأصدقاؤه من تلاميذها.
في تلك المرحلة سوف يجد اليوسفي نفسه منجذباً نحو الاستقطاب السياسي الذي كان يقوده بنبركة، كممثل للقيادة الجديدة للحركة الوطنية، وقد كان يحث الجيل الصاعد على الانخراط في العمل السياسي والنضال من أجل التحرر والانعتاق. وقد توجت هذه المرحلة بأداء اليوسفي ورفاقه في ثانوية مولاي يوسف اليمين على المصحف الكريم في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1943 كإعلان عن انضمامهم لحزب الاستقلال.
وفي تطور لاحق، وبعد مرور شهر على ذلك القسم، تم الإعلان على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 من يناير (كانون الثاني) 1944، و«كان القسم ينص على الوفاء للدين وللوطن وللملك، وعلى الاحتفاظ بأسرار الحزب وعدم كشف تنظيماته». غير أن إقدام سلطات الاستعمار الفرنسي على اعتقال قيادة حزب الاستقلال سوف يفجر الأوضاع، بخروج ساكنة الرباط في مظاهرات حاشدة بساحة المشور أمام القصر الملكي، سرعان ما انضم إليها تلاميذ ثانوية مولاي يوسف، وضمنهم اليوسفي، لكنهم وجدوا أنفسهم في موقف جد حرج بعد أن أغلقت داخلية ثانوية مولاي يوسف أبوابها في وجوههم.
ولأن المهدي بنبركة كان يتابع الوضع من بعيد، فقد تدخل لدى بعض قادة الحركة الوطنية، الذين كلفهم بمرافقة التلاميذ لدى العائلات الرباطية قصد إيوائهم لعدة أيام. وفي خضم تلك التفاعلات، أصيب اليوسفي، كما يحكي في كتابه، بداء الجرب، وكانت آثاره بادية على يديه، فتوجه إلى المحجز، ليفاجأ بوجود نفسه داخل مأوى مليء بالعديد من الحيوانات الهزيلة والمريضة. وما إن عرض حالته على إدارة المحجز، ومن دون أي فحص أو سؤال، حتى طلب منه نزع ملابسه، وبدأت عملية رش جسده بمادة كريهة الرائحة وشديدة الألم، بمجرد ملامستها لجسمه، وفهم فيما بعد أنها نفس المادة التي تُرش بها الحيوانات المصابة بالجرب.
حكاية الطربوش والإنزال الأميركي
من بين القصص التي يحفل بها كتاب اليوسفي أنه منذ مغادرته مدينة طنجة لمتابعة الدراسة في مراكش والرباط، بقي متمسكاً باللباس التقليدي، أي الجلباب والطربوش، مشيراً إلى أن حادثة عرضية دفعته إلى التخلي نهائياً عنهما منذ سنة 1944، ولم يرتدِهما منذ تلك الفترة سوى لأسباب بروتوكولية سنة 1998، بعد أن عُين وزيراً أول على رأس حكومة التناوب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
وفي تفاصيل الحادثة العرضية التي أجبرته على التخلي عن الجلباب والطربوش، أنه كان راكباً على متن دراجة هوائية في أحد شوارع مدينة الدار البيضاء، ومرت بقربه سيارة عسكرية (جيب) على متنها جنود من البحرية الملكية (المارينز)، فانتزع أحدهم الطربوش من فوق رأسه وانطلقوا مقهقهين.
وعندما حاول شراء طربوش آخر، اكتشف أن ثمنه يعادل الراتب الشهري الذي كان يتقاضاه كمعلم، فقرر التخلي عنه وعن الجلباب معاً.
ورغم مرور العديد من الأعوام على هذه الحادثة العرضية فقد ظلت عالقة بذهنه، ويحكي أنه عندما استقبل وزير الدفاع الأميركي وليم كوهن، بصفته وزيراً أول (رئيس وزراء)، تذكر حكاية الطربوش، فرواها للوزير كوهن، وخاطبه مازحاً «بما أنك وزير للدفاع والمسؤول الأول عن الجيش الأميركي، فإنك مدين لي بالطربوش الذي انتزعه مني أحد جنودكم المارينز سنة 1944». فرد المسؤول الأميركي على هذه الدعابة بالقول «أعترف لكم باسم الجيش الأميركي بهذا الدين، وسنعمل على تسديده». وبالفعل فقد حصل اليوسفي بعد مضيّ أسابيع على قبعة أميرال للجيش الأميركي، «كانت جميلة» حسب وصفه، لكنها لم تعوض له «بهاء القيمة المعنوية لذلك الطربوش المفقود».
كأس العرش لكرة القدم
وبالإضافة إلى المقاومة، لا ينسى اليوسفي في شذراته أن يذكّر بدوره في إنشاء عدد من الجمعيات والمنظمات لتأطير الشباب في مجالات متعددة، كالمسرح والكشفية والرياضة، إذ أسهم في تأسيس فريق الاتحاد البيضاوي لكرة القدم بالحي المحمدي، الذي ما زال يمارس نشاطه حتى الآن بمدينة الدار البيضاء. وكان اليوسفي قد انتُخب آنذاك كأول كاتب عام للعصبة المغربية لكرة القدم، التي قامت بتنظيم أول دوري لكأس العرش في كرة القدم بتاريخ 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 1946، وذلك بمشاركة العديد من الفرق البيضاوية.
وفي الحي المحمدي، يتذكر اليوسفي أيضاً، كيف جاءت فكرة نقل أموات المسلمين في سيارة بيضاء، مكتوب عليها عبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وقال إن أحد المناضلين كانت لديه ورشة لإصلاح السيارات، وهو من تكلف بإخراج أول سيارة لنقل الموتى.
أول وآخر ترشيح
ورغم ما كان يتمتع به اليوسفي من شعبية، فإنه لم يترشح للانتخابات سوى مرة واحدة، وكان ذلك سنة 1963، حين اختارته الأمانة العامة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية للترشيح بمدينة طنجة. واعتبر أن نتيجة الانتخاب تم تغييرها لصالح منافسه، عقاباً له على ما سماه التدخل الذي قام به في الجزائر في نهاية شهر مايو (أيار) 1963 لتحويل مسار رحلة الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى الجزائر بدل المغرب. وقد اعترف اليوسفي بذلك، وقال إنه أوعز إلى الرئيس الجزائري آنذاك أحمد بن بلة بأن يتصل بعبد الناصر، الذي كان يستعد لزيارة المملكة في وقت كانت تتهيأ فيه للانتخابات التشريعية، وذلك حتى لا تستغلها الحكومة للتغطية على حملات الاعتقالات في صفوف أحزاب المعارضة.
اتصل بن بلة بعبد الناصر وفاتحه في الموضوع، فرد عليه قائلاً بأنه يوجد على متن الباخرة التي غادرت المياه المصرية متوجهة إلى المملكة المغربية، فطلب منه تحويل الرحلة نحو الجزائر، حديثة العهد بالاستقلال، لكونه زار المغرب سنة 1961، وهذا ما تم بالفعل.
وحين ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية، أُعلن عن فوز جميع أعضاء الأمانة العامة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ما عدا اليوسفي، ومنذ ذلك الحين قرر ألا يُكرر التجربة على الإطلاق، وهو الوعد الذي التزم به إلى الآن.
الهدايا... أخبار مزيفة
استغل اليوسفي مذكراته لينفي عن نفسه ما راج في بعض وسائل الإعلام من كونه تلقى هدايا عندما كان على رأس حكومة التناوب التوافقي (1998 - 2002). وفي هذا الصدد أكد أن أخباراً راجت في بعض الصحف، تزعم أنه حصل على مبلغ مالي خيالي كتعويض من هيئة الإنصاف والمصالحة، إضافة إلى أخبار مماثلة ادّعت أنه حصل على هدايا عينية في شكل ضيعات بمناطق مختلفة في المغرب، متسائلاً عن «غايات وتهافت من يطلقون أخباراً مزيفة مماثلة».
وسجل اليوسفي بتقدير موقف المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمغرب، الذي بادر إلى إصدار بيان ينفي فيه أن يكون قد طالب أصلاً بتعويض من هيئة الإنصاف والمصالحة، وكذا خبر تعويضه بمليار سنتيم.
وذكّر بأن صحيفة حزبه «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» نشرت له سابقاً تصريحات موثقة، أوضح خلالها أنه لم يحصل على أي هدايا من الدولة المغربية، سوى هديتين من الملك الراحل الحسن الثاني، والملك محمد السادس، هما عبارة عن ساعتي يد.
مشدداً على أنه كان يرفض دائماً الحصول على أي تعويضات غير مبررة قانونياً في أثناء ممارسة مهامه الحكومية، وأعلن أنه اتخذ قراراً إرادياً، لم يلزم به باقي الوزراء، «هو أنني كنت دوماً أحيل تعويضات مهامي بالخارج إلى صندوق التضامن مع العالم القروي».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.