سجال أردني حول إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا

بعد آثارها السلبية على اقتصاد البلاد

TT

سجال أردني حول إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا

أثار قرار الحكومة الأردنية بإلغاء العمل باتفاقية التجارة الحرة مع تركيا سجالا في الأوساط الصناعية والتجارية بين مؤيد ومعارض للقرار؛ حيث يرى الجانب المؤيد أن الاتفاقية كانت مجحفة بحق الأردن وأثرت سلبا على الاقتصاد الوطني وعلى تنافسية القطاعات الإنتاجية داخل السوق الأردنية، في حين أن الجانب المعارض يرى أن القرار يخالف سیاسة الحكومة الأردنية المبنیة على الانفتاح الاقتصادي وتحریر التجارة، علاوة على أن القرار يؤثر سلبا على واقع البيئة الاستثمارية ويُضعف من القدرة على جذب الاستثمار.
وكانت الحكومة الأردنية قررت إيقاف العمل باتفاقية الشراكة الهادفة لإقامة منطقة تجارة حرة بين الأردن وتركيا؛ بحسب ما صرح به وزير الصناعة والتجارة الأردني يعرب القضاة.
وجاء القرار لتجنب مزيد من الآثار السلبية التي لحقت بالقطاع الصناعي في ضوء المنافسة غير المتكافئة التي يتعرض لها من البضائع التركية، التي تحظى بدعم من حكومة بلادها، وهو ما أفقد المنتج الأردني القدرة على المنافسة في السوق المحلية لهذه البضائع.
ووقع الأردن وتركيا على اتفاقية الشراكة لإقامة منطقة تجارة حرة عام 2009 في عمان، لتدخل حيز التنفيذ في مارس (آذار) 2011، واستثنت الاتفاقية معظم السلع الزراعية والزراعية المصنعة، كما أخضعت بعض السلع لنظام الحصص (الكوتة).
وعدّ نائب رئيس الوزراء الأسبق جواد العناني، أن قرار وقف العمل بالاتفاقية يهدف للضغط على الجانب التركي للتفاوض من جديد على الاتفاقية، بحيث يكون فيها قدر أكبر من المرونة وتحقيق العدالة للطرفين. وقال إن من قام بالتفاوض على هذه الاتفاقية من قبل الجانب الأردني قبل توقيعها لم يكن موفقا كثيرا في إنصاف الأردن؛ «إذ سمحت للجانب التركي بفرض شروط وقواعد منشأ يصعب على كثير من الصناعات الأردنية القدرة على تلبيتها».
وأشار العناني إلى أهمية أن يتبع وقف العمل بالاتفاقية تحرك سياسي من جانب الأردن لبحث هذا الموضوع مع الجانب التركي، للتأكيد على حرص الأردن على إعادة التفاوض على الاتفاقية، لافتا إلى أن وقف العمل بالاتفاقية ستكون له آثار سلبية على زيادة أسعار البضائع التي تستورد من تركيا بحكم رفع الرسوم الجمركية، إضافة إلى تضرر التاجر الأردني الذي وضع خططه الاستثمارية على أساس هذه الاتفاقية.
وأكد العناني على أن العلاقات التجارية والاقتصادية بين الأردن وتركيا قديمة وتاريخية وأنه ليست هنالك مصلحة للأردن في إنهاء هذه العلاقة.
وقال الخبير الاقتصادي، قاسم الحموري، إن وقف الاتفاقية أوجد صراعا بين مصالح التجار والصناع؛ «حيث إن المنتج الأردني يفضل الحماية والقيود على التجارة الخارجية حتى يبيع منتجه محليا، في حين أن التاجر يفضل وجود تجارة حرة دون قيود، وبالتالي يفضل الاتفاقية التجارية التي تسهل حركة مرور السلع إلى الأردن».
ويرى أن مصلحة الأردن مع التجارة الحرة دون وقف أي اتفاقية تجارية، مشيرا إلى وجود وسائل أخرى لحماية الصناعة الوطنية دون وقف التعامل مع الاتفاقيات، كما أن قرار وقف الاتفاقية يخالف سیاسة الحكومة المبنیة على الانفتاح الاقتصادي وتحریر التجارة.
وأشار الحموري إلى أن إلغاء مثل هذه الاتفاقية سيقلل من تنافسية المنتجين المحليين الذين ستوفر لهم سياسات الحكومة حماية من المنافسة التركية.
واقترح الحموري إعادة دراسة الاتفاقية والتفاوض على بنودها من جديد، مبينا أن قواعد منظمة التجارة العالمية تضع مبدأ التفاوض أداة لحل الخلافات التجارية.
من جانبه، أكد رئيس غرفة تجارة الأردن، نائل الكباريتي، أن الأردن قادر على الخروج من أزمته الاقتصادية من خلال تطبيق استراتيجية مدروسة وعقلانية ترتكز على تسويق المشروعات الكبرى للمستثمرين العرب والأجانب. وعدّ أن قرار الحكومة بإلغاء اتفاقية التجارة بين الأردن وتركيا سلبي وليس له مبرر، لافتا إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين وصل لنحو 800 مليون دولار.
من جانبه، رحب رئيس جمعية الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة عمان، فتحي الجغبير، بقرار وقف العمل باتفاقية التجارة الحرة بين الأردن وتركيا «لما له من حماية كبيرة للصناعة الوطنية»، موضحا أن «الصناعة الوطنية رغم تطورها وجودة صادراتها، فإنها عانت وتعاني من إغراق البضائع المستوردة جراء الاتفاقيات الموقعة التي آن الأوان أن تعيد الحكومة النظر فيها»، على حد قوله.
وقال الجغبير إن إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة أدى خلال السنوات الماضية إلى انخفاض أعداد المنشآت العاملة بشكل كبير وإغلاق مصانع كبرى لها سمعة داخليا وخارجيا. وأوضح أن هذه الاتفاقية جاءت في صالح الجانب التركي، حيث زادت الصادرات التركية إلى الأردن بشكل كبير بحيث وصلت إلى 683 مليون دولار العام الماضي، مقارنة مع 305 ملايين دولار في عام 2006. بالمقابل لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى تركيا في العام نفسه 92 مليون دولار، مشيرا إلى أن الصناعة الوطنية تشغل نحو 250 ألف عامل وعاملة يعولون ما يزيد على مليون مواطن، «الأمر الذي يحتم حماية الصناعة الوطنية من سياسية الإغراق التي تشهدها الأسواق المحلية».



الصين تعزز التحفيز المالي لدعم الطلب

مشهد عام من مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشهد عام من مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

الصين تعزز التحفيز المالي لدعم الطلب

مشهد عام من مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشهد عام من مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

تستعد الصين لتوسيع دعمها المالي خلال النصف الثاني من العام، في محاولة لمنح الاقتصاد زخماً إضافياً في مواجهة ضعف الطلب المحلي وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي. وبينما تتجه بكين إلى زيادة الإنفاق الموجه للأسر والاستهلاك وتوسيع دعم فوائد القروض، تظهر في سوق السندات إشارات إلى أن المستثمرين يراهنون بقوة على استمرار الدعم؛ ما دفع البنك المركزي إلى مراقبة المخاطر المرتبطة بالاندفاع نحو الديون طويلة الأجل.

وقال نائب وزير المالية الصيني لياو مين إن الحكومة ستطرح إجراءات مالية إضافية وفقاً لتطور الأوضاع الاقتصادية، مؤكداً الحفاظ على استمرارية واستقرار سياسات الاقتصاد الكلي، مع التخطيط للموارد المالية وتوزيعها على أفق زمني أطول.

وتحمل تصريحات لياو أهمية خاصة لأنها تشير إلى تحول تدريجي في وجهة السياسة المالية الصينية. فبدلاً من الاعتماد بصورة كبيرة على الاستثمار في البنية التحتية، تعتزم الحكومة توجيه حصة أكبر من الإنفاق نحو الأسر والاستهلاك، في ظل استمرار ضعف الطلب الداخلي.

كما تعمل وزارة المالية مع «بنك الشعب الصيني» والجهات التنظيمية لإعداد إجراءات دعم مالية وتمويلية جديدة للنصف الثاني من العام، رغم عدم الكشف عن حجمها أو تفاصيلها.

وفي خطوة عملية، أعلنت وزارة المالية توسيع برنامج دعم فوائد القروض الموجه إلى الشركات الخاصة الصغيرة والمستهلكين. وسيغطي البرنامج نقطة مئوية واحدة من الفائدة على القروض المؤهلة للشركات الصغيرة لمدة تصل إلى عامين، كما سيمتد إلى منتجات تقسيط بطاقات الائتمان، مع رفع الحدود القصوى للدعم.

وتعكس هذه الخطوة محاولة لتخفيض التكلفة الفعلية للاقتراض دون اللجوء بالضرورة إلى خفض واسع لأسعار الفائدة الرسمية. وهي آلية يمكن أن تمنح بكين قدرة أكبر على توجيه الدعم إلى قطاعات محددة، بدلاً من ضخ سيولة واسعة قد تؤدي إلى زيادة المضاربة المالية أو الضغط على هوامش أرباح البنوك.

ويأتي التحرك بعد سلسلة من البيانات التي عززت المخاوف بشأن قوة الاقتصاد الصيني. وكانت قيادة الحزب قد تعهدت خلال اجتماع المكتب السياسي في يوليو (تموز) بتسريع الإنفاق على مشروعات البنية التحتية المدرجة بالفعل في الموازنة خلال ما تبقى من العام، بدلاً من إطلاق حزمة تحفيز ضخمة جديدة.

وتستهدف بكين عجزاً في الموازنة يعادل نحو 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، كما تعهدت بتسريع إصدار السندات لدعم النشاط الاقتصادي.

لكن السياسة المالية التوسعية تواجه قيداً مهماً يتمثل في مديونية الحكومات المحلية. وشدد لياو على أن منع الحكومات المحلية من تكوين ديون خفية جديدة يجب أن يظل «انضباطاً حديدياً»، مع العمل تدريجياً على خفض المخاطر المالية في المجالات الرئيسية.

وهذا يعني أن بكين تحاول تنفيذ معادلة دقيقة: زيادة الإنفاق بما يكفي لدعم الاقتصاد، من دون إعادة إنتاج نموذج الاقتراض المحلي الذي تراكمت مخاطره خلال سنوات التوسع العقاري والاستثمار المكثف في البنية التحتية.

• سوق السندات تراهن على مزيد من الدعم

وتظهر توقعات المستثمرين بشأن الاقتصاد والسياسة النقدية بوضوح في سوق السندات الصينية. فقد ارتفعت أسعار السندات الحكومية طويلة الأجل خلال الشهر الماضي، مع دفع البيانات الاقتصادية الضعيفة المستثمرين إلى توقع استمرار الدعم.وانخفض عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 1.68 في المائة، الخميس، بعدما سجل خلال الأسبوع أدنى مستوياته منذ يوليو 2025، في حين هبط عائد سندات 30 عاماً إلى 2.13 في المائة، وهو الأدنى منذ سبتمبر (أيلول) 2025.

لكن قوة هذا الارتفاع بدأت تلفت انتباه «بنك الشعب الصيني». وقالت مصادر إن البنك أجرى استطلاعاً بين صناديق الاستثمار بشأن حيازاتها من السندات الحكومية طويلة الأجل، خصوصاً آجال 10 و30 عاماً.

وشملت الاستفسارات مخاطر عدم التوافق بين آجال الأصول في محافظ الصناديق، ومستويات العائد التي يراها المديرون مناسبة، إلى جانب التقلبات الأخيرة في السوق.

وتكمن المخاطرة في أن عدداً كبيراً من المستثمرين أصبحوا يتخذون الموقف نفسه، وهو شراء السندات طويلة الأجل للاستفادة من توقعات انخفاض العوائد. وقدّر محللو «هوا تاي سيكيوريتيز» أن متوسط آجال محافظ فئات عدة من صناديق السندات اقترب من أعلى مستوياته في خمس سنوات.

ومن ثم، فإن أي تغير مفاجئ في توقعات السياسة النقدية أو المالية قد يدفع المستثمرين إلى جني الأرباح في وقت واحد؛ ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع سريع في العوائد وتقلبات واسعة في السوق.

• الاستثمار الأجنبي يضيف تحدياً آخر

وتزداد أهمية التحفيز في ظل استمرار تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي. فقد أظهرت بيانات وزارة التجارة انخفاض الاستثمار الأجنبي المتدفق إلى الصين بنسبة 6.2 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ليبلغ 438.3 مليار يوان، أي نحو 65.2 مليار دولار.

ويضع هذا التراجع مزيداً من المسؤولية على الطلب المحلي بصفته مصدراً للنمو، خصوصاً إذا استمرت الشركات الأجنبية في تبني نهج أكثر حذراً تجاه الاستثمارات الجديدة.

وتشير مجمل التطورات إلى أن الصين لا تتجه، حتى الآن، نحو برنامج تحفيز شامل على غرار الحزم الضخمة التي استخدمتها في أزمات سابقة، وإنما إلى دعم أكثر استهدافاً يجمع بين الإنفاق المالي وتخفيض تكاليف الاقتراض لقطاعات محددة.

ويبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطاً بقدرتها على تحويل الأموال من النظام المالي إلى الاقتصاد الحقيقي. فارتفاع أسعار السندات وانخفاض العوائد لا يكفيان إذا ظلت الأسر حذرة في الإنفاق والشركات مترددة في الاستثمار. ولذلك؛ سيكون الاختبار الحقيقي للتحفيز الصيني خلال الأشهر المقبلة هو مدى قدرته على إعادة تنشيط الاستهلاك والطلب الخاص، من دون زيادة عبء الديون أو خلق اختلالات جديدة في الأسواق المالية.


في خطوة استثنائية... ترمب يفتح باب واردات اللحوم لخفض الأسعار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقرينته ميلانيا في مناسبة سابقة بحديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقرينته ميلانيا في مناسبة سابقة بحديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

في خطوة استثنائية... ترمب يفتح باب واردات اللحوم لخفض الأسعار

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقرينته ميلانيا في مناسبة سابقة بحديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقرينته ميلانيا في مناسبة سابقة بحديقة البيت الأبيض (إ.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خطوةً استثنائيةً لخفض أسعار لحوم الأبقار في الولايات المتحدة، تقضي بالسماح باستيراد ما يصل إلى 300 ألف طن من المنتجات المُستخدَمة في إنتاج اللحم البقري المفروم، من دون الرسوم الجمركية المطبقة على الواردات التي تتجاوز الحصص، وذلك لمدة 90 يوماً.

وتعكس الخطوة محاولةً مباشرةً لزيادة المعروض في السوق الأميركية وخفض الأسعار التي أصبحت أحد مصادر الضغط على ميزانيات الأسر، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تقلصاً في حجم قطعان الأبقار، بينما تظلُّ أسعار الغذاء عنصراً حساساً في معركة احتواء التضخم.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إنَّه أبرم اتفاقاً يهدف إلى «خفض سعر اللحم البقري المفروم بصورة كبيرة للأسر الأميركية العاملة»، موضحاً أنَّ الولايات المتحدة ستسمح خلال الأشهر الثلاثة المقبلة باستيراد الكمية المُحدَّدة من دون رسوم خارج الحصة.

وأضاف أنَّ هناك التزاماً بأن يُباع اللحم المشمول بالاتفاق بسعر يقل 25 في المائة عن الأسعار الحالية في السوق، عادّاً أنَّ الإجراء سيخفِّض التكلفة على المستهلكين، وفي الوقت نفسه يمنح منتجي الماشية الأميركيِّين مساحةً لإعادة بناء قطعانهم.

اقتصادياً، تستهدف الخطوة معالجة مشكلة العرض من جانبين. فمن جهة، يؤدي إلغاء الرسوم مؤقتاً إلى تقليل تكلفة دخول اللحوم الأجنبية إلى السوق الأميركية، ما يفترض أن يزيد المنافسة ويضغط على أسعار الجملة والتجزئة.

ومن جهة أخرى، يمكن للاعتماد المؤقت على الواردات أن يقلل الضغوط الواقعة على القطيع المحلي، ويمنح المربين وقتاً لإعادة زيادة أعداد الماشية. لكن مدى انتقال الانخفاض إلى المستهلك سيعتمد على عوامل تتجاوز الرسوم الجمركية، بينها أسعار الاستيراد والنقل والتوزيع وهوامش شركات تصنيع اللحوم ومتاجر التجزئة، فضلاً عن الدول القادرة على توفير الكميات المطلوبة خلال فترة زمنية قصيرة.

وتحمل كمية 300 ألف طن أهميةً كبيرةً، خصوصاً أنَّها ستدخل خلال نافذة لا تتجاوز 90 يوماً. وإذا تدفقت الواردات بسرعة، فقد تؤدي زيادة العرض إلى ضغوط نزولية ملموسة على الأسعار، لا سيما في سوق اللحم المفروم التي تعتمد جزئياً على مزج أنواع مختلفة من اللحوم للوصول إلى النسب المطلوبة من الدهون.

وفي المقابل، قد يثير فتح السوق أمام كميات كبيرة معفاة من الرسوم مخاوف لدى بعض منتجي الماشية الأميركيِّين من تعرُّض الأسعار المحلية للضغط.

وتحاول إدارة ترمب تقديم الإجراء بوصفه مؤقتاً ومصمماً لحماية المستهلك خلال فترة إعادة بناء القطيع، وليس تحولاً دائماً نحو زيادة الاعتماد على الواردات.

ويكتسب القرار بُعداً أوسع في السياسة الاقتصادية الأميركية، إذ يأتي في وقت تستخدم فيه إدارة ترمب الرسوم الجمركية بصورة واسعة لتحقيق أهداف تجارية وصناعية. لكن الإعفاء الخاص باللحوم يوضِّح أنَّ الإدارة مستعدة لتخفيف الحواجز التجارية عندما تصبح الرسوم عاملاً يمكن أن يزيد تكلفة السلع الأساسية على المستهلك الأميركي. كما يمثل القرار اختباراً لمدى قدرة السياسة التجارية على معالجة التضخم في قطاعات بعينها. فبدلاً من الاعتماد حصراً على السياسة النقدية وأسعار الفائدة للسيطرة على الأسعار، تستخدم الإدارة زيادة المعروض المستورَد أداةً مباشرةً لاستهداف سلعة تشهد ضغوطاً سعرية. وإذا تحقَّق هدف بيع اللحوم المستورَدة بأسعار تقل 25 في المائة عن المستويات الحالية، فقد يمتد الأثر إلى المطاعم وشركات الأغذية والمتاجر، بما يخفِّف جزءاً من الضغوط على أسعار الغذاء. إلا أنَّ استدامة هذا الانخفاض ستظل مرتبطة بسرعة تعافي إنتاج الأبقار في الولايات المتحدة بعد انتهاء فترة الإعفاء.

وبذلك، تراهن واشنطن على نافذة استيراد قصيرة لشراء الوقت أمام قطاع الثروة الحيوانية المحلي: زيادة المعروض الآن لخفض الأسعار، مقابل منح المربين فرصة لإعادة بناء القطعان لاحقاً. وسيكون الاختبار خلال الأسابيع المقبلة هو مقدار ما سيصل فعلياً من التخفيضات إلى المستهلك الأميركي، وما إذا كانت فترة الـ90 يوماً كافية لإحداث تحول يتجاوز الانخفاض المؤقت في الأسعار.


اليابان ترفع تكلفة الدين في حساباتها لقمة 29 عاماً

مشاة في ضاحية غينزا التجارية الشهيرة بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة في ضاحية غينزا التجارية الشهيرة بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان ترفع تكلفة الدين في حساباتها لقمة 29 عاماً

مشاة في ضاحية غينزا التجارية الشهيرة بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة في ضاحية غينزا التجارية الشهيرة بوسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تتجه اليابان إلى إدخال ارتفاع أسعار الفائدة بصورة أكثر وضوحاً في حساباتها المالية؛ إذ تدرس وزارة المالية اعتماد معدل فائدة افتراضي يبلغ 3.8 في المائة لحساب تكاليف خدمة الدين في طلبات موازنة السنة المالية المقبلة، وهو أعلى مستوى لهذا الافتراض منذ 29 عاماً.

وتأتي الخطوة في وقت تتسارع فيه الضغوط التضخمية وتتزايد التوقعات برفع بنك اليابان أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، ما يضع السياسة المالية والنقدية أمام اختبار متزامن غير معتاد بعد عقود من الأموال الرخيصة.

وقال مصدران حكوميان إن وزارة المالية تدرس رفع معدل الفائدة المفترض إلى 3.8 في المائة، مقارنة مع 3 في المائة في موازنة السنة المالية 2026. ولا يعني المعدل المقترح أن الحكومة تتوقع بالضرورة وصول عائد السندات القياسية إلى هذا المستوى فوراً، لكنه يستخدم في تقدير حجم الأموال التي ينبغي تخصيصها لخدمة الدين، وبالتالي فإن رفعه يعكس استعداداً رسمياً لبيئة اقتراض أكثر تكلفة.

وتكتسب المسألة حساسية استثنائية بسبب ضخامة الدين العام الياباني؛ فكل ارتفاع مستدام في العوائد ينتقل تدريجياً إلى فاتورة خدمة الدين مع إصدار سندات جديدة أو إعادة تمويل الديون المستحقة، ما يقلص الموارد المتاحة للإنفاق على النمو والدفاع والرعاية الاجتماعية، وغيرها من الأولويات.

وقد ظهرت هذه الضغوط بوضوح في سوق السندات، حيث دفع القلق بشأن السياسة المالية التوسعية لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، ومسار أسعار الفائدة عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات، إلى 2.945 في المائة يوم الثلاثاء، وهو أعلى مستوى في 3 عقود.

وتكمن المعضلة أمام حكومة تاكايتشي في أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يأتي بينما تسعى إلى توسيع الاستثمارات في القطاعات الاستراتيجية ومحركات النمو. وكلما ارتفعت المبالغ المخصصة لخدمة الدين، تقلص هامش المناورة أمام الحكومة لتنفيذ هذه الخطط من دون زيادة الاقتراض، أو البحث عن إيرادات إضافية.

وفي الوقت نفسه، لا تمنح بيانات التضخم الأخيرة الحكومة كثيراً من أسباب التفاؤل بشأن انخفاض العوائد سريعاً؛ فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي 1.8 في المائة في يوليو (تموز) على أساس سنوي، مقابل 1.6 في المائة في يونيو (حزيران)، مطابقاً توقعات السوق. ورغم بقائه دون هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة للشهر السابع على التوالي، فإن الدعم الحكومي لأسعار الوقود كان أحد الأسباب الرئيسية وراء إبقائه عند هذه المستويات.

والأكثر أهمية بالنسبة إلى بنك اليابان أن المؤشر الذي يستبعد الغذاء الطازج والوقود، ويستخدم لقياس اتجاه التضخم الأساسي بصورة أوضح، تسارع إلى 1.9 في المائة من 1.7 في المائة في يونيو. كما بدأت ضغوط الأجور تنتقل بصورة أكبر إلى أسعار الخدمات؛ إذ ارتفع تضخم الخدمات إلى 1.2 في المائة من 1.1 في المائة، في مؤشر إلى أن ارتفاع الأسعار لم يعد محصوراً فقط في السلع المستوردة والطاقة.

ويأتي ذلك بعد قفزة تضخم أسعار الجملة إلى 7.2 في المائة في يوليو، مدفوعاً جزئياً بارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران وضعف الين. ويرى اقتصاديون أن الشركات اليابانية أصبحت أكثر استعداداً من السابق لتمرير هذه التكاليف إلى المستهلكين.

وقال ماساتو كويكي، كبير الاقتصاديين في «سومبو إنستيتيوت بلس»، لـ«رويترز»، إن التضخم الأساسي مرشح للتسارع مجدداً مع تجدد التوتر في الشرق الأوسط وما يترتب عليه من ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب الضغوط الناجمة عن ضعف الين. ويتوقع كويكي أن يرفع بنك اليابان الفائدة في سبتمبر.

وبعد رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 1 في المائة في يونيو، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً، أبقى بنك اليابان سياسته دون تغيير في يوليو، لكنه أصدر أقوى تحذيراته حتى الآن بشأن تصاعد مخاطر التضخم. وتشير التوقعات إلى احتمال رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماع 17 و18 سبتمبر.

وقد لا تتوقف دورة التشديد عند ذلك الحد؛ فقد أشارت مصادر مطلعة إلى أن البنك يدرس إمكانية تسريع وتيرة الزيادات مقارنة بالنمط الحالي الذي يقارب مرتين سنوياً، إذا استمرت الضغوط السعرية. ويضع ذلك اليابان أمام حلقة اقتصادية معقدة؛ فارتفاع النفط وضعف الين يزيدان التضخم، والتضخم يدفع بنك اليابان نحو رفع الفائدة، بينما تؤدي توقعات الفائدة الأعلى إلى رفع عوائد السندات الحكومية، ومن ثم زيادة تكلفة خدمة واحد من أكبر أعباء الدين السيادي في العالم.

ويرى تارو سايتو، الاقتصادي في «إن إل آي ريسيرش إنستيتيوت»، أن زيادات أسعار الغذاء والاحتياجات اليومية قد تتسارع في وقت لاحق من العام، متوقعاً تجاوز التضخم الأساسي مستوى 2 في المائة تقريباً في الخريف، ثم تخطي 3 في المائة بحلول نهاية السنة المالية الحالية في مارس (آذار) 2027.

وبالنسبة إلى الأسواق، فإن رفع معدل الفائدة المفترض في الموازنة إلى 3.8 في المائة، يمثل اعترافاً بأن عصر افتراض تكاليف تمويل شديدة الانخفاض يتراجع بسرعة. كما أن الخطوة قد تزيد التدقيق في أي خطط حكومية جديدة للإنفاق، لأن المستثمرين سيبحثون عن أدلة على قدرة طوكيو على الموازنة بين تحفيز النمو والمحافظة على استدامة المالية العامة.

وهكذا، يصبح اجتماع بنك اليابان في سبتمبر، بالتوازي مع إعداد الموازنة المقبلة، محطة رئيسية للاقتصاد الياباني؛ فإذا تسارع التضخم كما يتوقع المحللون واستمر البنك في رفع الفائدة، فستجد حكومة تاكايتشي نفسها أمام معادلة أصعب لتمويل أولوياتها الاقتصادية في وقت ترتفع فيه تكلفة الدين، من دون إثارة مزيد من القلق في سوق السندات، أو دفع العوائد إلى مستويات تزيد العبء المالي ثقلاً.