«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

مصر وتركيا.. من طرد السفراء الى مساع التهدئة

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة
TT

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

«أصابع» أردوغان التي أغضبت القاهرة

لا يفوت زائر إسطنبول هذه الأيام ملاحظة شارات «رابعة» في زواريب المدينة وأحيائها الشعبية، فيما تتصدر هذه الشارة صفحات مؤيدي أردوغان على موقع «فيس بوك» للتواصل الاجتماعي بوصفها دليلا على التضامن مع الرئيس المصري المعزول محمد مرسي. ويحتاج متابع وسائل الإعلام الرسمية التركية بعض الوقت ليدرك أنه ليس في مصر، بسبب الكم الهائل من الأخبار المتعلقة بالوضع المصري فيها.
وتمر العلاقات بين مصر وتركيا بفترة حرجة حاليا، بسبب مواقف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان المؤيدة للرئيس المصري المعزول التي وصلت إلى حد استدعاء السفراء، لكن بعض الساسة في القاهرة، يقولون إن تركيا ومصر «مثل تفاحة مشطورة نصفين على جانبي البحر المتوسط». وأعاد بعض كبار السياسيين المعتدلين في تركيا ذكر المثل نفسه عقب توتر العلاقة بين البلدين التي انتهت الأسبوع الماضي بطرد كل منهما سفير الدولة الأخرى في إجراء نادر.

تكره الغالبية العظمى من أنصار قائد الجيش المصري، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، الطريقة التي رفع بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أصابعه الأربعة لتتحول تلك «الإشارة» إلى رمز لمظاهرات صاخبة في شوارع القاهرة قادتها جماعة الإخوان المسلمين.. وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي.
رفع أردوغان أصابعه الأربعة، للتعبير عن غضبه من فض السلطات المصرية اعتصامين لأنصار الرئيس السابق. وقال مبررا موقفه إنه لن يحترم من وصلوا للسلطة بانقلاب، في إشارة إلى الثورة الشعبية على حكم مرسي في 30 يونيو (حزيران) الماضي، مما أدى إلى زيادة التوتر في العلاقة مع مصر. ومع ذلك يبدو موقف أردوغان المنحاز للإسلاميين مختلفا عن مواقف رئيس تلك الدولة التي تعد واحدة من الدول الكبرى في المنطقة إلى جانب كل من مصر وإيران ودول معتبرة أخرى.. فماذا يريد أردوغان؟
هكذا يسأل النائب البرلماني المصري عاطف مغاوري، المختص في الشؤون الدولية، ويجيب قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن الرجل يُظهر نفسه في عباءة الخليفة العثماني حين يتعامل مع العرب، وفي بدلة الأوروبي حين يتعامل مع الغرب، سعيا لتحقيق الأهداف الأساسية لحزبه، وعلى رأسها الانضمام للاتحاد الأوروبي وشغل دور عراب المنطقة أمام العالم.
يقول محللون أتراك معارضون لسياسات أردوغان إنه يتحدث عن مصر في كل خطاباته، لكنه لا يتحدث إلى المصريين، بل إلى الأتراك الذين يتوقع منهم أن يصوتوا مع حزبه في الانتخابات البلدية المقبلة، التي تعد «بروفة» للانتخابات النيابية والرئاسية التي ستليها. ولهذا، لا يبدو أن أردوغان ينصت لنصائح من يطالبه بتهدئة «الجو» مع المصريين. فالعلاقات مع مصر - كما يقول أحد المقربين منه - ستتحسن لاحقا مهما كانت نتائج المخاض المصري، «فأردوغان سيفوز إذا فاز (الإخوان)، لكنه لن يخسر إذا ما خسروا، وسيعود إلى واقعيته».
ولا يأبه رئيس الحكومة التركية للتطورات السلبية التي أحاطت بالعلاقات التركية - المصرية في الآونة الأخيرة، فهو يتوقع أن يقبض الثمن في الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية المقبلة. ويعترف المحلل السياسي التركي محمد زاهد غل المقرب من حزب العدالة والتنمية، بأن قسما من كلام أردوغان هو «للاستهلاك الداخلي»، مشيرا إلى أن شارات رابعة أصبحت عنوانا يفاخر برفعه كثيرون ممن يتعاطون الشأن العام في تركيا.
وبدأ رئيس الحكومة التركية القادم من حزب إسلامي، انتقاد سياسات القاهرة بشكل متصاعد منذ الإطاحة بمرسي، على الرغم من أن جماعة «الإخوان» التي ينتمي إليها الرئيس السابق هاجمت أردوغان حين زار العاصمة المصرية الخريف الماضي، وذلك حين تحدث الزعيم التركي عن أفضلية الحكم العلماني للمصريين، قائلا في كلمات لم تعجب قيادات «الإخوان» حينها إنه رئيس حكومة مسلم لدولة علمانية، وإن العلمانية لا تعني اللادينية.
ويقول علاء فاروق، رئيس وحدة دراسات آسيا الوسطى بمركز القاهرة للدراسات التركية، لـ«الشرق الأوسط» إن الرأي العام يتحدث في الوقت الراهن عن أزمة في العلاقات التركية - المصرية، معربا عن اعتقاده أن الأزمة ليست وليدة اليوم، ولكنها بدأت منذ الإطاحة بمرسي.
وارتفعت وتيرة الانتقادات التركية لمصر بعد فض اعتصامي أنصار مرسي في ميداني رابعة والنهضة بالقاهرة والجيزة، في 14 أغسطس (آب) الماضي. وعقب انتقاده موقف الأزهر بسبب انحيازه لثورة 30 يونيو (حزيران)، زاد أردوغان من حدة تصريحاته التي طالت القضاء المصري أيضا حين قال مع بدء إجراءات محاكمة الرئيس السابق إنه لا يكن «أي احترام لهؤلاء الذين اقتادوا مرسي أمام القضاء». ويضيف فاروق لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات تكاد تكون منعدمة منذ 30 يونيو الماضي، «كون السيد أردوغان يرى أنه كان معارضا، ثم وصل إلى السلطة في بلاده.. ويرى أن عزل الرئيس (السابق) مرسي انقلاب عسكري، كونه، أي أردوغان، اكتوى بنار الانقلابات العسكرية في تركيا منذ فترة.. بالإضافة إلى الاقتراب الآيديولوجي بين أردوغان ومرسي من حيث تبني كل منهما ما يسمى (المشروع الإسلامي) في المنطقة».
ويزيد فاروق قائلا إن التقارب الآيديولوجي بين الرئيس المصري السابق ورئيس الوزراء التركي، يفسر تعامل أردوغان بتشدد مع ملف القاهرة، وضد الحكام الجدد، وذلك من خلال التصريحات شبه اليومية «التي لا تليق بمسؤول ربما يسعى للتقارب بين منطقة الشرق الأوسط وتركيا». وفي ما بدا تحديا جديدا أغاظ المصريين الذين ثار الملايين منهم ضد حكم «الإخوان»، ورغم تخفيض العلاقة بين البلدين أخيرا، فإن أردوغان عاود تحديه القاهرة ورفع مجددا أربعة من أصابع يده إلى أعلى، مؤكدا تضامنه مع أنصار مرسي أثناء حضوره مؤتمرا جماهيريا لحزبه في شمال تركيا.
ويلقي معارضو أردوغان عليه باللائمة في تردي العلاقات مع مصر، إلى حد يقارب ترديها خلال مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر أيام الرئيس المصري عبد الناصر. ويرى هؤلاء أن تصريحات أردوغان تأتي دائما في سياق «صب الزيت على النار»، آخذين عليه عدم ترويه في هذا الملف والتعامل معه على أنه «شخصي».
وإذ يشير زاهد غل، إلى أن أحزاب المعارضة التركية تنتقد عموما الحكومة في سياستها الخارجية وطريقة تعاطيها مع الدول العربية، لا سيما مصر وسوريا، فإنه يؤكد أن «ثمة جزئية لا يمكن أن نغفل عنها، وهي أن تركيا عموما لا تختلف في توصيف ما حصل في مصر؛ إذ إن المعارضة والموالاة على السواء تعدان ما حصل انقلابا وليس ثورة». ويرى غل أنه «لا يوجد أي حزب سياسي يمكن أن يجرؤ على أن يمتدح وجود العسكري في السلطة، ذلك أن تركيا عانت كثيرا من الانقلابات ومن حكم العسكر، وهي تسعى لإبعاد أي شبح عسكري عن السلطة». ويؤكد أن أردوغان يكون «مرتاحا جدا عندما يتحدث في الشأن المصري لأنه يقف مع المظلوم ضد سطوة الجيش، والشعب البسيط (في تركيا) يدرك أن الانقلابات تأتي دائما بالدماء».
وعن التباين في مواقف رئيس الجمهورية عبد الله غل وأردوغان في الشأن المصري، يقول زاهد غل إن «رئيس الجمهورية ليس سلطة تنفيذية ولا يملك الصلاحيات»، جازما في الوقت نفسه بأنه «لا توجد وجهات نظر مختلفة، بقدر ما أن رئيس الجمهورية لديه أسلوب دبلوماسي».
لكن حسن بوغون، مدير الأخبار الخارجية في صحيفة «إيدنلك» يرى أنه «على الرغم من عدم وجود موقف معاد من غل تجاه الإخوان، فإنه يمكن أن نقول إنه يوجد الآن موقفان تركيان رسميان بالنسبة للتطورات في مصر؛ موقف يمثله غل ونائب رئيس الوزراء بولند أرينج والجماعات الدينية، وموقف تمثله حكومة العدالة التي يترأسها أردوغان».
وكقادة الأحزاب المعارضة، يحمل نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض فاروق لو أوغلو، أردوغان «جزءا كبيرا من مسؤولية ما آلت إليه العلاقات بين تركيا ومصر أخيرا.. أمر محزن للغاية». وانتقد تقييم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للقضاء المصري في تصريحات لصحيفة «حرييت»، متهكما «كما لو أن القضاء في تركيا مستقل ويعمل بشكل جيد، فأردوغان الذي لديه مثل هذا النظام القضائي ينتقد القضاء في مصر».
ويرى زاهد غل أن العلاقات المصرية - التركية لن تتدهور أكثر مما هي عليه الآن، مستبعدا أن تصل الأمور إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال السفارات، لكنه يرى أن الوضع الحالي سيبقى قائما لفترة طويلة.
ويشير إلى أنها ليست المرة الأولى التي تتدهور فيها العلاقات، لكنها الأكبر منذ نهاية عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، و«مع ذلك بقى التبادل الدبلوماسي قائما».
بدوره، يقول حسن بوغون إن طرد السفير التركي من القاهرة وفي المقابل طرد السفير المصري، لم يكن مفاجئا «على اعتبار أن العلاقات المصرية - التركية بدأت في التدهور بعد الحركة الشعبية التي خاضها الشعب المصري في ميدان التحرير والتي انتهت بإسقاط حكومة الإخوان واعتقال المسؤولين وعلى رأسهم محمد مرسي ووضعهم في السجن»، مشيرا إلى أن «حكومة العدالة والتنمية منذ بداية اعتصامات التحرير اتخذت موقفا مؤيدا لـ«الإخوان» ولم توفر أي طاقة لدعمهم، بل فتحت أبواب تركيا للهاربين من قادة وكوادر «الإخوان» واحتضنتهم وأمنت لهم جميع احتياجاتهم».
وأشار بوغون إلى ما تداولته وسائل الإعلام التركية أخيرا من أن «(الإخوان) أعلنوا عن تأسيس حزب لهم في إسطنبول، واعتقد الجميع أن (الإخوان السوريين) هم الذين أسسوا حزبهم، ولكن في الحقيقة هم (إخوان مصر) الذين يرعاهم أردوغان هم الذين أسسوا حزبهم في إسطنبول بالتعاون مع (الإخوان السوريين)، ويعقدون اجتماعاتهم السرية في العديد من فنادق إسطنبول البعيدة عن أعين الإعلاميين، وبما أن إخوان سوريا لم ينجحوا ولن ينجحوا في تحقيق أي مأرب لهم في سوريا، فإن الهدف الحقيقي من وراء هذا الحزب هو تفعيل دور (الإخوان المصريين) في مصر والاعتماد عليهم بعد فشل (إخوان سوريا)».
ويعتقد كثير من المهتمين بالعلاقات بين البلدين أن القطيعة بدأت بالفعل بعد الإطاحة بمرسي في 3 يوليو (تموز) الماضي، وأن مسألة طرد السفيرين كانت مجرد عملية «تحصيل حاصل» لما كان يدور بالفعل تحت السطح. ويقول فاروق إن «العلاقات لم تنقطع بطرد السفيرين، بل كانت أساسا في حالة جمود منذ 30 يونيو الماضي، ولم يكن أي من الطرفين يعلن عن ذلك».
وتوجد على ما يبدو إجراءات تقوم باتخاذها كل من مصر وتركيا للتضييق على الرجال المحسوبين على النظامين هنا وهناك، سواء كانوا من الشخصيات الرسمية أو غير الرسمية. ويشير علاء فاروق إلى أن بعض المصادر التركية ذكرت في الفترة الأخيرة أن «مصر تحجم هنا من وجود الأتراك حتى بالنسبة لغير الرسميين، وكذلك كانت تركيا تفعل الأمر نفسه»، وذلك قبل أن يتفجر الخلاف ويظهر بقوة على السطح «خاصة بعد تصاعد تصريحات أردوغان أخيرا تجاه مصر».
ويتخوف البعض من تدخلات تركيا الدولية تجاه القاهرة، ومحاولاتها تحريض بعض الأطراف ضد مصر.. «كما أنه توجد مصادر تقول إن أردوغان يسعى للحيلولة دون التقارب الروسي مع السلطات الجديدة في مصر»، وفقا لفاروق الذي يجيب عما إذا كانت العلاقات بين البلدين يمكن أن تعود لسيرتها الأولى في حال استقرت الأوضاع تحت مظلة خارطة الطريق المصرية، قائلا إن تركيا في نهاية المطاف لا تستطيع الاستغناء عن مصر.
ويضيف قائلا: «لكن أرى أن تركيا الآن ربما تسعى إلى تجييش المجتمع الدولي ضد القاهرة خاصة أوروبا، لمحاولة عزل مصر دوليا والضغط عليها والاستعانة ببعض الدول الأخرى، مثل البرازيل وغيرها».
وتوجد للأتراك استثمارات ضخمة في عدة مدن مصرية خاصة في مدينة الإسكندرية، منذ سنوات. وكانت خارطة الاستثمارات التركية تتضمن، منذ عام 2010، توسعات في مجالات شتى منها صناعة الغزل والنسيج والكيماويات والسيارات، وغيرها.
ويرى فاروق أن مصر ما زالت في حاجة إلى تركيا، وأنه لم يكن ضروريا التسرع في الرد على كل ما يصدر من أنقرة، مشيرا إلى أن البلدين سيعود كل منهما للآخر، «لكن الخطوة الأولى أرى أنها ينبغي أن تأتي من جانب مصر.. الحكومة المصرية في ظل التراجع الأمني والاقتصادي وغيره، ليست في حاجة إلى عداءات مع دول مثل تركيا. ولم يكن يصح أن تكون ردود الفعل المصرية بالطريقة التي ظهرت بها وهي في مرحلة عدم ثبات في هذه المرحلة. التقارب سيأتي، لكن ربما يطول الوقت نوعا ما».
ومن السهل أن تجد في أحاديث المصريين عن الأتراك محاولات للتفرقة بين رئيس الوزراء وحزبه الأقرب إلى تيار الإسلام السياسي في بلدان كمصر وليبيا وتونس وسوريا، من جانب، ورئيس الدولة عبد الله غل، وعموم الشعب التركي من الجانب الآخر. وهنا يسأل البعض قائلا: ما مدى استفادة الدولة التركية من توجهات رئيس الحكومة أردوغان ضد مصر؟ ويجيب فاروق موضحا: «نستطيع أن نقول إن الحكومة التركية ربما لن تستفيد شيئا من تصريحات أردوغان، لكن أردوغان يركز على بعض الأشياء في السياسة».
ويضيف رئيس وحدة دراسات آسيا الوسطى بمركز القاهرة للدراسات التركية، إن من بين تلك الأشياء التي يركز عليها أردوغان هي أنه «ربما يرى، مع حزبه، أنهما يحققان المكسب الأكبر؛ حيث إنه يقول دائما إنه ينتصر للحريات والديمقراطية والدولة المدنية».
لكن النائب المصري، مغاوري، له وجهة نظر أخرى يفسر بها موقف أردوغان. ويشير مغاوري أولا إلى كثير مما يتردد من لغط حول ما يقال عن أن لـ«أردوغان» أطماعا في استعادة الهيمنة القديمة للإمبراطورية العثمانية أو أنه يستخدم ملف الدول العربية والإسلامية لتحقيق مصالح له مع الغرب خاصة أميركا وأوروبا.
ويجيب النائب مغاوري قائلا: «علينا أن نعلم أن حزب العدالة والتنمية في تركيا جاء على ملف وفكرة سعي انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي. وهناك شروط لدى الاتحاد الأوروبي موضوعة أمام الجانب التركي لاستيفائها قبل قبول عضويته في الاتحاد. وحين وصل الأمر إلى طريق مسدود مع وجود حالة رفض لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، بدأت تركيا، عن طريق حزب أردوغان، تغازل وتسعى في الوقت نفسه للضغط على الجانب الأوروبي بناء على فكرة التوجه إلى الشرق، بما تمتلكه من تراث ديني أو تاريخي، واستدعاء الفترة العثمانية وما فيها من تراث، إلى درجة ظهور بعض المصطلحات مثل (العثمانلية الجديدة) وغيرها».
ويزيد النائب المصري أن تركيا ربما تريد أن تدخل الاتحاد الأوروبي بصفتها مفتاحا للشرق الأوسط أو الشرق الأوسط الكبير، وعلى أنها قوة ضاغطة وتمتلك المفاتيح. ويضيف: «إذا نظرنا إلى منطق كتاب الدبلوماسية التركية في المنطقة الذي أصدره أحمد داود أوغلوا (وزير الخارجية التركي) القائم على منهج (المشكلات صفر)، أي حل مشكلات المنطقة بكل تناقضاتها، فإن تركيا اصطدمت مع المنطقة نفسها ومع تركيبة هذه المنطقة».
ويتابع مغاوري أن تركيا اليوم «صنعت العديد من المشكلات ولم تعمل على حلها، وأصبحت طرفا مغذيا لجماعات إرهابية، وأصبحت سياسة أردوغان مع فتح الحدود واستضافة تنظيمات تعمل ضد دولها، محاولة لاستثمار الحراك السياسي في بعض البلدان العربية التي شهدت ما أطلق عليه (الربيع العربي)، وما تبعه من صعود لتيار الإسلام السياسي في المنطقة وتصدره المشهد، حيث أرادت تركيا، من خلال حكومة حزب العدالة والتنمية، أن تكون راعية لحكومات الإسلاميين في الدول العربية».
ويقول أحد الدبلوماسيين المصريين إن «المشكلة التي واجهت تركيا ربما تنحصر في معادلة جاءت بنتائج عكسية لشعوب ثورات الربيع العربي التي لم تكن لتمانع في تكرار النهج التركي في الحكم، في المرحلة الجديدة، إلا أن الإسلاميين في دول (الربيع العربي) كانوا يسيرون نحو تجربة النموذج الباكستاني». ويقول مغاوري: «لولا ثورة (30 يونيو) لدخلت مصر النموذج الباكستاني.. أي جماعات إرهابية وجيشا مرتبطا بأميركا».
وعن الوضع الراهن بين مصر وتركيا، يوضح مغاوري قائلا إن «الموقف في أي علاقات دولية إذا تجاوزت حدود السيادة، فإنها تكون قد دخلت في إطار آخر. ومن حق أي دولة أن تختلف على وضع معين في دولة أخرى، لكنها حين تتجاوز حق الاختلاف والنقد إلى التحريض، فإن هذا يتحول إلى موقف عدائي ينقل العلاقات الدولية والثنائية بين أي دولتين إلى حيز العداء، وهذا ما فعلته تركيا مع مصر».
وفي جلسات النوادي النيلية المسائية، يقول السياسيون المصريون، من قيادات حكومية وحزبية إن من حق تركيا أن ترفض أو تختلف مع المتغيرات في سياسة الدولة، أو تتعاطف أو تناصر وضعا بعينه، لكنها حين تتجاوز هذا، وتصل إلى حد تقديم الدعم إلى طرف بعينه في مواجهة طرف آخر تناصبه العداء، واستضافة مؤتمرات واجتماعات تنظيمية لـ«الإخوان»، فإن هذا موقف عدائي.
ويعلق مغاوري قائلا إنه عند هذه النقطة يكون من حق الدولة التي يقع عليها الضرر أن تتخذ ما تراه من الإجراءات الدبلوماسية المتعارف عليها لتحافظ على هيبتها.. «من أبسط الإجراءات، مثل استدعاء السفير، إلى حد طرده، وقد تصل إلى قطع العلاقات»، مشيرا إلى أن الموقف المصري الأخير من تركيا جاء تلبية لرغبة شعبية حقيقية، باعتبار السفير التركي في القاهرة شخصا غير مرغوب فيه، وكذلك تخفيض العلاقات الدبلوماسية إلى قائم بالأعمال وليس سفيرا، وذلك «استجابة لحالة الرفض الشعبي بمصر لمواقف أردوغان، لأن استمرار الفعل التركي في عدم وجود رد فعل مصري ينتقص من السيادة المصرية والمكانة المصرية في العلاقات الدولية».
لكن القاهرة لم تنتظر وواصلت إجراءات الرد على انتقادات أردوغان، وبعد أن سحبت سفيرها، عبد الرحمن صلاح، من هناك، صعدت الأمر بإبلاغ سفير تركيا في القاهرة حسين عوني بوتسلي، أنه بات شخصا غير مرغوب فيه، وعدت وزارة الخارجية المصرية تصريحات رئيس الوزراء التركي تدخلا في شؤونها الداخلية «فضلا عما تتضمنه من افتراءات وقلب للحقائق وتزييف لها بشكل يجافي الواقع منذ ثورة (30 يونيو)».
ومع ذلك لا يخفي البعض في الوسط الدبلوماسي المصري ارتياحه لموقف الرئيس التركي المعتدل تجاه مصر وقوله ما معناه إن البلدين لا يمكن أن يصل بهما الأمر إلى مرحلة القطيعة. كما توجد إشارات على مساع ووساطات إقليمية للتهدئة بين القاهرة وأنقرة.
وحين توترت العلاقة في الأيام الأخيرة بين مصر وتركيا جرى إلقاء اللوم على مناصري النظام السابق، واتهامهم بأنهم يستعينون بتركيا، وأن أردوغان أصبح رأس حربة لأنصار مرسي بتدخله في شؤون مصر. لكن أسامة رشدي، القيادي في «التحالف الوطني لدعم الشرعية» المؤيد لنظام مرسي، يرد قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن هذه اتهامات مفتعلة.. «لا علاقة لنا بمسار العلاقات المصرية - التركية.. تركيا لديها مشكلة تاريخية تتعلق برفض الانقلابات العسكرية، وعانت طويلا من الانقلابات العسكرية منذ الستينات إلى آخر انقلاب على حكومة أربكان سنة 1997، فهي لديها حركات تتبنى قيما أخلاقية تعبر عنها الحكومة التركية».
وتتهم جهات مصرية أيضا التيار الإسلامي المناصر لمرسي في مصر بالتعاون مع تركيا لرفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وغيره من قيادات عسكرية، إلا أن رشدي، الذي يشغل أيضا موقع المستشار السياسي لحزب «البناء والتنمية» الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، يقول إن المصريين هم من يقومون بإدارة هذا الملف، ولا علاقة له بتركيا ولا غيرها.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.