انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

التقديرات تساوي بين حظوظ «الآذاريين... 8 و14» بالحصول على 43 مقعداً من أصل 128

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال
TT

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان امتحاناً فعلياً لمختلف القوى السياسية، التي تخوض هذا الاستحقاق لأول مرة منذ تسع سنوات بعد الاتفاق على قانون جديد يعتمد على النسبية وإن كانت غير الكاملة، بحيث يرى المراقبون أن نتائجها لن تختلف كثيرا عن مفاعيل «الأكثري».
هذا الامتحان يضع مختلف الأفرقاء اللبنانيين أمام تحدٍّ يتمثل بشكل أساسي في معرفة قوّة التمثيل الشعبي بعد التغيرات التي أصابت الواقع اللبناني، وأهمها انفراط عقد الاصطفافات المتمثلة بفريقي «8 آذار» و«14 آذار». وهو ما يجعل كل القوى المعنية تبذل جهوداً مضاعفة؛ تحضيراً للاستحقاق والسعي للحصول على «الثلث المعطل»، وإن كانت النتائج في صورتها العامة، تبدو إلى الآن لصالح «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى وعلى حساب «تيار المستقبل» بالدرجة الثانية. ويبقى هناك هامش أساسي يرتبط بالتحالفات السياسية التي تتضح خريطتها أكثر في نهاية شهر مارس (آذار) الحالي، ومدى قدرة المعارضة الشيعية والمجتمع المدني على التوحّد رغم الصعوبة السياسية والمادية التي فرضها القانون العتيد.
لا تعوّل الجمعيات المعنية بمراقبة الانتخابات العامة المقررة في لبنان خلال مايو (أيار) المقبل على تغيير نيابي فعلي في البرلمان اللبناني، ما لم تُسجّل نسبة اقتراع مرتفعة من المحتجين والناقمين على كل الطبقة السياسية، بجانب توحّد الأطراف المعارضة والمجتمع المدني.
هذا الواقع جاء نتيجة القانون الجديد، الذي وإن كان يحمل عنوان «النسبية»، فإن مفاعيله ستكون «أكثرية» بالنظر إلى توزيع الدوائر الـ15، إضافة إلى الصوت التفضيلي، وهو ما أشارت إليه بشكل واضح «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» (لادي)، معتبرة أن القانون «يشوّه النسبية ويحوّلها إلى نظام أكثري يضعف دينامية التغيير بحدها الأدنى؛ وذلك بسبب اعتماد الدوائر الصغيرة والمتوسطة واعتماد العتبة الانتخابية المرتفعة، إضافة إلى الآلية المعتمدة في احتساب الأصوات، مع إمكانية تشكيل لوائح غير مكتملة».
ولفتت «لادي» إلى أنّ عدد المقاعد في مختلف الدوائر، بموجب القانون، يتراوح بين 5 مقاعد و13 مقعداً، مع «كوتا» (حصص) مذهبيّة ومناطقيّة وفقاً لتوزيع المقاعد في البرلمان الحالي؛ الأمر الذي يضعف كثيراً من مفعول النسبيّة ويحوّلها إلى نظام أكثري مبطّن. إلى ذلك، فإنّ الصوت التفضيلي في القضاء وليس الدائرة الانتخابية «يعيد المنافسة إلى المربع الطائفي المناطقي، كما يزيد من حدّة الزبائنيّة السياسيّة ويرفع حدة الخطاب الطائفي».
كذلك، أشارت «لادي» إلى أنّ العتبة الانتخابية في القانون الانتخابي، التي تختلف من دائرة إلى أخرى، موازية للحاصل الانتخابي وهي مرتفعة جداً (تتراوح بين 7 في المائة و20 في المائة بحسب عدد مقاعد الدائرة). ونبّهت إلى أنّ اعتماد اللوائح غير المكتملة (40 في المائة) من شأنه أن يؤدي إلى دفع الأحزاب المسيطرة في الدائرة الانتخابية إلى تشكيل عدد من اللوائح المختلفة؛ وذلك لإلغاء أي فرصة للمرشحين الآخرين في الفوز في الانتخابات. ثم إن طريقة احتساب الأصوات عبر دمج اللوائح وترتيب المرشحين من خلال عدد الأصوات التفضيلية التي حصلوا عليها تساهم في تحويل الانتخابات إلى معارك فردية بين المرشحين عوضاً عن معركة على البرنامج الانتخابي للّوائح المتنافسة، وتعطي الأولوية للمرشح على حساب لائحته.
ويتوقف المتابعون أيضاً عند الإنفاق الانتخابي المرتفع الذي يفوق الـ200 ألف دولار أميركي للمرشح الواحد، إضافة إلى رسم الترشّح المحدّد بثمانية ملايين ليرة (أكثر من 5 آلاف دولار أميركي)، وهو الأمر الذي يجعل الترشيح مقتصراً على المتموّلين.

«الثنائي الشيعي»... المستفيد
يؤكّد محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، أن القانون الانتخابي بصيغته الجديدة - التي وإن كانت نسبية فهي موزّعة على الدوائر - يأتي لمصلحة «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» بالدرجة الثانية، بينما تنعكس سلباً على «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي».
وفي حين يشدّد شمس الدين على أن الكلمة الفصل بنسبة كبيرة هي للتحالفات التي يفترض أن تُحسَم نهائياً خلال الشهر الحالي، فهو يرجّح أن عدد المقاعد التي سيحصل عليها الثنائي الشيعي ستصل إلى 33 مقعداً حداً أدنى. وانطلاقاً من تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية وحصر الصوت التفضيلي الواحد بالقضاء، يرجّح وصول 58 نائباً مسيحياً من أصل 64 بأصوات مقترعين مسيحيين.
في هذه الأثناء، رئيس الحكومة سعد الحريري رفض القول إن القانون الجديد سيقلّص حجم كتلة تيار «المستقبل»، وصرح بأن «البعض يعتقد أنه عبر قانون الانتخاب الجديد سيتمكن في مكان ما من أن يصغّر أو يقلّل من أهمية (تيار المستقبل)، لكن ليس هناك سوى صناديق الاقتراع التي يمكنها أن تثبت ذلك». على أي حال، وفق التوقعات قد يخسر «المستقبل»، الذي تضم كتلته اليوم 38 نائباً، ما لا يقل عن 12 مقعداً موزّعة على دوائر بيروت الثانية وطرابلس والبقاع الغربي وراشيا وصيدا. وتمثل الأولى والثانية أبرز المعارك الانتخابية أيضاً بالنسبة إلى «المستقبل». في المقابل، يخوض «الثنائي الشيعي» المعركة مرتاحاً لوضعه في معظم الدوائر، ربما باستثناء بعلبك – الهرمل، حيث قد يخسر فيها بين مقعد أو مقعدين؛ وهو الأمر الذي قد ينسحب على دائرة حاصبيا – مرجعيون - النبطية.

نحو «الثلث المعطل»
من جهة ثانية، يبدو واضحاً سعي الطرفين السياسيين الأساسيين اللذين كانا يمثلان ما عُرف بفريقي «14 آذار» و«8 آذار» للحصول على «الثلث المعطِّل»، وهذا رغم كل التغيرات التي طرأت على هذه الاصطفافات، انطلاقاً من أن الفُرقة السياسية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لا بد أن تتوّحد في القضايا الاستراتيجية، بحيث يكون «الثلث المعطِّل» السلاح الذي يواجه به كل طرف الطرف الآخر.
ومما لا شك فيه أن حصول أي فريق على «الثلث» - أي 43 نائباً من أصل 128 - يضمن التحكّم بمسار عمل مجلس النواب، وبخاصة في القضايا المهمة التي تحتاج إلى نصاب وأكثرية الثلثين، وأبرزها الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومع تأكيد مسؤول الإعلام والتواصل في «حزب القوات اللبنانية» شارل جبور «بأن ما يُطلق عليه وصف الفريق السيادي قادر على الحصول على نحو 50 مقعداً»، يشكّك المحلّل السياسي الشيعي قاسم قصير في حتمية نتائج الانتخابات، بينما يساوي شمس الدين بحظوظ الفريقين بالحصول على «الثلث المعطل». وفي حين يؤكد جبور أن «الثنائي الشيعي» وحلفاءه لا يمكن أن يحصلوا على أكثر من 40 مقعداً يرى شمس الدين، أن مقاعد «الثنائي الشيعي» المضمونة تقدر بـ33، وقد تصل مع الحلفاء إلى 43، مع الأخذ بعين الاعتبار التحالفات النهائية، بينما قد يصل رصيد «فريق 14 آذار» إلى هذا العدد إذا توسّعت دائرة التحالفات وشملت الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحزب الكتائب اللبنانية.
في مناطق «الثنائي الشيعي»، يرى قصير في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المعركة ستأخذ طابعاً جدياً، والنتائج ترتبط بقدرة المعارضة على التوّحد، وبالتالي مواجهة «حزب الله» وحركة أمل. ويضيف «ستكون معارك حقيقية ومرتبطة بشكل أساسي بتوحيد صفوف المعارضة الشيعية، وهي على مستويين: الأول يرتبط بالحاصل الانتخابي الذي يتطلب تجميع قوى لتأهل اللائحة إلى المرحلة الثانية، والمستوى الآخر يرتبط بحصول المرشح على أعلى نسبة من الأصوات في الصوت التفضيلي، وهذا يتطلب اختيار شخصيات لها ثقل شعبي».
ورغم الحديث عن وجود تململ شيعي في قاعدة «حزب الله» وحركة أمل تجاه الأسماء التي اعتمد ترشيحها، يقول شمس الدين: «هذه الحالة تنتهي بمجرد خطاب واحد... وهو ما انعكس بشكل واضح في كلام أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله، عندما دعاهم إلى محاسبة الحزب وليس النواب»، مؤكداً أن «الاقتراع هو لصالح الحزب وليس للمرشحين، كما أن الدليل على ارتياح الثنائي هو ترشيحه حزبيين وليس مناصرين».

تموضع «عوني» وسطي
خارج الاصطفافات السياسية يأتي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) على رأس ما يمكن اعتباره اليوم الفريق الثالث؛ نظراً إلى قربه السياسي من «حزب الله» من جهة ومن «تيار المستقبل» (أخيراً) و«القوات اللبنانية» من جهة أخرى.
الافتراق الانتخابي لـ«التيار» - الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون - مع «حزب الله» بات محسوماً بعدما أعلن «الثنائي الشيعي» توحيد صفوفهما في كل الدوائر، وبالتالي، استحالة وجود تحالف ثلاثي مع «التيار»، الخصم اللدود لحركة أمل.
من هنا يميّز كل من جبور وقصير بين موقع «التيار» العوني داخلياً وخارجياً. إذ يضع جبور «التيار» ضمن الفريق الوسطي إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي وعدد من الشخصيات التي تقترب في مواقفها مما يسميه «الفريق السيادي»، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، بينما يعتبر قصير «تيار» عون «بيضة القبان» لقربه في السياسة الداخلية من «المستقبل»، وفي السياسة الخارجية من «الثنائي الشيعي».
جبور يقول: «لا نتوهّم في احتساب (الوطني الحر) إلى جانب فريقنا، لكن بالتأكيد لا نرى أنه في صف الثنائي الشيعي. وخير دليل على ذلك المواقف الأخيرة لوزير الخارجية جبران باسيل، وكذلك مقاربة رئيس الجمهورية لموضوع النزاع الحدودي البحري الذي كان مخالفاً لموقفي (حزب الله) وحركة أمل في إصراره على اللجوء إلى التحكيم الدولي». ويوضح «تمايز (الوطني الحر) المحسوب على رئيس الجمهورية ينطلق من أسباب داخلية وخارجية، الأول منعاً للتصادم بين الأفرقاء، والثاني أن أي انحياز باتجاه فريق (8 آذار)، سيضع الرئاسة في مرمى المواقف الدولية».
وفي ضفة الفريق الثالث أيضاً، يرى شمس الدين أن «على المجتمع المدني كي يتمكن من الفوز بعدد من النواب في هذه الانتخابات، أن يتّحد، وأن يحوّل أصوات اقتراع الناس المحتجّة في الكلام إلى أصوات في صناديق الاقتراع. وهو إذا بقي مشتتاً ستكون مهمته صعبة في الانتخابات وسيخسر أمل الناس بقدرته على إحداث التغيير المطلوب»، مشيرا في الوقت عينه إلى الصعوبة المتمثلة في الإنفاق الانتخابي التي أتت على قياس الأثرياء والمتموّلين.

باب مفتوح للإنفاق
يشرح علي سليم، الباحث في «الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» الثغرات الأساسية في القانون الجديد حول الإنفاق الانتخابي، موضحاً «لقد حدد القانون سقفاً ثابتاً لكل مرشح هو 150 مليون ليرة لبنانية (نحو مائة ألف دولار أميركي)، إضافة إلى 150 مليون أخرى لكل مرشّح في اللائحة... أي ما مجموعه 300 مليون ليرة للمرشح الواحد، إضافة إلى سقف متحرك يرتبط بعدد الناخبين في كل دائرة على حدة، وهو ما حدّد بخمسة آلاف ليرة (نحو ثلاثة دولارات) عن كل مرشّح». من هنا، يصف سليم المبالغ التي يمكن لكل طامح إلى النيابة أن يصرفها في حملته بـ«الخيالية»، بجانب طبعاً المبلغ المطلوب من كل مرشّح أن يدفعه عند تقديمه الترشيح وهو 8 ملايين ليرة (أكثر من خمسة آلاف دولار)؛ وهو الأمر الذي يؤثر على تكافؤ الفرص ويقلّص من حظوظ المجموعات الصغيرة والمرشحين غير المدعومين مادياً وسياسياً وحزبياً.
وفي حين يلفت سليم إلى ما يصفه بـ«الثغرات في سياق مراقبة الإنفاق الانتخابي»، فإنه يشير إلى أن الجمعيات تواجه صعوبة في التواصل مع «هيئة الإشراف على الانتخابات». ويقول: «طلبنا من الهيئة عقد جلسة حوار حول آلية الإنفاق، لكننا لم نتلق تجاوبا». ويتابع: «المشكلة ليست فقط في السقف الانتخابي المرتفع، إنما أيضاً في غياب أو غموض آلية المراقبة الواضحة، أيضاً».
في المقابل، يردّ القاضي نديم عبد الملك، رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات، على هذه التساؤلات، مشدداً على «انفتاح الهيئة على أي تواصل ومناقشات مع الجمعيات المعنية في هذا الإطار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «نحن نتلقى يومياً أسئلة عبر موقعنا الإلكتروني، ونرد عليها بشكل دائم، شرط أن تكون موجهة من أصحاب الصفة». وحول عملية المراقبة، يوضح القاضي عبد الملك «وضعنا تصوراً شاملاً لهذه المهمة التي بدأ العمل عليها أشخاص مدرّبون، ويرتكز عملهم في المرحلة الأولى على مراقبة الإعلام والإعلان الانتخابي، ومن المفترض أن تبدأ التقارير بالصدور تباعاً». ويلفت إلى أن الحملات الفعلية تبدأ في الظهور بشكل أكبر في الأسابيع المقبلة.
هذا، وكانت الهيئة قد أوضحت بعض الأمور المتعلقة بحسابات المرشحين، بحيث يجب على كل مرشح ولائحة فتح حساب في مصرف عامل في لبنان يسمى «حساب الحملة الانتخابية». ولا يخضع «حساب الحملة الانتخابية» للسرية المصرفية، ويعتبر المرشح واللائحة متنازلين حُكماً عن السرية المصرفية لهذا الحساب بمجرد فتحه. ويجب أن تسلّم جميع المساهمات ودفع جميع النفقات الانتخابية عن طريق هذا الحساب حصراَ، وذلك خلال كامل فترة الحملة الانتخابية. كما لا يجوز قبض أو دفع أي مبلغ يفوق المليون ليرة إلا بموجب شك.
وأشارت الهيئة، إلى أنه عند تعذّر فتح حساب مصرفي، وتحريكه لأي مرشح أو لائحة لأسباب خارجة عن إرادة أي منهما، تودَع الأموال المخصصة للحملة الانتخابية للمرشح أو اللائحة في «صندوق عام» ينشأ لدى وزارة المالية، يحل محل الحساب المصرفي في كل مندرجاته. وللعلم، فإن الاقتراح الأخير، كان مخرجاً للعوائق المتعلقة بحسابات «حزب الله» المصرفية نتيجة العقوبات المفروضة عليه.
وهنا، يشدّد سليم على أن ثمة «صعوبة في المراقبة في غياب أمور أساسية من شأنها أن تفلت الإنفاق المالي من عقاله. من هذه الأمور ما يتعلق بحسابات المرشحين؛ إذ يفرض على المرشح أن ينشئ حساباً خاصاً خارج السرية المصرفية، بينما تبقى كل الحسابات المسجلة بأسماء أقربائه في منأى عن المراقبة. وهو ما قد يفتح الباب أمام صرف الأموال للحملات الانتخابية.

الإعلان والإعلام
وعلى صعيد الإعلام والإعلان الانتخابي، الذي بدأت حملاته تظهر وإن بشكل محدود، بات من الواضح مدى الإنفاق المالي في هذا الإطار. وهنا يميّز سليم بين الإعلام والإعلان، موضحاً «الإعلام هو الأخبار المتعلقة بالمرشحين وتغطية نشاطاتهم. ويفترض بكل وسيلة إعلامية أن تكون عادلة في معاملة جميع المرشحين... وهو جانب لا يتقيد به عدد كبير من الوسائل الإعلامية. أما الإعلان فهو الذي يرتبط بالمقابلات والترويج للمرشح»، ويلفت سليم في هذا المجال إلى أن وسائل الإعلام «تقدم رزماً من العروض للمرشحين، وهي تفوق الـ250 ألف دولار، وتتضمن مقابلات وتقارير خاصة في نشرات الأخبار وقت الذروة. وهذه أيضاً ستكون صعبة المنال بالنسبة إلى مرشحي المجتمع المدني على سبيل المثال أو المرشحين المستقلين». وهنا يشير سليم إلى إمكانية عقد «اتفاقات سرية» بين المرشحين ووسائل الإعلام؛ ما يجعلها خارج إمكانية المراقبة.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أن هناك نقطة إيجابية لصالح من لا يملك المال من المرشحين، متعلقة بإمكانية الظهور على تلفزيون لبنان الرسمي، وهذا ما أكد عليه أخيراً وزير الإعلام ملحم رياشي. ومع أن علي سليم أشاد بهذه الخطوة، فإنه يشير إلى أن المشكلة تكمن في قدرة التلفزيون الرسمي المحدودة بالوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.