الجيش الإسرائيلي يكتفي بتشديد نشاطه جنوبي سوريا ضد إيران وأذرعها

الإسرائيليون يسخرون من خطاب نتنياهو في ميونيخ ويعتبرون تهديده إيران منافسة مع حلفائه

نتنياهو يرفع قطعة من حطام طائرة مسيرة أثناء إلقاء خطابه في ميونيخ يقول إنها إيرانية سقطت في إسرائيل (أ.ف.ب)
نتنياهو يرفع قطعة من حطام طائرة مسيرة أثناء إلقاء خطابه في ميونيخ يقول إنها إيرانية سقطت في إسرائيل (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يكتفي بتشديد نشاطه جنوبي سوريا ضد إيران وأذرعها

نتنياهو يرفع قطعة من حطام طائرة مسيرة أثناء إلقاء خطابه في ميونيخ يقول إنها إيرانية سقطت في إسرائيل (أ.ف.ب)
نتنياهو يرفع قطعة من حطام طائرة مسيرة أثناء إلقاء خطابه في ميونيخ يقول إنها إيرانية سقطت في إسرائيل (أ.ف.ب)

واجه غالبية الخبراء الإسرائيليين ووسائل الإعلام تهديدات رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بضرب إيران مباشرة، خلال خطابه في المؤتمر الأمني في ميونيخ، وفي اللقاءات الصحافية بعدها، بالتعليقات الساخرة، لدرجة أن بعضهم قال إن «وزير الخارجية الإيراني، محمد ظريف، كان على حق عندما وصفه ببهلوانية السيرك». وأكدوا أن الجيش الإسرائيلي يضع سلم أولويات آخر، ويرى أن المعركة مع إيران ستدور على الأرض السورية بالأساس وربما لبنان، وترك إيران إلى آخر الاحتمالات. لكن قلة من الخبراء باركوا فكرة تهديد إيران مباشرة، قائلين إن قصر المعركة على سوريا لا يفيد شيئا، «لأن إيران مستعدة للتضحية حتى آخر لبناني وآخر سوري، لكنها لن تفرط بأي إيراني». لكنهم أعربوا عن عدم تصديق نتنياهو، واعتبروا خطابه «موجها بالأساس إلى الداخل الإسرائيلي».
وكان نتنياهو قد صرح بأن «إسرائيل لن تسمح للنظام بلف حبل الإرهاب حول عنقها». وأضاف: «سنتحرك إذا لزم الأمر ضد إيران نفسها وليس ضد وكلائها فحسب». وبعد ذلك قال إن «إيران تحاول تجاوز خطوط حمر. وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يكذب بأناقة». وخلال كلمته في المؤتمر، عرض نتنياهو أمام الحضور قطعة من الطائرة الإيرانية بدون طيار، التي تسللت إلى إسرائيل وتم إسقاطها في وقت سابق من هذا الشهر. وتوجه إلى ظريف مباشرة وسأله: «هل تعرفت على هذه؟ إنها لك. لا تختبروننا».
وقال الجنرال (احتياط) يعقوب عميدرور، إن تهديد نتنياهو المباشر بمهاجمة إيران، هو «أمر غير عادي ومن غير المقبول أن يهدد قادة الدول علنا بمهاجمة دولة ذات سيادة، ولكن المغامرة بهذا الشأن ضرورية». وأضاف: «حتى الآن كان الإيرانيون حذرين للغاية. كانوا مستعدين للقتال ضد إسرائيل حتى آخر لبناني، بل أحضروا من بعيد، من العراق وأفغانستان وباكستان - ميليشيات شيعية للقيام بالعمل القذر والخطير في سوريا بدلا عنهم. من الواضح أنه في إرسال طيارة مسيرة غيرت إيران من سلوكها وحطمت مسلمات واضحة. لقد تصرفت مباشرة ضد دولة إسرائيل. وبالتالي كان من الصحيح تحذيرها والتوضيح للإيرانيين بأنهم اجتازوا الخطوط الحمر، وأن عليهم أن يفهموا وجود ثمن لذلك. الكرة الآن في ملعب إيران. وسيكون من المثير معرفة ما إذا كانت على استعداد للمخاطرة بنفسها مباشرة، أو أنها ستكرر ما فعلته بشكل جيد: استخدام الآخرين لمصالحها الخاصة. من أجل التعامل مع إيران، يجب المخاطرة. التهديد أكبر من أن يتم تجاهله، وفي نهاية المطاف فإن صناع القرار يجلسون في طهران، وليس في أي مكان آخر».
وقال د. ايلي كرمون، وهو باحث كبير في معهد السياسة ضد الإرهاب في معهد السياسة والاستراتيجية في المركز متعدد المجالات في هرتسليا، إن «الاستراتيجية التي كانت تدفع بها القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في المواجهة مع إيران و(حزب الله) في الشمال – التهديد بـ(إعادة لبنان إلى العصر الحجري)، من خلال التدمير المكثف للبنى التحتية المدنية والتسبب بإصابات كثيرة للسكان اللبنانيين، ليست خاطئة وخطيرة وحسب، بل إنها غير ناجعة برأيي. واضح لكل مراقب مهني في البلاد وفي الخارج، بأن الحرب إن وقعت في الشمال، وإن تحقق تهديد حزب الله بقصف إسرائيل بعشرات آلاف الصواريخ بعيدة المدى، ومتوسطة وقصيرة المدى، بما في ذلك الصواريخ الدقيقة نحو أهداف استراتيجية، ستتسبب بتدمير مكثف للبنى التحتية المدنية وإصابات كثيرة، مئات وربما أكثر، بين مواطني إسرائيل أيضا. فقيادة حزب الله هي جزء لا يتجزأ من النظام في طهران، في النظرة الآيديولوجية والاستراتيجية حتى لو كان نشاط المنظمة، كذاك الذي في سوريا في السنوات الأخيرة، يعرض للخطر السكان اللبنانيين بشكل عام والشيعة بشكل خاص. وعليه فان عملية عسكرية إسرائيلية تتسبب بتدمير البنى التحتية المدنية في لبنان وموت آلاف المواطنين، لا يفترض أن تردع إيران وقيادة المنظمة المتمسكين بهدف إبادة إسرائيل. وسيكون نظام آيات الله مستعدا لأن يضحي حتى بآخر جندي من حزب الله، وبالمواطنين اللبنانيين وبلبنان كدولة مستقلة على مذبح مصالحه الاستراتيجية العليا، وحسن نصر الله لن يتردد في العمل وفقا للأوامر الإيرانية. من جهة أخرى، فان تدمير الجيش الإسرائيلي للبنان سيتسبب بالكراهية ضد إسرائيل على مدى الأجيال، ليس فقط من الطائفة الشيعية، بل وأيضا من السنة، المسيحيين والدروز؛ الطوائف التي يمكنها، في سيناريوهات معينة، أن تغير ميزان القوى داخل لبنان وإزاحة حزب الله عن مواقع القوة التي يحتلها. كما أنه لا شك بأن الأسرة الدولية لن تقبل بعدم اهتمام السياسة الإسرائيلية وستضغط على إسرائيل لإنهاء المعركة العسكرية. وبعد وقف النار، فإن الضغوط الدولية ضد خروقات القانون الدولي والاتهامات بالمذبحة وبقتل الشعب، ستعزل إسرائيل مرة أخرى في هذه الساحة. وعليه فيتعين على إسرائيل أن تردع إيران مباشرة من مغبة حرب الشمال المدمرة، وإن لم تمنعها تماما، فعلى الأقل تمنع سيناريو الرعب لإطلاق آلاف الصواريخ نحو أعماق إسرائيل. على التهديد العسكري أن يكون على مدن إيران، وعلى رأسها العاصمة طهران، التي ستدفع ثمن النار المكثفة للصواريخ التي لدى حزب الله على إسرائيل. على التهديد أن يكون يترافق وشرح شامل يتلقاه السكان الإيرانيون عن كل الأدوات التي تحت تصرف الدولة. الإيرانيون حساسون جدا لعدد المصابين بين قواتهم المرابطة في سوريا، ولا سيما وحدات الحرس الثوري، ولهذا فإنهم يفضلون أن يجندوا، ويمولوا ويطلقوا إلى هناك عشرات الآلاف من مقاتلي الميليشيات الشيعية».
ولكن هذا الرأي الذي يبدو مقنعا لكثيرين، يترافق مع الشكوك في صدق نتنياهو. فيقول محرر الشؤون العسكرية في «هآرتس»: «مع كل الاحترام الواجب للأحبولة الكامنة في عرض جزء من الطائرة بدون طيار الإيرانية أمام المشاركين في المؤتمر، والتوجه الساخر إلى وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف، فمن المؤكد أنه سيتم تسجيل هذين البيانين وتحليلهما في طهران ودمشق. قبل أكثر من سنة، وبعد وقت قصير من فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، بدأ نتنياهو بتغيير لهجته العلنية إزاء إيران. وفي سلسلة من الخطابات في الشهور التالية، وعد رئيس الوزراء بأن (كل من يهدد وجودنا يعرض نفسه لخطر الفناء). لكن نتنياهو يظهر وكأنه يتكاتب مع شركائه، منافسيه في الائتلاف. ففي نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، قدم الوزير نفتالي بينت، في كلمة ألقاها في المؤتمر السنوي لمعهد دراسات الأمن القومي، ما سماه (عقيدة رأس الأخطبوط) ودعا إسرائيل إلى تهديد إيران بشكل صريح ردا على التحركات الإيرانية في سوريا ولبنان. على هامش الأمور، يجدر التساؤل عما إذا كانت أحبولة نتنياهو قد وجدت آذانا صاغية في ميونيخ، أم أنها قصد بها جمهوره المتعاطف معه في البيت فقط. هذه سياسة لها ما يبررها تماما، بالنظر إلى المخاطر الأمنية، ولكن تظاهر رئيس الوزراء بالضحية، في ظل تسلل الطائرة الإيرانية بدون طيار، يبدو مفرطا إذا ما قورن بالظروف. ألم تفعل إسرائيل شيئا مشابها في أجواء جاراتها؟ ألم تتهم بتاتا بتحركات ذات طابع مماثل، حتى تجاه إيران؟»
وقال محرر الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ألكس فيشمان: يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام القادة وخبراء الأمن من جميع أنحاء العالم. لحسن حظه أن الناس الذين جلسوا أمامه في مؤتمر ميونيخ هم أناس مهذبون، لذلك لم يضحكوا بصوت عال. ولكن من المؤكد أنهم تساءلوا في قرارة أنفسهم: ما الذي يفترض أن يعنيه هذا العرض الطفولي؟ ما الذي يعينه إظهار إسرائيل كدولة بائسة؟ ففي نهاية المطاف، يعرف جميع الخبراء أن إسرائيل هي ثاني أكبر دولة في مجال الطائرات بدون طيار بعد الولايات المتحدة. وحسب مصادر أجنبية فإن الطائرات الإسرائيلية بدون طيار، حرثت سماء الشرق الأوسط آلاف المرات خلال العقود الماضية. إذن، ما هو ذلك الأمر المخيف لإسرائيل إلى هذا الحد في الطائرة الإيرانية غير المأهولة؟ لكن نتنياهو لم يتحدث إليهم، بل تحدث إلى الجمهور في إسرائيل، الذي لا يزال معجبا (بأحابيله). علينا أن نقول الحقيقة: لقد أصر الجيش الإسرائيلي على عدم شن هجوم شامل على منظومة المضادات السورية للطائرات، التي هددت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي في العامين الماضيين، واكتفى بهجمات منفردة وغير مهمة. والسبب بسيط: لقد تخوفوا هنا من أن يحصل السوريون على بطاريات أكثر تطورا من الروس بدلا من البطاريات التي سيتم تدميرها».
وقال محرر الشؤون الاستراتيجية في صحيفة «معريب»، يوسي ميلمان: «يجب أن نفرق بين العبوة والمضمون في خطاب نتنياهو. لقد كانت العبوة، كما هو الحال دائما، لامعة. اللغة الإنجليزية متقنة. الخدع والمحسنات البديعية تشير إلى الإبداع، رغم أنها متكررة. إن بهلوانيات نتنياهو الخطابية تؤثر في المستمعين بشكل رائع. ولكن: ستأتي لحظة يدرك فيها زعماء العالم أن خلف هذه البهلوانيات كلها، هنالك القليل من الفحوى، وسيدركون أن وزير الخارجية الإيراني، ظريف، الذي أحرجه نتنياهو، كان على حق حين أطلق على خطاب نتنياهو توصيف (السيرك). إن مهاجمة إيران على الأراضي الإيرانية قصة مختلفة تماما. لقد كنّا في هذا الفيلم، حين هدد نتنياهو وتوعد، ثم هدد وتوعد، بأن إسرائيل ستقوم بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. وفي نهاية المطاف، كما يعلم الجميع، فإن إسرائيل لم تهاجم، وبحسب مبلغ علمي، فهي لم تعتزم أيضا المواجهة، بل كان كل ما سعت إليه إسرائيل التهديد والقيام بعمل مسرحي يشبه النزالات في الشوارع «أمسكوا بي قبل أن أوسعه ضربا». إن مهاجمة أهداف إيرانية في سوريا يعد أمرا مختلفا. فإسرائيل تقوم بهذا منذ زمن. وبناء على أحاديث مع وزراء آخرين في مجلس الكابينت، بمن فيهم وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، يتضح لي بأن هذا الإصرار يتسم به جميع وزراء المجلس، وهو قاسم مشترك يجمعهم. الهدف الكامن وراء هذه التهديدات هو إقناع كل من إيران، سوريا، وروسيا، بأن إسرائيل قادرة على منع عودة الاستقرار في سوريا و(تخريب) الحفلة. حتى اللحظة يبدو أن إسرائيل تنجح في تحقيق هدفها. فالإيرانيون لا يجرؤون على إرسال مبعوثيهم إلى مناطق قريبة من الحدود مع إسرائيل، ولم يقوموا بإنشاء مخيمات للجيش الإيراني في سوريا، ولم يقوموا بنصب الصواريخ، كما أن الأدوات الاستخبارية المنشورة في الأرض لا تهدد إسرائيل. ولكن، من جهة أخرى، لا يبدو أن الإيرانيين سيتراجعون أولا. إنهم يواصلون، بثبات وإصرار، لا يقل عن إصرار إسرائيل، في السعي إلى تحقيق الأهداف والمصالح الخاصة بهم في سوريا. لم تأتِ ساعة الامتحان الحقيقية بعد».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.