ناشرون مصريون: حجم المبيعات لا يواكب عدد الزوار.. والروايات في المقدمة

جولة في أروقة معرض القاهرة للكتاب في دورته الـ49

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

ناشرون مصريون: حجم المبيعات لا يواكب عدد الزوار.. والروايات في المقدمة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

إقبال كثيف وحركة بيع متوسطة... عناوين جديدة وارتفاع ملحوظ في أسعار الكتب، غياب التنظيم، هذه أبرز سمات الدورة الـ49 من عمر معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي انطلق يوم 27 يناير (كانون الثاني) الماضي وتنتهي فعالياته يوم 10 فبراير (شباط) الحالي، تحت شعار «القوة الناعمة... كيف؟»، بينما حلَّت الجزائر ضيف شرف المعرض، وكان الكاتب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي شخصية هذه الدورة.
ويشارك في معرض الكتاب هذا العام 27 دولة، متمثلة في 849 ناشراً، من بينهم 10 أجانب، و367 ناشراً عربياً، و481 ناشراً مصرياً بمشاركة 10 مؤسسات صحافية و33 مؤسسة حكومية، وعدد من الناشرين الأفارقة.
«ثقافة» تجولت في أروقة المعرض خلال الأيام الماضية، ولاحظت أنه، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة من قبل الهيئة العامة للكتاب ورئيسها د. هيثم الحاج علي، في محاولة تسهيل مهمة الزائرين عن طريق خريطة تفاعلية توضح بدقة عدد وأماكن الأجنحة في المعرض وعددها 1194 جناحاً، و117 كشكاً لسور الأزبكية، ووجود عدد من الشباب المتطوعين لإرشاد الزوار، فإن المساحة الشاسعة للمعرض وتباعُد المسافات بين الأجنحة يرهقان الزائر وعادة ما تخيب آماله في الحصول على مبتغاه من المعرض إلا فيما ندر.
وعلى الرغم من أن المعرض هذا العام يرفع شعار «القوة الناعمة»، فإن الزوار لم يلمسوا قيمة هذا الشعار، لا سيما في بعض دور النشر التي قررت أن تعيد نشر ذخائر وكتب التراث وروايات كبار الأدباء الراحلين لتقدمها للشباب في حلة جديدة، على رأسها دار «الشروق» التي أعادت طبع أعمال عبد الرحمن الشرقاوي ومنها مسرحية «مأساة جميلة»، ورواية «الأرض»، و«الشوارع الخلفية» وعدد من الكتب الفكرية له، إلى جانب أعمال نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محفوظ. كما أعادت دار «نهضة مصر» نشر عدد من الكتب التراثية ومنها كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق، وكتب مصطفى أمين.
السير الذاتية والمذكرات
مثَّلَت كتب السير الذاتية والمذكرات ظاهرة استثنائية هذا العام حيث برزت عشرات العناوين التي تندرج تحت هذه الفئة، ومنها: «مذكرات عمرو موسى»، و«مذكرات محمد سلماوي»، و«مذكرات عالم الاجتماع سيد عويس»، و«مذكرات الكاتب الفلسطيني سميح مسعود»، و«مذكرات الفنانة شادية»، و«بدون سابق إنذار» لأنيسة حسونة، و«بعثة سيد قطب... الوثائق الرسمية»، و«العندليب والسندريلا.. الحقيقة الغائبة»، و«شفرة» أحمد حلمي، و«حليم.. أيام مع العندليب» لمفيد فوزي. أما الأعمال الكاملة فقد كان لها نصيب أيضاً لا سيما أعمال جمال الغيطاني، وسيد حجاب.
تراجع مشتريات الجامعات المصرية
بالحديث للناشرين المصريين فإنهم يجدون زيادة ملحوظة في جمهور المعرض لا تتناسب مع حجم المبيعات وأيضاً تراجع عدد الزوار العرب والأجانب للمعرض كان ملحوظاً. ظاهرة لافتة أيضاً كشفها الناشر فادي جريس، صاحب دار نشر «الأنجلو المصرية»، لـ«الشرق الأوسط»، بقوله: «هناك تراجع شديد في ميزانية الجامعات المصرية ومشترياتها من الكتب والمراجع العلمية في معرض هذا العام. وهذا ناجم عن تأثير المعارض الجامعية التي تقام داخل الحرم الجامعي على مدار العام، التي تجعل أي دار نشر تتحمل ما يزيد على 10 آلاف جنيها للمشاركة في هذه المعارض الثانوية فضلاً عن تكاليف الإقامة للعمال وغيرها، في حين أن حجم المبيعات يكون ضئيلاً ويؤثر بالسلب على معرض الكتاب وهو ما لمسناه هذا العام بشكل كبير». وأوضح جريس أن كتب علم النفس احتلت صدارة المبيعات في جناح «الأنجلو المصرية»، تلتها كتب الأطفال باللغة الإنجليزية.
فيما انتقدت الناشرة د. فاطمة البودي، صاحبة دار «العين»، غياب التنظيم والشفافية في التعامل مع الناشرين، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «وجدنا هذا العام عشوائية في التنظيم، إذ انتشرت أكشاك غير مرخصة تبيع كتباً مزورة بداخل المعرض تنافس الخيام والأجنحة وتستمر في العرض حتى العاشرة مساء في حين تغلق الأجنحة في الخيام الساعة السابعة. هذه الأكشاك تؤثر بشكل كبير على مبيعات دور النشر المصرية والعربية».
وشهد جناح مكتبة الإسكندرية إقبالاً كبيراً على سلاسل الكتب العلمية التي تتوافر بأسعار زهيدة لطلاب الجامعات والأكاديميين والباحثين منها سلسلة: «مراصد»، و«أوراق ودراسات مستقبلية»، إلى جانب الكتالوجات الفنية والمتحفية، وكتب المخطوطات والفلسفة، وأعداد مجلة «ذاكرة مصر المعاصرة» التي تقدم موادّ ومقالات عن تاريخ مصر خلال القرون الماضية.
الطبعات الشعبية
يقول خالد لطفي، مكتبة تنمية معرض القاهرة: «أهم معرض عربي ويعتبر بالنسبة لنا موسماً مهمّاً لبيع الكتب يعوض ركود العام كله»، ويضيف: «الروايات لا تزال متربعة على عرش المبيعات، خصوصاً الطبعات الخاصة بمصر، التي تطبعها (تنمية)، مع دور النشر العربية في طبعات شعبية مخفضة، ومن أهم الروايات التي تلقى رواجا لدينا هذا العام (ما وراء الشتاء) لإيزابيل الليندي، و(عشر نساء) للكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو، وعربيا تتصدر رواية (حمام الدار) لسعود السنعوسي التي أصدرنا منها طبعة خاصة لمصر، أقل من 30 في المائة من السعر الأصلي لها، مما جعل عليها إقبالاً كبيراً».
الجناح الفلسطيني
في الجناح الفلسطيني تتصدر صورة المناضلة الفلسطينية عهد التميمي صدر الجناح، ويلاحظ الزائر حجم الاهتمام المصري بالجناح والإقبال عليه. الكاتب ناجي الناجي، مدير المركز الثقافي والإعلامي بسفارة فلسطين، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن معرض القاهرة للكتاب صار ملتقى للأدباء والمثقفين الفلسطينيين، حيث توجد حالة تلاحم أدبي وثقافي وفكري مصري فلسطيني. وفي كل عام يتكرس الوجود الثقافي الفلسطيني بمشاركات أدباء وشعراء سواء من فلسطين أو من أرض المهجر. هذا العام شارك زياد خداش وربعي المدهون، وفاتن الغرة، وغياث المدهون، ومهيب البرغوثي، ورغم عدم تمكن مي حجي من الوصول للقاهرة عبر معبر رفح، فإن أصدقاءها أقاموا لها حفلَ توقيع، ووقَّعوا عنها.
جناحا الأزهر والسعودية
كان جناح مؤسسة الأزهر من أكبر أجنحة المعرض هذا العام، حيث ضمَّ إصدارات مجمع البحوث الإسلامية ومجلس حكماء المسلمين ومرصد الأزهر العالمي. وشهد الجناح إقبالاً كبيراً من مختلف الجنسيات من زوار المعرض، خصوصاً لوجود «ركن الفتوى». ورفع جناح الأزهر شعار «2018 عام القدس»، وقدَّم لزوراه مطبوعات وأسطوانات مدمجة تُعرف بتاريخ زهرة المدائن، وزودهم بنشرات عن مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي عُقِد أخيراً.
أما جناح المملكة العربية السعودية فكان أكبر أجنحة الدول المشاركة بالمعرض، وقدم فعاليات وأنشطة اجتذبت زوار المعرض، وإصدارات قيمة من 42 دار نشر ومؤسسة حكومية.
سور الأزبكية الأكثر إقبالاً
واجتذبت مكتبات سور الأزبكية جمهور المعرض من مختلف الفئات العمرية والمستويات الاجتماعية، نظراً لأسعارها الزهيدة التي لا تُقارَن بالارتفاع الجنوني في أسعار الكتب والمراجع والمجلدات. أما أرفف جناح الهيئة العامة للكتاب ومكتبة الأسرة والمركز القومي للترجمة فقد كانت تُفرغ فور رص الكتب عليها بسبب انخفاض أسعارها الكبير حيث يمكن الحصول على كتب بأقل من 10 جنيهات، رغم من قيمتها الفكرية الكبيرة. ووفقاً لمحيى الدين عبد المنعم، المسؤول عن جناح مكتبة الأسرة بالهيئة العامة المصرية للكتاب، أكد أن المبيعات كانت تتخطى في اليوم الواحد حاجز 150 ألف جنيه، وأن الإقبال كان ملحوظاً على الكتب الفكرية والعلمية والأدبية والفكرية.
وفيما بدت أجنحة الناشرين العرب في سرايا ألمانيا «أ» و«ب» شبة خاوية من الزوار لارتفاع أسعار الكتب والشحن، فإن علي القائم على جناح دار الآداب اللبنانية، أشار إلى أن المبيعات متوسطة وهي تتواكب مع غلاء الأسعار في مصر والدول العربية أيضا، إذ إن ارتفاع الأسعار بات ملحوظا في كل الدول. من جانبه، أكد الناشر محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، أنه لم يتلق شكاوى من الناشرين العرب، مشيراً إلى أن حجم المبيعات أفضل من العام الماضي. ولفت إلى أن الروايات لا تزال تحتل الصدارة.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه
TT

جائزة الشاعر حامد بدرخان لمحمد علي طه ومحمد شيخ عثمان

محمد علي طه
محمد علي طه

تزامناً مع الذكرى الثلاثين لرحيله، التي تصادف 29 أبريل (نيسان) أعلنت اليوم لجنة جائزة الشاعر الكردي السوري حامد بدرخان عن أسماء الفائزين في دورتيها لعامي 2025 و2026.

وقد ارتأت اللجنة منح الجائزة في دورتها لعام 2025-2026 للشاعر محمد علي طه، «تقديراً لدوره الإبداعي في مجال الشعر، ولمواقفه الإنسانية إلى جانب حضوره الثقافي الفاعل»، كما منحت اللجنة الجائزة في دورتها لعام 2026 للشاعر محمد شيخ عثمان، «الذي عُرف بقربه من الشاعر الراحل ومرافقته له في مسيرته الأدبية حتى وفاته».

ويعد الشاعر حامد بدرخان (1945–1996) أحد أبرز الأصوات الشعرية في الأدب الكردي في سوريا، وقد كتب باللغات الكردية والتركية والعربية (إلى جانب إتقانه الفرنسية) وترك أثراً واضحاً في التجربة الشعرية الحديثة بصفة عامة.

تألفت لجنة الجائزة للدورتين الأخيرتين من كل من: د. هفال ميرو، والدكتور ولات محمد، والشاعر إبراهيم اليوسف.

ومحمد علي طه شاعر من مواليد دمشق 1937، عمل في التعليم منذ 1962، وبدأ كتابة الشعر مبكراً ونشره في الصحف، وشارك في أمسيات أدبية عديدة. أصدر ديوان قمر إلى فهد (1995) واليمامة (2013)، إضافة إلى كتب فكرية وسردية، وحافظ على حضور ثقافي وسياسي متواصل.

محمد شيخ عثمان

أما محمد شيخ عثمان فهو من مواليد 15 يناير (كانون الأول) 1946، نشأ في ظروف قاسية وانتقل إلى حلب حيث تابع دراسته وعمله، وعمل في جامعة حلب ابتداء من عام 1973. جمع في حياته بين العمل والدراسة، وشارك في النشاط الشعري، وأصدر مجموعته «ملهاة التجدد والأيام» عام 1996، وارتبط بعلاقة وثيقة مع حامد بدرخان منذ 1982 حتى وفاته.

وكانت جائزة حامد بدرخان للشعر قد أُطلقت في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2009 وتُعد واحدة من الجوائز التي يشرف عليها الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الكرد في سوريا، وقد مُنحت منذ تأسيسها لعدد من الشعراء السوريين والكرد، وهم، علي كنعان ومنذر مصري، ومها بكر، ورشيد عبد المجيد، ونازلي خليل، وصبحي حديدي، فرج بيرقدار، وفواز قادري 2016، محمد علاء الدين عبد المولى، وحسين حبش.


مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).