وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

آصف أكد لـ {الشرق الأوسط} استمرار بلاده في دعم كفاح شعب كشمير... وشدد على متانة علاقة بلاده مع السعودية

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني
TT

وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني

شدد خواجه محمد آصف وزير الخارجية الباكستاني، على أن اتهام بلاده بدعم الإرهاب في أفغانستان بعيد عن الحقيقة، مؤكداً أن بلاده تدفع ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان.
وأضاف آصف في حوار مع «الشرق الأوسط» أن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان، مشيراً إلى أن بلاده قدمت مقترحات كثيرة إلى أفغانستان لإدارة فعّالة للحدود.
وعن نزاع كشمير، أوضح آصف في إجاباته عن أسئلة «الشرق الأوسط»، التي أرسلتها له عبر سفارة باكستان بالرياض، أنه معضلة ذات أجندة غير منتهية من التقسيم ويمثل جوهر النزاع بين باكستان والهند، مشيراً إلى ضرورة تطبيق حق تقرير المصير للشعب في كشمير وفق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مؤكداً استمرار بلاده وشعبها في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية.
واعتبر وزير الخارجية الباكستاني، أن قرار الولايات المتحدة بتحويل سفارتها إلى القدس يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وسيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ويعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
وقال إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وتؤكد الدعم الكامل لها في هذا الصدد. وفيما يلي نص الحوار:
- ما زالت قضية كشمير تشكّل المعضلة الكبرى... ما الرؤية الباكستانية لحلها؟
- نزاع كشمير أجندة غير منتهية من التقسيم، وأقدم نزاع في مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة، ولا شك أنه جوهر النزاع بين باكستان والهند، ويلزم حله بناء على قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة. وسيستمر شعب وحكومة باكستان في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية، خصوصاً حق تقرير المصير المنصوص، عليها في قرارات الأمم المتحدة.
- بعض المراقبين يتهمون باكستان بالمسؤولية عن دعم الإرهاب - في أفغانستان... ماذا تقول في ذلك؟
- لا شيء يمكن أن يكون أبعد من الحقيقة من هذا الاتهامات الشائنة، فباكستان تؤمن بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجميع البلدان، ولا سيما أفغانستان.
ونريد أن تكون لدينا علاقة مع أفغانستان تتناسب مع البلدان المجاورة ذات السيادة. وفيما يتعلق بالصراع الداخلي في أفغانستان، كنا نرغب دائماً في عملية سلام بقيادة أفغانية خالصة.
وباكستان لجأ إليها أكثر من 3 ملايين أفغاني منذ أكثر من 3 عقود، ونحن مجتمع استضافة نموذجي في هذا الصدد، ما يعكس التزامنا بتحقيق رفاه الشعب الأفغاني.
ولكننا أيضاً دفعنا ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان، ولو كان هناك سلام في أفغانستان لكانت باكستان نجت من ويلات الإرهاب والتطرف والمخدرات والأسلحة غير المشروعة. ولذلك، من الواضح تماماً لأي مراقب منطقي أن تحقيق السلم والأمن والازدهار في أفغانستان من مصلحة باكستان.
ولذلك فإن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان. كما أننا لا نريد لأي بلد أن يستخدم الأراضي الأفغانية ضدنا. ولضمان ذلك، نواصل اتخاذ الخطوات اللازمة في أراضينا ونطالب بتبادلها عبر الحدود الغربية أيضاً. وقدمت باكستان أيضاً مقترحات كثيرة إلى أفغانستان من أجل إدارة فعالة للحدود، وهي أمور حاسمة لتحقيق أهدافنا. وما زلنا نأمل في تعاونها.
ووضعت باكستان «السلام من أجل التنمية» مبدأ محدداً للسياسة الخارجية. وتتوقف رؤيتنا للحياة السلمية على مبادئ بناء علاقات تعاونية وحسن جوار مع جميع البلدان الإقليمية، على أساس الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة.
- ما موقف باكستان من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بنقل عاصمة إسرائيل إلى القدس؟
- شعب وحكومة باكستان يشعران بقلق بالغ إزاء قرار الولايات المتحدة تحويل سفارتها إلى مدينة القدس الشريف المحتلة، ما يغير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة. ونعتقد أن مثل هذه الخطوة ستشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي خصوصاً قرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980.
إن هذا التحرك لن يتغلب على عقود من توافق الآراء العالمي حول هذه المسألة فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ما يعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
ولذلك تعارض باكستان نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشريف وتؤيد تماماً البيان الختامي الصادر أخيراً عن منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن هذه المسألة.
- تحالف دعم الشرعية في اليمن يقوم بدور مهم، وباكستان إحدى الدول التي لها دور في ذلك التحالف، كيف تنظرون إلى حل الأزمة اليمنية؟
- نشعر بالألم إزاء الصعوبات التي يواجهها إخواننا وأخواتنا اليمنيون. واعترف المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، باعتبارها الحكومة الشرعية لشعب اليمن.
إن تحالف الدول الداعمة للشرعية في اليمن يبذل جهوداً لاستعادة الأوضاع الطبيعية للبلاد. وتقوم دول التحالف بقيادة السعودية، من خلال ذراعها الإنسانية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بعمليات إغاثة جديرة بالثناء داخل اليمن.
والقرار الأخير الذي اتخذه الائتلاف بفتح جميع موانئ اليمن للمساعدة الإنسانية والشحن التجاري هو في الواقع خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. وهو ما يدل على حقيقة أن قوات التحالف تعتبر المساعدة الإنسانية للشعب اليمني عنصراً مهماً في سياستها الرامية إلى إضفاء الطابع الطبيعي على اليمن.
وتؤيد باكستان أن حل الأزمة اليمنية من خلال الوسائل السياسية، والحوار والمفاوضات وحسن النية، كل ذلك مطلوب لتحقيق ذلك، ثم ينبغي أن تقود المحادثات إلى طريق عودة السلام إلى اليمن.
- تابعتم اغتيال الرئيس السابق علي عبد الله صالح، برأيكم ما التحديات التي قد تمنع جهود حل في اليمن؟
- كان الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح رئيساً لحزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن، وقتله حادث مؤسف. ونعتقد أن العنف يولد العنف، إذ يقوض هدف حل المسائل السياسية عن طريق الحوار والمفاوضات.
إني متفائل، ونقول في الدبلوماسية إن لكل مشكلة حلاً يمكن تحقيقه من خلال المباحثات والخطابات المستمرة. وفي اليمن، تنبغي إعادة بدء عملية الحوار، وتشجيع جميع أطراف النزاع على الدخول في حوار يستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومبادرة السلام الخليجية. لذلك نحث جميع الأطراف في اليمن على العمل وفقاً لقرارات الأمم المتحدة والوفاء بالتزاماتها واستئناف محادثات السلام.
- كيف ترى الوضع في سوريا؟ وما رؤيتك لحل هذه الأزمة؟ وما التحديات التي قد تمنع مثل هذه الجهود؟
- الوضع الإنساني في سوريا يحتاج إلى اهتمام إضافي عاجل من المجتمع الدولي، فملايين السوريين إما أنهم مشردون داخلياً أو هاجروا إلى بلدان في الجوار، والحالة صعبة وثقيلة على الضمير الجماعي للإنسانية.
تؤمن باكستان بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى. إن موقفنا من الوضع في سوريا يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقواعد السلوك فيما بين الدول، وندعو إلى حماية سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، ووقف الأعمال القتالية والعنف من جميع الأطراف. ونؤيد كل الجهود المبذولة لتسهيل التوصل إلى تسوية شاملة وسياسية للقضية السورية، واستعادة السلام والاستقرار، والحفاظ على مصالح الشعب السوري.
ونعتقد أن عملية المصالحة السياسية التي يقودها السوريون هي السبيل الوحيدة لتحقيق السلام الدائم في ذلك البلد.
إن المحادثات بين السوريين حاسمة لتحقيق المصالحة السياسية. ونأمل أن يبدي الطرفان المرونة اللازمة لإنهاء خلافاتهما.
وتحقيقاً لهذه الغاية، ندعم ونؤيد عملية جنيف للسلام واتفاقات آستانة لوقف إطلاق النار، ونأمل أن تتوصل جميع الأطراف إلى تسوية تفاوضية للأزمة في سوريا، وأن تعمل جميع الأطراف في سوريا وفقاً لقرار الأمم المتحدة، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تستأنف محادثات السلام، وتبدأ العملية السياسية.
- كيف تنظرون إلى الأزمة القطرية؟
تعلق باكستان أهمية كبيرة على علاقاتها الوثيقة مع بلدان الخليج، ومن هذا المنطلق فإن الأزمة الراهنة في المنطقة مصدر قلق بالغ لنا. ومن المعروف أننا نقدّر بشكل كبير علاقاتنا الأخوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ونتطلع دائماً إلى تعزيز هذه الروابط.
وكما تعلمون خلال السنوات القليلة الماضية، عانت المنطقة كثيراً من الاضطرابات السياسية وعدد من التحديات الأمنية. ونرى أن الحفاظ على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي هو مفتاح ضمان السلام والاستقرار الإقليميين على المدى الطويل. وتود باكستان أن ترى حلاً ودياً للأزمة عن طريق الحوار، وأن يتم التوصل إلى حل تفاوضي للأزمة الحالية وفق ميثاق مجلس التعاون الخليجي.
- ما تقييمك للعلاقات السعودية - الباكستانية؟ وما مجالات التعاون بين البلدين؟
- تتمتع باكستان والسعودية بعلاقات وثيقة وأخوية متجذرة في القيم الدينية والثقافية المشتركة. في قلوب الباكستانيين مكانة خاصة للقيادة السعودية، والشعب الباكستاني يبدي تقديراً كبيراً لخادم الحرمين الشريفين.
وتستند العلاقة أيضاً إلى الثقة المتبادلة العميقة والتطلعات المشتركة لشعبي البلدين، وهو ما يتضح من تشابه وجهات النظر بشأن كثير من القضايا الإقليمية والدولية.
ويؤيد البلدان أيضاً بعضهما بعضاً في منظمات دولية مختلفة من ضمنها الأمم المتحدة.
إن علاقاتنا شاملة، بما في ذلك العلاقات الأمنية والعلاقات الاقتصادية القوية، ونعمل معاً لتحسين العلاقات التجارية، فضلاً عن تطوير التعاون الوثيق من أجل تحقيق أهدافنا الإنمائية.
وللبلدين كثير من المكاسب من هذا التعاون، حيث تبدأ السعودية بتنفيذ رؤية 2030 وباكستان ستنمو من خلال الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.
- كيف ترى الجهود السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؟
- السعودية دولة رائدة في الشرق الأوسط وخارجها. ولها شرف وفخر فريدان بكونها أرض الحرمين الشريفين. الشعب في باكستان والمسلمين في جميع أنحاء العالم لديهم كثير من التقدير والتبجيل للمملكة. وبطبيعة الحال، فإن جميع الدول الإسلامية تتطلع إلى المملكة، ومنظمة التعاون الإسلامي تتخذ من جدة مقرا لها.
إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. ونحن نؤكد لقيادة المملكة وشعبها، دعمنا الكامل في هذا الصدد. ونثني على المملكة لكونها في طليعة الدول بالتحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب. ونقدر تقديراً عالياً جهود وتفاني ولي العهد في إطلاق هذه المنصة الموحدة للبلدان الإسلامية التي نأمل أن تتصدى بفاعلية لخطر التطرف والإرهاب الذي يشوه جوهر الإسلام الحقيقي.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.