الإسراف الأميركي دون حساب للمستقبل

الأنباء الاقتصادية السارة ليست كذلك في الواقع

عملاء وموظفون في بورصة نيويورك اثناء التعاملات أول من أمس (أ.ف.ب)
عملاء وموظفون في بورصة نيويورك اثناء التعاملات أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

الإسراف الأميركي دون حساب للمستقبل

عملاء وموظفون في بورصة نيويورك اثناء التعاملات أول من أمس (أ.ف.ب)
عملاء وموظفون في بورصة نيويورك اثناء التعاملات أول من أمس (أ.ف.ب)

في عام 1930، كان جون ماينارد كينز يشعر بالقلق، ولكن ليس بسبب الأحداث غير السارة التي بدأت في العام السابق ومن شأنها أن تستمر لفترة طويلة بما فيه الكفاية لتصبح معروفة عالمياً باسم الكساد العظيم، ولكن الأمر الذي أزعج الاقتصادي البريطاني الكبير كان «أن الإنسانية تستطيع حل مشكلاتها الاقتصادية».
وفي مقاله المعنون «الإمكانات الاقتصادية لأحفادنا»، حاول السيد كينز تبديد التشاؤم من خلال الافتراض بعدم نشوب حروب مهمة ولا زيادة كبيرة في عدد السكان، فإن المشكلة الدائمة للجنس البشري -وهي الكفاح الدائم من أجل الكفاف- قد تجد طريقها للحل. وهذا من شأنه، كما حذّر السيد كينز، أن يسبب الإرباك في التوصيلات العصبية للجنس البشري، نظرا إلى أن البشر قد تطوروا عبر آلاف السنين من خلال منظمة مستدامة من التعب والإجهاد والمعاناة. والعادات والغرائز البشرية الأساسية غير متناسبة تماماً مع مستقبل مفعم بالترفيه والوفرة والراحة.
ولأننا تطورنا كمخلوقات تسعى للكثير من الكد والاجتهاد والقليل من المتع والدعة، لذلك، لا بد من تقسيم العمل، ربما على مناوبات ثلاثية يومية، و15 ساعة من العمل الأسبوعي المستمر بهدف إبقاء الناس منشغلين على الدوام.
ثم اندلعت أسوأ الحروب في تاريخ البشرية، كما ارتفعت أعداد سكان الأرض بشكل لم يسبق له مثيل، فضلاً عن الخصوبة البشرية الهائلة في كل أرجاء الكوكب. ولا يزال الناس يكدحون ويعانون حتى اليوم.
وفي عام 1943، توقع بول سامويلسون، الذي سوف يصبح من أبرز خبراء الاقتصاد الأميركيين وينال جائزة نوبل، مجيء السلام برفقة نُذُر الشؤم والخراب. حيث تتسبب الأشياء الجيدة –مثل تسريح أكثر من 10 ملايين مجند من الخدمة العسكرية، وعدم انشغال الاقتصاد بإنتاج أدوات التدمير العاتية– في نتائج مريعة. لسوف نواجه أكبر فترة شهدها التاريخ من البطالة والنزوح الصناعي الهائل بأكثر مما شهد أي اقتصاد على الإطلاق. وبالنسبة إلى أي اقتصاد، وبلا أي استثناءات، فإن ما حدث في العالم اليوم ليس إلا طفرة ما بعد انقضاء الحرب الكبرى.
ويشير هذا التنزه اليسير عبر أروقة الذاكرة إلى قاعدة مهمة: أن كل الأنباء هي بالأساس أنباء اقتصادية، ذلك لأن الاقتصاد يؤثر فعلياً على كل شيء، أو هو يكشف عن التوجهات أو السلوكيات التي سوف تؤثر حتماً عليه. وكل الأنباء الاقتصادية هي أنباء سيئة، ولا سيما الجيد منها، ذلك أنها تسفر عن تصاعد في السلوكيات السيئة.
- أنباء سارة تثير القلق
ولنأخذ في الاعتبار عنوان صحيفة «وول ستريت جورنال» الأخير: «انخفاض المدخرات الأميركية في الأوقات الجيدة». ويبدأ المقال بالعبارة التالية: «ارتفاع أسعار الأسهم وتحسن فرص العمل» -أليست أنباء سارة؟ ولكنها محزنة للغاية- «قد تسببت في حالة من البذخ والإسراف في إنفاق الشعب الأميركي ذلك لأنها تفصلهم تماماً عما يجب أن يدخروه ويحتفظوا به للتقاعد والأيام الكالحة». وما بين عام 2008 والربع الثالث من عام 2017، ارتفعت القيمة الصافية للعائلات الأميركية (the net worth of U.S. households) من 56 تريليون دولار إلى 97 تريليون دولار (أليست أنباء سارة؟ وتذكروا أن هذا مجرد تناقض لفظي ليس إلا)، ولكن الاهتزازات الاقتصادية العنيفة التي وقعت في العقد الأول من القرن العشرين وأواخر التسعينات كانت تسبقها فترات مزدهرة من ارتفاع قيم الأصول وانخفاض واضح في المدخرات.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سجل معدل الادخار العائلي الأميركي أدنى مستوياته (بواقع 2.4 نقطة مئوية من الدخل المتاح) منذ معدلات الادخار السلبية المسجلة في عامي 2005 و2006، قبل انفجار فقاعة الإسكان في الولايات المتحدة. والعديد من المواطنين الأميركيين، متغافلين تماماً عن الحقيقة الأزلية الأكيدة «أنه ما من شيء يدوم إلى الأبد»، عمدوا إلى «تسييل» الأسهم المنزلية التي بحوزتهم إلى أموال بغية تمويل الاستهلاك الفوري. واليوم، بعد مرور 104 أشهر على التعافي من الركود الكبير الذي بدأ في يونيو (حزيران) لعام 2009 (عندما كان معدل الادخار يبلغ 6.6 نقطة مئوية)، لا تزال 2.5 مليون من المنازل تساوي قيمة هي أقل من القيمة المستحقة على الرهون العقارية.
واعتباراً من عام 2013، ليست هناك مدخرات تقاعدية لنسبة 45% من الأسر في سن العمل. والضمان الاجتماعي (بمتوسط الدفع السنوي البالغ 15500 دولار)، والذي يوفر 33% من الدخل السنوي لكبار السن، و90% للثلث الأدنى من المتقاعدين، ويمثل 35% فقط من دخل ما قبل التقاعد للأسر النموذجية، أصبح خلال العام الماضي أول برنامج حكومي يبلغ حد التريليون دولار سنوياً في الولايات المتحدة. وفي ظل غياب الإصلاحات، فسوف يبلغ الصندوق الائتماني للضمان الاجتماعي حد الاستنفاد بحلول عام 2035، وسوف يتعين خفض المنافع بواقع 23%.
وكشفت دراسة أُجريت عام 2015 بواسطة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركية أن نصف مَن شملتهم الدراسة أفادوا بأنهم لا يمكنهم ادخار 400 دولار لمواجهة حالات الطوارئ المفاجئة، وأفاد ثلث آخر بأنهم لا يستطيعون مجرد بيع الأصول، أو الاستفادة من مدخرات التقاعد، أو طلب المساعدة من العائلة أو الأصدقاء لتغطية 3 أشهر فحسب من الإنفاقات الأساسية.
وبحلول عام 2017، انخفض متوسط مدخرات الأسر (14500 دولار) بالنسبة إلى أولئك الذين يقتربون من سن التقاعد بنسبة 32% خلال 10 سنوات، وللمرة الأولى، ارتفعت ديون البطاقات الائتمانية للمواطنين الأميركيين الأكبر سناً مقارنةً بالبالغين والشباب منهم. وبين عامي 2003 و2015، زادت مديونية أصحاب الفئة العمرية بين 50 إلى 80 عاماً بنسبة 60%. واليوم، يعاني أصحاب الفئة العمرية بين 65 و74 عاماً من الديون بواقع 5 أضعاف عما كانت تعانيه نفس الفئة العمرية قبل 20 عاماً مضت.هل تتساءلون الآن: كيف أصبح مثل هذا السلوك طبيعياً ومعتاداً لهذه الدرجة؟ قد تكون الإجابة التالية شافية على نحو جزئي:
يَعتبر المواطن الأميركي أن «إرجاء» الإشباع أمر غير طبيعي ولا مستساغ، وهو في الحقيقة كذلك. وفي وقت من الأوقات، رغم كل شيء، كان الادخار يعد فضيلة من الفضائل المعتبرة. إذ كان الناس يجلسون إلى موائدهم يحسبون كيفية ضبط الإنفاقات بالنسبة إلى المعيشة والتقاعد على حد سواء بما يتسق ويتناسب مع ما يحققونه من دخل. ولكن في خاتمة المطاف، قرر الكثير من الناس أن هذا ليس ممتعاً في شيء على الحقيقة. وبدلاً من ذلك، اتجهوا إلى فصل قرارات الإنفاق على المتع والترفيه عن الحقائق الواقعية الموجعة بشأن الموارد المتاحة، وبالتالي صاروا يعيشون بنفس الطريقة التي تعيش بها الحكومة الفيدرالية!
- خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}


مقالات ذات صلة

كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

كيف نجت الأسهم الأميركية من صدمة النفط التي ضربت أوروبا واليابان؟

في أعقاب تداعيات الحرب الإيرانية، واصلت الأسهم الأميركية الحفاظ على أدائها بشكل أفضل مقارنة بنظيراتها في الأسواق العالمية الأخرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد رموز الأسهم وأرقام السوق على شاشة في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجع العقود الآجلة الأميركية مع ارتفاع النفط وإعادة تسعير الفائدة

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية مع تصاعد حدة الصراع في الشرق الأوسط وتهديد البنية التحتية للطاقة، مما أدَّى إلى ارتفاع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يسير أشخاص في الحي المالي حيث مقر بورصة نيويورك في مانهاتن (أ.ف.ب)

مستويات قياسية لعوائد الخزانة الأميركية وسط مخاوف من «صدمة تضخمية»

سجَّلت عوائد سندات الخزانة الأميركية مستويات مرتفعة جديدة منذ عدة أشهر يوم الاثنين، مع استمرار تصاعد الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يلقي كلمة خلال قمة البنية التحتية لعام 2026 (أرشيفية - رويترز)

واشنطن تضغط على عمالقة النفط لزيادة الإنتاج المحلي وكسر حصار «هرمز»

ناقش وزير الطاقة الأميركي كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم، يوم الأحد، مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة، مجموعة واسعة من القضايا.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد الناس يسيرون في الحي المالي مقر بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

الاقتصاد العالمي يترقب أول «كشف حساب» لآثار حرب إيران

يُشكِّل الأسبوع المقبل لحظةً مهمةً في تتبع المسار الاقتصادي العالمي لعام 2026؛ فمن خلال بيانات المشتريات والتضخم المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
TT

«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)

مع احتدام التوترات في الشرق الأوسط، وما يرافقها من قفزات في أسعار الطاقة واختناقات متزايدة في سلاسل التوريد، بدأت تداعيات الحرب تتسلل بوضوح إلى صميم النشاط الاقتصادي في أوروبا؛ إذ يقف قطاع الأعمال في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، اليوم، أمام موجة مركَّبة من الضغوط؛ حيث تكشف أحدث مسوحات مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» عن تباطؤ ملحوظ في وتيرة نمو القطاع الخاص، بالتوازي مع تسارع الضغوط التضخمية وتراجع ثقة الشركات.

ويعكس هذا المشهد تحولاً تدريجياً من مرحلة التعافي الهش إلى بيئة أكثر هشاشة، تتداخل فيها صدمات الأسعار مع ضعف الطلب، مما يعزز المخاوف من انزلاق الاقتصادات الأوروبية نحو تباطؤ أعمق، وربما مرحلة من الركود التضخمي إذا استمرت تداعيات الحرب في التفاقم.

منطقة اليورو: خطر الركود التضخمي

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو انخفض إلى 50.5 نقطة في مارس (آذار)، مقابل 51.9 في فبراير (شباط)، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 10 أشهر، ولكنه ظل فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش. هذا التراجع جاء على خلفية انخفاض الطلبات الجديدة لأول مرة منذ 8 أشهر، مدفوعاً بشكل رئيسي بضعف قطاع الخدمات، في حين استمرت طلبات التصنيع في التوسع، رغم تراجع الإنتاج الصناعي إلى 51.7 نقطة.

وأكد كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، أن المؤشر الأولي «يدق ناقوس الخطر بشأن الركود التضخمي؛ حيث تدفع الحرب الأسعار إلى الارتفاع الحاد بينما تكبح النمو».

وعكست البيانات ارتفاع تكاليف المدخلات الإجمالية بأسرع وتيرة منذ فبراير 2023، مع تسجيل أكبر فترات تأخير في تسليم الموردين منذ أغسطس (آب) 2022، وهو ما أثر على الإنتاج الصناعي والخدمات في معظم دول المنطقة. وتراجعت ثقة قطاع الأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ عام تقريباً، مسجلة أكبر انخفاض شهري منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل 2022. ورغم تفاؤل الشركات بشأن الإنتاج خلال العام المقبل، فإن معنوياتها كانت أدنى من المتوسط.

ألمانيا وفرنسا: نمو مفقود في ألمانيا

تباطأ نمو القطاع الخاص إلى أضعف وتيرة له في 3 أشهر خلال مارس، وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الألماني الأولي إلى 51.9 نقطة في مارس من 53.2 نقطة في فبراير، بينما كان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا قراءة عند 52 نقطة.

وتراجع نشاط قطاع الخدمات إلى أدنى مستوى له في 7 أشهر عند 51.2 نقطة، بينما ارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي إلى 51.7 نقطة، وهو أعلى مستوى له في 45 شهراً. وسجلت الشركات المصنعة ارتفاعاً شهرياً ثالثاً على التوالي في الطلبات الجديدة، مسجلة أسرع نمو لها في 4 سنوات.

وبلغ تضخم أسعار المدخلات في القطاع الخاص أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات، وارتفعت تكاليف مدخلات التصنيع بأسرع وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بينما بلغ تضخم أسعار المنتجات عند باب المصنع أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات.

وانخفض التوظيف مجدداً في كلا القطاعين، على الرغم من أن وتيرة فقدان الوظائف الإجمالية تراجعت إلى أدنى مستوى لها في 3 أشهر. وأظهر المسح انخفاضاً حاداً في توقعات الأعمال للعام المقبل، لتسجل أدنى مستوى لها في 11 شهراً، ولكنها ظلت إيجابية.

أما فرنسا، فقد سجل القطاع الخاص أسرع وتيرة انكماش منذ أكتوبر الماضي، مع انخفاض النشاط التجاري إلى أدنى مستوياته منذ عدة أشهر، متأثراً بضعف الطلب والاضطرابات في سلاسل التوريد. وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الفرنسي إلى 48.3 نقطة، بينما انخفض الإنتاج الصناعي إلى 48.5 نقطة، في حين ارتفعت تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوياتها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، مع أسرع زيادة في أسعار البيع منذ مارس 2023.

وتراجعت ثقة قطاع الأعمال بشكل ملحوظ، مما أدى إلى تراجع كبير في التحسن الذي شهده منذ بداية عام 2026، إذ أشارت الشركات إلى مخاطر الحرب في الشرق الأوسط على الطلب والتضخم.

بريطانيا: ضغوط الحرب تضعف نشاط الشركات

أظهر مؤشر مديري المشتريات المركب انخفاضاً إلى 51 نقطة في مارس، مقابل 53.7 في فبراير، مسجلاً أبطأ وتيرة نمو للقطاع الخاص خلال 6 أشهر. وسجل مؤشر أسعار مدخلات الإنتاج للمصنِّعين البريطانيين 70.2 نقطة، مسجلاً أكبر زيادة شهرية منذ عام 1992، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما أجبر الشركات على رفع أسعارها بأسرع وتيرة منذ أبريل (نيسان) 2025. وأدى ذلك إلى تعقيد مهمة بنك إنجلترا في كبح التضخم، في وقت تتباطأ فيه النشاطات الاقتصادية.

وأشار كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» إلى أن الشركات ألقت باللوم على الأحداث في الشرق الأوسط في ضعف النشاط الاقتصادي، سواء عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو تراجع الطلب، أو اضطرابات السفر وسلاسل التوريد، أو حتى نفور العملاء من المخاطرة. وتبقى توقعات الإنتاج المستقبلي للشركات البريطانية الأضعف منذ يونيو (حزيران) 2025، مع استمرار تراجع التوظيف للشهر الثامن عشر على التوالي، وهو أطول فترة تراجع منذ عام 2010.


21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفعت بمعدل 21 في المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، مقابل 2.9 مليار دولار خلال شهر يناير 2025.

وقال البنك في بيان صحافي، الثلاثاء، إن التحويلات ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى يناير 2026، بمعدل 28.4 في المائة، لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقابل 20 مليار دولار خلال نفس الفترة المقارنة.


الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)

طمأن قادة ثاني أكبر اقتصاد في العالم المديرين التنفيذيين للشركات العالمية الذين حضروا مؤتمر الأعمال السنوي الرئيسي في الصين هذا الأسبوع، بأن بكين لا تزال ركيزة موثوقة في ظل التقلبات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين العالمي.

وقال محللون إن نبرة منتدى التنمية الصيني لهذا العام، الذي اختُتم يوم الاثنين، كانت أكثر ثقة بشكل ملحوظ من السنوات الأخيرة، مما يُشير إلى تحول عن المنتديات السابقة التي عُقدت بعد الجائحة، حيث كان المسؤولون يميلون إلى التركيز على تدابير الدعم ومسارات التعافي.

وقال مدير مكتب الصين في مجموعة آسيا للاستشارات الاستراتيجية الأميركية، هان لين: «مقارنةً بمنصات منتدى التعاون الاقتصادي السابقة، كانت رسالة الصين هذه المرة أكثر ثقةً». وأضاف: «مع تحديد التحديات في النظام الدولي، ودون ذكر الولايات المتحدة صراحةً، ركّز خطاب رئيس الوزراء لي تشيانغ الافتتاحي على ما تقوم به الصين بشكل صحيح لتشجيع الابتكار والتجارة وفرص التعاون الأخرى».

وقد أسهم توقيت انعقاد المنتدى في تعزيز هذه الرسالة؛ إذ جاء بعد مرور عام تقريباً على حرب تجارية شرسة، وقبل انعقاد قمة مؤجلة بين الرئيس شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين تواجه بكين توتراً في علاقاتها مع واشنطن، وتواجه تصاعداً في الحواجز التجارية في أماكن أخرى، وذلك في أعقاب فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار في عام 2025.وقد تسببت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في ارتفاع حاد بأسعار الطاقة، مما أدى إلى تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، ومنح بكين فرصة أخرى للترويج لنفسها بصفتها حصناً للهدوء يحترم السيادة والنظام الدولي القائم على القواعد.

تغيرات المشهد الجيوسياسي

وعكست أنماط الحضور تغيرات الحدود الجيوسياسية، فقد سافر عدد أكبر من قادة الشركات الأميركية إلى بكين مقارنة بالسنوات السابقة، ومن بينهم الرؤساء التنفيذيون لشركات «أبل»، و«ماكدونالدز»، و«إيلي ليلي»، و«تابستري» (الشركة الأم لـ«كوتش»)، و«ماستركارد».

ويشير حضورهم إلى أنه على الرغم من التوترات، لا تزال الشركات الأميركية متعددة الجنسيات حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكين، في ظل إعادة ضبط البلدين لتدفقات التجارة والاستثمار.

وقال أستاذ الاقتصاد في كلية الصين وأوروبا الدولية للأعمال في شنغهاي، ألبرت هو، إن الاستقرار، وهو موضوع متكرر في منتدى التعاون الاقتصادي والتنمية للعام الماضي، كان له صدى أقوى هذا العام.

وأضاف هو: «بالنظر إلى جميع السياسات المتقلبة التي انتهجها دونالد ترمب، وحالة عدم اليقين التي أحدثتها سياساته في الاقتصاد العالمي، فمن المرجح أن تجد رسالة الصين بوصفها قوة استقرار آذاناً مصغية هذا العام أكثر من العام الماضي». إلا أن غياب المديرين التنفيذيين اليابانيين كان واضحاً، وهو ما يتناقض تماماً مع العام الماضي، حين شملت مشاركتهم اجتماعاً حظي بتغطية إعلامية واسعة بين كبار المديرين التنفيذيين العالميين وشي جينبينغ. ويأتي غيابهم هذا العام وسط خلاف دبلوماسي بين بكين وطوكيو، مما يؤكد أن وعود الصين بتجديد الانفتاح لا تزال محصورة ضمن حدود جيوسياسية متشددة.

لقاء محتمل

ولم يُحسم بعد قرارُ شي جينبينغ بشأن ما إذا كان سيُعيد ممارسته الأخيرة المتمثلة في استضافة اجتماع مائدة مستديرة مع نخبة من الرؤساء التنفيذيين، وذلك حتى اختتام المنتدى.

ويعتقد هان لين أن عدم صدور إعلان فوري يعكس ترتيباً للأحداث لا تردداً. وقال: «أعتقد أن شي ينوي لقاء الرؤساء التنفيذيين، ولكن بعد زيارة ترمب. تريد بكين تحديد شروط التجارة على مستوى القيادة أولاً، ثم تتلقى الشركات متعددة الجنسيات إشارتها بشأن الخطوات التالية».

كما استغلّ صانعو السياسات الصينيون منتدى هذا العام لتأكيد الأولويات التي تُحدد الآن استراتيجيتهم متوسطة المدى: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والتحديث الصناعي، و«التنمية عالية الجودة». وتُعدّ هذه الركائز الثلاث أساسية في خطة البلاد الخمسية الأخيرة، التي صدرت في وقت سابق من هذا الشهر، والتي حُدّدت بوصفها موضوعاً لمنتدى التنمية الصينية لهذا العام.

ومع ذلك، لم يغادر جميع المشاركين وهم مقتنعون، فقد اشتكى بعض الحضور من أن محتوى المنتدى أصبح جامداً بشكل متزايد. وقال مسؤول تنفيذي صيني رفيع المستوى في سلسلة فنادق عالمية: «أصبحت الاجتماعات بيروقراطية بشكل متزايد. لقد اختصرت رحلتي وأعود إلى بلدي الآن». وأضاف: «يفقد منتدى تنمية الاتصالات بريقه. كنت آمل أن أحضر بعض الجلسات الشائقة، لكن تبين أنها بيروقراطية للغاية ومضيعة تامة لوقتي».