ليس هناك رابح في الحرب التركية في عفرين

هل تتوسط واشنطن بين أنقرة وأكراد سوريا؟

TT

ليس هناك رابح في الحرب التركية في عفرين

من غير المرجح أن يخرج منتصر من المعارك الجديدة المكلفة بين تركيا والقوات الكردية السورية في شمال غربي سوريا. تشمل الصعوبات التي تواجهها القوات التركية؛ معاداة السكان لها، وتضاريس جبلية أكثر ملاءمة لأعدائها المتمردين المتمرسين في المعارك. كما أن الهجوم يضيف توتراً جديداً إلى علاقات تركيا المتوترة أصلاً مع حليفتها الاستراتيجية الرئيسية، الولايات المتحدة.
كان هجوم تركيا على «وحدات حماية الشعب» الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، متوقعاً منذ وقت طويل. لدى «الحزب» و«الوحدات» ارتباطات آيديولوجية وتاريخية مع حزب العمال الكردستاني، وتركيا تنظر إليها كتنظيم واحد عابر للحدود. بالنسبة إلى معظم المراقبين، فإن السؤال لم يكن ما إذا كان الهجوم سيحدث، بل متى، وأين، وفي ظل أي ظروف.
الآن باتت الإجابات موجودة: في أعقاب تصريح أميركي استفزازي (تم تعديله لاحقاً) فيما يتعلق بتعاون واشنطن مع قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها «وحدات حماية الشعب»، أطلقت تركيا هجوماً جوياً وبرياً ضد عفرين الذي تسيطر عليه «وحدات حماية الشعب» في شمال غربي سوريا.
من المرجح أن تثبت هذه المعركة أنها غير حاسمة ومكلفة لكلا الطرفين. باتت تشكل أصلاً صداعاً مؤرقاً لواشنطن، حليفتهما المشتركة، وتضع ضغوطاً هائلة على علاقات تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بالولايات المتحدة. ما لم يقم الجميع بتعديل استراتيجياتهم، بما في ذلك من خلال العودة إلى عملية سلام أوسع فيما يتصل بتمرد حزب العمال الكردستاني القائم منذ عقود في تركيا، فإنها قد تثبت أيضاً أنها مؤشر على أن الأسوأ قادم.
كان من الواضح منذ وقت طويل أن نهاية الهجمات الرئيسية المدعومة من الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش ستشكّل لحظة حساسة في الشمال السوري. أنقرة، الغاضبة جداً منذ عام 2015 لأن الدعم الأميركي زاد من قوة «وحدات حماية الشعب» (العمود الفقري العسكري لقوات سوريا الديمقراطية) في الوقت الذي يخوض فيه حزب العمال الكردستاني تمرداً نشطاً في تركيا؛ كانت تأمل أن حليفتها في حلف شمال الأطلسي ستخفض دعمها لقوات سوريا الديمقراطية بعد الاستيلاء على معاقل تنظيم داعش.
يبدو أن واشنطن قررت أن تفعل العكس تماماً، أي أن تظل موجودة في المنطقة، وأن تستمر بالاستثمار في شركائها على الأرض. الولايات المتحدة تعتبر «إثبات الاستقرار» في المناطق التي تم انتزاعها من تنظيم داعش أمراً جوهرياً لمنع عودة المتطرفين؛ ولا تريد أن تتخلى عن حليف يمكن الركون إليه ضد تنظيم داعش أمام هجوم قد يشنه النظام السوري في المستقبل؛ وتأمل باستخدام وجودها العسكري للضغط من أجل تحقيق انتقال سياسي في دمشق واحتواء النفوذ الإيراني. إن الهيكليات الداخلية المتماسكة لـ«وحدات حماية الشعب»، وعمليات اتخاذ القرار فيها التي تتسم بالكفاءة، وأداؤها العسكري الكفء يجعلها الجهة المحلية الوحيدة التي يمكن الركون إليها في المحافظة على الأمن وتأمين آلية للحكم. وما من سبب يدعو للاعتقاد أن قوات سوريا الديمقراطية والمجالس المحلية المتصلة بها يمكن أن تستمر من دون «وحدات حماية الشعب» خلال المستقبل المنظور.
أعلنت الولايات المتحدة عن نياتها في 11 يناير (كانون الثاني) 2018، عبر إفادة لمساعد وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد، وفي خطاب وزير الخارجية ريكس تيلرسون بعد 6 أيام. هذا الإعلان عن السياسة الأميركية للمرحلة القادمة، وليس البيان الأميركي الصادر في 13 يناير حول بناء «قوات أمن حدود» تحديداً، هو الذي أثار إحباط تركيا. أنقرة تعارض بقوة استمرار الدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب»، حيث ترى فيه تمكيناً لحزب العمال الكردستاني من خلال تعزيز قوة حكم فرعه السوري لمساحة كبيرة على حدودها الجنوبية، وإضفاء الشرعية على هذا الحكم بالأمر الواقع، ومنح النفوذ الدبلوماسي والاحترام الدولي للمنظمة الأم.
رداً على ذلك، شنت أنقرة أكبر عمل عسكري حتى الآن ضد «وحدات حماية الشعب»، في المكان الوحيد الذي تستطيع فعل ذلك فيه دون أن تواجه مباشرة حليفتها في حلف شمال الأطلسي، وهو عفرين. ليس للولايات المتحدة وجود عسكري في هذا الكانتون المعزول جغرافياً والذي تسيطر عليه «وحدات حماية الشعب» في شمال غربي سوريا، والذي وصفته واشنطن دائماً بأنه خارج إطار جهودها لمحاربة تنظيم داعش.
لأن عفرين غير محمية بالمظلة الأمنية الأميركية في شمال سوريا، فهي تشكل هدفاً أسهل لتركيا من المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرقي سوريا. وموسكو، لا واشنطن، هي التي كانت قد وفّرت في الماضي درجة من الحماية الضمنية للمنطقة. روسيا تسيطر على المجال الجوي فوق ذلك الجزء من سوريا، واحتفظت بوجود عسكري ضئيل في عفرين. وكان يُعتقد على نطاق واسع أن موافقتها (أو على الأقل عدم معارضتها) شرط أساسي لأي عملية عسكرية هناك. وبالفعل، فإن رئيس المخابرات التركية حقان فيدان، ورئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار، زارا موسكو عشية الهجوم. بعد الزيارة، اعترفت روسيا بمخاوف تركيا الأمنية، وحمّلت مسؤولية الأزمة لـ«العمل الأحادي» الذي قامت به الولايات المتحدة (فيما يبدو أنه إشارة إلى السياسة التي أعلنها تيلرسون)، ونقلت قواتها في عفرين إلى مناطق لا تتعرض فيها للأذى. في الوقت الراهن، ألحق هذا القرار ضرراً كبيراً بعلاقاتها الودية السابقة مع «وحدات حماية الشعب»، لكن بالنسبة إلى موسكو فإن ذلك كان ثمناً زهيداً يمكنها دفعه مقابل إثبات عدم إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة؛ بل على العكس، فإن قدرة روسيا على التحكم بالأحداث على الأرض جنباً إلى جنب مع تركيا، كان ذا قيمة أكبر.
لكن من الناحية العسكرية، فإن عفرين تشكل منطقة تطرح تحديات ذات طبيعة خاصة بالنسبة إلى تركيا. «وحدات حماية الشعب» تتمتع بسيطرة عسكرية ولها جذور محلية عميقة. وعلى عكس معظم الشمال الشرقي الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فإن عفرين منطقة مليئة بالأشجار، وجبلية نسبياً وذات كثافة سكانية عالية. وفي حين أن و«وحدات حماية الشعب» محاطة بقوات معادية –تركيا إلى الغرب والشمال، ومجموعات المعارضة المسلحة المدعومة من تركيا إلى الشرق، والنظام السوري إلى الجنوب الشرقي، وجهاديو هيئة تحرير الشام إلى الجنوب– فإن ثمة طريقاً يربط عفرين بالمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي عبر مناطق يسيطر عليها النظام. وقد تتمكن «وحدات حماية الشعب» من التفاوض مع دمشق على استخدام الطريق لنقل التعزيزات.
من المرجح أن تجد تركيا وحلفاؤها من مجموعات المعارضة المسلحة، التي لاقت صعوبات أحياناً في التقدم خلال هجومها المسمى «درع الفرات» ضد تنظيم داعش في أواخر عام 2016 ومطلع عام 2017، المعركة أصعب بكثير ضد «وحدات حماية الشعب» الأفضل تدريباً وقيادة. وبعد أسبوعين من شن العملية، فإن تقدم القوات التركية وحلفائها يبقى محدوداً، في حين تشير تقارير إلى قتل أكثر من مائة مقاتل في صفوف كلا الطرفين، بالإضافة إلى عشرات الضحايا المدنيين الذين سقطوا في القصف والضربات الجوية التركية.
حتى لو سيطرت تركيا وحلفاؤها السوريون على عفرين، فإنه يبقى من غير الواضح كيف ستتمكن أنقرة من تأمين منطقة يقطنها سكان معادون لها، وذات تضاريس ملائمة لحرب العصابات. الحصيلة الأكثر رجحاناً هي أنه سينتهي الأمر بتركيا في معركة طويلة ضد تمرد قوي ويتسم بدرجة عميقة من الدافعية.
يمكن أن تسوء الأمور على نحو خاص إذا وسّعت تركيا عملياتها إلى منبج، وهي مدينة تقع على الحافة الغربية للمنطقة التي تسيطر عليها «وحدات حماية الشعب» في الشمال الشرقي، والتي أشار الرئيس إردوغان إلى أنها ستكون الهدف القادم لأنقرة. منبج منطقة متنازع عليها وتتسم بالحساسية. الولايات المتحدة ساعدت قوات سوريا الديمقراطية في انتزاع السيطرة عليها من «داعش» في عام 2016، وأكدت لتركيا حينذاك أن «وحدات حماية الشعب» ستنسحب من المدينة والمناطق المجاورة لها غرب نهر الفرات بعد الاستيلاء عليها. لكن عملياً، «وحدات حماية الشعب» مسيطرة هناك من خلال شركاء محليين. واشنطن، التي تعي أن تعهدها لم ينفَّذ بالكامل، نشرت قواتها الخاصة في بعض الأحيان في المنطقة لردع هجوم تركي. إذا قررت تركيا توسيع هجومها الحالي هناك، فإنها ستوسع بذلك انكشافها أمام هجمات وحدات حماية الشعب، وستخاطر بإلحاق أضرار أكثر عمقاً بعلاقتها مع واشنطن، حيث يمكن للقوات التركية والأميركية أن تصطدما.
قد يؤدي هجوم عفرين إلى تعزيز قوة القيادة التركية في الداخل مؤقتاً. لكنه ينطوي على مخاطر كبيرة ومن غير المرجح أن يضعف «وحدات حماية الشعب» كثيراً؛ بل إن الهجوم قد يشجع حتى حزب العمال الكردستاني على القيام بتفجيرات في المدن التركية، وهو تكتيك أحجم عنه الحزب على مدى العام الماضي (على الأرجح بناءً على طلب من واشنطن نُقل من خلال وحدات حماية الشعب). من غير المرجح أن تكون نهاية هذه المعركة لصالح أي طرف، بل إنها تُبرز مدى إلحاح الحاجة إلى معالجةٍ بشكل بنّاء أكثر الصراع بين تركيا (من ناحية) وحزب العمال الكردستاني و«وحدات حماية الشعب» (من ناحية أخرى)، والتناقضات المرتبطة بذلك في السياسة الأميركية.
تمكنت أنقرة من إلحاق خسارة كبيرة بحزب العمال الكردستاني في السنوات الثلاث من القتال جنوب شرقي تركيا، والذي أعقب انهيار محاولات التوصل إلى سلام في عام 2015. إلا أن ذلك كلفها غالياً. ولا يزال حزب العمال الكردستاني واثقاً في مقره في شمال العراق، وتواجه تركيا احتمالات أكثر قتامة –وقيوداً جيوسياسية هائلة– داخل سوريا. تستطيع تركيا شن هجمات تلحق ضرراً كبيراً وتزعزع الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، لكنها لا تمتلك مساراً واضحاً نحو النصر العسكري هناك.
بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني، فإنه خسر «جيلاً» من المقاتلين (كما قال لي أحد كوادره) في المعركة التي يمكن القول إنها عززت من قوة خصومه سياسياً. وما من سبب يدعوه لتوقع نتائج أفضل من حملات مسلحة أخرى في تركيا. يمكنه أن يستمد القوة والشجاعة من استمرار نجاح فرعه السوري، الذي تلوح أمامه احتمالات سياسية وعسكرية واعدة، لكن، كما ذكرت مجموعة الأزمات في مايو (أيار) 2017، فإن ذلك يعتمد على إيجاده وسيلة مناسبة لتحاشي هجوم تركي طويل.
بدلاً من السعي المكلِّف نحو أهداف دونكيشوتية، حيث أوراقهم فيها الأضعف، فإن من مصلحة تركيا وحزب العمال الكردستاني و«وحدات حماية الشعب» الدخول في بعض المقايضات المصلحية، أي تنازلات عسكرية لحزب العمال الكردستاني في تركيا (مثل وقف إطلاق نار وسحب الأسلحة من التراب التركي)، مقابل عودة أنقرة إلى عملية السلام وقبولها باستمرار سيطرة «وحدات حماية الشعب» داخل جزء كبير من الشمال السوري.
العقبات كبيرة جداً، لكن ليس من المستحيل التغلب عليها. وخلال قيام المسؤولين الأميركيين بجولات مكوكية بين حلفائهم المتحاربين في محاولة لاحتواء القتال الحالي، عليهم أن يبدأوا باستكشاف الإمكانيات المحتملة لإبرام صفقة نهائية يقدم فيها حزب العمال الكردستاني تنازلات على أحد جانبي الحدود مقابل تنازلات تركية على الجانب الآخر. من دون مثل هذا التفاهم، فإن مقاربة واشنطن الجديدة في سوريا ستلحق الضرر بحليفيها كليهما، وهما اللذان تحتاج إلى تعاونهما إذا أرادت أن تلعب دوراً في تسوية الحرب في سوريا.

- باحث «مجموعة الأزمات الدولية» للشؤون السورية. النسخة العربية خاصة بـ«الشرق الأوسط»



مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.