مديرة «بي بي سي» القاهرة: اعتدنا الانتقادات... ونعتذر عندما يجانبنا الصواب

صفاء فيصل أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن مكتب الهيئة لا يواجه تضييقاً أمنياً

صفاء فيصل
صفاء فيصل
TT

مديرة «بي بي سي» القاهرة: اعتدنا الانتقادات... ونعتذر عندما يجانبنا الصواب

صفاء فيصل
صفاء فيصل

تسلمت الإعلامية المصرية صفاء فيصل، منصب مديرة مكتب «بي بي سي» القاهرة، عقب مسيرة حافلة بالمقر الرئيسي في لندن، خلفاً للإعلامي أكرم شعبان، في ظل ما يتردد عن بعض الاتهامات من قِبل الإعلام المصري بعدم المهنية في تغطية الأحداث الإرهابية في مصر، وأحاديث عن تضييق أمني يتعرض له المكتب الإقليمي بالقاهرة.
«الشرق الأوسط» التقت فيصل في أول أيام توليها العمل؛ فقالت: «بدأت عملي في الإعلام في الصحافة المكتوبة، وأعترف بأنني كنت شغوفة للغاية بفكرة الصحافة المكتوبة منذ دراستي الجامعية... وكانت الفكرة حلماً يراودني منذ الصغر، وعملت بالفعل في صحيفة (الوفد) المصرية، ومكاتب وكالتي الأنباء (الألمانية والعمانية) في القاهرة. لكن، عندما تلقيت عرضاً للعمل في «بي بي سي» أدركت أنها فرصة ذهبية للانضمام إلى هيئة ذات سمعة عالمية.
خضت أيضاً العمل التلفزيوني في مرحلة ما من حياتي المهنية، وأفتخر بهذه التجربة التي كانت نتاجاً لمسابقة في الابتكار على مستوى الخدمة العالمية، وعملت أيضاً في قسم التخطيط وجمع الأخبار، لكن الراديو بقي بالنسبة لي البيت الذي أعود إليه دوماً».
ترى فيصل أن كل وسيلة إعلامية لها المميزات الخاصة بها، وأن «الصحافة المكتوبة تمنح المتلقي العمق والتحليل والخلفيات للخبر، وتبقى مؤثرة مدة أطول من الإذاعة والتلفزيون؛ لكنها تعاني حالياً من أزمة تمويل حقيقية في كل أنحاء العالم، أما الراديو فهو وسيلة جذابة وسريعة، ويمكن للمتلقي أن يستمع ويستمتع به أينما كان؛ لكنه يواجه حالياً منافسة عالية من الثورة في وسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون صورة، والصورة تروي ألف حكاية في لقطة واحدة».
تكشف فيصل عن أنها ليست السيدة الأولى التي تتولى منصب مديرة مكتب القاهرة بقولها: «سبقتني إليه الزميلة نجلاء العمري، شخصياً لا أحس أن كوني سيدة يشكل عامل ضغط على الإطلاق، بل على العكس؛ فـ(بي بي سي) كانت حافلة دوماً بالقدرات النسائية الرائعة التي أثبتت نفسها عبر سنوات، سواء في الإدارة أو في غرفة الأخبار أو وراء الميكرفون، والمعيار الحقيقي للتقييم هو الكفاءة». وتقول: «فخورة للغاية بتولي هذا المنصب، وسعيدة جداً بقيادة فريق من أفضل الصحافيين في العالم العربي في أحد أهم المكاتب الخارجية لـ(بي بي سي) في الشرق الأوسط، بل في العالم».
وتؤكد: «هناك تحديات مهنية كبيرة تكتنف العمل الإعلامي في مصر والمنطقة بأسرها؛ نظراً للظروف الحالية السياسية والأمنية؛ لكن لدينا إصراراً على تقديم خدمة إعلامية متميزة تليق بمؤسسة عالمية مثل (بي بي سي)، ونطمح إلى إثراء المشهد الإعلامي المصري».
وتضيف: «بالنسبة لي لدي خطة متكاملة تعتمد أولاً على استقطاب وتدريب الكوادر البشرية، والتأكد من تطبيق المعايير التحريرية الثابتة للهيئة التي اكتسبتها عبر عقود طويلة من العمل الإعلامي الدولي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على روح الابتكار والتنوع لدى طاقم العمل، ونسعى أيضاً للاستفادة من ثورة الإعلام الرقمي وتزويد استوديوهاتنا بأحدث التقنيات... والأهم من ذلك، نسعى لعقد شراكات دولية مع روافد الإعلام في العالم العربي لتسويق منتج عال الجودة».
تدرك صفاء فيصل أن «العمل الإعلامي سواء بالنسبة لـ(بي بي سي) أو غيرها أصبح صعباً وخطيراً، والإعلاميون مع الأسف أصبحوا مستهدفين بشكل متزايد». وتقول: «مدركة تماماً حجم التحديات التي تواجهنا بصفتنا رافداً إعلاماً دولياً؛ لكنني ومعي كل فريق العمل لدينا إصرار على تقديم خدمة إخبارية متميزة؛ لذلك نقدم التدريبات والمهارات الكافية لطواقم العمل لدينا».
وحول ما أثارته مؤخراً أثارت البريطانية كاري غريسي حول قضية التمييز بين الرجال والنساء في الأجور في «بي بي سي»، علقت فيصل: «التفاوت في الأجور بين النساء والرجال مشكلة عالمية، وفي جميع القطاعات مع الأسف وليست قاصرة على الإعلام، وهذا بالطبع لا يبرر وجود التفاوت في الأجور في (بي بي سي)؛ بل على العكس هو يضع مسؤولية على عاتق (بي بي سي) باعتبارها رائدة... وهذا ما حدث تماماً، توني هال، رئيس المؤسسة، الذي أقر بوجود المشكلة، وأقر كذلك بأن تمثيل المرأة في المناصب العليا ليس على المستوى المأمول وتعهد بحل المشكلة ليس بمجرد بيانات أو خطب رنانة، لكن بوضع جدول زمني معين لجسر هذه الفجوة».
وترى أن «غريسي اختارت أن تضع المشكلة تحت الضوء بطريقة مختلفة، وكسبت تعاطفاً وتأييداً من بعض العاملات في الهيئة، وهذا حقها، ومع ذلك لا توجد حلول سحرية، لكن توجد حلولاً عملية؛ لكن الأمر قد يستغرق وقتاً، المهم أننا على الطريق الصحيحة، وأول الصواب الاعتراف بالمشكلة».
أما عن مرور 80 عاماً على تدشين الخدمة العربية، فتقول: «بي بي سي» بدأت بكلمة «هنا لندن» وأن تبقى هذه الكلمة بعد مرور ثمانين عاماً، بل وتتطور وتتجدد يعتبر إنجازاً رائعاً؛ لكن الأروع ما تحقق على مدى هذه السنوات فهو ليس مجرد وجود، لكنه بصمة قوية واضحة.
وتشير «بدأنا إذاعة موجهة تقدم الأخبار في عشرين دقيقة، واليوم نحن موجودون على مدى 24 ساعة على الراديو والتلفزيون والإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام الرقمي، والاحتفالية التي تقام اليوم يقصد منها توجيه تحية لجيل الرواد ممن خدموا في (بي بي سي)، ونسترجع معهم تحديات عصرهم وإنجازاتهم، وفي الوقت نفسه نركز الضوء على الجيل الجديد الذي اختار (بي بي سي) طريقاً، وندعوهم للتحاور مع جيل الرواد، وننظر من خلالهم للمستقبل، والأهم من ذلك كله المستمع، الذي بقي وفياً مخلصاً لنا كل هذه السنوات نستمع إليه بدورنا، ونعطيه مساحة مستحقة وشكر وعرفان لكل هذا الحب غير المشروط».
أما عن مشروع (20-20) فتكشف «قبل عامين أعلنت الخدمة العالمية (بي بي سي) عن أكبر توسعة في تاريخها من حيث التنوع أو التعدد، وبالنسبة للقسم العربي مشروع 20-20 له عناصر وجوانب عدة تم بالفعل ترجمتها لمشروعات إعلامية، الهدف منها التركيز على منطقتي الخليج والمغرب العربي؛ لأن هذه المناطق لم تحظ بالتغطية الكافية فيما مضى، وفي المقابل كان لدينا هدف التركيز على قضايا الشباب والنساء وتعزيز الحوار المجتمعي». مضيفة: «هذا المشروع أثمر برنامجَي (الخليج هذا الصباح) و(جولة مغاربية) على موجات الإذاعة، وبرنامج (ترندينغ) على التلفزيون، ولدينا عدد من المشروعات التي تركز على القضايا الصحية وقضايا الاقتصاد... من جانب آخر أعدنا هيكلة مكاتبنا في بيروت، وافتتحنا مكتباً في تونس، ولدينا خطط للتوسع في الأردن».
وتدافع فيصل عما وجه من اتهامات لـ«بي بي سي» بعدم الموضوعية والانحياز، قائلة: «هذه الاتهامات موجودة منذ زمن في مصر وإيران وغيرهما، ونواجه اتهامات من هذا القبيل من طرف أو طرف آخر، واعتدنا على هذه الانتقادات التي تزداد حدتها في أوقات الأزمات. لكن لدينا سياسة تحريرية ثابتة تعتمد على معايير مهنية، ولا تخضع للمتغيرات السياسية في بلد بعينه» وتؤكد: «لكن عندما يجانبنا الصواب نقف ونراجع ونعتذر دون أي تحفظ، فالأخطاء البشرية واردة في أي عمل إعلامي؛ لكن المؤكد أنه لا يوجد لدينا سوء نية، ولا مصلحة لنا إلا في كشف الحقائق كاملة، وقد يكون ذلك أحياناً مؤلماً».
تنفي فيصل وجود تضييق أمني على مكتب «بي بي سي» في القاهرة، وبخاصة بعد ما نشرته «بي بي سي» من أرقام عن ضحايا حادث الواحات الإرهابي، مؤكدة «يمكن لجهات حكومية في مصر أن تبدي تحفظاً ما على أسلوب عملنا، وهذا مفهوم في إطار المهام الموكلة إليهم والتباين في وجهات النظر، والحكومة البريطانية نفسها تبدي أحياناً تحفظاً على أسلوب عملنا؛ لكنها تتفهم أن سياستنا التحريرية ثابتة». وتؤكد: «أما عن زميلي أكرم شعبان فكان لديه رغبة منذ فترة للعودة إلى المقر الرئيسي في لندن لظروف عائلية قبل حادث الواحات بوقت، وبخاصة أنه قد أمضى في منصبه أكثر من أربع سنوات، حقق خلالها الكثير من الإنجازات المهنية، وبالفعل تمت الاستجابة لطلبه عبر طرح الوظيفة بمسابقة داخلية، والطبيعي جداً أن نتناوب على المناصب ونتبادل الأدوار حسب متطلبات العمل ووفقاً لرؤيتنا».
ترى صفاء فيصل أن «الإعلام في العالم العربي في مرحلة حراك وهذا طبيعي جداً؛ لأن الإعلام مرآة للمجتمع؛ لكن من الظلم مقارنة الإعلام الدولي بالمحلي؛ لأن لكل واحد جمهوره وأجندته الإخبارية، وهناك تجارب متميزة وكفاءات رائعة في الإعلام العربي؛ لكن ظاهرة الإعلامي النجم تضر كثيراً بالمعايير التحريرية؛ لأنها تجعل من المذيع محور الحديث وليس القضية، ومن ثم ينفرد بالرأي ويجعل الموضوع قضية شخصية، وهذا في رأيي غير مهني.
أيضاً معظم تجارب الإعلام الإلكتروني تحاول منافسة «السوشيال ميديا» بدلاً من انتهاج خط تحريري واضح وينتج من ذلك أخطاء تحريرية قاتلة وانجرار لتهافت غير مقبول على فكرة الإغراء الوقتي».
تتذكر فيصل الكثير من المواقف الصعبة والطريفة التي واجهتها أثناء عملها الإعلامي، تقول: «تؤلمني معاناة البشر، وأذكر شخصاً كان مرعوباً وأنا أجري معه حواراً، وطلب ضمانات وانتهي بنا الأمر لإجراء الحوار في سيارة العمل في أحد أركان شارع مظلم، وناشطاً سياسياً ليبياً أجريت معه حواراً على الهاتف وبعد ساعة تقريباً من إذاعة الحوار تم القبض عليه، وشعرت كما لو أنني مسؤولة بشكل ما عن اعتقاله».
تعتبر فيصل «الأخبار الكاذبة» تحدياً كبيراً للإعلام في عالمنا اليوم، وتقول: «لدينا حالياً في (بي بي سي) الخدمة العالمية وحدة مختصة لفحص الأخبار الكاذبة والتحقق منها تساعدنا مهنياً، وتقدم مساعدة للمتلقي كذلك. ولدي طموح لإقامة وحدة موازية باللغة العربية، وأعتقد أنها ستحظى باهتمام كبير من المتلقي، إضافة إلى ذلك نتلقى تدريبات دورية للتعرف على عناصر الخبر الكاذب والخبر الصحيح، وعموماً نطبق دوماً قاعدة (المصدرين) في تحرير الأخبار، ولدينا فريق في غرفة الأخبار للتحقق من صحة المقاطع المصورة».
تؤمن صفاء فيصل بأن «الإعلام كيان حي، ويجب أن يتطور ويتعايش مع مســتجدات العصر وألا يندثر».
وترى أن شبكات التواصل الاجتماعي تشكل بالطبع منافساً قوياً للإعلام في الوقت الراهن «لأنها تستقطب اهتمام الناس بشكل كبير، وتغذي عناصر التشويق والجوانب التفاعلية». لكن تؤكد أن «الإعلام «التقليدي» - إن جاز القول - يستطيع أن يطوع شبكات التواصل الاجتماعي لخدمته والوصول لأكبر قطاع ممكن، فالكثيرون يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي كنافذة للاطلاع على الأخبار والمشاركة أيضاً في برامج تفاعلية. مشيرة إلى أن «شبكات التواصل الاجتماعي هي نمط إعلامي رائج حالياً؛ لذلك أصبح لدينا في (بي بي سي) أقسام متخصصة لمواقع التواصل الاجتماعي، ليس فقط لرصد الأخبار وتتبع مصادرها؛ لكن أيضاً لطرح قضايا للنقاش، وأخيراً الوصول لأكبر قطاع ممكن».


مقالات ذات صلة

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

يوميات الشرق تميل إلى الحوارات الهادئة مع ضيوفها (صور تيما زلزلي)

تيما زلزلي لـ«الشرق الأوسط»: لا أميل إلى الأسلوب الحادّ في حواراتي

ترى تيما زلزلي أنّ الحوارات الحادّة والجريئة تتطلَّب جهداً كبيراً قد لا ينعكس إيجاباً على مقدّمها...

فيفيان حداد (بيروت)
شمال افريقيا من مظاهرة نظّمها إعلاميون للتنديد بالتضييق على الصحافيين في 24 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

تونس: محاكمة صحافيَّين عُرفا بانتقادهما الشديد للرئيس سعيد

مثل الصحافيان مراد الزغيدي وبرهان بسيّس، اليوم الثلاثاء، أمام محكمة الاستئناف في تونس.

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق  ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

حصد صلاح لبن، المحرر في «إندبندنت عربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام»، «جائزة فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»

«الشرق الأوسط» (ليماسول (قبرص))
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في روما يوم 15 أبريل 2026 (رويترز)

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

انتقد السفير الروسي لدى إيطاليا الحكومة في روما، الأربعاء، بعد استدعائه بشأن تعليقات مسيئة من جانب مذيع تلفزيوني روسي بحق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».