عفرين... خاصرة تركيا القلقة

عملية «غصن الزيتون» تعرقل مباحثات سوتشي... وتعيد إدلب للنظام

عفرين... خاصرة تركيا القلقة
TT

عفرين... خاصرة تركيا القلقة

عفرين... خاصرة تركيا القلقة

تتخطى عملية «غصن الزيتون» التركية أهدافها المعلنة بإبعاد الميليشيات الكردية التي تتهمها أنقرة بأنها «ميليشيات إرهابية»، عن حدودها مع سوريا. فالواقع أن العملية، تكرس وجوداً عسكرياً تركياً في الشمال السوري، يمهد لإنشاء «منطقة عازلة» بعمق استراتيجي داخل الأراضي السورية يبلغ مداه 30 كيلومتراً، ويقرّب أنقرة من إحكام قبضتها، عبر قوات سورية موالية لها، على الشمال الواقع بين محافظة إدلب ومنطقة غرب الفرات، وهو ما أوحى به إعلان وزير الخارجية التركية بأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن هناك حاجة إلى سحب القوات الأميركية من مدينة منبج السورية.
العملية العسكرية، ورغم أن وقائعها محصورة في دفعٍ وانخراطٍ تركيين، وصمتٍ أميركيٍّ، وتصريحات سورية نظامية لا تبدل شيئاً في المشهد، فإنها تكشف عن اتفاقات روسية تركية أفضت إلى إطلاق أنقرة العملية العسكرية التي تهدد الحلم الكردي بإقامة «فيدرالية» في شمال سوريا، وتضع عراقيل أمام مفاوضات الحل السياسي لسوريا الذي دفعت روسيا بالانفصاليين الأكراد ليكونوا جزءاً منه.
بعد نحو سنة على تهديدات أنقرة بإطلاق عملية عسكرية ضد «جيب» عفرين بأقصى شمال غربي سوريا، أعلنت رئاسة الأركان العامة للجيش التركي، السبت الماضي، انطلاق عملية عسكرية باسم «غصن الزيتون» في المنطقة ذات الكثافة السكانية الكردية، واستدعت الخارجية التركية سفراء كل من الولايات المتحدة وروسيا وإيران وأبلغتهم بانطلاق العملية، في حين جرت اتصالات بين وزيري الخارجية التركي والأميركي، ورئيس الأركان التركي، ونظيريه الروسي والأميركي، حول العملية. أنقرة قالت إن العملية تهدف إلى «إرساء الأمن والاستقرار على حدودنا، وفي المنطقة، والقضاء على (إرهابيي) كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي و(وحدات حماية الشعب الكردية) و(داعش) في مدينة عفرين، وإنقاذ شعب المنطقة من قمع وظلم الإرهابيين».
وتستهدف الطائرات والمدفعية التركية بشكل خاص منذ بدء الهجوم، المناطق القريبة من الحدود وبينها بلدة جنديرس الواقعة جنوب غربي مدينة عفرين وعلى تماسٍّ مع نقاط انتشار الفصائل السورية المعارضة المدعومة من أنقرة والمشاركة في الهجوم.
وتقتصر المعارك الميدانية بين الجانبين على قرى حدودية مع تركيا، بينما لا تزال مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية بمنأى عن المعارك والقصف الذي استهدفها لمرة واحدة عند بدء الهجوم، ما يجعلها وجهة النازحين الهاربين من القرى الحدودية مع تركيا.
وأعلنت الميليشيات الكردية، الثلاثاء الماضي، «النفير العام» دفاعاً عن عفرين التي تُعرف بحقول الزيتون وجودة الصابون الذي يُصنع فيها، بينما رفع السكان رايات «الوحدات» الكردية الصفراء والخضراء على منازلهم ومحالهم التجارية موقَّعةً بعبارة «كلنا معكم» تضامناً مع المقاتلين الذين يتصدّون منذ أيام للهجوم التركي.
وبدت العملية موجهة حصرياً إلى الميليشيات الكردية التي تُحكم قبضتها على مدينة عفرين وريفها، وهي ثالث «الأقاليم» في «فيدرالية شمال سوريا» التي أعلنها الانفصاليون الأكراد في وقت سابق، وهي تضم: إقليم الجزيرة الذي يضم محافظة الحسكة، وأرياف محافظة الرقة، وإقليم عين العرب (كوباني) الذي وسّعته الميليشيات إلى منبج الواقعة على بعد 70 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة حلب، وإقليم عفرين الواقع في ريف حلب الشمالي الغربي. لكن تركيا، ومنعاً لاتصال الأقاليم الثلاثة، أطلقت في أغسطس (آب) 2016 عملية عسكرية تحت اسم «درع الفرات»، استطاعت خلالها الوصول إلى مدينة الباب (30 كيلومتراً شمال مدينة حلب)، ما منع الانفصاليين الأكراد من وصل مناطق سيطرتهم في الأقاليم الثلاثة، وأحبط حلمهم بإقامة فيدرالية «روج آفا».
ومنذ ذلك الوقت، وضعت تركيا في حساباتها إقصاء الأكراد من عفرين، كونها تعدهم الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني الذي تتهمه أنقرة بأنه تنظيم «إرهابي»، كما وضعت نصب أعينها الهجوم على مدينة منبج وريفها، ما يكرّس الاعتقاد بأن تركيا تسعى للسيطرة على المناطق الممتدة من الحدود الشرقية لمحافظة إدلب الحدودية مع تركيا في شمال غربي سوريا، وصولاً إلى الشاطئ الغربي لنهر الفرات في شمال حلب، وهي المنطقة التي تسعى تركيا لتكون عمقاً آمناً لها في الشمال السوري.
- الهجوم على منبج
لا تشير التصريحات التركية إلى أن المعركة في عفرين، ستنتهي بالسيطرة على المدينة، بل تكشف التصريحات أن أنقرة ستوسّع عمليتها باتجاه منبج، التي تعد محمية من الولايات المتحدة الأميركية التي تثبّت قواعد عسكرية في محيطها في شمال شرقي سوريا. لكن هذا الملف، من الصعب حسمه، ويبدو تحقيقه صعباً في ظل الموانع الأميركية لأي نفوذ جديد تخضع له أي مناطق طرد منها «داعش» بمساعدة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب بقيادة واشنطن.
مصدر مطلع أبلغ «الشرق الأوسط» أن التواصل بين الأكراد وحلفائهم الأميركيين «أفضى إلى تأكيد أميركي بأن الأتراك لن يهاجموا منبج»، في إشارة واضحة إلى أن هناك «قراراً أميركياً بعدم التخلي عنها»، حسب ما قال المصدر. وقال: «يبدو ما يقوله الأتراك بشأن منبج تهويلاً»، مذكّراً بنفي أميركي عن عزم واشنطن إيقاف مساعداتها العسكرية لحلفائها في ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (التي تشكل الميليشيات الكردية عمودها الفقري) لمحاربة «داعش». وقال المصدر: «الوجود الأميركي فاعل في شمال سوريا، وقرار ترمب البقاء في سوريا، وهو قرار استراتيجي بالنسبة إليه، وجرى التعبير عنه عملياً بتقديم الدعم لتكون المنطقة نموذجاً لباقي المدن السورية».
- إحباط مساعي الحل السياسي
تداعيات المعركة الأهم، حتى الآن، أنها أحبطت مساعي التوصل إلى حل سياسي في سوريا يشارك به الانفصاليون الأكراد الذين يدفع الأميركيون باتجاه إشراكهم في مفاوضات الحل السياسي، رغم الموانع التركية. وبعدما باتت مشاركتهم معقدة في مفاوضات جنيف، أعلن مسؤولون روس قبل العملية أن هؤلاء الأكراد سيكونون طرفاً في مؤتمر «الحوار الوطني» الذي تستضيفه مدينة سوتشي الروسية أواخر الشهر الحالي، وهو ما تعثر من جديد، إثر اتهام الأكراد للروس بأنهم يمنحون أنقرة غطاء للعملية العسكرية.
من ناحية أخرى، قال مصدر كردي رفيع المستوى لـ«الشرق الأوسط» إن الأكراد يرفضون المشاركة في مؤتمر سوتشي بعد عملية عفرين، موضحاً «لن نذهب إلى سوتشي تحت القصف. تقصفنا تركيا تحت غطاء روسي، وبتأييد روسي، فكيف نذهب إلى مؤتمر تشارك فيه أنقرة وتدعو إليه روسيا»، مشدداً على أن الروس «أعطوا الغطاء لتركيا حين رفضنا تسليم عفرين للنظام وخروجنا منها».
التأثير على مسار الحل السياسي، لا ينفيه خبراء وجدوا في عملية عفرين معرقلاً جديداً للمسار التفاوضي. ولا ينفي الدكتور هشام جابر، رئيس مركز «الشرق الأوسط» للدراسات في بيروت، أن العملية «عطلت سوتشي بلا شك»، لافتاً إلى أن الأتراك أيضاً «لا يريدون هذا المسار». لكنه أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاعتبار الذي تمضي به تركيا «لا يقف عند المسار السياسي، كونها باتت تنظر إلى أن أمنها خط أحمر، ولن تقبل بوجود 6 آلاف مقاتل مسلح ومدرب بشكل جيد على حدودها»، مشيراً إلى أن الهدف التركي الآن «إبعادهم إلى شرق الفرات».
- صراع تركي - كردي
في المقابل، رغم الإعلان التركي المتكرر أن اعتبار العملية مرتبطة بالأمن القومي التركي، فإن الانفصاليين الأكراد ينظرون إليها من زاوية أكثر تعقيداً، مرتبطة بما يسمونه «العداء التركي للأكراد»، وهو الموقف -حسب هؤلاء- «المنسجم مع الموقف الإيراني حول مواجهة المكون الكردي على حدود البلدين».
ويقول رئيس مركز الدراسات الكردية نواف خليل لـ«الشرق الأوسط»، إن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا «لا يستدعي حزب العمال الكردستاني أو حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا فحسب، بل يستدعي جميع الأكراد»، مشيراً إلى أن موقف تركيا المعارض لانفصال أكراد العراق في وقت سابق «كشف الرؤية التركية تجاه جميع أكراد المنطقة». وأضاف: «رغم أن تركيا كانت تربطها علاقات صداقة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني، فإنها أثبتت عداءها لجميع الأكراد».
وقال خليل لـ«الشرق الأوسط» إن معركة عفرين «لا تأخذ بالاعتبار المدنيين ووجود 500 ألف نازح نزحوا من مناطق سورية بفعل الحرب، إليها»، مضيفاً: «عفرين تبلغ مساحتها 3830 كيلومتراً مربعاً، وتضم 360 قرية و7 نواحٍ ومدينة، ونصف مليون نازح... وإذا كانت تركيا تظن أنها تستطيع السيطرة عليها، فإنها ستكون واهمة». وتابع: «إننا سنثبت أننا قادرون على الدفاع عن أنفسنا حتى لو تخلى عنا الجميع... لا يزال البعض ينظر إلينا على أننا قوة هامشية، أو يبني تصوراته على ما كنا عليه في العقد الماضي، لكنه لا يلتفت إلى أننا كنا القوة الأبرز في محاربة الإرهاب وطرده، كما أن تركيا تعرف قدراتنا جيداً». ثم أردف: «أحداث سوريا أثبتت قدرة النخب الكردية على قراءة المتغيرات وآفاق المستقبل لتجنيب الدمار وحماية المنطقة، وقد نسج الأكراد علاقات مع الأميركيين وباتوا جهة موثوقة مع الحلفاء العرب».
هذا، ويطلق البعض على عفرين تسمية «جبل الأكراد» نظراً إلى طبيعتها الجبلية التي مكّنت المقاتلين الأكراد من تحصينها، وحفر الخنادق لإعاقة الوصول إليها من المناطق القريبة تحت سيطرة الفصائل، لا سيما أعزاز، الواقعة في منطقة سهلية.
- حدود العملية التركية
في هذه الأثناء، لا تتحدث تركيا عن أن حدود العملية ستكون عفرين. إذ إنها صرحت مراراً بأن العملية ستمتد إلى منبج التي تحولت، منذ العام الماضي، إلى نقطة تجاذب محلية وإقليمية، تحيط بها التعقيدات، على ضوء تهديدات تركيا بأن منبج ستكون الخطوة التالية ضمن معارك القوات السورية المعارضة المتحالفة معها بعد السيطرة على مدينة الباب عبر عملية «درع الفرات»، وهو ما دفع الأميركيين إلى الدفع بتعزيزات إلى المنطقة، في موازاة الإعلان عن اتفاق مع روسيا أيضاً لتسليم القرى على الخط الأمامي مع القوات التركية لوحدات من قوات النظام السوري.
وللعلم، فإن منبج تتمتع بخصوصية مهمة، كونها ليست كردية أو تركية بل عربية، لكن الأهم من ذلك، أنها وبعد إعلان الانفصاليين الأكراد عن انتشار مدرعات أميركية في ريف منبج الغربي والشمالي المحاذي لمناطق سيطرة «درع الفرات» المدعومة من تركيا في جرابلس والباب في صيف 2017، قال مجلس منبج العسكري إن مدينة منبج السورية أصبحت تحت حماية قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش بعد زيادة «التهديدات التركية» للمدينة. وقال المتحدث باسم المجلس، شرفان درويش، آنذاك، إن الأميركيين «عززوا دورياتهم وجلبوا مصفحات ومدرعات».
وبينما يكشف مسار المعركة الحسابات التركية العازمة على إنشاء «حزام آمن» لها في الشمال، يقول الدكتور جابر إن تركيا عندما دخلت في عملية «درع الفرات»، كانت تنوي تنفيذ مربع جغرافي من أعزاز إلى جرابلس على طول الحدود مع تركيا، ويتجه إلى العمق مسافة تتخطى 30 كيلومتراً من جنوب عفرين تصل إلى جنوب منبج على الضفة الغربية لنهر الفرات، قبل أن يمنعه الروس والأميركيون. ورأى جابر أن منبج الآن أمام أحد حلين: «إما وقوف الأتراك على أبوابها، وإما توصل الروس إلى تسوية مع الأميركيين يفضي إلى إدخال قوات النظام السوري». وفي حال طُبِّق الاقتراح، فإن تركيا تكون قد ضمنت عمقاً استراتيجياً إلى الداخل السوري «لا يوجد فيه الأكراد الذين تعتبرهم تهديداً لأمنها القومي».
ويعد ذلك، جزءاً من استراتيجية تركيا لضمان أمنها عند حدود سوريا التي يسيطر عليها الأكراد. وتنقسم الخطة إلى قسمين: أولهما السيطرة الفعلية وإيجاد «منطقة عازلة» يسيطر عليها مقاتلون سوريون يدينون لها بالولاء، واحتواء القسم الثاني الممتد على مسافة تتخطى الـ500 كيلومتر من الشريط الحدودي من عين العرب إلى الحدود مع العراق.
وحسب جابر، فإن الجدار العازل الذي تقيمه تركيا مع حدودها في شمال شرقي سوريا «هو حل تكتيكي لخطر استراتيجي» لكنه «ليس حلاً دائماً»، موضحاً أن التدخل العسكري على 500 كيلومتر «سيكون صعباً ومستحيلاً عليها، لذلك يمكن أن لا تبادر الآن بأي خطوة شرق كوباني (عين العرب)، لكن إردوغان سيتحرك في حال فكرة تشكيل كيان كردي في شمال شرقي سوريا».
يُشار إلى أن مخاوف أنقرة من الانفصاليين الأكراد ظهرت في صيف عام 2012، حيث اتهم إردوغان، الذي كان حينها رئيساً للوزراء، النظام السوري بوضع مناطق عدة في شمال سوريا «في عهدة حزب العمال الكردستاني». وتخشى أنقرة من إقامة هؤلاء الأكراد حكماً ذاتياً على حدودها، وتَعد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، وجناحه العسكري (ميليشيا «وحدات حماية الشعب») الكردية، «منظمة إرهابية»، وتعتبرهما امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً ضد القوات التركية على أراضيها منذ عقود.
- عفرين مقابل إدلب
أما الأكراد فيرون أن سياق العملية في عفرين أظهر أن هناك صفقة محتملة بين النظام السوري وروسيا من جهة، وتركيا من جهة أخرى، لمقايضة إدلب السورية بعفرين.
ولا ينفي الخبراء هذا المضمون الذي يعيد إلى الذاكرة «توغل قوات درع الفرات في شمال سوريا، مقابل استعادة النظام لمدينة حلب». ويقول جابر «الصفقة تتضح إثر تقدم قوات النظام في إدلب والسيطرة على مطار أبو الضهور العسكري، مقابل إطلاق الأتراك عملية عفرين». ويستطرد مضيفاً: «روسيا تتطلع إلى حل في إدلب يفضي إلى استعادة النظام السيطرة عليها، وهو ما منح تركيا ضوءاً أخضر للدخول إلى عفرين التي ستكون جائزة ترضية عن إدلب»، مشيراً إلى أن تركيا «تعبت من ملف إدلب الذي بات عبئاً عليها، لكنها لن تتخلى عنه وتتخلص من هذا العبء بالمجان، وهو ما يدفعها إلى مقايضتها بعفرين».
- عفرين... مختبر «الحكم الذاتي» الكردي في شمال سوريا
> تعد منطقة عفرين بمثابة أول منطقة اختبر فيها الأكراد الحكم الذاتي بعد اندلاع النزاع، ثم انسحاب قوات النظام منها في عام 2012. وتقع هذه المنطقة «الجيب» في أقصى شمال غربي محافظة حلب، وتحدها تركيا من جهتي الشمال والغرب، وهي على تماسٍّ مع منطقة أعزاز الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة من جهة الشرق.
وللمنطقة حالياً منفذ وحيد يربطها بمدينة حلب التي تبعد 60 كيلومتراً عنها، يمر عبر بلدتي نبّل والزهراء الشيعيتين الواقعتين تحت سيطرة مسلحين موالين لقوات النظام. ويقول: «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن هذا الطريق يشكل «المتنفس الوحيد لمنطقة عفرين شبه المحاصرة»، وهو غالباً ما يكون سالكاً، إلا أنه في بعض الأحيان يعمد مقاتلو البلدتين إلى إغلاقه عند وقوع حوادث معينة.
سمح غياب النظام المبكر عن عفرين للانفصاليين الأكراد بتجربة الحكم الذاتي لأول مرة، فسارعوا إلى رفع صور زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، الذي تعتقله تركيا منذ عام 1999. وأنعشوا لغتهم التي كان يُمنع عليهم التحدث بها، وأسسوا المراكز التربوية والثقافية الكردية، كما شكلوا مجالس محلية وبلدية خاصة. ومع توسع مناطق سيطرتهم تدريجياً في شمال وشمال شرقي سوريا، شكلت عفرين إحدى مناطق «الإدارة الذاتية» الثلاث، ثم أحد أقاليم النظام الفيدرالي الذي أعلنوه في مارس (آذار) 2016، ويضم كذلك الجزيرة (محافظة الحسكة في الشمال الشرقي)، والفرات (شمال الوسط، ويضم أجزاء من محافظة حلب وأخرى من محافظة الرقة).



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.