محمد المُبشر: عسكرة الدولة أخّرت الحل في ليبيا

رئيس مجلس أعيان ليبيا قال لـ«الشرق الأوسط» إن بلاده تعاني من توجهات الإعلام والمال السياسي

محمد المُبشر: عسكرة الدولة أخّرت الحل في ليبيا
TT

محمد المُبشر: عسكرة الدولة أخّرت الحل في ليبيا

محمد المُبشر: عسكرة الدولة أخّرت الحل في ليبيا

بقدر ما في ليبيا من تشكيلات مسلحة لا تتوقف عن الاقتتال، وجماعات تنتهز «فوضوية» الوضع الراهن لتحقيق مكاسب ضيقة، توجد هناك في هذا البلد، الغني بالنفط، شخصيات وهيئات مدنية وقبلية تبذل جهوداً كبيرة «لإطفاء الحرائق» التي تشتعل من آن لآخر، وتسعى لـ«لم الشمل» الذي فرّقته الحسابات السياسية والمكاسب الجهوية... من بين هؤلاء، مجلس أعيان ليبيا للمصالحة، الذي يترأسه الشيخ محمد المُبشر، والذي يرى «عدم إمكانية تشكيل حكومة دائمة في البلاد، أو الاستفتاء على الدستور، أو إجراء انتخابات، إلاّ بعد المصالحة الشاملة، وتوزع السلطة والثروة بشكل عادل بين الليبيين».
المُبشر قال في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن كثيراً من وسائل الإعلام الليبية لا تخدم الاستقرار في البلاد، منتقداً حكومة الوفاق الوطني، وقال: «رغم أنها حققت نجاحاً محدوداً في طرابلس، لكنها فشلت في توحيد الوطن تحت سلطاتها». وتطرق المُبشر، ابن قرية نسمة (جنوب طرابلس)، إلى الحديث عن «دعم بعض الدول للأطراف المتحاربة بالسلاح، دون تدخل من البعثة الأممية»، التي قال إنها «تغض الطرف» عن ذلك، وتحدث عن الجدل الدائر حول «مدنية وعسكرة» الدولة، وقال: «لا نظن أن مشروعاً عسكرياً سيحكم ليبيا مستقبلاً».
> بدايةً... أطلِعنا على مهام مجلس أعيان ليبيا للمصالحة، وممن يتكون؟
- أولاً، مجلس أعيان ليبيا يُعنى بفض المنازعات، ويضم في عضويته وسطاء مهنيين وخبراء في هذا المجال، بالإضافة إلى أساتذة في الجامعات المختلفة، وأعيان مدن وقبائل؛ وتعود نشأته إلى عصر الحكم العثماني، الذي بدأ عام1551. ومنذ ذلك التاريخ وهو يمارس مهامه في البلاد، إلى أن اندلعت ثورة 17 فبراير (شباط) عام 2011، فتنادى عدد كبير من الشخصيات الليبية لتفعيله، والدفع باتجاه إعادة إحيائه من جديد كسلطة أدبية لتعويض غياب سلطة الدولة وأجهزتها، ويهدف -كما ذكرت- إلى فض المنازعات، والمساعدة في بناء الدولة العادلة، ولهذا يدعو المجلس، الذي انتُخبتُ رئيساً له في عام 2012، إلى تشكيل حكومة محايدة لا تنتمي إلى التيارات السياسية، والأطراف المتناحرة، لتقود البلاد إلى فترة انتقالية، وصولاً إلى المرحلة الدائمة بشفافية وعدل، والعمل على ضبط السلاح المنتشر في البلاد، ودعم خطط مجلس الأعيان لجمعه من أيدي المواطنين.
> وماذا عن حكومة الوفاق الوطني المدعومة دولياً؟
- حكومة الوفاق الوطني، الموجودة في العاصمة طرابلس، ليست فاعلة إلاّ في نطاق محدود من البلاد، ورغم نجاحها النسبي في طرابلس فإنها فشلت في توحيد الوطن تحت سلطاتها، وبالتالي لا يوجد اتفاق عليها في الداخل الليبي، فضلاً عن أن أعضاء المجلس الرئاسي مختلفون فيما بينهم.
> لماذا يربط مجلسكم بين تشكيل «الحكومة المحايدة» وإنجاح مسار المصالحة في البلاد؟
- نحن لا نرى إمكانية تشكيل حكومة دائمة في البلاد، أو الاستفتاء على دستور دائم، أو إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، إلاّ بعد المصالحة الشاملة، مع ضرورة أن تقوم البعثة الأممية بتوزيع دوائر السلطة والثروة بشكل عادل بين الليبيين، بما لديها من تعداد سكاني للبلاد، كي لا يُهضم حق منطقة على حساب أخرى، وكل ذلك يتطلب حكومة محايدة تعمل على الأمن أولاً، ودون ذلك نظن أنه لن تستقر البلاد إلاّ إذا رأى المجتمع الدولي فرض الاستقرار بالقوة!
> وما الموقف من حكومة عبد الله الثني المؤقتة في البيضاء؟
- منذ انقسام ليبيا ودخولها في حروب، نتعامل مع كل الحكومات المتعاقبة شرقاً وغرباً بمقياس واحد، ونقف على الحياد من جميعها، وكل منسق يتبع مجلس أعيان ليبيا في منطقة يتعامل مع الحكومة الموجودة في مدينته بما يخدم الأمن والاستقرار في البلاد، ولا يؤيد موقف هذه أو تلك، فيما يتعلق بالقضايا السياسية إلا بعد التشاور معنا.
> هل يدعم مجلسكم خيار إجراء انتخابات في البلاد في ظل تخوف البعض من عدم نجاحها؟
- المجلس يرى أن الانتخابات في الوضع الراهن دون مصالحة شاملة، ودستور دائم، أو قانون، لن تنجح في حل الأزمة الليبية، وتصلنا ملاحظات من عديد الشخصيات الاجتماعية والناشطين في المجتمع المدني، يقولون إن الانتخابات ستكون مجرد إعادة إنتاج للمشكلات، ويرون ضرورة إجراء الاستفتاء على الدستور أولاً.
> ما موقفكم من «المؤتمر الوطني الجامع» الذي دعا إليه المبعوث الأممي؟
- مجلس أعيان ليبيا للمصالحة، سبق وأعلن دعم خطة السيد سلامة منذ البداية، لأنها كانت نتاج أفكار وملاحظات كنا ننادي بها في المجلس منذ بداية المشكلة في بلادنا، ولا نزال على موقفنا، لكن هناك بعض الملاحظات على (خطة سلامة)، وتحتاج إلى توضيح أكثر، خصوصاً في ما يتعلق بالمؤتمر الوطني الجامع، ونعمل على استيضاحها منه، مع ذلك نتوقع أن يحل ذلك المؤتمر جزءاً كبيراً من المشكلة الليبية، ونشير إلى ضرورة دعم كل المسارات دون استثناء، وننبّه هنا إلى ملاحظات الليبيين، بأن الدول المتداخلة في الأزمة لا تزال تعرقل عمل الوسيط الدولي، ويجب وضع حد لذلك.
> لكن البعض يتخوف من أن يكون «المؤتمر الجامع» بوابة لعودة النظام السابق للحكم؟
- أنصار النظام السابق ليبيون، ومن حقهم المساهمة في بناء وطنهم مثل غيرهم، ويجب ألا يبقوا بعيداً عن المشاركة في استقرار البلاد وأمنها وسلامتها وسيادتها، أمّا نظام جماهيرية معمر القذافي فلن يعود للحكم مرة ثانية.
> كيف تقرأ الجدل بين (مدنية وعسكرة) الدولة... وإلى أي منهما تتجه ليبيا خصوصاً بعد إعلان المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش تأييده إجراء انتخابات؟
- بصراحة، مشروع عسكرة الدولة موجود، وله أنصاره، وأعتقد أنه أحد أسباب تأخّر الحل في ليبيا إلى الآن، ومجلس الأعيان للمصالحة يعمل على مدنية الدولة لا عسكرتها، وأخبرك أن أكثرية المواطنين يفضّلون انضواء المؤسسة العسكرية تحت السلطة المدنية، وما صرح به السيد حفتر يصب في هذا الاتجاه، ولا نظن أن مشروعاً عسكرياً ممكن أن يحكم ليبيا مستقبلاً.
> فائز السراج وعد بإعادة مواطني تاورغاء مطلع فبراير المقبل... ما احتمالية تحقق ذلك؟
- يدرك الجميع أن موضوع المصالحة بين مدينتي تاورغاء ومصراتة (شرق العاصمة) كان قراراً من الطرفين، ولا دخل لأي حكومة به، لكن لكون حكومة الوفاق تمارس عملها في طرابلس، رعت هذا الاتفاق لتنفيذ بنوده المتعلقة بالأمور التي تحتاج إلى سلطة الدولة، ونحن لمسنا من الطرفين تصميماً على تنفيذ هذا الاتفاق الذي قطع خطوات مهمة، ونظن أن عودة مواطني تاورغاء إلى ديارهم سيتحقق في الموعد المحدد، وسنكون حاضرين مع باقي الأطراف لمباركته ودعمه، ونرجو أن ينتهج الجميع نهج المصالحة أفضل من نهج الانتقام والثأر.
> وماذا عن إعادة نازحي بنغازي؟
- هذا الموضوع ليس سهلاً حله... يحتاج إلى فهم وعمل كبيرين من أطراف عدة، فإعادة نازحي بنغازي يحتاج إلى معالجات أمنية واجتماعية وسياسية، ونحاول وضع هذا الملف على أول الطريق في القريب العاجل، وسيكون من أولويات المجلس الفترة المقبلة، ولا يمكن ترك الأمر هكذا دون علاج جذري، وأكرر أن وجود حكومة موحدة محايدة سيعالج مثل هذه الأمور.
> هل سعيتم لدى أهالي مصراتة لإصلاح ذات البين وتأمين عودة مواطني تاورغاء؟
- لم ندّخر جهداً في السعي لدى أي مدينة من أجل المصالحة، ومجلس أعيان مصراتة تحديداً لا يتوقف عن معالجة كل ما يتعلق بالأزمة، وهم أكثر فهماً للمشكلات المتعلقة بمدينتهم، ونحن ندعم دورهم بكل قوة ونساعدهم بما يلزم من خبراء في هذا المجال، بجانب مساندة الأعيان، متى لزم الأمر، وأقول إن مشكلات من هذه النوعية تحتاج إلى وقت حتى يتم احتواؤها وحلها، ونرجو أن يكون العام الجاري أفضل من سابقه لكل أبناء وطني.
> هيئة الأوقاف بالحكومة المؤقتة تتهم المفتي السابق الصادق الغرياني بالتحريض على هجوم مطار معيتيقة... ما تعليقك؟
- كل طرف في ليبيا يتهم الطرف الآخر بتهم عدة، ولو أبدينا رأينا في هذا الموقف أو ذاك، سنخرج عن دورنا المحايد الذي يستهدف محاولة الحد من تفاقم الأزمات، ومواقف الوسطاء في مثل هذه الظروف بالغة الحساسية، فلا يجب التعاطي مع اتهام بعض الأطراف لبعضها إعلامياً، ونستعين بالنائب العام، لمعرفة نتائج التحقيق في أي مشكلة، ولا يمكن التغاضي عن أن الهجوم على مطار مدني خطأ كبير يجب عدم تكراره.
> وما جهودكم للتصدي للاقتتال بين الميليشيات في طرابلس؟
- نحن الآن نعمل مع عديد من الأطراف المحلية، وندعم البلديات في طرابلس لاحتواء المشكلات، وندفع باتجاه حل الأزمة من جذورها، ولا يمكن شرح ذلك الآن لأسباب عدة، نتحفظ على ذكرها.
> هل تتوافقون مع من يقول إن الجماعات المسلحة لها نفوذ دولي في ظل أجندات تستهدف إثارة الفوضى في البلاد؟
- إلى حد ما، وليس في المطلق، فالجماعات المسلحة في شمال ليبيا تختلف في تركيبتها عن الوسط أو الجنوب، والصراع الدولي والمحلي أنتج مجموعات مسلحة عدة مختلفة الانتماءات، وترغب كل منها في السيطرة على الأرض بالاقتتال، وهناك مجموعات مسلحة وُجدت لإثارة الفوضى في البلاد، وأخرى تسترزق بالبندقية، وهذا ما نعمل على التصدي له، وتحديد نوعية السلاح المستخدم في الاقتتال، وتبعيته لأي جهة، ونجحنا إلى حد كبير في ذلك.
> ألا توجد مبادرات يطلقها المجتمع المدني لجمع السلاح من أيدي المواطنين؟
- كانت هناك مبادرة من مجلس أعيان ليبيا في اللقاء الكبير الذي دُعي إليه الليبيون من مجلس الأعيان في نالوت (جنوب غرب العاصمة) عام 2016، وكانت الدعوة تنص على تدمير بعض الأسلحة، في رمزية على أن المجتمع لا يريد شراء السلاح، أو رفع الحظر عنه، والمجلس يريد تدمير جميع الأسلحة كلما أمكن، والجزء الثاني من المبادرة تحديد تبعية السلاح وتصنيفه، بحيث تتم معرفة تبعيته لأي مدينة أو قبيلة، وعند انتهاء الخلاف حول توحيد المؤسسة العسكرية وتفعيلها يتم تسليم الأسلحة الثقيلة كخطوة أولى، ثم تأتي خطوات أخرى تباعاً.
> سبق للمبعوث الأممي القول إن ليبيا بها أكثر من 20 مليون قطعة سلاح... إلى أي مدى تعيق هذه الترسانة خطط السلام ونشر الأمن في البلاد؟
- بجانب عدم وجود إرادة سياسية وقدرة لتحقيق السلام، فضلاً عن انقسام البلاد وتعدد الانتماءات، يعد انتشار السلاح أهم كوارث ليبيا وأكبرها، وما نسمعه من البعثة الأممية لدى ليبيا مجرد كلام، ونرى أنها أحد أهم أسباب عدم الاستقرار بقراراتها التي أوصلت ليبيا إلى ما هي عليه الآن، فهناك قرارات واضحة بحظر شراء السلاح، رغم ذلك تغض البصر عن الدول التي تصدره للأطراف المتحاربة في ليبيا دون عقاب، وتكتفي بنشر التقارير فقط. وتلك الدول منقسمة، فمنها من يدعم هذا الطرف بالسلاح، ومنها من يساند ذاك أيضاً، ليستمر الاقتتال في البلاد، وما إن يتوقف في مكان حتى يندلع في منطقة أخرى، لهذا نرى أن البعثة الأممية تتحدث فقط دون فعل، وبالتالي فإن تحقيق السلام في البلاد يحتاج إلى قدرة وقوة ضامنة لتحقيقه، ونحن نسير الآن بخطى ثابتة نحو ذلك، ولدينا مشروع متكامل، ممكن أن يطول، لكن سنصل حتماً.
> وما تقييمكم لأداء الإعلام الليبي في ظل وجود اتهامات لبعض المحطات بأنها إحدى أدوات المال السياسي؟
- الإعلام يسهم عادةً في استقرار البلاد أو العكس، وليبيا تعاني من استخدامات المال السياسي، واختلاف توجهات الإعلام، فالكثير منها لا يخدم ليبيا باستثناء بعض القنوات. وفي ظني، معاناتنا ستستمر بسبب هذه التوجهات إلى أن نصل إلى وحدة البلاد، لكن نرجو من الإعلام دعم السلام في البلاد... يجب أن يكون السلام هدفاً مشتركاً من الإعلام المحلي والدولي أيضاً.
> انتهت الورشة التي نظمتها الأمم المتحدة وحضرها 60 شخصية ليبية تحت عنوان «الوسطاء المحليون» إلى إنشاء شبكة وطنية للوسطاء... ما طبيعة عمل هذه الشبكة، وما الفارق بينها وبين مجلسكم؟
- هذه الورشة التي دُعيتُ إليها شملت عديداً من الوجهاء والنشطاء والوسطاء الداعين للمصالحة والعاملين عليها، والأمم المتحدة تحاول فهم كيف تعمل الوساطة المحلية، وما الدعم الذي يمكن تقديمه لها، وأظن أن الورشة لم تأتِ بجديد. ويمكنني القول إن الحضور كان جيداً، والتوصيات التي خرجت بها الورشة تصب في التطلعات التي يرغب فيها الوسيط المحلي، ولا فرق بينها وبين عملنا، غير أن هذه الشبكة تُدعم لوجستياً من البعثة، ونحن نأمل أن تعمل الأمم المتحدة على حل المشكلة الليبية جذرياً، وليس بإنشاء شبكات وسطاء جديدة، وما سبق يوحي لنا بأن الاشتباكات في البلاد مستمرة لفترة طويلة، فالأمم المتحدة عاجزة، أو لا ترغب في إنهائها أو معالجة أسبابها بتشكيل حكومة قوية تسهم في استقرار ليبيا، ولهذا تريد استمرار الوسطاء المحليين في فض النزاعات، ونرجو أن يكون الأمر غير ذلك.
> أخيراً... هل هذه الحلول ستصمد أمام المطالبين بجبر الضرر والمطالبة بالحقوق عما لحقهم من الحروب السابقة؟
- الحل الآن بات مفوضاً لليبيين عن طريق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن الدولي، بمقتضى الاتفاق السياسي الذي وقِّع في مدينة الصخيرات المغربية نهاية ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، ونرى في مجلس الأعيان أنه الإطار الوحيد للحل، ولن نخرج عن ذلك، كما ندرك أيضاً أن القضية الليبية تم تدويلها، ورغم ذلك لن نترك العمل من أجل بلادنا ولن ندع التدويل يثنينا عن استقراره، لهذا أعددنا رؤية كاملة وواقعية للحل في ليبيا تبدأ بعقد اجتماعي أو ميثاق تتفق عليه المدن والقبائل، ويتضمن في أول بنوده تأجيل الخصومة أو المطالبة بالحقوق لفترة زمنية معينة حتى يتحقق الأمن والاستقرار، عقب ذلك يتم التعداد السكاني برعاية الأمم المتحدة، والاستفتاء على القضايا الخلافية، والاستفتاء على دستور دائم للبلاد، يحدد شكل الدولة ونظام حكمها، دون إقصاء أحد، على أن تكون هذه الخطة محددة زمنياً بمدة لا تتجاوز سنة ونصف السنة، وبعدها سينتصر الوطن بعون الله.



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended