الانتخابات العراقية... في الميزان

بين مساعي التأجيل وإعادة تدوير التحالفات

الانتخابات العراقية... في الميزان
TT

الانتخابات العراقية... في الميزان

الانتخابات العراقية... في الميزان

بعدما بدا أن ملامح المشهد الانتخابي في العراق على وشك أن تتضح، فتفرز القوى الأساسية على القوائم المتنافسة، في المعركة المقررة يوم 12 مايو (أيار) المقبل، تحوّلت جلسة يوم أول من أمس الخميس إلى جلسة لإعادة الاصطفاف وصراع الإرادات ولي الأذرع من جديد. وفي حين تحقّق النصاب لعقد جلسة لغرض التصويت السري على التأجيل أو الإحجام عنه خلال جلسة الخميس فإن نواب «التحالف الوطني» باستثناء بضعة نواب انسحبوا من الجلسة، الأمر الذي أدى إلى الإخلال بالنصاب الكافي لإمكانية تمرير التأجيل في حال حصل التصويت.
بدأ العد التنازلي للانتخابات البرلمانية في العراق المزمع إجراؤها في الثاني عشر من شهر مايو 2018، ومع أن هذا الموعد ما زال افتراضياً، إذ سبق أن حددته الحكومة، فإنه لم يجرِ حتى الآن التصويت عليه داخل قبة البرلمان... كي يغدو موعداً نهائياً.
جلسة أول من أمس الخميس - كما سبقت الإشارة - تحوّلت إلى جلسة للاصطفافات مرة ولصراع الإرادات ولي الأذرع مرة أخرى. ذلك أنه بينما تسعى كتلة «تحالف القوى العراقية» (الكتلة السنّيّة الأكبر في البرلمان العراقي)، يساندها ائتلاف «الوطنية» الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، بالإضافة إلى الأكراد باستثناء «حركة التغيير» (غوران)، إلى تأجيل الانتخابات لمدة ستة أشهر... فإن «التحالف الوطني» (الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان) يرفض التأجيل، ويدعو إلى إجرائها في موعدها المقرّر.
وفي حين تحقق النصاب لعقد جلسة سرّية لغرض التصويت السرّي على التأجيل من عدمه خلال جلسة الخميس فإن نواب «التحالف الوطني» باستثناء بضعة نواب انسحبوا من الجلسة، ما أدى إلى الإخلال بالنصاب الكافي لإمكانية تمرير التأجيل في حال حصل التصويت، وذلك لحاجته إلى الغالبية البسيطة وهو ما لم يتحقق خلال الجلسة.
المبرّرات التي يسوقها كل طرف، سواءً للتأجيل أو رفضه، لا تكاد تخرج عن مبررات دستورية تبدو مقنعة من حيث المبدأ. إذ إن الدستور العراقي لم يشر إلى أي عملية تأجيل، بل حدد فترة البرلمان بأربع سنوات كاملة بحيث يجب أن تجرى الانتخابات قبل نهاية الدورة البرلمانية بـ45 يوما. وهنا يقول الخبير القانوني طارق حرب لـ«الشرق الأوسط» مفسراً التضارب الحاصل في فهم الدستور والبحث عن مواعيد بديلة إنه «لما كانت الدورة البرلمانية الحالية تنتهي ببداية الشهر السابع من هذا العام فإن الانتخابات لا بد أن تجرى في النصف الأول من الشهر الخامس، لأنه في حال عدم إجرائها سيحصل فراغ دستوري».
ويبين حرب أن «الدستور العراقي سكت عن أي مخرج قابل للنقاش، مثل حكومة طوارئ، أو إمكانية تأجيل الأمر، الذي يعني أنه في حال لم تجر الانتخابات في موعدها... سندخل في فراغ دستوري يمكن أن يذهب البلد خلاله إلى المجهول، وذلك لأن الحكومة في حال بقائها ستفقد صفتها الشرعية لعدم وجود برلمان».
ورداً على سؤال بشأن إمكانية تشكيل حكومة طوارئ حتى إجراء الانتخابات في الموعد اللاحق، يشير حرب إلى أن «الدستور العراقي لم يتكلّم عن حكومة طوارئ بل عن إعلان حالة الطوارئ، الذي يتم عبر طلب مشترك من رئيسي الجمهورية والوزراء ولمدة محددة بموافقة البرلمان».
وعلى الرغم من أن عملية التصويت جرى تأجيلها إلى السبت (اليوم) فإن الاصطفافات التي حصلت فتحت الأبواب ثانية أمام تناقض كبير في المواقف والرؤى. وما جرى الحديث عنه خلال السنوات الأربع الماضية من تفاهمات وطنية عابرة للعرقية والمذهبية سقط بـ«ضربة التصويت السرّي القاضية» التي أبرزت بشكل لا لبس فيه أن التناقضات في العراق ما زالت قائمة على أسس طائفية وعرقية ومناطقية وحزبية وجهوية. ومن ثم، فشعارات كـ«الوطنية» و«المواطنة»، والكتل العابرة للفئوية - التي تم تشكيلها مؤخراً وإعلانها من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات كجزء من إعادة التدوير، لم تتمكن من تخطي هذه الاصطفافات إلا عبر عملية تطعيم لبعض الكتل ببضع شخصيات من هذا المذهب أو ذاك. وفي هذا انعكاس لفشل الطبقة السياسية العراقية في تخطي هذه العقبة، كما يرى السياسي العراقي المستقل الدكتور نديم الجابري في حديث أدلى به لـ«الشرق الأوسط».
- جلسة استثنائية... ولكن
قليلة هي المرات التي يعقد البرلمان العراقي جلسة يمكن أن يصل عدد الحاضرين فيها إلى 180 أو 190 نائبا في كل دورات البرلمان الثلاث، بين عام 2006 وحتى اليوم، من أصل 328 نائبا هم مجموع أعضاء البرلمان العراقي. بل لقد جرت العادة في الغالب أن يلجأ رئيس المجلس إلى تأجيل الجلسة لمدة نصف ساعة لعدم اكتمال النصاب القانوني لبدء الجلسة.
جلسات قليلة هي التي تخطى عدد الحضور حاجز الـ200 نائب، وهي في العادة الجلسات التي تبدو مصيرية، ولكن على أساس بحث مستقبل البلد بل مستقبل الكتل والمكوّنات. ولذا فإن جلسة الخميس الماضي، التي حضرها من النواب 260 نائباً، كانت، بالتالي، جلسة استثنائية... لكن ليس بكل المقاييس بل بمقياس واحد هو الاصطفاف وصراع الإرادات بهدف إفشال عملية التصويت لتأجيل الانتخابات.
وعلى الرغم من إعلان الدكتور سليم الجبوري، رئيس البرلمان، عن موافقة 149 نائباً من أصل 260. على إجراء عملية التصويت السرّي على قانون الانتخابات التشريعية فإن انسحاب أعضاء «التحالف الوطني» من الجلسة أدى إلى الإخلال بالنصاب، ما دعاه إلى تأجيل الجلسة إلى السبت. وفي هذا السياق يقول طارق حرب إن «الجبوري استخدم كفاءته – بصفته رجل قانون - ودهاءه السياسي لضمان موافقة النواب على مبدأ سرّية الجلسة... على أن يجري بعدها التصويت. وبالتالي، فإن موافقة نواب التحالف الوطني على ذلك حتى مع انسحابهم للإخلال بالنصاب... أتاحت للجبوري ضمان بقاء التصويت سرّياً».
المراقبون، ومنهم الخبير القانوني طارق حرب، لا يتوقعون الآن تمرير عملية التأجيل، لا سيما «بعد القرار الذي اتخذته قيادة التحالف الوطني بعدم التأجيل وإجراء الانتخابات في موعدها». إلا أن قياديا سياسيا شيعياً أبلغ «الشرق الأوسط» - شريطة التكتم على اسمه - أن «من بين النواب الشيعة، ومن كتل مختلفة، نوابا كانوا مع التأجيل، وهو ما دفعهم إلى الموافقة على التصويت السرّي لكي لا يعرف أحد هوية المصوتين مع التأجيل والمصوتين ضده».
ويورد القيادي الشيعي «أسباباً كثيرة تقف خلف هذا الأمر، من بينها توجيهات سرّية لهم من بعض زعامات الكتل بالوقوف مع التأجيل لحاجة هذه الزعامات إلى إعادة النظر في حساباتها وأحجامها وأوزانها. وعلى هذا الأساس، فإن التأجيل لمدة 6 شهور، حتى لو بدا انقلاباً على الدستور، يوفّر مدة كافية لهم لعمل ما يريدونه». ويضيف القيادي أن «هناك أسبابا شخصية أيضا، ربما، تقف خلف ذلك... وهي استمرار الزعامات المذكورة في السلطة لمدة إضافية، بما في ذلك من امتيازات، خصوصاً بالنسبة لأولئك الذين إما لا يريدون الترشح لفقدانهم الأمل بالفوز ثانية، أو الذين سبق إبلاغهم من جانب كتلهم باستبعاد ترشيحهم. لكنهم، حين تم اتخاذ قرار الرفض من قبل قيادة التحالف الوطني وجدوا أنفسهم مُحرجين، بعدما هدّد النائب الأول لرئيس البرلمان همام حمودي (عن التحالف الوطني) بالكشف عن أسماء مَن يصوّت سرّياً لصالح التأجيل».
- موقفا طهران وواشنطن
في هذه الأثناء، يشير مراقبون إلى أنه بينما يعمل الجنرال الإيراني قاسم سليماني المستحيل من أجل الإبقاء على «وحدة البيت الشيعي»، فإن السفير الأميركي في العراق دوغلاس سيليمان يواصل - وبنجاح ساحق - خذلانه للأكراد والعرب السنة معا.
هؤلاء يذكرون أنه بعد شعور الأكراد بخيبة أمل مريرة من الموقف الأميركي من أزمة الاستفتاء الكردي - الذي كان قد أجراه إقليم كردستان العراق بشأن حق تقرير المصير يوم 25 سبتمبر (أيلول) عام 2017 -، فإن إعلان موقف أميركي صارم من ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها خلال مايو المقبل سيعني طعنة للعرب السنة الذين يسعون إلى تأجيلها لمدة ستة شهور. وللعلم، في اليوم الذي بدأ البرلمان العراقي (الخميس الماضي) التصويت سراً على إمكانية تأجيل الانتخابات من موعدها المقرر يوم 12 مايو المقبل إلى أول ديسمبر (كانون الأول) المقبل، أصدرت السفارة الأميركية في بغداد بياناً قطعت فيه الشك باليقين لجهة موقف الإدارة الأميركية من مسألة إجراء الانتخابات.
السفارة، في بيان لها صدر أول من أمس الخميس بينما كانت جلسة البرلمان العراقي تشهد اصطفافات طائفية غير مسبوقة، أعلنت عن رفضها مطالب العرب السنة الداعية إلى التأجيل. وقال البيان بلسان عربي فصيح إن «حكومة الولايات المتحدة الأميركية تدعم بشدة إجراء الانتخابات الوطنية العراقية في شهر مايو 2018 تماشيا مع الدستور العراقي»، وإن من شأن تأجيل الانتخابات أن «يشكل سابقة خطيرة، فيقوّض الدستور ويضرّ بالتطور الديمقراطي في العراق على المدى البعيد».
السفارة أضافت أنه، في سبيل تحقيق هدف إجرائها في موعدها، فإن الولايات المتحدة الأميركية «تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتقديم مساعدات سوف تسهم في ضمان سماع واحتساب أصوات العراقيين، بما في ذلك أصوات ما يقرب من 2.6 مليون عراقي الذين ما زالوا نازحين عن ديارهم في المناطق المحرّرة». وهذا يعني نوعاً من الطمأنة الظاهرية للسنة الذين يخشون من إمكانية تزوير النتائج في مخيمات النزوح لصالح جهات متنفذة. وأشارت السفارة في بيانها إلى أن «الوكالة الأميركية ستساعد في تمكين العراقيين النازحين داخلياً من التصويت من خلال التركيز على تسجيل الناخبين، وضمان فاعلية أنظمة التصويت الإلكتروني، وتحسين القدرة الإدارية الانتخابية على مستوى المحافظات لدعم عملية التصويت في المناطق المحررة مؤخراً، ومساعدة مجلس المفوضين الجديد في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات على وضع خطة تشغيلية سليمة لانتخابات مايو 2018».
هذا الموقف الأميركي، بقدر ما يشكل تراجعاً عن التعهدات التي كانت واشنطن قطعتها للعرب السنة من خلال ما تعلنه من مواقف بشأن ضمان بناء الديمقراطية في العراق على أساس تمثيل كل المكوّنات، فإنه كان بمثابة تشجيع للقوى الرافضة لتأجيل الانتخابات التي نجحت في الإخلال بالنصاب خلال الجلسة. وبناءً عليه، فمن غير المتوقع أن يتمكن مناصرو التأجيل من جمع الأغلبية المناسبة لفرض رؤيتهم بالتأجيل.
- التحالفات... ثانية وثالثة
في واقع الأمر، لا تكمن القصة على صعيد الانتخابات العراقية في إجرائها في موعدها المحدد أم تأجيلها، بل تكمن في الأسباب والدوافع لكل طرف سواء في التأجيل أو الإجراء. فثمة جماعات من بين أبناء المناطق السنّية ترى في التأجيل حلاً - ولو جزئياً - لقضية التحالفات السياسية، وذلك بسبب اختلال التوازن في المحافظات الغربية بين ممثلي هذه المحافظات أنفسهم. في حين، في الأوساط الشيعية، يبدو الموقف متباينا من حيث الظاهر والباطن. إذ بينما تعلن جميع الكتل والأحزاب الشيعية مواقف رافضة لتأجيل الانتخابات، فإن بعضها يؤيد ضمنياً خيار التأجيل لحاجته إلى إعادة النظر في حساباته الانتخابية لجهة معرفة الأوزان والأحجام.
وفي السياق نفسه، فإن مواقف غالبية الكتل الكردية مع التأجيل، باستثناء «حركة التغيير» الرافضة له. ويعود الاختلاف إلى الخلافات الداخلية في إقليم كردستان العراق، والتغير الواضح في مزاج الناخب الكردي، بالإضافة إلى الأزمة مع الحكومة الاتحادية في بغداد بشأن الرواتب وحصة الكرد من الموازنة والمناطق المتنازع عليها والمطارات والمنافذ الحدودية.
وهكذا، في نهاية المطاف، القصة كلها مرتبطة بطبيعة التحالفات السياسية وحاجة كل طرف لمعرفة وزنه الانتخابي. ولقد تجلى ذلك في المواقف الحادة التي ظهرت بين رئيس الوزراء حيدر العبادي وسلفه نوري المالكي رئيس الوزراء السابق. فكل من العبادي والمالكي ينتميان إلى حزب واحد (هو «حزب الدعوة») وائتلاف واحد (كتلة «دولة القانون») لكنهما مختلفان من نواح عدة، وهو خلاف بدأ منذ قبول العبادي أن يكون بديلاً للمالكي في رئاسة الحكومة عام 2014. حينذاك، حصل خلاف كبير داخل حزب الدعوة كاد أن يتطور في الأيام الماضية إلى انشقاق لولا التوصل إلى تسوية بين العبادي والمالكي تتضمن انسحاب الحزب من المشاركة في الانتخابات، ودخول العبادي والمالكي في قائمتين انتخابيتين مختلفتين: العبادي ضمن قائمة «نصر العراق» والمالكي «دولة القانون».
وفي سياق الاختلاف في الأحجام والموازين وما يمكن أن تتركه من تأثيرات على الخريطة السياسية المقبلة، يقول السياسي العراقي المستقل الدكتور نديم الجابري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «انسحاب تحالف (الفتح) من قائمة (النصر) جاء لمصلحة العبادي، لأنه في هذه الحالة سيكسب الانتخابات، لكنه سيخسر رئاسة الحكومة». ويشرح الجابري ذلك بقوله إن «العبادي لو استمر في تحالفه مع (الفتح) وحقق الغالبية التي قد تؤهله لتشكيل الحكومة، فسوف يواجه ضغوطا دولية وإقليمية بشأن تحالفه مع فصائل (الحشد الشعبي)...»، ثم يضيف أن «المسألة الأخرى المهمة أن تشكيل الحكومة لا يرتبط بمجرد تشكيل كتلة أكبر، بل هناك موازنات صعبة مع كتل وكيانات ومكونات لا بد منها». ولا يستبعد الجابري عودة هذه الأطراف إلى «الاصطفافات والتقوقع الطائفي، لأن هذه الاصطفافات، رغم كل الحديث عن الكتل العابرة، تحوّلت إلى منظومة ثابتة من الصعب تخطيها... وستكون عملية تشكيل الحكومة خلال الانتخابات المقبلة صعبة بسبب التقارب النسبي بين الكتل؛ إذ لن تكون هناك كتلة كبيرة في الغالب».
رؤية الجابري هذه تحققت بالفعل بعد أيام قليلة، عندما جرى التصويت داخل البرلمان على تأجيل الانتخابات، إذ ظهرت عملية اصطفاف طائفي غير مسبوقة حيال الموقف من الانتخابات، وهو ما من شأنه التأثير على النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها الانتخابات المقبلة.
مع ذلك، تبقى المواقف داخل مختلف الكتل متباينة حيال الانتخابات، سواء أجريت في موعدها المحدد أم أجّلت. فالشيعة الذين كانوا يتحدثون عن حكومة الغالبية السياسية أو الكتل العابرة للعرقية والطائفية تراجعوا خطوات إلى الخلف نتيجة وجود صراع إرادات حتى داخل كتلهم، وهو ما ألقى بظلاله على سرعة بناء التحالفات، وخاصة مشروع تحالف («النصر» - «الفتح») بين العبادي وقوى «الحشد الشعبي» الذي انهار بعد بضع ساعات من إعلانه. وقبله... بين العبادي والمالكي، الذي كاد أن يؤدي إلى انشقاق جديد في حزب الدعوة.
وهنا تبرز مسألة الولاية الثالثة للمالكي والثانية للعبادي على أنها حجر الزاوية في المشهد السياسي داخل القوى الشيعية، وذلك من منطلق أن رئيس الوزراء هو الذي ترشحه الكتلة النيابية الأكبر. وطالما لا توجد فرصة في المدى المنظور لتشكيل مثل هذه الكتلة، وفقا للمعايير الوطنية، فإن الصراع بشأن المنصب التنفيذي الأهم في الدولة، أي منصب رئاسة الوزراء، سيبقى محصورا في الدائرة الشيعية.
من جهة أخرى، بينما تبدو فرص العبادي جيدة على صعيد إمكانية حصوله على ولاية ثانية، فإن فرص المالكي تبدو معدومة إلى حد كبير، لكنه - مع ذلك - يريد أن يكون له دور في تحديد ملامح الشخصية التي يمكن أن تتولى هذا المنصب.
وإذ يبدو أن الصراع سيحتدم على حصد أعلى الأصوات في الانتخابات بين قائمتي العبادي («النصر») و«الفتح») بزعامة هادي العامري، زعيم «منظمة بدر»، يبدو لافتاً ما قاله لـ«الشرق الأوسط» كل من الناطق باسم «عصائب أهل الحق» نعيم العبودي والقيادي البارز في تحالف «الفتح» أحمد الأسدي، وهو عضو في البرلمان. الأسدي يقول إن «المشروع الذي تحمله كتلة فتح هو مشروع خَدَمي بحث»، أما العبودي فيشدد على أن «كتلتنا لا تطمح في تسلم منصب رئاسة الحكومة».
مع ذلك، تبقى كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة، سواء أجريت الانتخابات بعد أربعة أشهر أو تقرر تأجيلها لنحو 10 شهور. ومنذ الآن وحتى ذلك التاريخ... فلكل حادث حديث.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».