لهجة ترمب الحربية «دفعت بيونغ يانغ إلى التهدئة»

مجلس الأمن يرحب بالمحادثات بين الكوريتين

قوات البحرية الكورية الجنوبية تتسلم أول من أمس مروحيات ذات قدرات مرتفعة (إ.ب.أ)
قوات البحرية الكورية الجنوبية تتسلم أول من أمس مروحيات ذات قدرات مرتفعة (إ.ب.أ)
TT

لهجة ترمب الحربية «دفعت بيونغ يانغ إلى التهدئة»

قوات البحرية الكورية الجنوبية تتسلم أول من أمس مروحيات ذات قدرات مرتفعة (إ.ب.أ)
قوات البحرية الكورية الجنوبية تتسلم أول من أمس مروحيات ذات قدرات مرتفعة (إ.ب.أ)

رغم التلاسُن المستمرّ بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منذ وصوله إلى الحكم، والزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ أون، على وقع تجارب بيونغ يانغ الصاروخية الأخيرة، بدَّل الاثنان نبرتهما في الأسابيع الأخيرة، وأظهرا مرونة واستعداداً لنزع فتيل الأزمة. لكن يرى خبراء مطلعون على الملف الكوري أن موافقة بيونغ يانغ على استئناف الحوار مع سيول قد تكون ناجمة جزئياً عن الخوف من أن تنفذ الولايات المتحدة التهديدات التي أطلقها الرئيس ترمب بشن حرب.
ويرى هؤلاء أنه مهما كانت القدرات الفعلية لكوريا الشمالية والإعلانات الصادرة عن أجهزتها الدعائية، فإن الخطاب الحربي للرئيس ترمب، ترك في نهاية الأمر أثراً لدى نخب النظام الكوري الشمالي، التي قد تكون حاولت خفض حدة التوتر بدافع القلق من احتمال حصول حرب، كما صرح خبير روسي التقى بعض المسؤولين في كوريا الشمالية.
وبعد سنتين من تصاعد التوتر في شبه الجزيرة الكورية، شهد الوضع فجأة هدوءاً بعد أول محادثات بين الكوريتين، الثلاثاء، ومع قرار بيونغ يانغ إرسال وفد إلى الألعاب الأولمبية الشتوية المرتقبة في الجنوب الشهر المقبل. وهذا ما كانت ترغب الصين في حدوثه، وهي حليفة كوريا الشمالية التي يهمها تجنب أي مجابهة عسكرية في المنطقة.
وقال مكتب رئيس كوريا الجنوبية مون جيه - إن، أمس (الخميس)، إن الرئيس الصيني شي جين بينغ رحب بالتقدم الأخير الذي أحرزته المحادثات، وذلك خلال مكالمة هاتفية مع مون. واتفق الجانبان على حل المشكلات عبر الحوار واستئناف المشاورات العسكرية لتجنب أي صراع قد يحدث بشكل عرضي. وقال البيت الأزرق الرئاسي في سيول، في بيان، كما نقلت عنه وكالة «رويترز»، إن شي عبر عن مساندته لموقف مون من أن التقدم في المحادثات الكورية يجب أن يسير (بالتوازي) مع نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة.
ألكسندر فورونتسوف مدير معهد دراسات الشرق في الأكاديمية الروسية للعلوم حضر، في نهاية السنة الماضية، عدة اجتماعات في بيونغ يانغ، كما كتبت الصحافة الفرنسية. وكتب، أول من أمس (الأربعاء)، على موقع «38 نورث» أنه اجتمع مع مسؤولين كوريين شماليين «كانوا يخشون أن تكون الولايات المتحدة تحضر ميدان المعركة لعملية عسكرية ضد الشمال». وأضاف: «لقد بدوا مندهشين فعلاً من أن الجنوب ليس مدركاً أن ترمب كان يمضي بحزم نحو الحرب».
وأكدوا أن بيونغ يانغ «لم يكن لديها أي أوهام» حيال هذا الأمر. وأشار إلى «قلق متزايد» في بيونغ يانغ من أنه يجري التحضير لهجوم، وأن «ساعة الصفر لم تعُد بعيدة جداً».
وأول من أمس (الأربعاء)، قال ترمب إنه منفتح بشروط على إجراء مباحثات مباشرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وذلك خلال محادثة هاتفية بينه وبين نظيره الكوري الجنوبي. واستبعد الرئيس الأميركي أن تكون هناك تجهيزات أميركية لـ«حرب مقبلة»، وقال إن هناك تعزيزات عسكرية أميركية هدفها «ضمان السلام من خلال القوة».
تصريح ترمب جاء رداً على سؤال لصحافي نرويجي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض مع رئيسة الوزراء النرويجية إرنا سولبرغ، بشأن ما قاله جنرال أميركي لجنود أميركيين متمركزين في النرويج بأن «هناك حرباً مقبلة». وقال ترمب، كما نقلت عنه الوكالة الألمانية: «لا أتوقع ذلك.. أعتقد أننا نسعى لإحلال السلام من خلال القوة. أعتقد أنه ستكون لدينا فترة طويلة من السلام. أتمنى أن نفعل».
وأشار ترمب إلى أن تعزيزاته العسكرية هي وسيلة للحفاظ على السلام في العالم رغم «المشكلات» مع كوريا الشمالية. وأضاف أن محادثات هذا الأسبوع بين الكوريتين الشمالية والجنوبية لها «طاقة إيجابية».
منذ تولي الزعيم كيم يونغ أون السلطة في 2011 حققت كوريا الشمالية تقدماً سريعاً نحو تحقيق هدفها بتطوير صاروخ يمكن أن يُجهَّز برأس نووي، ويمكن أن يضرب الأراضي الأميركية. ومن غير المعروف إذا كانت بالفعل قادرة على إطلاق صاروخ مجهَّز بقنبلة نووية قادر على الوصول إلى البر الأميركي، لكن تقدمها التكنولوجي والعسكري أسهم في تعزيز موقفها الدبلوماسي تحسباً لاحتمال استئناف المفاوضات.
وقال كيم جون أونغ في خطابه بمناسبة رأس السنة إن كوريا الشمالية «يمكنها مواجهة أي تهديد نووي من الولايات المتحدة. إنها تملك ردعاً قوياً قادراً على منع الولايات المتحدة من اللعب بالنار».
وأكد مسؤولو إدارة ترمب عدة مرات أن الخيار العسكري مطروح على الطاولة كما أن الولايات المتحدة شاركت في 2017 في عدة مناورات مشتركة مع اليابان وكوريا الجنوبية، ونشرت في الوقت نفسه ثلاث حاملات طائرات في المنطقة. ومنذ وصوله إلى السلطة أهان ترمب الزعيم الكوري الشمالي عبر وصفه بأنه «قصير وسمين»، واعداً بصب «النار والغضب» على النظام، كما أنه عارض علناً وزير خارجيته ريكس تيلرسون، حول احتمال إجراء اتصالات مباشرة مع بيونغ يانغ.
وبذلك اعتبر عدد من المحللين أن الرئيس الأميركي يستخدم «نظرية الرجل المجنون» التي كان يلجأ إليها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون وتقوم على أساس إعطاء الانطباع بأن رئيس الولايات المتحدة متهور وغير منطقي بهدف إخافة الخصوم وحملهم على تقديم تنازلات.
في الجمعية العامة للأمم المتحدة وصل ترمب إلى حد التهديد بـ«التدمير الكامل» للنظام الكوري الشمالي. واعتبر كيم يونغ أون آنذاك أن هذه التصريحات صادرة عن «مريض عقلي». وكتب آنذاك أحد معلِّقِي صحيفة «نيويوركر» أنه «لم يتحدث قطّ في السابق زعيمان يترأسان دولتين نوويتين بهذا الوضوح عن مواجهة».
ورأى غو ميونغ هيون من معهد «اسان» للدراسات السياسية أن البيت الأبيض تمكن من «زرع خوف كبير لدى بيونغ يانغ». وقال، لـ«الصحافة الفرنسية»، إن الكوريين الشماليين «أتوا للمحادثات مع الجنوب لاستعادة بعض المجال الاستراتيجي». وأول من أمس (الأربعاء)، شكر الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي أن نظيره الأميركي على جهوده مشيداً بدوره «المهم جداً».
لكن وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري اعتبر من جهته أن تغريدات الرئيس الأميركي خلقت «فوضى سياسية»، في حين رأى كثير من الخبراء أن موقف ترمب سيؤتي على المدى الطويل نتائج عكسية.
وكتب روبرت كيلي من جامعة بوسان الوطنية في الأيام الماضية أن الرئيس الأميركي «كان يتحدث إلى الدولة الأخطر في العالم وكأنها ولد لا يُطاق». وقال: «بصراحة أن ترمب قام ببساطة بتصعيد الأمور وخطابه أقنع بالتأكيد النخبة في نظام كيم بأن البرنامج النووي قرار حكيم».
وفي سياق متصل، رحّب مجلس الأمن الدولي بالمحادثات التي جرت بين الكوريتين، معرباً عن أمله في أن تمهد هذه الخطوة الطريق أمام جعل شبه الجزيرة الكورية خالية من السلاح النووي.
وقال سفير كازاخستان لدى الأمم المتحدة خيرت عمروف الذي تتولى بلاده الرئاسة الشهرية لمجلس الأمن في تصريح للصحافيين إن «مجلس الأمن يرحب بالخطوات والاتصالات التي جرت بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وجمهورية كوريا».
وأضاف، في تصريحات نقلتها «الصحافة الفرنسية»، أن «أعضاء المجلس أشاروا إلى أن حواراً مبدئياً بين الكوريتين يمكن أن يفتح إمكانيات أمام بناء الثقة في شبه الجزيرة الكورية للحد من التوترات والوصول إلى نزع السلاح النووي». ولفت عمروف إلى أن «أعضاء المجلس يعربون عن أملهم في أن يؤدي هذا التفاعل إلى جعل شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية».
وقال السفير السويدي لدى الأمم المتحدة أولوف سكوغ الذي تؤدي بلاده دوراً كبيراً في العلاقات بين كوريا الشمالية والمجتمع الدولي: «نرحب بالتقدم المحرز في محادثات بانمونجوم». وأضاف سكوغ أن «احترام الهدنة الأولمبية ومشاركة جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في الألعاب الأولمبية يمثلان تطوراً إيجابياً، وقد شددنا باستمرار على أهمية قنوات الاتصال هذه لتفادي سوء الفهم والحد من التوترات».

- الألعاب الشتوية نافذة أمل لنزع فتيل الأزمة
اتفق الجانبان على مشاركة كوريا الشمالية في أولمبياد بيونغشانغ الشتوية الشهر المقبل وتخفيف التوترات العسكرية والمضي قدماً بشكل فعال في حوارات مدفوعة بالتصميم. ومن المتوقَّع أن ترسل كوريا الشمالية ما يتراوح ما بين 400 و500 شخص إلى الألعاب، طبقاً لما ذكرته وكالة «يونهاب»، نقلاً عن رئيس الوزراء كوريا الجنوبية لي ناك يون. وما زال يتعين على الجانبين الكشف عن التفاصيل.
وكان أكبر وفد أرسلته كوريا الشمالية على الإطلاق إلى جارتها الجنوبية لأحد الأحداث الرياضية هو أكثر من 600 شخص. وإلى جانب الرياضيين والإداريين، سافر 300 مشجع إلى كوريا الجنوبية من الشمال لحضور الألعاب الآسيوية عام 2002 في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية. وجاء الاتفاق فيما أعادت بيونغ يانغ فتح خط ساخن عسكري مع سيول، الذي كان مغلقاً منذ فبراير (شباط) 2016.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...