عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

حل «الحشد الشعبي» تحدٍ آخر يواجهه العبادي... وانتخابات مايو محل شك

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد
TT

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

عام هزيمة «داعش» يمهد للمعركة ضد الفساد

تتجه بوصلة الاهتمام الحكومي للمرحلة المقبلة نحو محاربة الفساد والدخول في صفحة جديدة لا تختلف كثيراً عن معركة استئصال تنظيم داعش من المدن والأراضي العراقية التي أعلن عن الانتهاء منها رئيس الحكومة حيدر العبادي مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2017.
وستكون معركة مواجهة الفساد هي الفصل المقبل لمشوار الحكومة، بعد أن أخذ العبادي يلوح مراراً منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017 بأنه سيقضي على الفساد والفاسدين باعتباره صفحة من صفحات الجريمة والإرهاب عبر رسائل يتبادل بها مع خصوم له من كبار المسؤولين السابقين الذين احتلوا مواقع متقدمة وكان لهم تأثير فاعل في مسيرة العملية السياسية سواء في البرلمان أو الكابينة الحكومية، حتى أن بعض خصوم رئيس الوزراء اعتبروا تصريحاته الأخيرة بأنها تندرج ضمن سباق ماراثون التنافس الدعائي استعداداً للانتخابات البرلمانية المقبلة التي حدد موعدها في 12 من مايو (أيار) 2018، لما لها من أهمية كبيرة باعتبار أن الحكومة التي سيتم تشكيلها مبنية على نتائج تلك الانتخابات، وستكون مخولة بمهام غاية في الصعوبة لرسم مستقبل العراق على صعيد علاقاته داخلياً وخارجياً في مرحلة ما بعد تحرير جميع المدن العراقية من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي.
غير أن الحكومة لم تكشف بعد الملفات المتعلقة بصفقات الفساد واستغلال السلطة للمصالح الشخصية وهدر أموال الدولة، لكن ذلك لا يمنع من أن تقدم الحكومة على اتخاذ هذه الخطوة في وقت قريب آخر قريب من موعد الانتخابات أو تكون فيه الانتخابات أجلت لموعد آخر بسبب ظروف ومعوقات دستورية أو مالية أو حالة فوضى لا تسمح بإجرائها.
ارتباك في التحالفات الانتخابية... ومعوقات
رغم الانشغال الذي تبديه الكتل والأحزاب السياسية بموضوع الدعاية الانتخابية وتفعيل برامجها التي تتفنن بطرحها على المجتمع العراقي وإقناع الناخب على مدى الشهرين الماضيين، فإن هناك انهماكاً وإرباكاً واضحين في طبيعة التحالفات بين الكتل التي ازدادت أعدادها كثيراً هذه المرة عما كانت عليه في الانتخابات الماضية التي أجريت في 2014، ولكن مع هذا يبقى هاجس تأجيل الانتخابات وارداً بحكم المعوقات الواردة في جوانب دستورية تتعلق بعدم إقرار قانون الانتخابات، وتخصيص الميزانية المالية لاستكمال عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، فضلاً عن الخلل الوارد في التوقيتات، لأنه حتى لو أقر قانونها كما هو متوقع في الدورة التشريعية المقبلة التي ستبدأ في 7 يناير (كانون الثاني)، فإن ذلك سيتقاطع تماماً مع التوقيتات الدستورية المحددة للدعاية الانتخابية للناخبين التي تتطلب أن تكون ستة أشهر، في حين أن ما تبقى لا يتجاوز ثلاثة أشهر تقريباً.
ومن المعوقات الأخرى التي جرى تداولها في المنابر الإعلامية والسياسية بشأن تأجيل الانتخابات صعوبة إجرائها في المناطق المتضررة التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم داعش منذ مطلع 2014 ولمدة زمنية تجاوزت الثلاث سنوات، ويتعذر عودة سكانها لها أو بسبب عزوفهم عن المشاركة بالانتخابات، لا سيما الذين تعرضت منازلهم للتدمير من جراء عملية استئصال تنظيم داعش ودون أن يكون للحكومة والبرلمان أي جهود لمساعدتهم سواء في سنوات النزوح، أو بعد عودتهم لبيوتهم المدمرة.
لقد شهد النصف الثاني من عام 2017 التئام العراقيين وتآزرهم نحو تحرير مدن الأنبار غرب العراق والموصل والحويجة بكركوك الغنية بالنفط، من سيطرة تنظيم داعش، والخلاص من جرائمه، وتقديم الدعم والمساندة للقوات العراقية التي ظهرت منذ نهاية 2015 بأداء مهني مقتدر أعاد لها أمجادها وبدل الصورة الانطباعية التي رسمت عنها منذ مطلع 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل ومن ثم تكريت وبعض المدن الأخرى، وانسحاب القوات العراقية بطريقة غير متوقعة، حيث تشكلت قوات أمنية بأصناف وتسميات عدة بحسب طبيعة عملها، ومنها جهاز مكافحة الإرهاب الذي نجح في أن يكون قوة أمنية يفتخر بها جميع العراقيين في معارك التحرير ضد الإرهاب، وكذلك قوات الجيش العراقي والشرطة الاتحادية إلى جانب الشرطة المحلية. ورغم أن الفصائل التابعة لـ«الحشد الشعبي» قدمت تضحيات كثيرة، فإن ملفه كان مثار خلاف وجدل بين السنة والشيعة، وأصبح بنظر البعض من الأطراف السياسية عقبة يصعب تجاوزها بسهولة، سواء من قبل الحكومة والبرلمان أو بعض المؤسسات المعنية، وبدأ «الحشد» يضغط باتجاه أن يكون له حضور في المشهد العراقي بجميع ملفاته كونه شارك في محاربة تنظيم داعش، لا سيما أن قادة الحشد الشعبي يطالبون بأن تخصص له ميزانية خاصة به والسماح بدخول قادته الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي دفع العبادي إلى الرد بأنه لن يسمح، وذلك لكون الحشد مؤسسة تتبع القوات الأمنية وتخضع لقرارات الحكومة، وأن هذه العقبة قد تكون حاضرة في أذهان الأميركيين بالتدخل وصياغة أسلوب مماطلة يفضي إلى تأجيل الانتخابات التشريعية لوقت آخر، على أن ترافق ذلك عملية تذويب لعناصر الحشد الشعبي بين المؤسسات المدنية أو تسليم السلاح للدولة بعد إعلان نهاية «داعش» وانتهاء مبررات عسكرة البلد.
ويتحرك العبادي حالياً للخلاص من الحشد الشعبي والعودة بالبلد إلى مرحلة البناء، وهو توجه تحدث به المرجع السيستاني أخيراً عندما دعا عناصر الحشد إلى الانخراط في صفوف أجهزة الدولة وتسليم سلاحهم بيد الدولة.
وبالعودة إلى الانتخابات المقبلة، هناك احتمالات عدة. فثمة رأي يدفع باتجاه إجرائها في موعدها الثابت في 12 مايو، وأبرز الجهات التي تطالب بذلك رئيس الحكومة السابق نوري المالكي ويعتبر تأجيلها مخالفة دستورية. أما الرأي الثاني فهو من حصة اتحاد القوى العراقية الذي طالب بالتأجيل بسبب وجود أعداد كبيرة من النازحين خارج مناطق سكناهم وهم يمثلون جمهورهم في الانتخابات، وكذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني بعد أن خسر رهان الاستفتاء الذي أجري في 26 سبتمبر (أيلول) الماضي، وتمكنت القوات العراقية على أثره من استعادة المناطق المختلطة سواء في كركوك أو أجزاء من مناطق الموصل وصلاح الدين. ويواجه رئيس الإقليم السابق مسعود بارزاني حالياً انتقادات واسعة، الأمر الذي قد يدفعه بحسب التحليل إلى الموافقة على تأجيل الانتخابات. الرأي الثالث، وهو الذي يمثل الموقف المحايد كونه لا يبدي تخوفاً من إجراء الانتخابات في موعدها ولا يتخوف إذا جرى تأجيلها لوقت آخر، منطلقاً من أنه إما يمتلك رصيداً جماهيرياً ولا يخشى الفشل من نتيجة الانتخابات، وإما لا يمتلك رصيداً ضامناً يؤهله للفوز بالنتيجة، ولا يتخوف من تغيير قناعات الجمهور بحكم تبدل التوقيتات الزمنية من جراء التأجيل. ويمثل هذا الطرف بعض الكتل السياسية الصغيرة، وكذلك حركة التغيير الكردية والاتحاد الوطني الكردستاني بسبب ثبات مواقفهم السياسية أمام جمهورهم، بخلاف الحزب الديمقراطي الذي يتحمل خسارة الإقليم كثيراً من المكاسب التي تحققت له في السنوات السابقة منذ 2003 جراء الاستفتاء.
ولو نظرنا للمزاج الانتخابي ولتوجهات الكتل النيابية، نجدها مشغولة بالتوجه والتنسيق لخوض عملية تحالفات مقبلة فيما لو حصلت بالفعل، إنما الذي يجب التركيز عليه أن انعدام الثقة بين الكتل النيابية رغم التحالفات التي تسمى الأولية سيدفعها لتحالفات أخرى ما بعد إجراء الانتخابات.
وتتسم المرحلة الحالية من مسيرة العملية السياسية في العراق بسياسة المد والجزر، إذ إنه رغم نجاح البلد في تحقيق الانتصار على تنظيم داعش، وإعلان تأمين الحدود العراقية مع سوريا ومنع تدفق الإرهابيين منها لمسافة تزيد على 600 كلم، وعودة بحدود 60 في المائة من النازحين إلى مدنهم ومنازلهم في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك وأطراف العاصمة بغداد، فإن معاناة المواطنين فيما يتعلق بالملف الإنساني جراء تردي الواقع الاقتصادي والخدماتي يلاقي تحديات كبيرة وشاقة، بسبب ضعف إمكانات الدولة في تدعيم هذه الأمور وتحسين أوضاع المواطنين في المحافظات المتضررة، تعد وضعاً يشكل ضغطاً كبيراً على الدولة بسبب إفلاسها وانشغالها بتدعيم الملف الأمني وتخصيص الميزانية السنوية التي أصبحت تشغيلية فقط للمجهود الحربي في محاربة الإرهاب وتأمين رواتب الموظفين بعد الاستعانة بصندوق النقد الدولي الذي فرض ضوابط صارمة، إذ بلغت مديونية العراق في عام 2017 نحو 122.9 مليار دولار، بعد أن كانت في العام الماضي 114.6 مليار دولار. ويتوقع صندوق النقد في تقرير عبر موقعه ارتفاع ديون العراق إلى 132 مليار دولار العام المقبل.
وفي جانب آخر هناك تحديات تواجه الحكومة العراقية على صعيد سياسي تتمثل في ازدياد شراسة الصراع والمناكفات العميقة بين قيادات سياسية وكتل بارزة، ومن ذلك رئيس كتلة دولة القانون نوري المالكي في خلاف مع رئيس الحكومة العبادي الذي ينتمي للكتلة البرلمانية نفسها وحتى لحزب الدعوة الإسلامية بزعامة المالكي أيضاً، وتزداد حدة الصراع كلما اقتربنا من موعد الانتخابات التي كما أسلفنا قد تؤجل لسنة أو سنتين لأسباب تتعلق بوضع النازحين وعدم استقرارهم، وأيضاً بتحديات أخرى.
إن المعطيات الحالية تشير إلى أن العراق مقبل على مرحلة تبدو ملامحها غير مريحة، ومن المتوقع أن الوضع الأمني قد يهتز نوعاً ما جراء حدوث صراعات ذات طابع عشائري في جنوب العراق، لكنه في الجوهر يمثل نزاعاً سياسياً بين أحزاب وكتل تبحث عن فرص النفوذ للوصول إلى مواقع سلطوية أو تشريعية متقدمة بهدف الحصول على مكاسب مادية تؤمن لها حضوراً في المشهد العراقي لكن على حساب مصلحة البلد، لذلك فإن المؤشرات تكشف عن توجه لتأجيل الانتخابات وفتح ملف الفساد وملاحقة سراق المال العام من كبار السياسيين، وهذا الأمر لن يقدم عليه رئيس الحكومة العراقية العبادي ما لم يلقَ دعماً ومساندة من الولايات المتحدة.



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».