«رئاسية مصر»... أوراق مختلطة ومخاوف من الفراغ

3 أحزاب فقط تمتلك كتلاً نيابية تمكنها من التقدم بمرشح... وكلها أيدت السيسي

TT

«رئاسية مصر»... أوراق مختلطة ومخاوف من الفراغ

قبل نحو شهرين من بدء إجراءات تنظيم الانتخابات الرئاسية المصرية المقبلة، يبدو المشهد مختلط الحسابات بين ثلاثة تطورات: التطور الأول هو «إعلان نوايا» من قبل مرشحين محتملين للرئاسة أمامهما عوائق. والثاني هو أن الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي لم يؤكد صراحة حتى هذه اللحظة خوضه المنافسة رغم أنها مسألة محسومة بدرجة كبيرة. والثالث هو أنه بين «إعلان النوايا» والتراجع عنها والعوائق المصاحبة، تلوح في أفق المشهد السياسي المصري مخاوف من الفراغ الذي يمكن أن يكون سمة المواجهة.
وتجدر الإشارة إلى أن الدستور المصري ينص على أن «يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة».
وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يوماً على الأقل، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوماً على الأقل.
في يونيو (حزيران) 2014، تسلَّم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مهام منصبه رسمياً، الأمر الذي يعني - وفق الدستور - بدء إجراءات الانتخابات الرئاسية في فبراير (شباط) 2018، على أن تجري الانتخابات وتعلن النتائج بحد أقصى في مايو (أيار) من العام نفسه.
وخلال فترة شهر تقريباً، تحرك المسار الانتخابي الرئاسي بشكل محدود، ولكن لافت، إذ بينما كان المحامي الحقوقي خالد علي أول من أعلن نيته خوض الانتخابات في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، برزت أخيراً خطوات أحمد شفيق (منافس الرئاسة السابق في عام 2012) التي بدأها من دولة الإمارات بإعلان حاسم للغاية عن دخوله المضمار وبدء جولات مع أبناء الجالية المصرية في دول أوروبية، ثم تغيّرت الوتيرة هبوطاً بحديث مغاير بعد العودة إلى مصر عن رغبة في «التدقيق والفحص».
وإذا كانت الرغبة في التروي والتريث - بحسب ما أعلن شفيق نفسه - هي الحائل دون إقدامه على تجديد حسمه لخوض الانتخابات الرئاسية، فإن حقائق الحسابات السياسية تشير، بلا شك، إلى تأثر سلبي نال جانباً من شعبية الرجل الذي كان على مرمى حجر من رئاسة مصر في عام 2012.
أما المرشح الآخر، أي المحامي خالد علي، أول من مبادر بإعلان الترشح، فسيمثل في يناير (كانون الثاني) المقبل أمام القضاء الذي ينظر حكماً بالاستئناف على حكم سابق ضده بالحبس 3 أشهر في قضية من شأنها، إذا أدين فيها نهائياً، منعه من خوض الانتخابات.
في هذه الأثناء، كما سبق، لم يصدر بشكل رسمي عن الرئيس السيسي أي تعليق يشير إلى نيته خوض انتخابات الرئاسة لفترة جديدة. وهو يكتفي بالقول إنه «أمر سابق لأوانه»، مكرّراً أنه سيعلن ذلك عقب تقديم «كشف حساب» في غضون الشهر الحالي أو المقبل بشأن ما حققه خلال 4 سنوات تمثل فترة ولايته الأولى.
لكن، على مستوى آخر، تنشط حملة يقودها نواب برلمانيون وتدعو إلى ترشيح السيسي لفترة رئاسية ثانية، في جمع توقيعات من المواطنين. ولقد أعلنت مصادر الحملة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أنها «جمعت ما يزيد على 3 ملايين استمارة موقعة من مواطنين في محافظات مختلفة».

القانون... وآلية المنافسة
كيف ينظم القانون آلية المنافسة على مقعد الرئاسة؟
تحدد المادة 142 من الدستور آلية التقدم للانتخابات الرئاسية على النحو التالي: «يشترط لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية أن يزكّي المترشحَ عشرون عضواً على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو أن يؤيده ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف مواطن ممن لهم حق الانتخاب في خمس عشرة محافظة على الأقل، وبحد أدنى ألف مؤيد من كل محافظة منها. وفى جميع الأحوال، لا يجوز تأييد أكثر من مترشح، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون».
ووفق توزّع الكتل البرلمانية للأحزاب في داخل مجلس النواب، فإن 3 أحزاب فقط هي حزب المصريين الأحرار، وحزب الوفد، وحزب مستقبل وطن، يمثل كل منها أكثر من 20 نائباً في المجلس. وبالتالي، يمكنها إذا ما قررت خوض الانتخابات، أن تحقق الشرط اللازم لذلك. غير أن حزب المصريين الأحرار أعلن تأييده ترشيح الرئيس الحالي لفترة رئاسية ثانية، بحسب تصريحات رئيسه عصام خليل، في حين أكد السيد البدوي رئيس «الوفد» أن حزبه لن يُقدم مرشحاً في الانتخابات الرئاسية المقبلة بسبب دعمه للسيسي، والموقف نفسه أبداه رئيس حزب «مستقبل وطن» أشرف رشاد.
وعليه، إذا كانت هذه الأحزاب التي تمتلك بطاقة مرور سهل للسباق الرئاسي لن تُقدم (كما يبدو) على تلك الخطوة، فهل يقرر بعضها أن يبني تحالفاً أو تكتلاً في المسار ذاته؟
«الشرق الأوسط» طرحت السؤال على بهاء محمود، الباحث المتخصص في الشأن البرلماني بمركز الأهرام للدراسات السياسية، الذي قال إن «نظرة أقرب على سلوك القوى والأحزاب السياسية الرئيسية في مجلس النواب، تشير إلى صعوبة توافقها في معركة مثل انتخابات الرئاسة، خصوصاً، إذا ما تعلق الأمر بمساندة وتدعيم مرشح في مواجهة الرئيس الحالي».
وأردف محمود: «هناك مجموعة تعبر عن تيار الإسلام السياسي لا تتخطى 13 نائباً من حزب النور، وهؤلاء سيطرت قضايا الأقباط والمرأة والشؤون الدينية، على خطابهم طوال دوري الانعقاد الماضيين... وهم لا يقدّمون أنفسهم بأي حال كرقم في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومن الصعب انخراطهم مع تحالف آخر حتى وإن لم يكن برلمانياً في الشأن ذاته».
وفي ما يتعلق ب«كتلة 25 / 30» النيابية المعارضة، يشرح محمود أنها «تمثّل تجمعاً معارضاً داخل «النواب» لكن لا يمكن اعتبارها تمثيلاً لاتجاه فكري واحد أو حتى سياسي يمكنه الخروج بموقف موحد مع أو ضد مرشح رئاسي بعينه». ويضيف أنه حتى هذه الكتلة التي تجمع يساريين وناصريين وليبراليين، ويوجد بينها مَن يؤيد تقدّم المرشح المحتمل خالد علي، غير أنه من المستبعد أن يكون ذلك موقفهم الجماعي، مستدركاً: «يمكن بدرجة أو أخرى إذا قرّر شفيق خوض المعركة مستقلاً أن يجمع التوقيعات من المواطنين، لا سيما أن مسألة شعبيته قد اختُبِرت من قبل في انتخابات عام 2012. وأياً كان مدى تأثّره فإنه لن يكون مستحيلاً أن يجمع المنافس السابق للرئاسة 25 ألف توكيل فقط، خصوصاً أن الحزب الذي أسّسه وهو «الحركة الوطنية المصرية» يعاني من الانقسام بشأن رئيسه، إضافة إلى أنه لا يتمثّل سوى بـ4 نواب فقط، وبالتالي، فهو طريق غير مناسب لشفيق لكي يمر منه إلى الانتخابات الرئاسية.
ولا يستبعد الباحث السياسي بمركز الأهرام، أن يكون «الفراغ» أحد سمات الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ يشير إلى «معوقات ترشح شفيق، المتمثلة في بلاغات قُدّمت ضده فضلاً عن إعلانه بنفسه حاجته لإعادة التفكير في المسألة، في حين يواجه خالد علي عقبتين أساسيتين: أولاهما القضية التي لم تُحسَم بعد وتهدد موقفه القانوني من الترشح، والثانية اشتراطه 6 ضمانات حددها في خطاب إعلان النيات تتعلق بالإشراف على الانتخابات، وهذه مسألة نسبية وجدلية بين السلطة ومعارضيها، وقد تكون سبباً في انسحاب علي».
وبشكل عام، يعرب بهاء محمود، عن اعتقاده بأنه «من الأفضل أن يسعى النظام السياسي القائم مبكراً إلى تحفيز المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، للحفاظ أولاً على سمعتها ونزاهتها كإطار ديمقراطي تلتزم به مصر أمام العالم، فضلاً عن تجنب الوصول إلى مرحلة الاستفتاء على شخص الرئيس مرة أخرى بين خياري الموافقة والرفض... وبالتالي، ستفقد سلطة السيسي التي تضمن في كل الأحوال نجاحاً شبه مؤكد في الانتخابات المقبلة، جزءاً من السمعة الدولية الإيجابية».

المفاجآت مستبعدة
على صعيد آخر، على الرغم من صعوبة حدوث مفاجآت في ضوء المعطيات الحالية للمشهد الانتخابي الرئاسي في مصر، يصعب استبعاد حدوث تغيرات في صورة المنافسة. ولعل ما يلفت في هذا الشأن تصريحات أفاد بها المرشح الرئاسي السابق الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، خلال حوار تلفزيوني مع تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (الـBBC) في أبريل (نيسان) الماضي، وفيه لم يعترض أبو الفتوح على مبدأ الترشح، إلا أنه اشترط أن «تكون الانتخابات حقیقیة وتحت مظلة المعاییر الديمقراطية»، وأضاف خلال الحوار أن «الانتخابات لیست مجرد أصوات في الصندوق، بل لها مقدمات ومعاییر حتى نقول إن هناك تنافساً حقیقياً».
وإضافة إلى المؤشر السابق، نجد الدعوات التي ظهرت على الفضاء الإلكتروني وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي طرحت اسم الدكتور مصطفى حجازي، المستشار السياسي السابق لرئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، كمرشح محتمل. ومع أنه لم يعلن نيته في هذا الشأن صراحة، قبولاً أو رفضاً، انتشرت على صفحات مختلفة صور لملصقات دعائية تحمل صورته. وبالإضافة إلى حجازي أو أبو الفتوح، هناك عصام حجي، المستشار العلمي سابقاً للرئاسة المصرية. وكان حجي هو الذي تقدّم قبل سنة تقريباً، بمبادرة «الفريق الرئاسي»... لكنه تراجع بسبب ما اعتبره «أجواء لا تسمح بالدفع بمرشح».

الطريق إلى 2018
- خلال الفترة الممتدة على مدار 4 سنوات، لا يمكن على وجه الدقة معرفة مدى تأثر شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي صعوداً أو هبوطاً، إلا أن الحقيقة الثابتة تشير إلى أن الرئيس الحالي وصل إلى منصبه في انتخابات خاضها مرشحان، هو أحدهما. أما الثاني فهو القيادي السياسي الناصري حمدين صباحي.
وكما هو معروف أسفرت نتائج الانتخابات التي أُجرِيَت عام 2014، عن فوز السيسي لحصوله على 23.7 مليون صوت (96.9 في المائة من الأصوات الصحيحة)، في حين نال منافسه 750 ألف صوت (3.1 في المائة من الناخبين). وقبيل إجراء تلك الانتخابات، أعلن الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى عزوفه عن الترشح للانتخابات الرئاسية. كذلك أحجم سامي عنان، رئيس الأركان الأسبق للقوات المسلحة، وأيضاً رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق عن دخول المنافسة.
ويومذاك تطابقت المبررات التي أوردها الثلاثة تقريباً في ذلك الحين، وعلى رأسها أن السيسي (القائد السابق للقوات المسلحة) يستحق دعمهم لدوره في «ثورة 30 يونيو» التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وقرار الجيش بعزله عقب مظاهرات شعبية حاشدة ضد حكمه.
ومن أبين أهم ملامح تلك الانتخابات، التي يضعها المراقبون في الحساب اليوم، أن نسبة الإقبال في حينه بدت متراجعة للغاية، إذ بلغت 47.45 في المائة بواقع 25.5 مليون ناخب من إجمالي أكثر من 53 مليون ناخب يحق لهم التصويت، وهذا على الرغم من قرار اللجنة المشرفة على الانتخابات حينها بمد فترة التصويت ليوم إضافي ليكون 3 أيام بدلاً من يومين.
من جهة ثانية، ظهر اتجاه تصويتي آخر، أسفر عن إبطال أكثر من مليون صوت انتخابي، وهذه نسبة أكبر من إجمالي الأصوات التي نالها المرشح حمدين صباحي صاحب المركز الثاني في تلك الانتخابات.

65 سنة... من الاستفتاء إلى الانتخاب
- منذ تحولت مصر من الملكية إلى الجمهورية في أعقاب ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 تبدلت طرق انتخاب المنصب الأكبر في البلاد. وخلال 65 سنة اختير الرئيس في غالبيته المرات بالاستفتاء المباشر من دون منافسة تعدّدية. ومن ثم، عرف المصريون للمرة الأولى الانتخابات التعدّدية في عام 2005 على الرغم من الانتقادات التي وُجّهت إليها بأنها كانت صورية.
أجرى الاستفتاء للمرة الأولى على منصب الرئيس في عام 1956، واختار المصوّتون حينها التصويت بالموافقة على تولّي الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بنسبة 99.9 في المائة. وبعد نحو عامين طرحت رئاسة عبد الناصر لاستفتاء جديد، ولكن هذه المرة كرئيس للجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، وذلك عام 1958، وجاءت النتيجة كذلك بشبه إجماع.
وكان الاستفتاء الثالث أيضاً على رئاسة عبد الناصر، وأجري عام 1965، ولم تختلف نسبته عن الـ99.9 في المائة.
في أواخر سبتمبر (أيلول) عام 1970 رحل الرئيس جمال عبد الناصر، ودخل نائبه أنور السادات استفتاء على خلافته، وجاءت نتيجته بالموافقة بنسبة 90.04 في المائة. ثم أعيد الاستفتاء على رئاسة السادات عام 1976، وهذه المرة ارتفعت نسبة الموافقة بالمقارنة مع ما سبقها إذ كانت 99.9 في المائة.
للعلم، كان النص في دستور عام 1971 يشير إلى عدم جواز انتخاب الرئيس لأكثر من فترتين، غير أن نواباً في البرلمان تقدموا في نهاية عهد السادات بتعديل دستوري يلغي ذلك القيد. وبالفعل طرح الرئيس السادات في مايو 1980 على المواطنين الاستفتاء على التعديل الدستوري الذي كان يفترض أن يسمح له بفترة ثالثة، وحظي التعديل بموافقة بلغت 98 في المائة، غير أن واقعة اغتياله في أكتوبر 1981 حالت دون خوضه استفتاءً آخر. وفي أعقاب ذلك أجرى استفتاء على تولي نائبه الرئيس حسني مبارك السلطة، وجاءت نتيجته 98.4 في المائة. وتكرر الأمر عام 1986 بنتيجة 96 في المائة، واستمر ذلك في استفتاءي 1993 و1999.
تغير شكل انتخاب الرئيس، بدرجة أو أخرى، بإجراء تعديل دستوري يسمح بإجراء انتخابات تعددية تنافسية بين أكثر من مرشح وذلك في عام 2005. ويومذاك فاز بتلك الانتخابات التعددية الرئيس مبارك بنسبة 88 في المائة حائزاً على أصوات 6 ملايين ناخب، وجاء في المركز الثاني رئيس «حزب الغد» أيمن نور لحصوله على نحو نصف مليون صوت، وكان يتنافس في تلك الانتخابات 8 مرشحين.
في أعقاب «ثورة 25 يناير» 2011، أُجرِيَت تعديلات دستورية وقانونية، وظلت رئاسة الدولة تحت حكم انتقالي تولاه حينها وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي بحكم منصبه.
ثم أُجِريت الانتخابات الرئاسية عام 2012، وكانت هذه الانتخابات الأكثر تنافسية بسبب تقارب نتائج المرشحين وتنوّعهم بدرجة كبرى، إذ أسفرت في جولتها الأولى عن فوز مرشح حزب جماعة «الإخوان» محمد مرسي، والمرشح المستقل أحمد شفيق (خاضاً جولة الإعادة) وفي المركز الثالث جاء حمدين صباحي، ثم السياسي المحسوب على تيار الإسلام السياسي عبد المنعم أبو الفتوح، وحل رابعاً الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.