مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

نائب رئيس الوزراء السوداني قال لـ «الشرق الأوسط» إن الخرطوم ملتزمة عاصفة الحزم والذود عن المملكة أمام أي تهديد

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل
TT

مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل

أجمل نائب رئيس الوزراء السوداني مبارك الفاضل المهدي وزير الاستثمار، نتائج زيارة الرئيس عمر البشير إلى روسيا، وتصريحاته المثيرة للجدل هناك، في «إصلاح الدبلوماسية السودانية وتخليصها من أثر الآيديولوجيا الإسلامية، وبرامج الحركة الإسلامية ونفوذها»، و«خدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً».
ووصف المهدي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، موقف البشير من أزمة سوريا بـ«العقلاني والعملي»، والنابع عن خوف من تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية، تحافظ على الدولة، وتخلق التغيير في الوقت ذاته، ورأى أن هذا الموقف لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، وأكد استمرار موقف الخرطوم الداعم لقوات التحالف العربي لاسترداد الشرعية في اليمن إلى حين الوصول إلى تسوية. كما أشار إلى أن مصالح السودان لا تتعارض مع «التطبيع مع إسرائيل» وتؤيد في الوقت نفسه الحقوق الفلسطينية.
- بصفتكم نائباً لرئيس الوزراء السوداني، كيف تصف ما تمخّض عن زيارة الرئيس البشير لروسيا، باعتبارها توجهاً جديداً لسياسة السودان الخارجية؟
- الزيارة كانت ضمن جهود إصلاح الدبلوماسية السودانية، وتخليصها من أثر الآيديولوجيا للحركة الإسلامية، وبرامجها ونفوذها، التي أدت لقصر علاقات البلاد على الصين ودول آسيا وحدها. لأن الحركة الإسلامية قد اختارت الدخول في مواجهة آيديولوجية مع الغرب وأميركا، واعتبرت روسيا وشرق أوروبا امتداداً لهما، ولأن روسيا تتفق مع الغرب في مواجهة التطرف الديني، وذلك يتناقض مبدئياً مع أجندة الحركة الإسلامية، لذا ابتعد السودان عن روسيا.
دار الرئيس البشير بسياسة السودان الخارجية (360) درجة، وأعاد علاقات السودان مع الخليج، والمملكة العربية السعودية، وأوروبا والولايات المتحدة، إلى طبيعتها، فزيارة روسيا الغرض منها الانفتاح على المعسكر الشرقي. تاريخاً، احتفظ السودان بعلاقات متوازنة بين الغرب والشرق، وكان من أوائل دول المنطقة التي تسلحت من روسيا، رغم علاقته القوية مع أميركا والغرب. والجيش السوداني استخدم البندقية الأميركية (GM3)، والبندقية الروسية «كلاشنيكوف» معاً.
- وهل خلقت الزيارة التوازن وحده؟
- بجانب التوازن، فإنها هدفت لخدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً، يضيع منه الكثير مع تكرير البترول، لكون روسيا من الدول القلائل التي تملك تكنولوجيا لاستثمار الغاز الذي كان يُهدر سدى.
كذلك يملك الروس خبرات وتقنيات متقدمة في التنقيب عن المعادن، لا سيما الذهب، ويملكون - بحكم معاملاتهم السابقة - خريطة جيولوجية للسودان. ويصدّرون إلى السودان قرابة مليون طن من القمح سنوياً، بما يوازي أكثر من ثلث وارداته من القمح البالغة 2,7 مليون طن سنوياً.
- لماذا أثارت الزيارة كل هذه الضجة إذن؟
- كان الناس يركّزون على التطبيع مع أميركا، فاعتقدوا أن الزيارة ليست إلّا تحولاً لتحالف محوري مع روسيا. هي مثلها وزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، وتوقيعه اتفاقيات كثيرة معها، تتضمن اتفاقية تسليح بثلاثة مليارات دولار، وتوقيع دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي لاتفاقية استراتيجية لتخزين القمح الروسي في الإمارات، فمصالح الدول لا تقتصر على معسكر واحد.
- لكن طلب الحماية الروسية من أميركا، أربك المحللين؟
- أوضح وزير الخارجية إبراهيم غندور، أن الرئيس البشير كان يعني حماية السودان في مجلس الأمن، بالاستناد على الموقف الروسي من قرار حظر تصدير الذهب السوداني، وقرارات أخرى بعضها متعلّقة بدارفور. استخدمت فيها روسيا «الفيتو» لوقفها، لكن الصين لم تستخدمه، بيد أن روسيا امتلكت الجرأة اللازمة لاستخدامه لصالحنا.
نحن نسعى لتوظيف العلاقة لخلق توازن، يمكننا - على الأقل - من تحجيم الضغوط الأميركية، التي إذا واجهناها من دون سند دولي، سيكون موقفنا ضعيفاً، أما حين تسندنا روسيا في المحافل الدولية ومجلس الأمن، فستكون المطالب الأميركية معقولة بما يسرع التطبيع، بالاستفادة من تنافس هذه الدول.
- لكن الرئيس طلب حماية روسيا من سعي أميركي لتفتيت السودان إلى دويلات؟
- يمكن قراءة هذا في السياق التاريخي، فإدارات الرؤساء: (كلينتون، بوش الابن وأوباما)، دعمت انفصال جنوب السودان، والحرب في جنوب جبال النوبة والنيل الأزرق. واتخذت قرارات كثيرة ضد النظام في السودان، مستفيدة من الصراع بين السودانيين.
ضمن هذا السياق التاريخي، تواصل إدارة الرئيس ترمب عملية التطبيع من حيث انتهت إدارة أوباما، بسبب متغيرات «جيوبوليتيكية» في المنطقة، ونتيجة لتحولات في السياسة السودانية الداخلية والخارجية، وارتباطها باحتياجات الأمن القومي الدولي والأميركي.
قاد الرئيس الحوار الوطني لتفكيك سيطرة الحركة الإسلامية، والتخلي عن أجندة الإسلاميين في السياسة الخارجية والداخلية، ما أدى للتغيير في الموقف الأميركي نهاية عهد باراك أوباما، ويسير الرئيس دونالد ترمب في هذا الاتجاه.
هذه السياسات كانت موجّهة لحكومة السودان حين كانت تستند على أجندة الحركة الإسلامية، والرئيس البشير بدّل هذه السياسة فانفتح الوضع أمامه. كما شهدت المنطقة تحولات كبيرة، من بينها تفجّر قضايا مثل الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، وحالة عدم الاستقرار بعد الربيع العربي في اليمن ومصر وليبيا، وتجربة العراق. هذه التحولات جعلت من السودان لاعباً مهما في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي. وتأهل له بسبب التحولات في سياسته الخارجية والداخلية، لأن الرئيس نقلها من أجندة حزبية ضيقة تخص الحركة الإسلامية، إلى أجندة وطنية سودانية.
- يربط البعض طلب الرئيس للحماية الروسية، بزيارة نائب وزير الخارجية الأميركي (جون سوليفان) للسودان، والتي وضعت شروطاً لتطبيع العلاقات، من بينها التخلي عن القوانين الإسلامية؟
- من التنوير الذي قدمه لي وزير الخارجية إبراهيم غندور، يمكنني القول بأنّ اجتماعات (جون سوليفان) كانت ناجحة. توصل الطرفان خلالها لتفاهمات وبرنامج لتسريع التطبيع. مسنودة بدخول أوروبا بقوة لدفع التطبيع، وقد أرسلت أوروبا - خاصة بريطانيا والنرويج - مبعوثين إلى أميركا لدفع رفع العقوبات.
ما أثير من قضايا دينية أو إسلامية خلال زيارة سوليفان، صاحبه (سوء فهم)، لأن ما أثاره الرجل، هو قرارات مؤتمر الحوار الوطني ذاتها، التي نصت على إزالة المواد (151. 152، 153) من قانون النظام العام، وأهمها «اللبس الفاضح» و«الإزعاج العام»، لأنها وفرت مداخلا لاختراقات وانتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق السودانيين وحرياتهم، وسببت إزعاجاً كبيراً للمجتمع.
وأكثر من ذلك، كانت هنالك مطالبات قوية لإلغاء قانون النظام العام، ووقفت بجانبها ممثلة حزب المؤتمر الوطني بدرية سليمان. ودفع وزير العدل بالتوصيات لولاية الخرطوم لتلغيها عبر مجلسها التشريعي، والتأخير يُسأل عنه مجلس الخرطوم التشريعي. فلو أنه نفذ المطلوب، لما وجد نائب وزير الخارجية الأميركي (سوليفان) موضوعاً يتكلم فيه، هذه المطالب أجندة سودانية قبل أن تكون أميركية.
- هل هذه التعديلات متفق عليها داخل حكومة الوفاق الوطني؟
- أقر مجلس الوزراء هذه التعديلات ضمن مصفوفة تنفيذ قرارات ومخرجات الحوار الوطني، وسلّمها لقطاع الحكم والإدارة ووزير العدل، لتعديل 108 تشريعات وقوانين، إضافة إلى 4 - 8 تعديلات دستورية. ويعقد النائب الأول رئيس الوزراء الفريق أول ركن بكري حسن صالح، اجتماعات دورية للجنة المتابعة، آخرها كان يوم 10 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فيما يعنينا في القطاع الاقتصادي، هناك بند راتب في اجتماعاتنا الأسبوعية، لسماع تقارير تنفيذ مقررات وتوصيات الحوار الوطني. ويراجع التنفيذ شهرياً على مستوى مجلس الوزراء، وأسبوعياً في القطاعات.
شخصياً، تكلمت مع وزير العدل قبل زيارة سوليفان للإسراع بإلغاء المواد المتعارضة مع الدستور، ومع أساسيات حقوق الإنسان الموجودة في (قانون النظام العام). فرد بأن هذه مسؤولية المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، وأنه أوصل لها التوصيات عبر وزارة الحكم الاتحادي. النائب الأول يأخذ هذه المسألة بجدية شديدة، لدرجة أنه أصر على بقاء توصيات «مكررة»، كي يقطع القول بأن هناك توصية أو قرارا تم حذفه من السلطة التنفيذية.
- وماذا عن تعديل قانون الأمن الوطني، الذي يتعارض بوضوح مع الدستور؟
- قانون الأمن الوطني والقوانين المتعارضة مع الدستور وقضايا الحريات، تم التوافق عليها في آخر جلسات الحوار الوطني.
- هناك شكوك حول مدى الالتزام، سيما أن التجربة التاريخية في الوفاء بالعهود لا تطمئنها؟
- نعم هناك عدم ثقة، لكن في النهاية «البيان بالعمل»، علينا استعجال التنفيذ، فالسلطة العليا تؤيد السياسات، وعلى المستويات الدنيا التقيد بالتنفيذ. أما إذا كان هناك تعطيل، فمسؤوليته تقع على الأجهزة الأدنى، والمجلس التشريعي لولاية الخرطوم، إضافة إلى المجلس الوطني الاتحادي «البرلمان».
- ألا يمكن أن يُفهم هذا التأخير على أنه نوع من أنواع المماطلة؟
- يمكن أن تكون هناك مماطلة أو تمسك بالقديم، وأن يكون للبعض رأي في التغيير، أو أن يكون هناك من يعملون على تعطيله، لكنهم لن يستطيعوا. حاول المجلس التشريعي بولاية الجزيرة تعطيل التغيير، فأعلن الرئيس حالة الطوارئ وحله، فإذا عطلت الخرطوم أو عوقت انسياب الإصلاح، فسيتم التعامل بصورة حاسمة.
- هل تعتقد أن مستوى الالتزام وتنفيذ توصيات الحوار مطمئن؟
- الالتزام والتنفيذ جيد على مستوى السياسات المتعلقة بالحريات والقوانين، والمطلوب الالتزام بالجانب التشريعي، وإجازة التعديلات الدستورية والقانونية. لأن هذه القضايا تشغل الرأي العام، وتحدث دوياً كبيراً، ويربط الناس بينها وبين التنفيذ. وعلى القيادة السياسية الضغط لتنفيذ المُخرجات، خصوصاً المعلقة بالحريات والقضايا السياسية، فقضية مثل قضية «الصحافية لُبنى» التي حوكمت لأنها ارتدت «بنطالاً»، أخذت صيتاً عالمياً وشوهت صورة السودان.
- تواصلت مصادرات الصحف، وصودرت أخيراً 4 صحف لقرابة الأسبوع خارج القضاء، فكيف تقنع الناس بأن هناك توجهاً نحو الحريات؟
- لا يمكن الحكم بالحجر على الحريات، لمجرد إيقاف صحيفة أو صحيفتين، إذا قرأناه مع الحريات المتاحة وقارناه بالكثير من الدول في الإقليم. عملية التغيير لم تكتمل بعد، لكنها بدأت وتسير، وإلى أن تكتمل علينا التحمل والتعامل مع التجاوزات والانتكاسات.
لن تستطيع تغيير أوضاع نتجت عن صراع آيديولوجيات وأجندة مصالح ضيقة بين يوم ليلة، وأرى ألاّ نحكم بما يحدث بأن «المشروع كله سقط». نعم هناك مقاومة، وعناصر غير متحمسة للتغيير، لكن علينا أن نكون أكثر إصراراً على تنفيذ مخرجات الحوار. فالتغيير عملية لا تقل صعوبة عن النضال المسلح والسياسي المعارض، نحن نناضل لنصل.
- يقول مراقبون إن السودان بصدد إعادة ترتيب علاقاته الإقليمية مع إيران وسوريا والخليج، وقد يصل إلى مرحلة سحب قواته من اليمن؟
- هناك مبادرة بريطانية بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لإنهاء الصراع في اليمن، نتيجتها فتح ميناء الحُديدة ومطار صنعاء للإمدادات الإنسانية، وهي ضمن توجه عالمي وإقليمي للحوار. الحرب لن تنتهي بنصر عسكري، وإنما بحل سياسي يعيد بناء الدولة اليمنية، وإنهاء سيطرة الأقلية الحوثية. حرّرت الحرب حتى الآن جنوب اليمن ومعظم مناطق الشمال، وفتحت الطريق للتسوية. لأن كل الحروب تنتهي بتسويات في النهاية.
داخلياً تفجر الصراع بين حلفاء الأمس عبد الله صالح والحوثيين، وحدثت تحولات تمكننا من القول بوجود مفاوضات ومبادرات لإنهاء الحرب والوصول لاتفاق سياسي. ولا تنسَ أن أحمد عبد الله صالح المرشح للرئاسة، يعيش في «أبوظبي». وبالنسبة إلى السودان، فهو ملتزم بعاصفة الحزم، وأعلن ذلك وزير الخارجية. الموقف الذي عبر عنه الرئيس البشير في روسيا عقلاني وعملي، لكنه لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، لوقف التمدد الشيعي الحوثي وتهديد المملكة، وإعادة الشرعية لليمن، والحيلولة دون انهيار الدولة اليمنية، إضافة إلى وقف التمدد المذهبي المدعوم إيرانياً في تهديد المملكة العربية وتغيير توازن القوى في المنطقة.
موقفنا من عاصفة الحزم منطقي، ولن يتغير إلاّ بالوصول لتسوية، فضعف من يريد تغيير المعادلة سيؤدي إلى التسوية، وعلي عبد الله صالح بدأ يرسل الآن إشارات أنه مستعد للتسوية.
- كيف ترى موقف السودان من بشار الأسد؟
- موقف السودان من سوريا نابع عن تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية تحافظ على الدولة وتخلق التغيير في ذات الوقت.
الدول التي تقف ضد الأسد (السعودية، الخليج، قطر)، شاركت في مفاوضات جنيف، وانحصر الخلاف في أن يبقى الأسد أم يذهب. بعد تدخل روسيا العسكري، أصبح معسكر بقاء الأسد هو الأقوى، بينما لا تزال المعارضة السورية مختلفة وغير قادرة على الاتفاق.
مصر رغم حلفها مع السعودية والخليج، تؤيد الأسد لاعتبارات استراتيجية في إطار المواجهة مع إسرائيل، بجانب أن معارضة الأسد ذات طابع إسلامي إخواني، وهذه من الأسباب التي جعلت الجيش المصري يتحرك ضد محمد مرسي الذي كان يريد تغيير أساسيات الأمن القومي المصري، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا.
الحفاظ على الدولة والعلاقة مع الحكم لاعتبارات المواجهة مع إسرائيل، مهم للوضع الداخلي في مصر، ورغم موقف مصر مع الأسد، لم تتأثر علاقتها بحلفائها.
السودان يفعل الشيء نفسه، فقبل سنتين، صوّت في الجامعة العربية لصالح سوريا، هذا ليس موقفاً مقصوراً على السودان، فحتى تركيا راجعت حساباتها، ببروز «الجيب الكردي» المدعوم أميركياً.
- أين إسرائيل من هذا المسرح؟
- ترى إسرائيل أن بديل الأسد هو الحركات الإسلامية، وهي تمثل بالنسبة إليها خطراً.
- ضمن ترتيب علاقات السودان الدولية، نُسب إليك حديث عن أهمية تطبيع السودان علاقاته مع إسرائيل؟
- قلت إنّ على السودان اتخاذ مواقفه وعلاقاته الخارجية وفقاً لمصالح شعبه، فإن كانت العلاقة مع إسرائيل تخدمها، مثلما خدمت مصر، فلماذا لا يطبّع علاقته مع إسرائيل؟
دول عربية عديدة طبّعت مع إسرائيل، وفتحت مكاتب اتصال ومكاتب اقتصادية وغيرها، لا يوجد ما يمنع السودان من تطبيع علاقته مع إسرائيل. لمَ لا نطبّع وملامح القضية الفلسطينية تغيّرت، وأصبح يحكمها «اتفاق أوسلو»، وعادت منظمة التحرير للأراضي الفلسطينية في رام الله وقطاع غزة، وتقيم علاقة مع إسرائيل؟
صحيح، هناك خلافات على إكمال الاتفاق وموضوع الدولة الفلسطينية، لكن المواجهة انتهت باتفاق سلام لحل النزاع بالحوار. دول المواجهة تخلت عن الحرب وهناك علاقات دبلوماسية واتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، والأردن طبّعت وأقامت تبادلاً دبلوماسياً، تبقى فقط سوريا ولم تصل لاتفاقية سلام في الجولان، لكنها جمّدت المواجهة. يقوم موقف السودان من دعم الحق الفلسطيني على ما اقترحه ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز باعتماد مبدأ الدولتين.
إذن، خدمة مصالح السودان لا تتعارض مع تأييده للحق الفلسطيني في إقامة دولته، ولن نكون «ملكيين أكثر من الملك» ونتطرف أكثر من أصحاب القضية.
من يتعصبون وينادون باستمرار المواجهة مع إسرائيل، أناس تحركهم أجندة حزبية، بينهم من هو مع حماس، لكن حتى حماس عادت واتفقت مع منظمة التحرير وسلمت الحكم في غزة لحكومة مشتركة، ولأن مصالحها مهددة، رجعت للاتفاق مع إسرائيل والتعاون معها. نحن لن نستمر في اتباع أجندة مذهبية حزبية، بل مصالحنا.
- هل وجد هذا الموقف قبولاً من دوائر شعبية ورسمية؟
- وجد قبولاً شعبياً كبيراً، بمن في ذلك البسطاء البعيدون عن الصراع، لأن تحولاً كبيراً حدث للرأي العام السوداني. ولم تعد تحكمه الطوباوية والعاطفية التي حكمت جيل الخمسينات، الأجيال الجديدة لم تشهد معارك حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولم تنفعل بها، مثلما انفعلت بها تلك الأجيال، الأجيال الجديدة تنظر إلى مصالحها، وتدعو للانصراف إليها.
- إلى أي مدى وجد هذا الموقف قبولاً داخل مطبخ صناعة القرار؟
- هذا يُسألون فيه هم، لكن في نظري السكوت من علامات الرضا. الموضوع أثير في مؤتمر الحوار باعتباره بنداً أساسياً، وهناك تصريحات لوزير الخارجية إبراهيم غندور، تقول إن السودان ملتزم بالمبادرة السعودية وتطبيق مبدأ الدولتين، ولا اعتراض على التطبيع في إطار هذه المبادرة، وهذا رد فعل إيجابي وواقعي.



أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.


تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
TT

تحذيرات دولية من اتساع المجاعة في اليمن

عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)
عاملون يمنيون برفقة عربات يدوية بانتظار الزبائن في سوق شعبية بصنعاء (الشرق الأوسط)

لا يزال اليمن يحتل موقعاً متقدماً ضمن قائمة الدول الأكثر تضرراً من أزمة الجوع الحاد عالمياً، في ظل مؤشرات دولية متزايدة التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، مع استمرار الصراع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع التمويل الدولي المخصص للبرامج الإغاثية؛ الأمر الذي يضع ملايين السكان أمام تحديات معيشية غير مسبوقة.

وأظهرت تقارير دولية حديثة أن اليمن يُصنَّف ضمن البلدان التي تشهد مستويات مرتفعة للغاية من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما ضمن مستوى «الطوارئ»، وهو ثاني أخطر تصنيف قبل المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في وقت تسجل فيه بعض المناطق حالات دخلت مرحلة «الكارثة»، وهي أخطر مستويات الجوع التي تهدد حياة السكان بصورة مباشرة.

وتعكس هذه المؤشرات عمق الأزمة الغذائية التي تضرب البلاد منذ سنوات، في ظل تشابك عوامل داخلية وخارجية أسهمت في إنهاك قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ودفعت شرائح واسعة من السكان إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.

وتضع البيانات الدولية اليمن في مقدمة الدول الأكثر تأثراً بالأزمات الغذائية على مستوى العالم، حيث يواجه ملايين اليمنيين أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، مع اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة والقدرة المحدودة على الاستجابة لها.

سوق شعبية في صنعاء حيث العاصمة اليمنية الخاضعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الانقلاب الحوثي وما خلّفه من دمار واسع للبنية الاقتصادية والإنتاجية، أسهما بصورة مباشرة في تقويض الأمن الغذائي، خصوصاً مع تراجع النشاط الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

كما أدى تراجع مصادر دخل الأسر، وانكماش فرص العمل، وتدهور القدرة الشرائية بفعل الأزمات الاقتصادية المتراكمة، إلى دفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق الريفية والأشد تأثراً بالنزاع، حيث تتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية بشكل متزايد.

ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن الأزمة لم تعد مقتصرة على نقص الغذاء فقط، بل أصبحت أزمة مركبة ترتبط بسوء التغذية، وضعف الخدمات الصحية، وتراجع شبكات الحماية الاجتماعية؛ ما يضاعف من خطورة الوضع على الفئات الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتها الأطفال والنساء.

تراجع التمويل

في موازاة ارتفاع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية تحدياً كبيراً يتمثل في تقلص التمويل الدولي المخصص لبرامج الإغاثة؛ وهو ما انعكس مباشرة على حجم ونطاق التدخلات الإنسانية المنفذة على الأرض.

ويؤكد مراقبون أن انخفاض التمويل دفع كثيراً من الجهات الإغاثية إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والتغذوية، وإعادة ترتيب أولوياتها بما يركز على الحالات الأكثر إلحاحاً؛ ما ترك أعداداً كبيرة من الأسر خارج نطاق الدعم المنتظم، رغم تزايد حاجتها إلى المساعدة.

جبايات الحوثيين تسببت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع التمويل في الحد من قدرة المنظمات على تنفيذ برامج مستدامة تعزز الأمن الغذائي، مثل دعم سبل العيش، وتوسيع مشاريع المياه، وتحسين الخدمات الصحية، وهي تدخلات كان من شأنها الحد من تفاقم الأزمة وتخفيف الاعتماد على المساعدات الطارئة.

ويرى خبراء أن استمرار فجوة التمويل، بالتوازي مع تعقيد البيئة الإنسانية، قد يدفع بمزيد من المناطق إلى أوضاع أكثر خطورة، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بوصول المساعدات وارتفاع تكلفة العمليات الإنسانية في بلد يعاني هشاشة واسعة في بنيته الخدمية والاقتصادية.

مرحلة حرجة

في تحذير جديد، وصف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الوضع الإنساني في اليمن بأنه وصل إلى «نقطة تحول حرجة»، مشيراً إلى أن ملايين السكان يواجهون خطر الانزلاق نحو مستويات أشد من الجوع الحاد إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتواء الأزمة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 22.3 مليون يمني باتوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية وحماية، في حين لا يزال أكثر من 18 مليون شخص معرضين لمستويات حادة من الجوع، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الأزمة بصورة غير مسبوقة.

تراجع حصص العائلات اليمنية من المعونات الإنسانية (أ.ف.ب)

وتتزامن هذه المؤشرات مع تحديات صحية متفاقمة، في ظل تعثر النظام الصحي واستمرار عمل نسبة محدودة من المرافق الطبية بشكل جزئي؛ ما يضع ملايين السكان أمام مخاطر مزدوجة تجمع بين نقص الغذاء وضعف القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

وتحذّر المؤسسات الدولية من أن استمرار هذا الوضع دون استجابة واسعة النطاق سيقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة، تشمل ارتفاع معدلات سوء التغذية، وزيادة معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض، واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد.

وفي ظل هذه الصورة القاتمة، تتزايد الدعوات إلى تكثيف الاستجابة الإنسانية الدولية، ودعم برامج الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز سبل العيش والخدمات الأساسية، بصفتها خطوات ملحة للحد من تفاقم الأزمة ومنع انزلاق مزيد من اليمنيين إلى حافة المجاعة.