ثنائية المرأة والرجل واستنطاق التاريخ

في معرض لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين بلندن

«حلم وأمل» لراجحة القدسي  -  «ثوْران من نينوى» لمخلد المختار
«حلم وأمل» لراجحة القدسي - «ثوْران من نينوى» لمخلد المختار
TT

ثنائية المرأة والرجل واستنطاق التاريخ

«حلم وأمل» لراجحة القدسي  -  «ثوْران من نينوى» لمخلد المختار
«حلم وأمل» لراجحة القدسي - «ثوْران من نينوى» لمخلد المختار

نظّمت جمعية الفنانين التشكيليين في المملكة المتحدة معرضها السنوي الثامن، الذي انضوى تحت عنوان «تون»، وقد شارك فيه 16 فناناً عراقياً، من بينهم بتول الفكيكي، هاني مظهر، راجحة القدسي، مخلّد المختار، وآخرون سنأتي على ذكرهم ضمن ثيمات المعرض الأساسية التي تنوعت بحسب الأشكال، والتقنيات، والمقاربات الفنية للرسّامين والنحّاتين الذين ساهموا في هذا المعرض الذي يشكِّل في أقل تقدير آصرة تجمع بين فناني الداخل والخارج الذين يسعون لتقديم منجزهم الإبداعي إلى المُشاهد الكوزموبوليتاني الذي يستمتع بالعمل الفني بصفته خطاباً بصرياً يتجاوز الحدود المحلية والقومية؛ لأن مفرداته ولغته كونية بامتياز، وتعتمد كثيراً في آلية التلقّي والاستيعاب على المشاعر والأحاسيس الداخلية لمحبّي الفنون التشكيلية برمتها، خصوصاً إذا وضعنا المُشاهد في مواجهة العمل الفني من دون الاستعانة بوسيط قد يوضح له التباس القصد، ويفكك بعض الرموز المُستعصية التي تدخل ضمن أنساق السطح التصويري.
لا يتمحور المعرض على ثيمة محددة، ويبدو أن الفنانين جميعهم قد أرسلوا ما تيسّر لهم من أعمال فنية فأصبح المعرض خليطاً متنوعاً يضم اللوحة، والمنحوتة، والفوتوغراف، والعمل التركيبي في آنٍ معاً، فلا مفرّ من تصنيف هذه الأعمال الفنية المتنوعة بحسب موضوعاتها كي نُذلل قدر الإمكان صعوبة فهمها بعيداً عن التنظيرات المُقعّرة التي قد تتعالى على القارئ؛ لأنها تنطلق من برج عاجي لا يلامس الواقع، ولا يفضِّل الاحتكاك به بحجة التخصص الدقيق، أو الانتماء إلى حلقات إبداعية ضيقة لا تسمح لكل من هبّ ودب أن يلج دوائرها الضوئية الملونة. وعلى الرغم من تنوّع الموضوعات واختلافها، فإن البعض منها قد تناغم في ثلاثة محاور رئيسية، وهي ثنائية المرأة والرجل التي نجدها عند بتول الفكيكي، وهاني مظهر، وصادق طعمة، والمفردة التاريخية التي تحتفي بها لوحة مخلّد المُختار، ورائد هوبي، وباسم مهدي، والأعمال النحتية التركيبية التي جسّدها جلال علوان، ورشاد سليم، أما الأعمال الأخرى للفنانين الثمانية فيمكن أن تُدرس خارج إطار هذه المحاور الثلاثة على وفق موضوعاتها، وتقنياتها، ومقارباتها الفنية التي تكشف جانباً من الرؤية الإبداعية للفنانين، سواء المرابطون منهم داخل العراق أو الموزعون في المنافي العربية والأوروبية.
انهمكت الفنانة بتول الفكيكي بثنائية المرأة والرجل، وغاصت في تجليات الروح والجسد، ولعلها ذهبت أبعد من ذلك حينما حاولت الإمساك بالأطياف البشرية التي تخبئ وراءها صوت الفنانة الذي يبوح بجرأة نادرة لا تعرف الخوف أو الوجل. تحضر المفردة الأسطورية في لوحة الفكيكي، فلا غرابة أن تستدعي عشتار وتموز في هذا العمل، وتحركهما في نسيج النص البصري وبنيته الداخلية العميقة بحيث يبدوان ككائنين مرسومين بخطوط طرية ومرنة رغم مرجعيتهما النحتية التي تمجِّد المنحيين التشخيصي والتعبيري، إضافة إلى النفَس التزييني الذي يحتل مساحة كبيرة من المعالم الخارجية للشخصيتين الأسطوريتين اللتين تعيشان في الذاكرة الجمعية للناس.
يتسيّد الهاجس اللوني في لوحة «تفاحة» للفنان هاني مظهر الذي اشتغل هو الآخر على ثنائية المرأة والرجل، لكن لوحته المدروسة تحيل إلى الجانب الحُلُمي أكثر من إحالتها إلى الواقع الملموس الذي عاشه الفنان بكل تفاصيله الصغيرة. وإذا كان الرجل يحمل بعض مواصفات الفنان، فإن المرأة تذكِّرنا بطيف من النساء اللواتي مررن به في شريط حياته العاطفية غير المسكوت عنها.
ربما تكون لوحة «على ضوء الشمعة» لصادق طعمة هي الأكثر دفئاً وحميمية ليس لجهة التضامّ، وإنما بسبب المنحى الكرنفالي المبهج الذي يحيط بهذه اللحظة العاطفية المتوهجة التي جسّدتها مجموعة من الألوان الشرقية الحارة التي لم يتخلَ عنها الفنان رغم غربته الطويلة المعتّقة.
لا ينفع الرمز سواء أكان إحالة شعبية أم أسطورية أم تاريخية ما لم يُفعّل في ثيمة العمل الفني وتكوينه المعماري، وهذا ما نجح فيه الفنان مخلّد المختار في لوحة «ثوْران من نينوى»، فهو يستنطق التاريخ بقوّة بعد أن يُوقد فيه شرارة الحاضر في علاقة تفاعلية لا تُخطئها العين الخبيرة. ولعل الأمر نفسه ينطبق على الفنان رائد هوبي الذي خصّ المعرض بلوحتين مريحتين بصرياً، ومشحونتين بالإحالة التاريخية المتفردة.
أما الفنان باسم مهدي فقد اشترك بلوحة «عودة طروادة» التي تعود وقائعها إلى القرن الثالث عشر ق.م، وتُذكّر القارئ دائماً بخدعة الحرب، حيث اختبأ الجنود الإسبرطيون في الحصان الخشبي الذي قدّموه لأهل طروادة وزعموا الانسحاب من مشارف المدينة المُحاصرة، لكن المقاتلين المختبئين في جوف الحصان خرجوا في الليل وأمعنوا في قتل الناس، ونهب أموالهم، واستعباد أطفالهم ونسائهم. قد تكون هذه الحكاية معروفة تاريخياً، لكن الفنان فعّلها بطريقة مختلفة ووظف الجسد الأنثوي الناعم في هذه الخديعة الجديدة من جهة، وسلّط الضوء على السلام الورقي الذي قدّموه لنا في خاتمة المطاف. لا يقتصر نجاح اللوحة على تفعيل الرمز القديم وشحنه بمدلولات جديدة، وإنما الاشتغال على خلفية اللوحة الذي صعّد العمل درامياً، وجسّد التوازن في ثنائية الضوء والظل.
يأخذ المحور الثالث بُعداً تاريخياً وتراثياً في آنٍ معاً، حيث تُحيلنا منحوتة «قارب الشمس» للنحّات جلال علوان إلى «سفينة خوفو» التي نقلت جثمان الفرعون إلى وادي الملوك الواقع في الجانب الآخر من النيل، حيث استعمل الفنان الملاعق التي تُشبه مجاديف القارب التي تذكِّر بالهجرة والنجاة من المخاطر، وتذهب أبعد من ذلك في تعاطيها مع فكرة الحياة بعد الموت وإمكانية التشبث بهذا الأمل مهما كان ضعيفاً أو غير قابل للتصديق. أما العمل الثاني الذي يجب أن يُنظر إليه كوحدة واحدة تجمع بين منحوتة خشبية أنيقة أسماها الفنان رشاد سليم «ساند النوى»، وبين الدراسة الورقية المقرنصة التي تمثل الشكل الكروي للعالم.
تُذكِّرنا الفنانة راجحة القدسي بلوحات مودلياني وبخاصة استطالات الأعناق والأنوف، كما أنها تحيلنا إلى موضوعاتها الأثيرة التي تهيمن عليها الفيكَرات النسائية المرسومة بخطوط رشيقة تؤشر على حرفيتها المطلقة في تجسيد الثيمة على قماشة اللوحة. أما لوحة سلمى الخوري فتقتصر على رصد معاناة الأطفال والنساء في المجتمع العراقي، لكن مفرداتها متقنة وهي تجسد انطباعاتها ومشاعرها الداخلية المرهفة. وفي السياق ذاته يمكن الإشارة إلى تقنية لوحة «قسوة الحرب» لمريوان جلال وثيمتها الإشكالية التي تحتاج إلى إضاءة تفسّر بنيتها الداخلية المكونة من طبقات متعددة تشير بوضوح إلى قساوة فعل الحرب ووحشيتها.
يعيدنا الفنان إبراهيم العبدلي إلى الطبيعة التي ما عادت تشغل الفنان التشكيلي العراقي الذي وجد ضالته في المدارس الفنية الحديثة كالتعبيرية، والتجريد، والرسم الهندسي. أما الفوتوغراف حسين السكافي فقد انتقل من الصورة إلى فضاء التشكيل بخطوة فنية مطروقة سلفاً تحيل مباشرة إلى تجارب الكثير من رموز الفوتوغراف في أوروبا الشرقية. تجدر الإشارة إلى أهمية التكوين في العمل السيراميكي «طائر»، الذي يتميز بلمسته الفنية الواضحة التي تكشف عن قدرة الفنان على تطويع المادة النحتية في لحظات الخلق والتشكيل. بينما يبرع رائد الراوي في تمويه عمله التشخيصي وتغشيته بغلالة ضبابية، حيث يتماهى المسافر مع موسيقاه الحالمة. أما مسك الختام فهي لوحة «امرأة في الأحمر» التي تذكرنا بعفوية جاكسون بولوك ولا تحيل إليه مباشرة.



رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
TT

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

لطالما اقترن اسم رسامي الثورة الانطباعية بالطبيعة، وبموسم الربيع بالتحديد، نظراً لما في أسلوبهم من ضربات بالفرشاة كأنها تعيد وضع شعاع الشمس على صفحة النهر أو تنقل مداعبة النسمات لأوراق الشجر.

ويبدو الرسام الانطباعي متمرداً على المدرسة الكلاسيكية في نقل المنظور بحذافيره إلى اللوحة. فإذا كان الفنان في عصر النهضة يقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي جاء فيما بعد، فإن موجة فناني المدرسة الانطباعية جرفت تلك الفكرة، وقرر روادها أن ينقلوا المنظور الذي تهجس به مشاعرهم، حتى لو لم يطابق الأصل.

أبرز رواد تلك المدرسة هو الفرنسي أوغست رينوار، وهو الذي يقيم له متحف «أورساي» للفن الحديث في باريس معرضاً كبيراً يستمر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل. وتأتي أهميته من أن هذا العدد من لوحات رينوار لم يجتمع في مكان واحد منذ ثمانينات القرن الماضي، فقد تم تنظيم المعرض بالتعاون مع المعرض الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الأميركية. إنه التفاهم الجميل الذي يجعل من اللوحات الفنية بضاعة تسافر وتستعار في زمن باتت فيه أسلحة الدمار في صدارة البضائع العابرة للقارات.

من معرض «رينوار والحب... الحداثة الممتعة» في متحف «أورساي» بباريس (المتحف)

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر. ويكشف لنا دليل المعرض عن أن رينوار طوّر بين عامي 1865 و1885 أسلوباً ينحرف عن المألوف الأكاديمي. جاءت لوحاته، الزاخرة بالألوان الغنية بالضوء، لتستكشف العلاقات الإنسانية في البيئات الاجتماعية الحديثة: المقاهي المفتوحة، والشرفات، والحدائق، وقاعات الرقص، بعيداً عن التصوير المثالي أو الدرامي للحب. قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل. رسم البسمة والنظرة، والإيماءة، من زاوية المتفرج لا المتلصص.

قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل ورسم البسمة والنظرة والإيماءة من زاوية المتفرج لا المتلصص (المتحف)

ففي لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق، يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش والرغبة في الحرية الجديدة لأجساد في مجتمع متغير. تابع الحفلات، واستلهم موضوعاته في واقع فرنسا في القرن التاسع عشر. تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة. وتصويراً لعلاقات رجال ونساء سعداء، أو هكذا يبدو عليهم. وجاء في دليل المعرض أن القائمين على متحف «أورساي» يرون أن هذه الأعمال تعكس طريقة مبهجة للعلاقات بين الجنسين، لكنها لا تهمل قضية التوافق بينهما، وبالتحديد نظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى، يعاد طرح موضوع تغيّر النظرة للفنون في ضوء المفاهيم العصرية؛ أي محاولة تطبيق مسطرة «الصواب السياسي» على نتاج عصور سابقة ومجتمعات كانت أقل تزمتاً في التعامل مع هذه المفاهيم الجديدة التي ترفض أي انتقاص لمكانة المرأة. إن رينوار لا يتوقف عند المشاهد الرومانسية، فحسب، بل يجتهد لأنْ يضع شخصياته في شبكات من التفاعلات العاطفية. نرى في لوحاته العائلات في اجتماعها، والأطفال في لهوهم، والأصدقاء في نواديهم. ليس في لوحاته مشاهد عن البؤس والتناقضات الطبقية، فهو لا يقسّم المجتمع الفرنسي إلى نبلاء وفلاحين، بل يقدم التناغم الاجتماعي، غير عابئ بشعارات المصلحين.

تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة (المتحف)

ولد بيير أوغست رينوار في مدينة ليموج، وسط فرنسا، عام 1841، وفارق الحياة في جنوب البلاد عام 1918. وسواء كان محايداً أو ثائراً، فإن لوحاته تبقى متعة للروح وللعينين في كل عصر، ومن مختلف وجهات النظر.


ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
TT

ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)

في ظل تزايد الضغوط الأكاديمية التي يواجهها الأطفال في مراحل مبكرة من حياتهم الدراسية، لم يعد التوتر المرتبط بالاختبارات مجرد حالة عابرة، بل أصبح ظاهرة تستحق الانتباه لما قد تتركه من آثار طويلة الأمد. فالتعامل غير السليم مع هذا النوع من القلق لا يؤثر فقط على الأداء الدراسي، بل قد يمتد تأثيره إلى الصحة النفسية، واختيارات المستقبل، وحتى القدرة على تحقيق النجاح في مرحلة البلوغ.

وتشير الأبحاث إلى أن القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب، وفقاً لما أورده موقع «سي إن بي سي».

وتوضح المختصة النفسية السريرية، ترام هوينه، أن مساعدة الآباء لأبنائهم على تعلم كيفية إدارة هذا النوع من التوتر (الذي يُعرف أحيانًا بـ«قلق الاختبار») يمكن أن يؤدي إلى تحسين نتائجهم الدراسية، كما يمنحهم أساساً نفسياً صحياً يساعدهم على أن يصبحوا بالغين أكثر توازناً ونجاحاً.

وتضيف هوينه، مؤسسة مركز "Prep4mance" في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية، المتخصص في معالجة قلق الطلاب المرتبط بالاختبارات، أن ترك هذا القلق دون تدخل قد تكون له تبعات واسعة، إذ «يؤثر على ثقة الأطفال بأنفسهم، وكفاءتهم الأكاديمية، وحتى على قراراتهم المتعلقة باختيار المقررات الدراسية والجامعة التي سيتقدمون إليها». وتتابع: «كل ذلك ينعكس في نهاية المطاف على صحتهم النفسية ومساراتهم المهنية».

وقد يبدأ هذا النوع من القلق في سن مبكرة، إذ يمكن أن يظهر لدى الأطفال منذ الصف الثالث. وتشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى 40 في المائة من الطلاب يعانون من شكل من أشكال قلق الاختبار. وتذكر هوينه مثالًا لطالبة في المرحلة الإعدادية تعاني من قلق شديد خشية أن تؤثر درجة منخفضة في أحد الاختبارات على فرصها في الالتحاق بجامعة مرموقة.

ومع التقدم في العمر، غالباً ما تتفاقم هذه المشكلة، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على القبول الجامعي.

وتوضح هوينه أن ترسّخ فكرة الفشل في ذهن الطالب قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من القلق، قائلة: «كلما اعتقدت أنك ضعيف في الاختبارات، زاد اقتناعك بهذه الفكرة. ومع كل تجربة سلبية، يتفاقم الشعور، وتبدأ في توقع نتائج أسوأ في المرات اللاحقة».

وتشير إلى أن استجابات الأطفال لهذا القلق تختلف؛ فبعضهم قد «ينغلق تماماً» ويعجز عن الأداء أثناء الاختبار، بينما يلجأ آخرون إلى أساليب تجنبية، مثل عدم الدراسة، أو الابتعاد عن المواد الصعبة، أو حتى التغيب عن المدرسة في أيام الاختبارات.

وتحذر هوينه من الاعتقاد الشائع لدى بعض الآباء بأن هذه المشكلة ستزول مع مرور الوقت، مؤكدة أن ذلك «غير صحيح». ويشير خبراء الصحة النفسية إلى أن القلق غير المُعالج في الطفولة قد يستمر إلى مرحلة البلوغ، حيث يمكن أن يؤثر على الأداء الوظيفي والقدرة على تحقيق الأهداف المهنية.

في المقابل، تؤكد هوينه أن تعليم الأطفال مهارات إدارة التوتر يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً؛ إذ «نلاحظ تحسناً في ثقتهم الأكاديمية، وارتفاعاً في مستوى تقديرهم لذاتهم، إضافة إلى زيادة قدرتهم على التكيُّف مع الضغوط».

وتختتم بالإشارة إلى أهمية الانتباه إلى بعض العلامات التحذيرية، مثل فقدان الشهية، أو اضطرابات النوم، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت تُسعد الطفل، معتبرة أن هذه المؤشرات قد تعني أن «مخاوفه أصبحت طاغية»، وهو ما يستدعي اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية للحصول على الدعم المناسب.


اكتشاف كوكب شبيه للمشتري خارج مجموعتنا الشمسية

تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
TT

اكتشاف كوكب شبيه للمشتري خارج مجموعتنا الشمسية

تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)
تصور فني للكوكب مع سحب مائية تعلو غلافه الجوي الذي يهيمن عليه الأمونيا (إليزابيث ماثيوز - معهد ماكس بلانك)

توصل فريق من علماء الفلك بقيادة إليزابيث ماثيوز في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك (MPIA) إلى اكتشاف سحب من جليد الماء على كوكب بعيد يشبه المشتري خارج مجموعتنا الشمسية، ويُدعى إبسيلون إندي أب.

ووفق دراستهم، يُسلط الاكتشاف الجديد الضوء على قصور معظم النماذج الفلكية الحالية لرصد أغلفة الكواكب الخارجية، كما يتوقع أن يكون لهذه الملاحظات آثارٌ أوسع على الأبحاث المتعلقة باكتشاف ودراسة الكواكب الخارجية.

ويأمل علماء الفلك، خلال العقود القليلة المقبلة، في رصد آثار للحياة على كوكب خارج المجموعة الشمسية. وقد مرّت هذه الأبحاث بمراحل عديدة في سبيل تحقيق هذا الهدف. في المرحلة الأولى من البحث، من عام 1995 وحتى عام 2022 تقريباً، انصبّ تركيز باحثي الكواكب الخارجية على اكتشاف المزيد منها، باستخدام أساليب غير مباشرة وفرت لهم معلومات حول كتل بعضها، وأقطار أخرى، وفي بعض الحالات حول كليهما.

ولكن عندما بدأ تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) العمل بكامل طاقته عام 2022، دخل البحث عن الكواكب الخارجية مرحلة ثانية: إذ توفرت معلومات عالية الجودة ومفصلة عن أغلفة العديد من تلك الكواكب.

تقول إليزابيث ماثيوز من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، والمؤلفة الرئيسية للدراسة: «يُتيح لنا تلسكوب جيمس ويب الفضائي دراسة الكواكب الشبيهة بكوكب المشتري في نظامنا الشمسي بتفصيل دقيق».

استخدمت ماثيوز وزملاؤها جهاز الأشعة تحت الحمراء المتوسطة MIRI التابع لتلسكوب جيمس ويب الفضائي للحصول على صور مباشرة لكوكب إبسيلون إندي أب. وبحسب اصطلاحات تسمية الكواكب الخارجية، يشير هذا الاسم إلى أول كوكب يُكتشف يدور حول نجم إبسيلون إندي أب في كوكبة السند في سماء نصف الكرة الجنوبي.

كتلة أكبر من المشتري

ويقول بهافيش راجبوت، طالب الدكتوراه في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك، والذي ساهم في الدراسة: «يتمتع هذا الكوكب بكتلة أكبر بكثير من كتلة المشتري - إذ تُحدد الدراسة الجديدة كتلته بـ 7.6 ضعف كتلة المشتري - لكن قطره يُقارب قطر كوكب المشتري في مجموعتنا الشمسية».

ويقع كوكب إبسيلون إندي أب، وهو كوكبٌ أضخم وأكثر دفئاً بقليل من كوكب المشتري، على بُعد أربعة أضعاف المسافة بينه وبين نجمه المركزي الذى يعد أقل ضخامة وأقل حرارة من شمسنا. ونتيجةً لذلك، فإن درجة حرارة سطح إبسيلون إندي أب منخفضة جداً، حيث تتراوح بين 200 و300 كلفن (بين -70 و+20 درجة مئوية). وعلى مدى مليارات السنين القادمة، سيبرد إبسيلون إندي أب تدريجياً، ليصبح في النهاية أبرد من المشتري.

واستخدم علماء الفلك جهاز الكورونوغراف الخاص بكاميرا MIRI لحجب ضوء النجم المركزي، الذي كان سيطغى على ضوء الكوكب الخافت. ثم التقطوا صورةً عبر مرشحٍ خاص جداً: 11.3 ميكرومتر.

أدلة مفاجئة على وجود السحب

بالنسبة لكوكب المشتري، يهيمن كل من غاز الأمونيا وسحب الأمونيا على الطبقات العليا من الغلاف الجوي المرئية في عمليات الرصد. ونظراً لخصائصه، كان يُعتقد أن نجم إبسيلون إندي أب يحتوي على كميات هائلة من غاز الأمونيا أيضاً، وإن لم يكن يحتوي على سحب أمونيا. والمثير للدهشة أن المقارنة الضوئية أظهرت كمية أمونيا أقل من المتوقع. وأفضل تفسير توصلت إليه ماثيوز وزملاؤها لهذا النقص هو وجود سحب كثيفة ولكنها غير منتظمة من جليد الماء، تشبه السحب الرقيقة عالية الارتفاع في الغلاف الجوي للأرض - وهو تعقيد غير متوقع!

ويقول جيمس مانغ من جامعة تكساس الأميركية في أوستن، وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: «إنها مشكلة رائعة، وتدل على التقدم الهائل الذي نحرزه بفضل تلسكوب جيمس ويب الفضائي. ما كان يبدو مستحيلاً رصده أصبح الآن في متناول أيدينا، مما يسمح لنا بدراسة بنية هذه الأغلفة الجوية، بما في ذلك وجود السحب. وهذا يكشف عن طبقات جديدة من التعقيد بدأت نماذجنا الآن في رصدها، ويفتح الباب أمام توصيف أكثر تفصيلاً لهذه العوالم الباردة والبعيدة».