الاحتفاء بالمحبة... شعرياً

مؤمن سمير يتخذها سلاحاً في ديوانه الجديد

الاحتفاء بالمحبة... شعرياً
TT

الاحتفاء بالمحبة... شعرياً

الاحتفاء بالمحبة... شعرياً

ما الذي يحتاجه الشاعر لكي يكتب سوى إدراكه أن الكتابة ضرورة حياة ووجود، وأنها سلاحه الوحيد في مواجهة قسوة العالم وعتمته التي تزداد يوماً بعد آخر. لكن الشاعر مؤمن سمير في ديوانه «بلا خبز ولا نبيذ»، الصادر أخيراً عن هيئة الكتاب المصرية، يضيف إلى هذه الضرورة فعل المحبة. فأن تكون شاعراً يعني أن تكون محباً عاشقاً، إلى حد الفناء دفاعاً عن هذه المحبة. كما يجب أن تكون لديك القدرة على التسامح، حتى تتجنب كراهية ذاتك، وكراهية العالم نفسه من حولك.
تعين هذه المحبة الشاعر على تحمل العالم، وباسمها يدفعه أمامه كعربة طائشة أحياناً، ومرايا مهشمة أحياناً أخرى، مدركاً أن تطوحه وانقسامه على ذاته هو محاولة لإدراك العالم، مجرداً من أية ضرورة مادية، بلا خبز، بلا نبيذ، بلا تواريخ وحوادث منتقاة، إنه محض محبة تنمو في الداخل، وتشع في شكل انفعالات ومشاعر وأفكار ورؤى، مليئة بالصخب واللعب أحياناً.
تبرز هذه المحبة على نحو لافت في شكل طاقة متجددة من الحلم، تومض في طوايا أغلب نصوص الديوان، حيث يعلو الشغف بالأشياء، وبشتى حدوساتها المعرفية، ويجتهد الشاعر في اللعب على مفارقات المحبة، فهي عنصر جاذب للشغف وللغضب والضجر أيضاً، هي لحظة الوصول التي تأتي ولا تأتي. كما يقول في نص يقف على حافة حكاية صغيرة، بعنوان «نخب لتشخيص المحبة»، وكأنه مرثية للفرح بتلك اللحظة المراوغة:
«يوم وصلت اللحظةُ، دار السؤال ولف.. حول أصابعي التي لا تكف عن النبض، وعن تصفيف أحزانها أمام المرايا.. أصابعي التي أخذت عزاء الأب وهي تعد مسامير النعش.. تساوم بها الضحك المخفي، وشالت الطفلَ، وهي تنسى عواء السماء، صارت مدربة على التشخيص حقاً، لكنها تعجز عن الصفح الجميل».
وحين يفرح بحبيبته في النص نفسه، يصفها بأنها «تتقن السفر والمحبة، ودور الظل الأخبث في حكايا المهرجين». وحين يعيش حلم المرور كسهم في جسد الأيام والحياة، لا ييأس مما يواجهه من عراقيل وإحباط لأنه ببساطة شديدة، وكما يقول في أحد النصوص: «لن أخسر شيئاً.. عندي تخمة من المحبة ورصيد صار يثقل تنفسي كل صباح».
هكذا تتحول المحبة إلى وجود مواز لحياة مفتقدة، معطلة، مهمشة على مستويي الداخل والخارج معاً. فأن تحب، يعني أنك تحلم، أن تكون الأنا هي الواحد في الكل، أن تكون لديك المقدرة على الحياة، حتى في عتمة الشقوق والمرايا. كما أنه ثمة هواء آخر للشعر، يمكن أن تتنفسه بحب في كلمة، في صورة. يدرك الشاعر هذا، ويترك الباب موارباً في قصائده، فليس ثمة تحديد نهائي للكتابة، وما تفيض عنه من رؤى وتساؤلات، والشعر سيظل دائماً رقصة الروح السرية المشدودة لنزوات الجسد والخرافة والأسطورة والمعرفة، في الماضي والحاضر معاً.
تهيمن تداعيات هذه الرقصة السرية على أجواء نصوص الديوان، وتمنح فكرة المحبة سقفاً توائم فيه الذات بين الضرورة الطبيعية للأشياء من حولها، والضرورة الشخصية لوجود الذات نفسه، والبحث عن الدوافع اللاواعية التي تربط بين الضرورتين بشكل واع، ما يجعل النص وكأنه مرآة تتراءى عليها الأشياء في صورتها الفطرية أو محبتها الأسمى. فالحب يكشف عن جوهره المستتر، ما بين الرغبة في التملك وحرية الانفلات والتحليق في فضاء كيان أنثوي يحيا بالمحبة، الأشمل والأعمق في تعاطف الأجساد والأرواح مع بعضها بعضاً، وانجذابها الخالص للحياة.
تلوح هذه الأجواء على نحو لافت في نص بعنوان «أكلم الصورة من الداخل»، تبدو فيه صورة الحبيبة في خطاب الذات الشاعرة وكأنها بوتقة أضداد لا متناهية، وبضمير المخاطب توجه رسالة للذات الشاعرة مشوّهةً مضطربة، هي في جوهرها رغبة مستترة في التملك، ولو تحت قناع الإحساس الزائف بالأمان، وكما يقول النص:
«كل يوم أحبّكَ، وأرتعد قبل المطر وبعد النوم، أحدّد ما سيكون عليه قلبي: أرسم خريطة العمل، وأكون متأهبة للحظة قوتي وامتلاء شراييني بابتساماتكَ.. تقبيلكَ لها تحت الدماء، وبكائكَ الصادق على عاصفة بيتكم... أشكل ملامحكَ على هيئة تمثال من الحنين.. أقضم منه بنهم البدائيين العظام، وأرقبه يجري في داخلي كأنه لهب يهشم كلّ ما في طريقه.. حتى تحتل صورتَكَ الجدرانُ.. لن أصدقكَ طالما تملك عيناً تقول وكفاً يهمسُ.. أريدك أن تموت إلى جواري، وجثتك تلتصق بي، وتلتصق... حتى نصير رماداً يلقيه الكهنة في النهر».
إن الخوف من الحب الذي يلوّن الصورة الشعرية في هذا النص إلى حد الكدر والعدمية لا ينفصل عن المحبة وعن الحرية، فكلاهما وجهان لحقيقة واحدة، تقتضي أن تكون حراً حتى تحقق إرادة المعرفة، خارج السائد النمطي المتكرر الذي يجعل الحياة رتيبة، خالية من الإبداع في صورها ومشاهدها ولغتها.
يقترن هذه الخوف بمشاعر من العزلة والوحدة، تخشى الذات الشاعرة أن تتحول المحبة في ظلالها إلى فعل هش، يجتر صلحاً زائفاً بين الأشياء المتنافرة والمتضادة. وحتى لا تقع الذات في هذه المصيدة، تتحصن بالشعر، تجعل منه حوائط وسواتر صد للرياح الهوجاء. يبرز ذلك فنياً في شكل كتل نصية، تتراص في نسق دائري، تتقاطع فيه اللغة وتتجاور الصور الشعرية وكأنها غابة للتراشق والتشابك بين الأشياء والعناصر، بمحض الصدفة أحياناً، والحدس الداخلي أحياناً أخرى.
في هذا «التحشيد» الشعري، لسنا أمام كتلة مصمتة، يتجمد فيها هواء الشعر ويجف ماؤه، وإنما نحن أمام كتلة موضوعية تمتلك حيوية التدفق والانطلاق خارج حواجزها وأسوارها إلى عوامل أخرى مهمشة في اللغة والروح والجسد والمعرفة بشكل عام. يقول الشاعر في نص بعنوان «الماركيز دي ساد»:
أنا المسجون العظيم، أكثر من ربع قرن والجدران تتهكم وتجري وتضيق وتطير وتتسع.. لكنها الآن تلهث وتعترف.. كل الآلام تحملتها ووضعتها في القِدر حتى طلع قلبها الرائع الأسود.. الجوهرة التي كانت تنام في الداخل لكنها الآن تملأ العيون.. كل الرعشات والدموع الملتاثة أحوّلها إلى أدب مبجل، كافر يصل بالمحبة لبذورها الحقيقية للقسوة.. ويصل باللمسة للركلة وبالقبلة للقتل.. كل الدواليب أحطم واجهاتها وأكشفها لتسمو».
ومثلما أنه ليس للمحبة حدود ومكان محدد، وأنها قد تضمر بذرة القسوة أحياناً، حتى تخلص إلى نفسها وتخلص جوهرها من شوائب العواطف والانفعالات، فالشعر أيضاً ليس له حدود، ليس له مكان أو زمان محددان، ففي ذلك موته وذبوله وانطفاؤه.. بهذه الروح ينفتح النص على شخصية «الماركيز دي ساد»، الروائي الفرنسي الشهير صاحب أقسى نزعات التحرر في الكتابة، التي وصفها البعض بالسادية، حيث استطاع أن يتوغل في النفس البشرية، ويكشف عن أسرار كامنة فيها، كانت بمثابة ألغاز في نظر كثيرين من العلماء والفلاسفة. من هنا، توسع رمزيته من حقول الدلالة في النص، كاشفة عن أن حقيقة الأشياء والعناصر ليست في لحظة تآلفها، وإنما في لحظة انسلاخها من النقيض والضد.
ورغم تشتيت الدلالة الذي يطل أحياناً من الكتلة النصية بشكل عفوي، حيث تبدو أحياناً وكأنها خبط عشواء، تكمن هنا أبرز الملامح الفنية لهذا الديوان، وهي فكرة أن يصبح النص وكأنه عائلة شعرية، يجد فيها الشاعر صور: الآباء والأجداد والأصدقاء والصديقات، الحبيبات والعاشقات، فينفتح عليها بحيوية، وبمقدرة على إعادة تشكيلها في النص برؤى وأحلام مغايرة وملامس إدراك جديدة، فتبدو الصورة وكأنها ابنة النص بقوة مخيلته وفضائه المجازي ونزقة الفانتازي السريالي، وفي الوقت نفسه ابنة الواقع بكل ضغوطه ومفارقاته المادية وأقنعته المراوغة التي لا تنتهي.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended