محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

أمر الملك الحسن الثاني بجمع شعره وطبعه

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه
TT

محمد بن إبراهيم... «شاعر الحمراء» الذي صار «أسطورة»

محمد بن إبراهيم في شبابه
محمد بن إبراهيم في شبابه

قبل 63 سنة، توفي الشاعر المغربي محمد بن إبراهيم، عن سن 54 عاماً. كان ذلك في 27 سبتمبر (أيلول) 1954. اليوم، رغم مرور أكثر من ستة عقود على رحيله، شهد خلالها الشعر المغربي أجيالاً من الشعراء وتحولات عميقة، محققاً تنوعاً في أشكاله وغزارة في منجزه، ما زال محمد بن إبراهيم، حاضراً اسماً وتجربة، وواحداً من أهم وأشهر الشعراء الذين عرفهم الشعر المغربي في العصر الحديث.
عرف محمد بن إبراهيم، أكثر، بـ«شاعر الحمراء»، اللقب الذي سمى به نفسه، في مختتم قصيدة «من المغرب الأقصى أتتك تحية»، التي ألقاها، خلال زيارة للبقاع المقدسة، في 1937، أمام عبد العزيز آل سعود، حيث نقرأ: «من المغرب الأقصى أتتك تحية - يبلغها عن أهله شاعر الحمرا».
لم تكن لبن إبراهيم، كما يقول الدكتور أحمد شوقي بنبين، في مقدمة «روض الزيتون... ديوان شاعر الحمراء»، مكانته المميزة وبصمته الخاصة بين معاصريه فقط، بل كان نمطاً وحده في شعراء المغرب الحديث. ردد أشعاره وتملى بنوادره الكبير والصغير، والمثقف والعامي، ففاقت شهرته حدود مسقط رأسه، وذاع صيته في مدن المغرب، وامتد إلى دول المشرق. فيما كتب عنه عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجيراري، في تقديم الديوان: «محمد بن إبراهيم، هذا الشاعر الذي ارتبط اسمه بمسقط رأسه مراكش الحمراء، وإن تعدى صداه مختلف حواضر المغرب وأقطار أخرى غيره؛ في تألق دام نحواً من ثلاثة عقود، على مدى سنوات الثلاثين والأربعين والخمسين، ملأ خلالها حيزاً من ساحة الشعر وشغل الناس؛ وأظنه ما زال يعتلي هذا الموقع، وإن مضى على وفاته زهاء نصف قرن. والسبب أنه عاش فترة انتقالية غنية بالأحداث التي كانت تحفها أزمات شتى وتناقضات متعددة، والتي تعكس لمتأملها واقع الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية ثم الأدبية، بعد ذلك». قبل أن يضيف: «في أحضان هذه الفترة وجد شاعر الحمراء، وفي رحاب مراكش التي كانت يومئذ تجسم الواقع بمختلف اضطراماته ومضاداته، عاش ينعم أحياناً ويشقى أخرى؛ إن لم أقل إنه كان ينعم بشقاوته ويشقى بنعمائه؛ في عبث أو لامبالاة ما أظنهما عنده إلا يخفيان موقفاً مما حوله ومن الناس كان مقتنعاً به وعليه يسير. وكان نمط حياته يساير هذه الأحوال، ويحث مع هذه المسايرة على قول شعر ينم عن حس مرهف وسرعة بديهة ونفس متقدة وقدرة على التعبير الذي لم يكن يخلو من جودة وإبداع، ومن طرافة النظم كذلك، ولكن لأنه كان يلقي شعره وفق ما تمليه طبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، وكان هذا الشعر يذيع وينتشر، تصحبه حكايا وقصص - هي على واقعتها - أقرب إلى أن تكون من نسج الخيال، مما غدا به محمد بن إبراهيم أسطورة أو يكاد».
يستعيد أحمد شوقي بنبين، الذي قام بالضبط والتنسيق والتعليق على «روض الزيتون»، ضمن منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ما ميز حياة بن إبراهيم، فيقول إن «المتتبع لحياة شاعر الحمراء والواعي بما أحاط بها في جميع مراحلها من دقيق المناسبات والظروف، يجد أنها سلسلة جلسات من السهر والسمر، وحلقات من لقاءات متواصلة مع الأحباب والخلان، يتبادلون خلالها النكتة البارعة، والمثل الشارد، والبيت المأثور، ويتجاذبون فيها الأحاديث الرائعة، والألغاز المعبرة، وقد تتمخض أحياناً عن مساجلات للشعراء غالباً ما يكون بن إبراهيم الموحي بها، أو الداعي إليها. فراجت أشعاره، وذاعت نوادره في الناس حتى نسب إليه الكبير من الملح».
عاكس بن إبراهيم، الذي ولد في 1900، بمراكش، حيث حفظ القرآن في صغره بروايتي ابن كثير وأبي عمر البصري، كما حفظ كثيراً من المتون العلمية، قبل أن يتابع دراسته في ابن يوسف والقرويين، رغبة والده، الذي كان يريده أن يصير رجل دين. يقول أحمد شوقي بنبين: «كان أبوه شديد التدين، متمسكاً بالشرعيات، فأراد أن يكون ابنه محمد فقيهاً، وربما متسماً بما يتسم به الفقهاء من الورع والوقار».
وكتب الوزير والأديب أحمد التوفيق، عن «شاعر الحمراء»، في تصدير «روض الزيتون»: «شاعر تأدب بين الفقهاء ولكنه أبى أن يسمع الفقيه الذي هو تحت برنوسه، لأنه آثر أن يكون نائماً عندما يستيقظ الواعظ، وأن يكون ثملاً عندما ينام الناسك (...) كان له في تقاليد الشعر الذي استلهمه أجداد من المستهترين والقلقين والمجانين والوصافين والمداحين والهجائين والبكائين ذوي الحنين المملقين، ولكنه استقل بأسلوب خفيف طريف نقل به هذه الأغراض إلى عصره وبيئته، فهو شاهد على البيئة والوقت بحق، وهو لسان ذلك الوجع ومرآة تلك المحنة في الفهم. وهو كأي شاعر أصيل محشو بالمتناقضات المنطقية، لأنه أنبوب شديد التوصيل، يحمي وطيس نفسه ويبرد بسرعة ناشزة عن التوقعات».
والجميل في ديوان «روض الزيتون»، الذي نشر، في طبعته الثانية، في جزأين، في 2002، متضمناً عدداً من أشعار الشاعر، أنه جمع وطبع بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني. يقول أحمد شوقي بنبين: «إن قصة جمع ديوان شاعر الحمراء ترجع إلى سنة 1968، حينما قرر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن يجمع ديوان شاعر الحمراء الذي ما فتئ الناس يرددون شعره، ويتندرون بنكته في المجالس والمنتديات وفي المتنزهات والأسواق. فانتدبت للقيام بهذا العمل لجنة علمية من علماء مراكش وأصدقاء الشاعر، وهم على التوالي: أحمد الشرقاوي إقبال، والطيب المريني رحمه الله، ومبارك العدلوني، ومحمد بنبين، وعلي بلمعلم التاورتي رحمه الله، وبعد جهد كبير استطاعت اللجنة جمع ما بقي من شعر الشاعر عند الخاصة، وما كان منشوراً في الصحف والمجلات، وقدمته ديواناً مخطوطا لجلالة الملك في أبريل (نيسان) 1969. وحفظ بالخزانة المولوية. وبعد مرور نحو ثلاثين سنة ارتأى جلالته أن يطبع الديوان، فأنيطت بي مهمة إعادة قراءته، وتخريج مضامينه، والقيام بكل ما تدعو إليه عملية الضبط والتنسيق والتعليق من جهد علمي مضن يعرفه ذوو التجربة في هذا المجال».
واليوم، لا يمكن لمن يتتبع حياة وتجربة «شاعر الحمراء» إلا أن يستعيد علاقته بعدد من رموز وأعيان البلد والمدينة، وكذا رحلته لأداء فريضة الحج، ثم زيارته الشهيرة لمصر، في طريق العودة، حيث التقى عدداً من رجال الفكر والأدب، فقال شعراً كثيراً، نقرأ منه، في قصيدة «غير أن القلب مصري»: «ليس مصر وطناً لي - غير أن القلب مصري - نصف شهر مر لي في - ها فعمري نصف شهر»؛ دون أن ينقل عشقه وحنينه لمصر وأهلها لعقدة نقص، بدليل انتقاده لأحمد شوقي، في تفاعل مع مضامين مسرحيته «أميرة الأندلس»، التي لمس فيها الشاعر المغربي تحاملاً من أمير الشعراء على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، انتصاراً للملك الشاعر المعتمد بن عباد الذي حبسه أمير المرابطين في أغمات، حيث كتب قصيدة، جاء فيها: «أأحمد شوقي للقوافي رجالها - كأنتَ وللتاريخ ذو الأخذ والرد».
على صعيد المنجز الشعري، يستحضر المتتبعون لتجربة الشاعر المغربي عدداً من القصائد، أكثر من غيرها، تبعاً للسياق، ومن ذلك قصائد «إلى هتلر» و«موت بلفور» و«تهويد فلسطين» و«أبطال ليبيا»، التي تناول فيها «قتل عمر المختار الزعيم الليبي على يد الطليان»، بشكل يؤكد تجاوبه مع عدد من القضايا الوطنية والعربية والكونية، أو قصيدة «المطعم البلدي»، التي ندد فيها بالحالة المزرية لأحد مطاعم طنجة، ذات زيارة، منتقداً صاحبه، وقصيدة «الجهاز اللاسلكي واللاقط والمذياع»، التي احتفى فيها بـ«أفكار الورى التي أتت بعجب العجب»، حتى صار «الشرق جار الغرب»؛ علاوة على عدد من قصائد المدح والهجاء، أو تلك التي تنقل لطبيعته اللامبالية وسلوكه العابث، من قبيل «في حانة» و«لا تحبس الكأس» و«الويسكي» و«قبح الله الحشيش».
المراكشيون، من جهتهم، تجدهم يستحضرون عدداً من المواقف والقصائد التي احتفى فيها شاعرهم بالمدينة ورموزها، خصوصاً قصيدة «في أهل مراكش»، حيث كتب: «أولئك قوم شيد الله فخرهم - وما فوقه فخر وإن عظم الفخر - أناس إذا ما الدهر أظلم وجهه - فأيديهم بيض وأوجههم زهر - يصونون إحساناً ومجداً مؤثلاً - ببذل أكف دونها المزن والبحر - أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت - لنورهم الشمس المنيرة والبدر - فلو مست الصخر الأصم أكفهم - أفاض ينابيع الندى ذلك الصخر».



المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.


حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
TT

حركات بطيئة... نتائج أقوى: تمارين خفيفة تُعزّز العضلات بلا إرهاق

الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)
الجهد الذكي طريقٌ أقصر للقوة (جامعة إديث كوان)

أظهرت دراسة أجرتها جامعة إديث كوان الأسترالية أنّ تقوية العضلات وزيادة القوة البدنية لا تتطلَّب بالضرورة مجهوداً مُرهِقاً أو تمارين عالية الشدّة، بل يمكن تحقيق نتائج فعّالة من خلال أداء حركات بطيئة ومتحكم بها.

وأوضح الباحثون أنّ فاعلية التمارين لا ترتبط بالجهد الشديد بقدر ما ترتبط بطريقة أداء الحركة نفسها، وهو ما قد يُغيّر المفهوم الشائع عن اللياقة البدنية مستقبلاً. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية علمية متخصّصة في علوم الرياضة والصحة.

ويقوم الاعتقاد السائد لدى كثيرين على أنّ بناء العضلات وتحسين اللياقة يرتبطان بالتمارين الشاقة ورفع الأوزان الثقيلة أو ممارسة النشاط البدني لمدّة طويلة، وصولاً إلى الإرهاق أو الشعور بالألم العضلي بعد التمرين، على أساس أن «لا فائدة من دون معاناة»، وإنما الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذا التصور ليس دقيقاً في جميع الحالات.

وأظهرت النتائج أن بعض أنواع التمارين، مثل التمارين اللامركزية، يمكن أن تُحقّق فوائد ملحوظة للعضلات والقوة البدنية من دون الحاجة إلى مجهود بدني شديد أو تدريب مرهق كما هو شائع في التمارين التقليدية.

وتعتمد التمارين اللامركزية على عمل العضلات خلال إطالتها تحت تأثير مقاومة أو وزن، بدلاً من انقباضها لرفع الحمل. ويحدث ذلك خلال مرحلة «خفض الحركة»، مثل إنزال الأثقال تدريجياً، أو النزول على الدرج، أو الجلوس على الكرسي ببطء.

وتتميّز هذه التمارين بقدرتها على زيادة قوة العضلات وتحسين أدائها مع استهلاك طاقة أقل مقارنة بالتمارين التقليدية. كما أنها تُقلل الضغط الواقع على الجسم، ممّا يجعلها خياراً مناسباً لفئة واسعة من الأشخاص، بمن فيهم كبار السنّ ومرضى الأمراض المزمنة، نظراً إلى كونها أقل إجهاداً للقلب والرئتين.

وتشمل الأمثلة البسيطة لهذه التمارين التي يمكن ممارستها في المنزل: القرفصاء باستخدام الكرسي عبر الجلوس ببطء ثم الوقوف تدريجياً لتقوية عضلات الفخذين والأرداف، وخفض الكعبين من خلال الوقوف على أطراف الأصابع ثم إنزال الكعبين ببطء لتقوية عضلات الساقين، وتمارين الضغط على الحائط عبر دفع الجسم نحو الحائط ثم العودة ببطء لتقوية عضلات الصدر والذراعين بطريقة آمنة وسهلة. ويمكن أن تُحقّق هذه التمارين تحسينات صحية ملموسة في مدة لا تتجاوز 5 دقائق يومياً.

ورغم احتمال الشعور ببعض آلام العضلات في البداية، خصوصاً عند عدم الاعتياد عليها، فإنّ هذه التمارين لا تتطلّب الألم لتحقيق الفائدة الصحية.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بجامعة إديث كوان، الدكتور كين نوساكا، إنّ الاعتقاد بأنّ التمرين يجب أن يصل إلى حد الإرهاق الكامل يُثني كثيرين عن ممارسة النشاط البدني بانتظام.

وأضاف نوساكا، عبر موقع الجامعة: «بدلاً من ذلك، ينبغي التركيز على التمارين اللامركزية التي تُحقّق نتائج أقوى بجهد أقل بكثير من التمارين التقليدية، ومن دون الحاجة حتى إلى صالة رياضية، ممّا يجعلها عملية وسهلة الاستمرار».