أفلام استحقت ولم تفز في مهرجان مالمو للسينما العربية

توزعت بين التسجيلي والروائي

من  «ذاكرة باللون الخاكي»
من «ذاكرة باللون الخاكي»
TT

أفلام استحقت ولم تفز في مهرجان مالمو للسينما العربية

من  «ذاكرة باللون الخاكي»
من «ذاكرة باللون الخاكي»

اختتم مهرجان مالمو للسينما العربية دورته السابعة في العاشر من هذا الشهر بإطلاق جوائزه الرسمية في حفلة حاشدة، حيث امتلأت القاعة بضيوف عرب وسويديين وأوروبيين آخرين في الوقت الذي توزعت فيه تلك الجوائز على مسابقات للأفلام الروائية القصيرة والطويلة وأخرى للأفلام غير الروائية، قصيرة وطويلة أيضاً فخرج بها من أسعفتهم جهودهم أو حظوظهم وما استولى على تفضيل لجان التحكيم على نحو أو آخر.
أن تمنح لجان التحكيم في مهرجانات السينما جوائزها فتصاب بها أفلام دون مستوى أفلام أخرى فإن ذلك علّة باقية ودائمة تقع في أصغر المهرجانات وفي أكبرها. الواقع أن لجان التحكيم عليها أن ترهن نفسها لما تحب كأفراد أكثر مما تكترث للنظر إلى جوهر العمل الفني وعلى أساس حرفي أمر شائع وبعض جوائز مالمو يشي بذلك. لكنه يشي أيضاً بنيل أفلام مهمّـة تستحق الفوز بلا ريب، علماً بأنه كانت هناك لجنتا تحكيم واحدة للأفلام التسجيلية وأخرى للأفلام الروائية.
- أفلام شخصية
في نطاق الأفلام التسجيلية، خرج فيلم ألفوز طنجور «ذاكرة باللون الخاكي» (أو «الكاكي»، كما تعني) بجائزة أفضل فيلم تسجيلي طويل وهو فوز مستحق ليس بسبب أنه يكشف موضوعه السياسي المعارض لحكم الحزب الواحد في سوريا بثبات وجرأة بل - أساساً - لأنه الفيلم الأكثف في مفرداته السينمائية الخالصة من سواه.
من بدايته، يدرك المشاهد أنه سيتابع فيلماً تتحكم الصورة فيه بفضل موهبة المخرج على معالجة الموضوع بصرياً على نحو أخاذ: صبي يرتدي البزّة العسكرية يقف تحت المطر وعلى مرآه خوف وتوقع. يبدو في وقفته كما لو أنه ينتظر حكم الإعدام بالرصاص، وبالتأكيد هو مُعاقب. في مكان ما من وسط الفيلم هناك لقطة ساحرة من تلك التي يمارسها الأكفاء: لقطة عامة لداخل بيت مهدم بلا جدار. تنسحب الكاميرا منه لكي تكشف عن محيطه وجواره. كل شيء حوله مهدوم. تواصل الابتعاد بالسرعة المتوسطة ذاتها فتكشف عن مدينة من مدن الأشباح التي دمرتها الحرب الدائرة في سوريا.
عند النهاية، هناك توارد سريع لمشاهد بالغة التأثير تجمع بين مشاهد معارك مدمرة وأخرى هادئة تقع في أماكن بعيدة ومع بعض تلك الشخصيات التي رأيناها. هذه المشاهد ليست وحيدة في التأكيد على حسن اختيار المخرج لمعالجة تبتعد عن الخطابة وتعوض غيابه بالبلاغة الفنية.
أقل شأناً منه (بكثير) هو الفيلم الذي نال الجائزة الثانية في مجال الفيلم التسجيلي الطويل وهو الفيلم اللبناني «يا عمري» لهادي زكاك.
كيف يمكن تبرير فيلم لا يحمل، في الصورة، سوى امرأة عجوز وبضعة مشاهد بيتية وعائلية ولقطات قليلة لأماكن مثل ضيعة وصف سيارات وباخرة؟ لا بد لكي تنجح مثل هذه المهمّة أن يكون ما تذكره تلك المرأة من حكايات أهم من مجرد مسألة محض شخصية. أن يكون، على سبيل المثال، كشفاً عن ظروف أو بيئة أو محيط عاشته الشخصية وتأثرت به أو أثّرت.
لكن «يا عمري» لا يحتوي إلا على القدر الأقل من ذلك الكشف. ينطلق وينتهي بالنسبة ذاتها من الاهتمام بشخصية تعني الكثير لصاحبها وتخفق في أن تعني القليل لسواه. المخرج هادي زكاك («مرسيدس»: «كمال جنبلاط، الشاهد والشهادة») يدخل، في مطلع الفيلم على جدته هنرييت ويسألها «عرفتيني» ثم يكرر السؤال المطروح على امرأة في السنة الرابعة بعد المائة كون سمعها ثقيلا في تلك السن وعليه أن يصرخ. حين سمعت لم تسعفها الذاكرة لمعرفته، فيسألها «أنا هادي، عرفتيني؟» ما زالت مترددة فيصيح مرات «هادي… هادي، إبن بنتك منى». مع هكذا بداية منهكة للسيدة كما للمشاهد، يشعر المرء بأنه مثل شخص دخل غرفة فندق بطريق الخطأ. ما عليه إلا أن يعتذر ويرجع. طوال 80 دقيقة لا يتغير منوال الفيلم كثيراً. هو يسألها إذا ما كانت تتذكر وهي تسأله أن يعيد السؤال لكي تسمع والكاميرا في كلوز أب متوسط أو كلوز أب كبير. عندما يكون لديها ما تقوله يأتي متوافقاً مع ما تسمعه.
أفضل منه كان الفيلم التسجيلي «حزام» الذي لم يحقق جائزة. ربما صعد على سلم القائمة في الاجتماع التقريري للجنة التحكيم لكنه استبعد لصالح الفيلمين السابقين وفوقهما فيلم ثالث عنوانه «نسور صغيرة» للمصري محمد رشاد.
«حزام» أفضل منهما. يكفيه أنه من صنع العين السينمائية ذاتها التي صنعت فيلم «ذاكرة باللون الخاكي»، ولو أن الموضوع مختلف والميزانية تسمح بفيلم أصغر. مخرجه هو الجزائري الذي يعيش ويعمل في فرنسا حميد بن عمرة الذي كان سبق له وأن أنجز تحفة قبل عامين بعنوان «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، لم تشأ بعض المهرجانات العربية عرضه، بلا سبب واضح.
كل من «يا عمري» و«نسور صغيرة» ينتمي إلى موجة من الأفلام التي تتحدث عن مخرجيها. هذا جائز فيما لو أن الحديث قادر على الخروج من الذات إلى حيث يمكن تكوين رؤية تبرره. لكن في حين «يا عمري» يفشل على نحو كبير في إيجاد هذا التبرير. يصاحب الفيلم المصري «نسور صغيرة» شيء من هذا الوضع. ليس أنه فيلم من دون حسنات نجد معظمها في اختيارات المخرج البصرية سواء في تكوين المشهد (Composition) أو في رمزياته. لكن دوران الفيلم حول ذات المخرج يجعل الكم الذاتي في هذا الفيلم أكثر بقدر مضاعف من كم المشاغل والملاحظات المسكوبة أمامنا. حكاية المخرج مع أبيه (ومن خلال أبيه مع ذكريات والده ومع الزوجة-الأم) تتميز بإلحاح البحث من دون أن تتبدّى ماهية هذه الأشياء الملحّـة.
- تشكيل لافت
الأفلام الروائية الطويلة المتسابقة كانت أكثر امتزاجاً في خانتي الإيجابيات والسلبيات. رغم ذلك قد يكون تغييب بعض الأفلام المستحقة عن الجوائز عائد إلى أنها نالت جوائز في مهرجانات أخرى، وهذا أمر على لجان التحكيم أن تتوقف على الأخذ به، فالجوائز ليست أكياس رز تُمنح لمن لم يلق حظاَ في السابق، بل تقف وحدها وبصرف النظر عما إذا كان الفيلم نال جائزة أو عشرا.
الفيلم المعني هنا هو «أخضر يابس»، أحد أفضل ما خرجت به السينما المصرية من أعمال في السنوات الأخيرة. إنه الفيلم الأول لمخرجه محمد حمّاد ونتيجته مبهرة ليس كعمل أول فقط بل على كل صعيد. وهو ينجح في إدارة كلتا ممثلتيه الرئيسيتين هبة علي وأسماء فوزي وتهيئة المشاهد لقبولهما كنسيج من الحياة الاجتماعية خال من الوهج أو الزينة. فيلم يشبه حياتهما التي نراها بلا رتوش. حياة عارية كجدران منزلهما ومتعثرة كالسلحفاة في أحد المشاهد الأخيرة وقد انقلبت على ظهرها غير قادرة على النهوض.
القصّة متقشفة الأحداث ويتبنى شخصية إيمان، كما تـؤديها هبة علي، في كل مشهد تقريباً، تغادر البيت صباحاً لتعمل في محل حلويات. تقطع جسر مشاة تمر من تحته حياة الآخرين معبأة في قطارات وسيارات. إنه عن يومياتها المملة ومصاعب حياتها عندما تواصل التضحية لسواها من دون أن تقطف من الحياة وردة لها.
وفي حين ذهبت جائزة أفضل موسيقى للفيلم الإماراتي «الرجال فقط يذهبون للدفن» للمخرج عبد الله الكعبي، فإن نظرة أكثر قرباً للفيلم تشهد بأنه كان يستحق جائزة أفضل سيناريو أو حتى جائزة لجنة التحكيم الخاصة. ما يثير الإعجاب هو التشكيل اللافت للمشاهد. صحيح أنها مصنوعة للعين مباشرة، إلا أنها مناسبة في إطار الحكاية والأجواء وفي إطار الكاميرا الثابتة لا تتحرك ولا تتقدم ولا تتأخر، بل تنصب نفسها في كادرات محسوبة همها الأول أن تنقل مباشرة ما يحدث مع ولكل شخصية على حدة. هنا يبرز تصميم المخرج لكل كادراته. إنها رسوم لشخصيات بينها مسافات محسوبة، لقطات من زوايا تعبّر عن الموقف النفسي السائد في المشهد الذي تقوم بتصويره ما يؤلف عملاً فنياً غير مسبوق إماراتياً وقليل التطرّق إليه عربياً (يشبه إلى حد ما أعمال التونسيين فاضل الجعايبي وفاضل الحريري ذات المصادر المسرحية في الثمانينات).


مقالات ذات صلة

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

يوميات الشرق عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من عشر سنوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بن أفلك ومورغن فريمن في «مجموع كل المخاوف» (باراماونت)

فيلم جديد من بطولة جاك رايان ومغامراته السياسية

تحوّلت رواية «The Hunt for Red October» إلى فيلم ناجح بعد 6 سنوات، مما شجَّع على اقتباس أعمال أخرى لتوم كلانسي.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق جانب من اجتماع وزيرة الثقافة مع صناع السينما (وزارة الثقافة)

مصر لدعم صناعة السينما بتسهيل التصوير في المواقع السياحية والتراثية

تسعى مصر لدعم صناعة السينما من خلال تيسير إجراءات التصوير أمام صُنّاع الأفلام في المحافظات والمواقع السياحية والتراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
سينما من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

لم يخطر ببال والدَي زيندايا أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفظة. أما اليوم فهي نجمة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة.

كريستين حبيب (بيروت)

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز