أوساط إسرائيلية تشكك في إمكانية نجاح المصالحة الفلسطينية

العقبات كبيرة وأخطرها ميل {حماس} لتطبيق نموذج «حزب الله» في لبنان

عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
TT

أوساط إسرائيلية تشكك في إمكانية نجاح المصالحة الفلسطينية

عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)
عباس وهنية في أول اجتماع في غزة للحكومة التي ترأسها هنية بعد الانتخابات التشريعية (أرشيف رويترز)

شككت أوساط إسرائيلية رسمية وغير رسمية، في إمكانات نجاح الجهود المصرية لتحقيق مصالحة حقيقية بين «فتح» و«حماس». وقالت إن هذه الجهود، على الرغم من التصريحات الإيجابية والعناق بين وفود السلطة الفلسطينية ورجالات حماس في قطاع غزة، ستصطدم قريبا بشروط مختلفة يفرضها كل طرف من الطرفين وتشكل عقبة أمام ترجمتها إلى واقع على الأرض.
وقالت في تصريحات إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، تنشر من دون أسماء أصحابها، إن الساحة الفلسطينية شهدت في السنوات العشر الأخيرة، عددا لا يحصى من المبادرات للمصالحة، لكن، على الرغم من ذلك، فإن الوحدة الفلسطينية لا تزال مجرد عناوين في الصحف. وقدوم وفد حكومة السلطة الفلسطينية، برئاسة رامي الحمد الله، اليوم إلى غزة يرافقه مئات الموظفين، ورجال الأمن، تأهبا لـ«عودة حكومة السلطة إلى القطاع، بعد أكثر من عقد من الانقلاب الدموي، قد يبدو كأنه حدث تاريخي. لكن المفاوضات مخصصة بشكل أساسي، من أجل البروتوكولات والكاميرات، لكي يبدو، على الأقل بشكل ظاهري، أن هناك ملامح مصالحة».
ويضيف أحد الناطقين الإسرائيليين: «لا يمكن تجاهل الشعور بأننا قد شهدنا فيلما مماثلا في شهر أبريل (نيسان) من عام 2014 في (اتفاقية الشاطئ)، وفي إقامة حكومة (الوحدة الوطنية)، التي، كما نعلم جميعا، لم نر بشارة تصدر عنها. بل على العكس، فبعد تشكيل حكومة (الوفاق)، جاء الرفض العنيد من قبل رئيس السلطة أبو مازن، لتمويل رواتب موظفي حكومة حماس في غزة، وجاء خطف وقتل الفتيان الإسرائيليين الثلاثة، وتبعته فيما بعد، حملة (الجرف الصامد). ما الذي تغير إذن؟ ليس من الواضح إن كان هناك أي تغيير أصلا. إن تفاصيل التفاهمات بين الأطراف غير واضحة حتى الآن، ومن الصعب رؤية أحد الأطراف يتنازل في قضايا مصيرية، كموضوع سلاح حماس والسيطرة على الحدود، وفي بعض الأحيان، يبدو أننا على مشارف العودة، مرة أخرى، إلى تلك العادة المتكررة والمعروفة: مهرجان وحدة وطنية، تليه مصاعب في المفاوضات، وفي نهاية المطاف، تعميق الانفصال والشقاق، الشقاق الذي لا ينتهي بين الحركتين».
ومع ذلك، فإن الإسرائيليين يشيرون، أيضا، إلى بعض البوادر المفاجئة التي قد تغير الصورة على نحو إيجابي؛ ومنها «تبدل قيادة حماس خلال الأشهر الماضية، وأداؤها غير المتوقع. فمن هو موجود اليوم ليس خالد مشعل، ومجموعة قيادة الخارج. إن من يقود حركة حماس اليوم هما شخصان، من سكان القطاع، من أبناء مخيمات اللاجئين فيه: رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، من سكان مخيم الشاطئ، ورئيس حركة حماس في القطاع، يحيى السنوار، المولود في مخيم خان يونس للاجئين. كلاهما لا يخفي رغبته بتحقيق الوحدة الفلسطينية. إنهما يتحدثان باستمرار عن هذه الوحدة، ويحاولان القيام بعدد غير قليل من الخطوات لبناء الثقة أمام حركة فتح، التي يقف أبو مازن على رأسها. كما أن الرئيس الفلسطيني تحدث في أكثر من مرة، مؤخرا، مع هنية، وتمكن الطرفان فيما بينهما من خلق قناة حوار. كما توجد هذه القناة بين مسؤولين آخرين من كلا الحركتين؛ من أولئك المسؤولين عن الأجهزة الأمنية للحركتين. كما أعلنت حركة حماس عن تفكيك «الهيئة الإدارية» التي أقامتها في قطاع غزة لكي تستبدل حكومة الحمد الله. ولا يمكن تجاهل الأمور الاستثنائية التي قالها يحيى السنوار، الذي كان العنصر الأكثر تطرفا من بين قيادات حركة حماس حتى وقت غير قليل. فقد صرح أمام أبناء الشبيبة الغزية، بأنه سيكسر رقبة كل من يقف في وجه المصالحة، حتى لو كان هذا الشخص من حركة حماس أو من أي تنظيم آخر. وقال السنوار «إن قرار إنهاء الانقسام هو قرار استراتيجي، لا عودة عنه. ينبغي علينا أن ننهي هذا الانقسام». بل إن السنوار ادعى أن قائد «كتائب القسام»، محمد الضيف، يدعم هذه الخطوة أيضا.
وقال مسؤول آخر في إسرائيل إن «قيادة حماس تعترف بفشلها المدني، وتشعر بخطر انتفاض سكان قطاع غزة ضدها. فهذه الحركة التي حاولت، بكل الطرق، عدم التخلي عن السيطرة على القطاع، بما فيه الشؤون المدنية للقطاع، في العقد الماضي، بدأت تبدي استعدادا للتنحي جانبا في الحيز المدني. هذا يعود إلى فشلها في حل أزمات الكهرباء الخانقة، والتشويش في ضخ مياه الشرب، ومعدلات البطالة التي لا تتراجع والتي تبلغ 44 في المائة، وإعادة الإعمار البطيئة في القطاع، والحصار المصري على معبر رفح. ففي هذا المنحى، هناك تغيير درامي حقيقي. إن حركة حماس التي انطلقت من رحم الإخوان المسلمين والتي كانت تمثل، ظاهريا، بأن (الإسلام هو الحل)، تعترف الآن بمحدودية قدراتها. كما حصل ربما لحركة (النهضة) التونسية، التي أدركت أنها لن تتمكن من البقاء باعتبارها الحركة السيادية الوحيدة، وأدركت أنه من المفضل لها أن تجلس في مقاعد المعارضة. يحتمل أن حماس لا ترغب في تقليد النموذج التونسي، بل ترغب حماس بالذات في تقليد النموذج اللبناني؛ بمعنى أن تتبنى بطريقة أو بأخرى الطريقة التي يعمل وفقها (حزب الله): ترك السلطة الفلسطينية تدير الشؤون الشاملة للقطاع، والتأكد في المقابل من أن الذراع العسكرية لحركة حماس، (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، تحافظ على السلاح الذي تملكه ولا تتخلى عنه. هكذا ستواصل حماس بقاءها (رب البيت) بشكل عملي في القطاع، في الوقت الذي ستواصل فيه السلطة التعامل مع المعضلات اليومية في القطاع، وهي معضلات منهكة، عديمة الأفق».
ويعدد المسؤولون الإسرائيليون القضايا التي قد تؤدي إلى نجاح أو فشل المصالحة، على النحو التالي:
- مشكلة موظفي إدارة حماس، البالغ عددهم نحو 45 ألفا، أزمة يمكن حلها. فإن رغب الطرفان في الأمر، فبالإمكان التوصل إلى منظومة تحدد ما الذي يمكن القيام به حيال عشرات آلاف الموظفين التابعين لحركة حماس، الذين تم تجنيدهم لوظائفهم بعد انقلاب عام 2007. فقرابة 20 ألفا من هؤلاء هم أعضاء الشرطة المدنية والدفاع المدني، والجهات التي من المفترض أن تعالج الأمن الشخصي لسكان القطاع. ظاهريا، من المفترض أن تقوم السلطة بتجنيد هؤلاء ضمن المنظومة الأمنية شديدة الانتفاخ التابعة لها. إلا أن علينا هنا أن نتذكر عاملا إضافيا: رد فعل المجتمع الدولي. إن الذهاب إلى مصالحة مع حماس، والاتفاق بأن توافق السلطة على دفع رواتب ما بين 16 و20 ألفا من رجال قوات الأمن الذين كانوا حتى وقت غير بعيد موظفين لدى حركة حماس، قد يؤدي أيضا إلى مشكلات في تحويل التبرعات إلى السلطة الفلسطينية.
- نقطة أخرى يبدو أنه بالإمكان حلها، هي وجود السلطة على المعابر. فبحسب التلميحات التي أطلقها قياديو حماس، فهم سيوافقون على نقل السيطرة على المعابر الحدودية إلى السلطة؛ بل ربما ينتشر رجال السلطة على امتداد الحدود مع مصر وإسرائيل. سيؤدي الأمر إلى فتح ثابت لمعبر رفح، وإلى تحسن فوري في الحالة الاقتصادية في القطاع. إن خطوة كهذه ستقابل بمنسوب كبير من التأييد، وستتردد أصداء هذا التأييد في واشنطن، بل وربما أيضا بشكل ما في إسرائيل.
- أما العقبات الصعبة، فتكمن في الشكوك القائمة بين التنظيمات، ومعها أيضا المشاعر الصعبة في غزة وفي الضفة تجاه التنظيمات المتنافسة. بالذات لدى الرئيس المعروف بكونه لا يسارع إلى مسامحة من حاول المساس به.
- وهنالك مشكلة أصعب؛ هي أن أبو مازن لن يوافق على بقاء الذراع العسكرية لحركة حماس على قيد الحياة. إن تخلي حماس عن سلاحها بالنسبة لأبو مازن كان شرطا واضحا لأي محاولة لإنهاء الانقسام في الماضي. ربما يحتمل، على ضوء حالته السيئة في استطلاعات الرأي، في آراء الجمهور الفلسطيني في غزة، إلى جانب يأسه من إسرائيل ومن الخطوات الأميركية الساعية إلى «الدفع قدما بعملية السلام»، أن يجبر في هذه المرة على الموافقة على عدم تخلي «كتائب عز الدين القسام» عن سلاحها.
- نقطة أخرى؛ هي البرنامج السياسي. فأبو مازن يحمل أجندة سياسية واضحة تختلف عن أجندة حماس، التي تطالب بوقف أي مفاوضات مع إسرائيل. فهل ينوي الرئيس الفلسطيني ضرب إنجازاته السياسية في المحافل الدولية والدخول في صدام مع المجتمع الدولي لكي يتحالف مع حماس، التي لا يضمن إخلاصها له ولو لدقيقة؟
- وارتباطا بالبند السابق، لن يسارع أبو مازن إلى الاتفاق مع حركة حماس ما دام لا يعلم، بشكل تفصيلي، ماهيّة مبادرة السلام الأميركية.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.