أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

بعد تطورات شمال سوريا... ثم استفتاء بارزاني

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية
TT

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

بدا منذ اللحظة الأولى دعم أكراد تركيا وأكبر ممثل لهم، حزب الشعوب الديمقراطي، لاستفتاء إقليم كردستان العراق، إذ رفض الحزب مذكرة الحكومة التركية التي عرضت على البرلمان قبل الاستفتاء بيومين لتجديد صلاحيتها في إرسال القوات إلى سوريا والعراق. وكانت الحركة الكردية التركية قد رأت من قبل في ضعف قبضة الدولة المركزية السورية فرصة تاريخية قد تسمح للأكراد للمرة الأولى في تاريخهم بتأسيس دولة خاصة بهم في الشمال السوري، ما انعكس على قرار الحركة السياسية الكردية في تركيا، بشقيها العسكري المتمثل بحزب العمال الكردستاني، والسياسي المتمثل بحزب الشعوب الديمقراطي. إلا أن أهم ما أزعج تركيا هو تزامن استفتاء أكراد العراق مع سعي أكراد سوريا لتثبيت حكم ذاتي موسع مع ما يرتبط بذلك من أوجه قلق تنبع من أن حزب العمال الكردستاني أوسع انتشاراً ونفوذاً في شمال سوريا عنه في شمال العراق. وهكذا، دفعت تطورات الملف الكردي كلاً من أنقرة وطهران إلى طي صفحة التوتر بينهما، والتركيز معاً على الأخطار والمصالح المشتركة.
كشف الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق الذي أجري الاثنين الماضي رغم حالة الرفض الإقليمي والدولي الواسعة عن عمق المخاوف التركية من التهديدات المحيطة بها من جهة حدودها الجنوبية، ولا سيما في ظل الوجود الكردي في كل من العراق وسوريا.
هذه المخاوف خبت لفترة إبان علاقة حسن الجوار والتعاون الوثيق مع مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، عندما فتحت أنقرة الباب له، واستقبل كأي رئيس دولة يزور تركيا، أمام خلفية التنافر مع بغداد. لكنها اليوم عادت وبلغت حد تهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سلطات أربيل بالتجويع وإغلاق صنبور النفط والحدود والتلويح بالعمل العسكري، والتعاون فقط مع حكومة بغداد، وهذا حتى وإن لم تكن تركيا تخطط لاتخاذ خطوات سريعة على الصعيد الاقتصادي كي لا تتحمل أضراراً كبيرة.
لقد دعمت تركيا منذ نحو 15 سنة «الحكم الذاتي» الكردي في شمال العراق، وتعاونت وما زالت مع إدارة الإقليم في مواجهة حزب العمال الكردستاني الذي يخوض مواجهات مع جيشها داخل أراضيها، وتتبادل معها المعلومات الاستخباراتية التي مكنتها من احتواء نفوذه، والحد من عملياته العسكرية، لدرجة أن وزير الخارجية التركي كان يزور أربيل من دون المرور ببغداد.
كذلك أقامت أنقرة علاقات اقتصادية متقدمة مع إقليم كردستان العراق، وسمحت له بأن يصدر عبر أراضيها معظم إنتاجه النفطي، البالغ 600 ألف برميل يومياً، والمرشح للوصول إلى مليون برميل، وأمدّته بحاجاته من الأغذية وسائر المواد الاستهلاكية، فضلاً عن احتكار شبه كامل لمشاريع الإنشاءات والمقاولات، ليحتكر الإقليم 2.5 مليار دولار أميركي من إجمالي 8 مليارات دولار حجم تجارة تركيا مع العراق. واستفادت أنقرة من القطيعة بين أربيل وبغداد، وكذلك استفادت من العلاقات المتوترة بين أربيل وطهران في كسر احتكار طهران للنفوذ السياسي والعسكري في العراق إلى أن حانت لحظة الاستفتاء فتبدلت التحالفات بشكل كامل.
عوامل القلق التركي
ميديام يانيك، الباحث في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التركي (سيتا)، قال إن «أهم ما أزعج تركيا بشأن الاستفتاء هو التوقيت الذي أجرى فيه، إذ إنه تزامن مع سعي أكراد سوريا لتثبيت نوع حكم ذاتي موسع مع ما يحيط بذلك من أوجه قلق. ذلك أن الوضع في شمال سوريا أكثر إثارة لقلق تركيا، لأن حزب العمال الكردستاني أوسع انتشاراً ونفوذاً في شمال سوريا عنه في شمال العراق. ففي الشمال السوري، الذراعُ السوري للحزب، وهو حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياه (وحدات حماية الشعب الكردية) سيطروا على نحو ثلثي الحدود التركية السورية الممتدة بطول 900 كلم. في المقابل، فإن العلاقة الجيدة مع أكراد العراق ساعدت تركيا في ضبط أكراد سوريا بشكل غير مباشر».
من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن تركيا قد تكون استاءت من سعي الأكراد في الفترة الأخيرة إلى محاولة كسر ما يمكن تسميته بالاحتكار الاقتصادي التركي، وتنويع علاقاتهم الاقتصادية، وبشكل خاص مع روسيا، بعدما أقرضت شركة النفط الروسية العملاقة «روسنفت» سلطات أربيل ما يزيد على مليار دولار بضمان مبيعات النفط، والتزمت بتوفير 4 مليارات أخرى لمشاريع مختلفة. وأيضاً اقترضت أربيل نحو ملياري دولار من مؤسسات تجارية دولية متنوعة، وإن كان كل ذلك لا يغير كثيراً من واقع الاعتماد الكبير على تركيا.
تقارب الضرورة
أضف إلى ما سبق أن خطوة الاستفتاء الكردي دفعت أنقرة إلى السعي للتنسيق مع كل من بغداد وطهران، ويعتبر راصدو التطورات أن التنسيق التركي الجاري مع إيران بات تقارب ضرورة تفرضه الأزمات والمصالح المشتركة، بعدما بات الملف الكردي مصدر إزعاج للبلدين.
ويذكر هنا أنه رغم التوترات الحادة التي شابت العلاقات التركية - الإيرانية في الفترة الماضية، ظلت العلاقات الاقتصادية واعتبارات الجوار الجغرافي عامل تهدئة أساسياً بين البلدين، فضلاً عن الاتفاق في عدد من الملفات، بينها رفض تقسيم العراق عبر استفتاء الانفصال الكردستاني.
وحقاً، يشكل هذا الاستفتاء منعطفاً خطيراً بالنسبة لإيران وتركيا بسبب حجم الأقلية الكردية في كليهما. ففي إيران تشكل نحو 10 في المائة من السكان، بحسب إحصائيات غير رسمية، يعيش معظمها في شمال غربي البلاد، وتحديداً في محافظات كردستان وكرمانشاه وآذربيجان الغربية وإيلام، ويراود أكراد إيران طموح الانفصال حتى قبل الثورة الإيرانية.
أما في تركيا، فيمثل الأكراد ما بين 15 و20 في المائة من السكان، ولقد عاشوا صراعاً مع الدولة التركية، بعدما وضع مصطفى كمال «أتاتورك»، مؤسس تركيا الحديثة، مبادئ عامة جعل فيها القومية التركية، القومية السائدة في تركيا، وبالتالي، عاملت السلطات التركية الأكراد معاملة قاسية، وحُظر استخدام اللغة الكردية. ولهذا السبب تسعى تركيا إلى القضاء على محاولات قيام كيان كردي في شمال سوريا على حدودها الجنوبية.
وهكذا تسعى كل من أنقرة وطهران إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني الثنائي للتعامل مع التطورات التي تشهدها الملفات التي تحظى باهتمام خاص من جانبهما، وهو ما ظهر في الزيارة التي قام بها رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري إلى تركيا في 15 أغسطس (آب) الماضي للمرة الأولى منذ عام 1979. وأعلنت إيران على إثرها أن علاقتها مع تركيا «دخلت مرحلة جديدة ومهمة» وقطعت شوطاً مهماً في المجال التكاملي. وبعد أسبوع من تلك الزيارة، قال الرئيس التركي إن عملية مشتركة مع إيران ضد المقاتلين الأكراد «مطروحة على الدوام». كذلك قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة باقري شكلت حدثاً مهماً، وما كانت لتجري لولا استعداد الجانبين لعقد صفقات حول كل من سوريا والعراق.
وهنا يعتقد الدكتور سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة «صباح الدين الزعيم» التركية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين طهران وأنقرة «تراجعت خلال السنوات الأخيرة سياسياً واقتصادياً، وبنت طهران تحالفاتها مع لاعبين إقليميين ودوليين، وكذلك الحال بالنسبة لتركيا، لكن الكرة الآن في ملعب إيران، وعليها أن تظهر للأتراك أنها خارج المشروع الروسي بشأن العراق وسوريا». وأشار صالحة إلى إمكانية وجود عروض لتبادل الخدمات بين طهران وأنقرة في أكثر من أزمة «لكن كل ذلك يبقى مرهوناً بحدوث تحول في الموقف الإيراني».
أكراد تركيا
منذ اللحظة الأولى ظهر دعم أكراد تركيا، وبالذات حزبهم الأبرز حزب الشعوب الديمقراطي، لاستفتاء كردستان العراق. فلقد رفض الحزب مذكرة الحكومة التي عرضت على البرلمان قبل الاستفتاء بيومين لتجديد صلاحيتها في إرسال القوات إلى سوريا والعراق... كما هلل قطاع كبير من الأكراد في تركيا لنتيجة الاستفتاء، وقال عثمان بايدمير، المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي «سلام منا على الاستفتاء»، واصفاً إياه بأنه «تعبير حر عن الحق الديمقراطي للشعب الكردي في العراق على الجميع احترامه».
ولا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية هي أكبر مشاكل تركيا (البالغ عدد سكانها نحو 80 مليون نسمة) منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم. إذ رأى مؤسسها «أتاتورك» أن التنوّع العرقي الكبير الذي تميزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها. وقرّر أن ترفض الجمهورية التركية الوليدة ذلك لكي تُجنب المصير نفسه. في هذا السياق أنكرت تركيا منذ نشأتها تنوّعها العرقي، فاعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها تركياً بغض النظر عن جذوره ولغته الأم. واتبع خلفاء «أتاتورك» النهج نفسه، وبأساليب أكثر تشدداً، ما أدى إلى التنكر لحقوق الأقليات العرقية في تركيا كالعرب والشركس واللاز والبوشناق، وكذلك الأكراد.
ولم يتوقف الأمر عند حد إنكار الحقوق الثقافية والاجتماعية لأكراد تركيا، ولا حتى حقوقهم السياسية، بل وصل إلى إهمال وتهميش شبه متعمدين لمناطق جنوب وجنوب شرقي تركيا، التي يشكل الأكراد أغلبية سكانها، فتراكم السخط والشعور بالغبن بين الأكراد الذي رأوا أنهم مواطنون من الدرجة الثانية في البلاد.
ثم مع المد اليساري في العالم في ستينات وسبعينات القرن الماضي، احتكرت الحركة السياسية اليسارية الكردية التكلم باسم أكراد تركيا، مع تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978. ولم يلبث الحزب أن بدأ «حرب عصابات» ضد الدولة التركية عام 1984 كلفت تركيا حتى الآن حياة أكثر من 40 ألف شخص، وأكثر من 500 مليار دولار، فضلاً عن اضطراب سياسي وشرخ اجتماعي.
مفاوضات وانتكاسات
سعت تركيا مرتين من قبل خلال حكم تورغوت (طُرغُد) أوزال في الثمانينات، ثم في فترة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان لحل المشكلة الكردية عبر مفاوضات السلام. ولكن لم يكتب للمحاولتين النجاح، إلى أن قرر حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة في عام 2003، حل المشكلة الكردية داخلياً، باعتراف رئيسه رجب طيب إردوغان عام 2005 بوجود «مشكلة كردية» في تركيا. ومن ثم بدأت سلسلة من التعديلات الدستورية والديمقراطية، بالتوازي مع إطلاق عشرات المشاريع الاقتصادية والتنموية في مناطق الكثافة الكردية.
وبعد سنوات من المفاوضات السرية مع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا، بدأت الحكومة التركية ما سمته «عملية التسوية» بعد دعوة واضحة من الأخير لأعضاء حزبه لترك السلاح والانخراط في العملية السياسية عام 2013. إلا أن الهدنة التي استغرقت سنتين لم تصمد طويلاً على وقع التطورات المتسارعة في سوريا. هذا، وسبق أن ساعدت قيادة إقليم كردستان العراق في عملية المفاوضات الداخلية في تركيا مع الأكراد. وقام الحزبان الكرديان العراقيان الرئيسيان، أي الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني بدور الوساطة بين الجانبين، وتقديم التسهيلات اللازمة للجمع بينهما، وكذلك تقديم ما يشبه الأفكار والضمانات. وكان لافتاً الدور الذي قامت به هذه القيادة في الإفراج عن ثمانية جنود أتراك من أصل 139 تركياً كان قد أسرهم حزب العمال الكردستاني خلال السنوات القليلة الماضية.
مخاطر وحلول
واليوم يرى خبراء أن المشكلة الكردية بأبعادها الحالية تحمل بذور تدويل المشكلة، وأن ذلك إذا حدث سيشكل خطراً على تركيا في ظل حالة الجفاء بينها ومعظم حلفائها التقليديين... الذين يقدمون الدعم السياسي والعسكري للفصائل الكردية المسلحة في سوريا المصنّفة على قوائم الإرهاب في تركيا. وفوق ذلك تبدو الحكومة التركية تميل في تعاملها مع الأزمة إلى رؤية المؤسسة العسكرية، بعدما جربت رؤيتها الخاصة في الحل لسنوات عن طريق المفاوضات، التي انتهت إلى إعلان الساسة الأتراك - وفي مقدمتهم إردوغان - أنه «لا توجد مشكلة كردية في تركيا» رغم اعترافهم بوجود مشاكل كثيرة للأكراد.
ويذكر أن تركيا تفتقر حتى الآن إلى دستور يكرّس مبدأ المواطَنة، ويراعي التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد، ويقول الباحث المتخصص بالشؤون الكردية وحيد الدين إنجة «إن إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي لانعدام مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلاً عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكرياً واقتصادياً مثل تركيا عبر صدام مسلح». وأضاف أن «هذا المسعى سيتسبب في الضرر للأكراد بدلاً من أن ينفعهم، لأن الجماعات التي تطالب بالحكم الذاتي لا تملك المقومات للحفاظ عليه. وبالتالي، فإن الهدف من هذا الإعلان هو الحفاظ على المناطق التي يعدها حزب العمال الكردستاني وتفرعاته مكتسبات في الشمال السوري».
ومن جهته رأى جان أجون، الباحث في علاقات الجوار التركي بمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (ستا)، أن «كل هذه التداعيات الداخلية والتدخلات الخارجية لا تعني أن أنقرة فاقدة للحلول بل عليها امتلاكها، ذلك أن غيابها سيفتح الباب على المدى البعيد أمام تدويل المشكلة، وتحفيز سيناريوهات الانفصال بمختلف مستوياتها، بالتزامن مع خطوات المشروع السياسي الكردي في الشمال السوري وفي كردستان العراق، وهو ما تعتبره أنقرة خطاً أحمر لأمنها القومي».

أكراد تركيا... تاريخياً وسياسياً
- تقدر نسبة الأكراد بـ20 في المائة من مجموع عدد السكان الذي يتجاوز 80 مليوناً. وتصل التقديرات إلى 20 أو 25 مليوناً.
- تعيش المجموعات الكردية في تركيا بشرق الأناضول منتشرة في مناطق ممتدة على حدود تركيا، مع العراق وسوريا وإيران وأرمينيا، وداخل هذه الدول أيضاً. ويعتقد أن تعداد الأكراد في العالم يتراوح بين 20 و30 مليوناً، وبالتالي، يعتبرون أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط لكن دون أن تجمعها دولة مستقلة، لذا كانت تحركاتهم في العراق وسوريا مصدر قلق لتركيا.
- درجت الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية التركية في معالجتها وتناولها للقضية الكردية على استخدام تعبير «مشكلة المنطقة الشرقية».
- تعتبر دول الاتحاد الأوروبي المواطنين الأكراد ضمن الأقليات، وتطالب تركيا بمنحهم حقوقهم الثقافية.
- امتدت هذه المرحلة من عام تأسيس الجمهورية التركية 1923 إلى عام 1949. حين أقرت التعددية السياسية وسمح بتأسيس أحزاب سياسية، وجرى تأسيس الحزب الديمقراطي (اليميني) بزعامة عدنان مندريس، الذي خاض انتخابات عام 1950 وحقق فوزاً كبيراً أخرج حزب الشعب الجمهوري من السلطة بعد 27 سنة من الانفراد بها.
- شكل حزب عدنان مندريس حكوماته طوال عقد الخمسينات من القرن الماضي حتى وقوع الانقلاب العسكري عام 1960. وأُطيح بالحزب الحاكم وتولى سليمان ديميريل دفة القيادة طوال العقد التالي. وتابع ديميريل سياسة مندريس في تخفيف القيود الدينية والثقافية، ولكن من دون الاعتراف بالحقوق القومية لغير الأتراك.
- رغم وجود نحو 40 مجموعة عرقية وسياسية متنوعة، فقد كان الحديث عن «الحقوق القومية» محظوراً بالقانون والتطبيق، وكان التكلم بغير اللغة التركية في الأماكن العامة محظوراً ومخالفاً للقانون، وتترتب عليه عقوبات وغرامات. أما إصدار صحف أو عقد اجتماعات عامة باللغات القومية غير التركية، ومنها الكردية، فهو ممنوع ومجرّم قانونياً، لكن عقد السبعينات أظهر أهمية وضرورة الحديث عن الحقوق القومية، من دون أن يجرؤ أحد الأحزاب أو السياسيين على تعديل القوانين القومية على الرغم من إقرار التعددية السياسية منذ عقود.
- مع ظهور الحركة الإسلامية وأحزابها «العلمانية» بعد عام 1970، ومع تأسيس «الحزب الوطني» بزعامة نجم الدين أربكان على الساحة السياسية التركية، أصبحت الأصوات الكردية الدينية من الأصوات المحسوبة على أحزاب أربكان المتوالية: ملي نظام، والسلامة، والرفاه، والفضيلة. ولاحقاً، كان طبيعياً أن تكون المسألة الكردية على جدول برامج حزب العدالة والتنمية في مرحلة صعوده وتأسيسه عام 2001. إذ شارك العديد من الشخصيات الكردية في مرحلة التأسيس.
- عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 بدأ تنفيذ وعوده الانتخابية ومنها الانفتاح على كل مكونات المجتمع التركي بكل قومياته وإثنياته وتياراته الفكرية والسياسية ومذاهبه الدينية وطوائفه الكثيرة. وجاء تنفيذ هذه الوعود على شكل حزم قانونية يصدرها البرلمان التركي، ومحورها الأساسي تطوير الحياة الديمقراطية في تركيا في كل مجالاتها، ولذلك سميت بالحزم الديمقراطية، وبلغت 10 حزم ديمقراطية. وكان أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان بمن فيهم أعضاؤه من أبناء القومية الكردية، في مقدمة البرلمانيين الذين يدافعون عن هذه الحزم الديمقراطية والحقوق القومية.
- تحقق الكثير من المطالب والحقوق لأبناء القومية الكردية، وتمكن صلاح الدين ديمرطاش (دمرداش) وهو زعيم حزب الشعوب الديمقراطي من أن ينافس على رئاسة الجمهورية أمام إردوغان عام 2014. غير أنه اعتقل عام 2016 وهو معتقل حتى الآن بتهمة دعم الإرهاب.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.