أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

بعد تطورات شمال سوريا... ثم استفتاء بارزاني

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية
TT

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

أنقرة مرتابة من تدويل الحالة الكردية

بدا منذ اللحظة الأولى دعم أكراد تركيا وأكبر ممثل لهم، حزب الشعوب الديمقراطي، لاستفتاء إقليم كردستان العراق، إذ رفض الحزب مذكرة الحكومة التركية التي عرضت على البرلمان قبل الاستفتاء بيومين لتجديد صلاحيتها في إرسال القوات إلى سوريا والعراق. وكانت الحركة الكردية التركية قد رأت من قبل في ضعف قبضة الدولة المركزية السورية فرصة تاريخية قد تسمح للأكراد للمرة الأولى في تاريخهم بتأسيس دولة خاصة بهم في الشمال السوري، ما انعكس على قرار الحركة السياسية الكردية في تركيا، بشقيها العسكري المتمثل بحزب العمال الكردستاني، والسياسي المتمثل بحزب الشعوب الديمقراطي. إلا أن أهم ما أزعج تركيا هو تزامن استفتاء أكراد العراق مع سعي أكراد سوريا لتثبيت حكم ذاتي موسع مع ما يرتبط بذلك من أوجه قلق تنبع من أن حزب العمال الكردستاني أوسع انتشاراً ونفوذاً في شمال سوريا عنه في شمال العراق. وهكذا، دفعت تطورات الملف الكردي كلاً من أنقرة وطهران إلى طي صفحة التوتر بينهما، والتركيز معاً على الأخطار والمصالح المشتركة.
كشف الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق الذي أجري الاثنين الماضي رغم حالة الرفض الإقليمي والدولي الواسعة عن عمق المخاوف التركية من التهديدات المحيطة بها من جهة حدودها الجنوبية، ولا سيما في ظل الوجود الكردي في كل من العراق وسوريا.
هذه المخاوف خبت لفترة إبان علاقة حسن الجوار والتعاون الوثيق مع مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، عندما فتحت أنقرة الباب له، واستقبل كأي رئيس دولة يزور تركيا، أمام خلفية التنافر مع بغداد. لكنها اليوم عادت وبلغت حد تهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سلطات أربيل بالتجويع وإغلاق صنبور النفط والحدود والتلويح بالعمل العسكري، والتعاون فقط مع حكومة بغداد، وهذا حتى وإن لم تكن تركيا تخطط لاتخاذ خطوات سريعة على الصعيد الاقتصادي كي لا تتحمل أضراراً كبيرة.
لقد دعمت تركيا منذ نحو 15 سنة «الحكم الذاتي» الكردي في شمال العراق، وتعاونت وما زالت مع إدارة الإقليم في مواجهة حزب العمال الكردستاني الذي يخوض مواجهات مع جيشها داخل أراضيها، وتتبادل معها المعلومات الاستخباراتية التي مكنتها من احتواء نفوذه، والحد من عملياته العسكرية، لدرجة أن وزير الخارجية التركي كان يزور أربيل من دون المرور ببغداد.
كذلك أقامت أنقرة علاقات اقتصادية متقدمة مع إقليم كردستان العراق، وسمحت له بأن يصدر عبر أراضيها معظم إنتاجه النفطي، البالغ 600 ألف برميل يومياً، والمرشح للوصول إلى مليون برميل، وأمدّته بحاجاته من الأغذية وسائر المواد الاستهلاكية، فضلاً عن احتكار شبه كامل لمشاريع الإنشاءات والمقاولات، ليحتكر الإقليم 2.5 مليار دولار أميركي من إجمالي 8 مليارات دولار حجم تجارة تركيا مع العراق. واستفادت أنقرة من القطيعة بين أربيل وبغداد، وكذلك استفادت من العلاقات المتوترة بين أربيل وطهران في كسر احتكار طهران للنفوذ السياسي والعسكري في العراق إلى أن حانت لحظة الاستفتاء فتبدلت التحالفات بشكل كامل.
عوامل القلق التركي
ميديام يانيك، الباحث في مركز الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التركي (سيتا)، قال إن «أهم ما أزعج تركيا بشأن الاستفتاء هو التوقيت الذي أجرى فيه، إذ إنه تزامن مع سعي أكراد سوريا لتثبيت نوع حكم ذاتي موسع مع ما يحيط بذلك من أوجه قلق. ذلك أن الوضع في شمال سوريا أكثر إثارة لقلق تركيا، لأن حزب العمال الكردستاني أوسع انتشاراً ونفوذاً في شمال سوريا عنه في شمال العراق. ففي الشمال السوري، الذراعُ السوري للحزب، وهو حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياه (وحدات حماية الشعب الكردية) سيطروا على نحو ثلثي الحدود التركية السورية الممتدة بطول 900 كلم. في المقابل، فإن العلاقة الجيدة مع أكراد العراق ساعدت تركيا في ضبط أكراد سوريا بشكل غير مباشر».
من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن تركيا قد تكون استاءت من سعي الأكراد في الفترة الأخيرة إلى محاولة كسر ما يمكن تسميته بالاحتكار الاقتصادي التركي، وتنويع علاقاتهم الاقتصادية، وبشكل خاص مع روسيا، بعدما أقرضت شركة النفط الروسية العملاقة «روسنفت» سلطات أربيل ما يزيد على مليار دولار بضمان مبيعات النفط، والتزمت بتوفير 4 مليارات أخرى لمشاريع مختلفة. وأيضاً اقترضت أربيل نحو ملياري دولار من مؤسسات تجارية دولية متنوعة، وإن كان كل ذلك لا يغير كثيراً من واقع الاعتماد الكبير على تركيا.
تقارب الضرورة
أضف إلى ما سبق أن خطوة الاستفتاء الكردي دفعت أنقرة إلى السعي للتنسيق مع كل من بغداد وطهران، ويعتبر راصدو التطورات أن التنسيق التركي الجاري مع إيران بات تقارب ضرورة تفرضه الأزمات والمصالح المشتركة، بعدما بات الملف الكردي مصدر إزعاج للبلدين.
ويذكر هنا أنه رغم التوترات الحادة التي شابت العلاقات التركية - الإيرانية في الفترة الماضية، ظلت العلاقات الاقتصادية واعتبارات الجوار الجغرافي عامل تهدئة أساسياً بين البلدين، فضلاً عن الاتفاق في عدد من الملفات، بينها رفض تقسيم العراق عبر استفتاء الانفصال الكردستاني.
وحقاً، يشكل هذا الاستفتاء منعطفاً خطيراً بالنسبة لإيران وتركيا بسبب حجم الأقلية الكردية في كليهما. ففي إيران تشكل نحو 10 في المائة من السكان، بحسب إحصائيات غير رسمية، يعيش معظمها في شمال غربي البلاد، وتحديداً في محافظات كردستان وكرمانشاه وآذربيجان الغربية وإيلام، ويراود أكراد إيران طموح الانفصال حتى قبل الثورة الإيرانية.
أما في تركيا، فيمثل الأكراد ما بين 15 و20 في المائة من السكان، ولقد عاشوا صراعاً مع الدولة التركية، بعدما وضع مصطفى كمال «أتاتورك»، مؤسس تركيا الحديثة، مبادئ عامة جعل فيها القومية التركية، القومية السائدة في تركيا، وبالتالي، عاملت السلطات التركية الأكراد معاملة قاسية، وحُظر استخدام اللغة الكردية. ولهذا السبب تسعى تركيا إلى القضاء على محاولات قيام كيان كردي في شمال سوريا على حدودها الجنوبية.
وهكذا تسعى كل من أنقرة وطهران إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني الثنائي للتعامل مع التطورات التي تشهدها الملفات التي تحظى باهتمام خاص من جانبهما، وهو ما ظهر في الزيارة التي قام بها رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري إلى تركيا في 15 أغسطس (آب) الماضي للمرة الأولى منذ عام 1979. وأعلنت إيران على إثرها أن علاقتها مع تركيا «دخلت مرحلة جديدة ومهمة» وقطعت شوطاً مهماً في المجال التكاملي. وبعد أسبوع من تلك الزيارة، قال الرئيس التركي إن عملية مشتركة مع إيران ضد المقاتلين الأكراد «مطروحة على الدوام». كذلك قالت مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن زيارة باقري شكلت حدثاً مهماً، وما كانت لتجري لولا استعداد الجانبين لعقد صفقات حول كل من سوريا والعراق.
وهنا يعتقد الدكتور سمير صالحة، أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة «صباح الدين الزعيم» التركية، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقات بين طهران وأنقرة «تراجعت خلال السنوات الأخيرة سياسياً واقتصادياً، وبنت طهران تحالفاتها مع لاعبين إقليميين ودوليين، وكذلك الحال بالنسبة لتركيا، لكن الكرة الآن في ملعب إيران، وعليها أن تظهر للأتراك أنها خارج المشروع الروسي بشأن العراق وسوريا». وأشار صالحة إلى إمكانية وجود عروض لتبادل الخدمات بين طهران وأنقرة في أكثر من أزمة «لكن كل ذلك يبقى مرهوناً بحدوث تحول في الموقف الإيراني».
أكراد تركيا
منذ اللحظة الأولى ظهر دعم أكراد تركيا، وبالذات حزبهم الأبرز حزب الشعوب الديمقراطي، لاستفتاء كردستان العراق. فلقد رفض الحزب مذكرة الحكومة التي عرضت على البرلمان قبل الاستفتاء بيومين لتجديد صلاحيتها في إرسال القوات إلى سوريا والعراق... كما هلل قطاع كبير من الأكراد في تركيا لنتيجة الاستفتاء، وقال عثمان بايدمير، المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي «سلام منا على الاستفتاء»، واصفاً إياه بأنه «تعبير حر عن الحق الديمقراطي للشعب الكردي في العراق على الجميع احترامه».
ولا يختلف الخبراء والمتابعون للشأن التركي على أن المشكلة الكردية هي أكبر مشاكل تركيا (البالغ عدد سكانها نحو 80 مليون نسمة) منذ تأسيسها عام 1924 وحتى اليوم. إذ رأى مؤسسها «أتاتورك» أن التنوّع العرقي الكبير الذي تميزت به الدولة العثمانية كان أحد أسباب سقوطها. وقرّر أن ترفض الجمهورية التركية الوليدة ذلك لكي تُجنب المصير نفسه. في هذا السياق أنكرت تركيا منذ نشأتها تنوّعها العرقي، فاعتبرت كل مواطن يعيش داخل حدودها تركياً بغض النظر عن جذوره ولغته الأم. واتبع خلفاء «أتاتورك» النهج نفسه، وبأساليب أكثر تشدداً، ما أدى إلى التنكر لحقوق الأقليات العرقية في تركيا كالعرب والشركس واللاز والبوشناق، وكذلك الأكراد.
ولم يتوقف الأمر عند حد إنكار الحقوق الثقافية والاجتماعية لأكراد تركيا، ولا حتى حقوقهم السياسية، بل وصل إلى إهمال وتهميش شبه متعمدين لمناطق جنوب وجنوب شرقي تركيا، التي يشكل الأكراد أغلبية سكانها، فتراكم السخط والشعور بالغبن بين الأكراد الذي رأوا أنهم مواطنون من الدرجة الثانية في البلاد.
ثم مع المد اليساري في العالم في ستينات وسبعينات القرن الماضي، احتكرت الحركة السياسية اليسارية الكردية التكلم باسم أكراد تركيا، مع تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978. ولم يلبث الحزب أن بدأ «حرب عصابات» ضد الدولة التركية عام 1984 كلفت تركيا حتى الآن حياة أكثر من 40 ألف شخص، وأكثر من 500 مليار دولار، فضلاً عن اضطراب سياسي وشرخ اجتماعي.
مفاوضات وانتكاسات
سعت تركيا مرتين من قبل خلال حكم تورغوت (طُرغُد) أوزال في الثمانينات، ثم في فترة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان لحل المشكلة الكردية عبر مفاوضات السلام. ولكن لم يكتب للمحاولتين النجاح، إلى أن قرر حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة في عام 2003، حل المشكلة الكردية داخلياً، باعتراف رئيسه رجب طيب إردوغان عام 2005 بوجود «مشكلة كردية» في تركيا. ومن ثم بدأت سلسلة من التعديلات الدستورية والديمقراطية، بالتوازي مع إطلاق عشرات المشاريع الاقتصادية والتنموية في مناطق الكثافة الكردية.
وبعد سنوات من المفاوضات السرية مع عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون في تركيا، بدأت الحكومة التركية ما سمته «عملية التسوية» بعد دعوة واضحة من الأخير لأعضاء حزبه لترك السلاح والانخراط في العملية السياسية عام 2013. إلا أن الهدنة التي استغرقت سنتين لم تصمد طويلاً على وقع التطورات المتسارعة في سوريا. هذا، وسبق أن ساعدت قيادة إقليم كردستان العراق في عملية المفاوضات الداخلية في تركيا مع الأكراد. وقام الحزبان الكرديان العراقيان الرئيسيان، أي الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود البارزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني بدور الوساطة بين الجانبين، وتقديم التسهيلات اللازمة للجمع بينهما، وكذلك تقديم ما يشبه الأفكار والضمانات. وكان لافتاً الدور الذي قامت به هذه القيادة في الإفراج عن ثمانية جنود أتراك من أصل 139 تركياً كان قد أسرهم حزب العمال الكردستاني خلال السنوات القليلة الماضية.
مخاطر وحلول
واليوم يرى خبراء أن المشكلة الكردية بأبعادها الحالية تحمل بذور تدويل المشكلة، وأن ذلك إذا حدث سيشكل خطراً على تركيا في ظل حالة الجفاء بينها ومعظم حلفائها التقليديين... الذين يقدمون الدعم السياسي والعسكري للفصائل الكردية المسلحة في سوريا المصنّفة على قوائم الإرهاب في تركيا. وفوق ذلك تبدو الحكومة التركية تميل في تعاملها مع الأزمة إلى رؤية المؤسسة العسكرية، بعدما جربت رؤيتها الخاصة في الحل لسنوات عن طريق المفاوضات، التي انتهت إلى إعلان الساسة الأتراك - وفي مقدمتهم إردوغان - أنه «لا توجد مشكلة كردية في تركيا» رغم اعترافهم بوجود مشاكل كثيرة للأكراد.
ويذكر أن تركيا تفتقر حتى الآن إلى دستور يكرّس مبدأ المواطَنة، ويراعي التنوع الثقافي والعرقي والإثني في البلاد، ويقول الباحث المتخصص بالشؤون الكردية وحيد الدين إنجة «إن إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد أمر غير واقعي لانعدام مؤشرات تدل على إمكانية نجاح تلك المساعي، فضلاً عن استحالة سلخ مناطق جغرافية عن دولة قوية عسكرياً واقتصادياً مثل تركيا عبر صدام مسلح». وأضاف أن «هذا المسعى سيتسبب في الضرر للأكراد بدلاً من أن ينفعهم، لأن الجماعات التي تطالب بالحكم الذاتي لا تملك المقومات للحفاظ عليه. وبالتالي، فإن الهدف من هذا الإعلان هو الحفاظ على المناطق التي يعدها حزب العمال الكردستاني وتفرعاته مكتسبات في الشمال السوري».
ومن جهته رأى جان أجون، الباحث في علاقات الجوار التركي بمركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (ستا)، أن «كل هذه التداعيات الداخلية والتدخلات الخارجية لا تعني أن أنقرة فاقدة للحلول بل عليها امتلاكها، ذلك أن غيابها سيفتح الباب على المدى البعيد أمام تدويل المشكلة، وتحفيز سيناريوهات الانفصال بمختلف مستوياتها، بالتزامن مع خطوات المشروع السياسي الكردي في الشمال السوري وفي كردستان العراق، وهو ما تعتبره أنقرة خطاً أحمر لأمنها القومي».

أكراد تركيا... تاريخياً وسياسياً
- تقدر نسبة الأكراد بـ20 في المائة من مجموع عدد السكان الذي يتجاوز 80 مليوناً. وتصل التقديرات إلى 20 أو 25 مليوناً.
- تعيش المجموعات الكردية في تركيا بشرق الأناضول منتشرة في مناطق ممتدة على حدود تركيا، مع العراق وسوريا وإيران وأرمينيا، وداخل هذه الدول أيضاً. ويعتقد أن تعداد الأكراد في العالم يتراوح بين 20 و30 مليوناً، وبالتالي، يعتبرون أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط لكن دون أن تجمعها دولة مستقلة، لذا كانت تحركاتهم في العراق وسوريا مصدر قلق لتركيا.
- درجت الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية التركية في معالجتها وتناولها للقضية الكردية على استخدام تعبير «مشكلة المنطقة الشرقية».
- تعتبر دول الاتحاد الأوروبي المواطنين الأكراد ضمن الأقليات، وتطالب تركيا بمنحهم حقوقهم الثقافية.
- امتدت هذه المرحلة من عام تأسيس الجمهورية التركية 1923 إلى عام 1949. حين أقرت التعددية السياسية وسمح بتأسيس أحزاب سياسية، وجرى تأسيس الحزب الديمقراطي (اليميني) بزعامة عدنان مندريس، الذي خاض انتخابات عام 1950 وحقق فوزاً كبيراً أخرج حزب الشعب الجمهوري من السلطة بعد 27 سنة من الانفراد بها.
- شكل حزب عدنان مندريس حكوماته طوال عقد الخمسينات من القرن الماضي حتى وقوع الانقلاب العسكري عام 1960. وأُطيح بالحزب الحاكم وتولى سليمان ديميريل دفة القيادة طوال العقد التالي. وتابع ديميريل سياسة مندريس في تخفيف القيود الدينية والثقافية، ولكن من دون الاعتراف بالحقوق القومية لغير الأتراك.
- رغم وجود نحو 40 مجموعة عرقية وسياسية متنوعة، فقد كان الحديث عن «الحقوق القومية» محظوراً بالقانون والتطبيق، وكان التكلم بغير اللغة التركية في الأماكن العامة محظوراً ومخالفاً للقانون، وتترتب عليه عقوبات وغرامات. أما إصدار صحف أو عقد اجتماعات عامة باللغات القومية غير التركية، ومنها الكردية، فهو ممنوع ومجرّم قانونياً، لكن عقد السبعينات أظهر أهمية وضرورة الحديث عن الحقوق القومية، من دون أن يجرؤ أحد الأحزاب أو السياسيين على تعديل القوانين القومية على الرغم من إقرار التعددية السياسية منذ عقود.
- مع ظهور الحركة الإسلامية وأحزابها «العلمانية» بعد عام 1970، ومع تأسيس «الحزب الوطني» بزعامة نجم الدين أربكان على الساحة السياسية التركية، أصبحت الأصوات الكردية الدينية من الأصوات المحسوبة على أحزاب أربكان المتوالية: ملي نظام، والسلامة، والرفاه، والفضيلة. ولاحقاً، كان طبيعياً أن تكون المسألة الكردية على جدول برامج حزب العدالة والتنمية في مرحلة صعوده وتأسيسه عام 2001. إذ شارك العديد من الشخصيات الكردية في مرحلة التأسيس.
- عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002 بدأ تنفيذ وعوده الانتخابية ومنها الانفتاح على كل مكونات المجتمع التركي بكل قومياته وإثنياته وتياراته الفكرية والسياسية ومذاهبه الدينية وطوائفه الكثيرة. وجاء تنفيذ هذه الوعود على شكل حزم قانونية يصدرها البرلمان التركي، ومحورها الأساسي تطوير الحياة الديمقراطية في تركيا في كل مجالاتها، ولذلك سميت بالحزم الديمقراطية، وبلغت 10 حزم ديمقراطية. وكان أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان بمن فيهم أعضاؤه من أبناء القومية الكردية، في مقدمة البرلمانيين الذين يدافعون عن هذه الحزم الديمقراطية والحقوق القومية.
- تحقق الكثير من المطالب والحقوق لأبناء القومية الكردية، وتمكن صلاح الدين ديمرطاش (دمرداش) وهو زعيم حزب الشعوب الديمقراطي من أن ينافس على رئاسة الجمهورية أمام إردوغان عام 2014. غير أنه اعتقل عام 2016 وهو معتقل حتى الآن بتهمة دعم الإرهاب.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».