أنقرة تعلن خريطة عقوبات... والخيار العسكري رهن بالتركمان

إردوغان يناقش الاستفتاء الكردي مع بوتين ويلوح بغلق «صنبور تصدير النفط»... وإيران تعلن قفل الحدود وتتراجع

جنود أتراك خلال دورية في محيط معبر خابور الحدودي مع إقليم كردستان العراق أمس (إ.ب.أ)
جنود أتراك خلال دورية في محيط معبر خابور الحدودي مع إقليم كردستان العراق أمس (إ.ب.أ)
TT

أنقرة تعلن خريطة عقوبات... والخيار العسكري رهن بالتركمان

جنود أتراك خلال دورية في محيط معبر خابور الحدودي مع إقليم كردستان العراق أمس (إ.ب.أ)
جنود أتراك خلال دورية في محيط معبر خابور الحدودي مع إقليم كردستان العراق أمس (إ.ب.أ)

كشفت تركيا عن ملامح خريطة عقوباتها المرتقبة على إدارة إقليم كردستان العراق، ملوّحة بإجراءات حاسمة بينها وقف صادرات النفط من شمال العراق وإغلاق الحدود البرية والمجال الجوي، فيما رهنت التدخل العسكري بتعرض التركمان لأي تهديد بعد الاستفتاء، لافتة إلى أنها ستوسع تعاونها وعلاقاتها مع حكومة بغداد من الآن فصاعدا.
وأغلقت طهران حدودها مع كردستان العراق، أمس. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي: «بطلبٍ من الحكومة العراقية، أغلقنا حدودنا البرية والجوية» مع الإقليم. واصفاً الاستفتاء بأنه «غير قانوني وغير مشروع». إلا أن وزارته عادت وأصدرت بياناً جاء فيه أن «الحدود البرية بين إيران ومنطقة كردستان العراق مفتوحة، هذه الحدود لم تُغلق. في الوقت الراهن، المجال الجوي فقط مغلق بين إيران وهذه المنطقة».
وفي دمشق، اعتبر وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم أن الاستفتاء «مرفوض»، مشدداً على أن بلاده «لا تعترف إلا بعراق موحّد». وقال المعلم في تصريحات نقلتها وكالة «سانا»: «نرفض أي إجراء يؤدي إلى تجزئة العراق... هذه خطوة مرفوضة ولا نعترف بها». وانتقد معاونه أيمن سوسان الاستفتاء، معتبراً أنه «وليد السياسات الأميركية التي سعت إلى تفتيت دول المنطقة وخلق الصراعات بين مكوناتها».
ولوّح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بوقف صادرات النفط من شمال العراق عبر تركيا، رداً على «عناد» إدارة الإقليم وتنظيمها الاستفتاء، رغم الرفض الإقليمي والدولي. وقال إردوغان أمام مؤتمر في إسطنبول أمس: «لنر بعد اليوم لمن سيبيع الإقليم الكردي في العراق النفط؟ الصنبور لدينا، وعندما نغلقه ينتهي الأمر»، معتبراً الاستفتاء قراراً غير مشروع، وفي حكم الملغي، من دون النظر إلى نتائجه. ووصفه بأنه «قرار تفوح منه رائحة الانتهازية».
وأشار إردوغان إلى أنه حالياً يُسمح فقط بالعبور إلى الجانب العراقي في المعابر الحدودية بين البلدين، متعهداً الإفصاح عن «تدابير أخرى» خلال الأسبوع الحالي. ولم يستبعد إردوغان الخيار العسكري، قائلًا: «كما طهرنا مدن جرابلس والراعي والباب من (داعش) في سوريا، لن نتوانى عن اتخاذ خطوات مشابهة في العراق أيضاً إذا لزم الأمر». وأوضح أن «العراق حكومة وشعباً بحاجة إلى الوحدة الوطنية، ومحاولات الفرقة غير مقبولة إطلاقاً».
من جانبه، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن الأزمة «بلغت ذروتها»، مؤكداً أن «بغداد ستكون الجهة التي ستتحاور معها تركيا بشأن تداعيات الاستفتاء». وأضاف في مقابلة مع عدد من القنوات التلفزيونية التركية، أمس، أن أزمة الاستفتاء «وصلت بالفعل إلى نقطة اللاعودة»، معتبراً أنها «بداية لمرحلة تطورات جديدة وغير جيدة». وحذر من أن «عناد» إدارة الإقليم وإصرارها على تنظيم الاستفتاء «مهد أرضية لصراع ساخن في المنطقة». ورأى أن الاستفتاء «لا يعد أملاً ومستقبلاً للأكراد والعرب والتركمان، بل هو قرار سيجلب مزيداً من الآلام».
وحذّر من المساس بالعرقيات الأخرى الموجودة في شمالي العراق، قائلاً: «لن نتغاضى عن أي خطوات تستهدف الوجود التركماني شمالي العراق»، لافتاً إلى أن المناورات العسكرية التركية على الحدود العراقية سيشارك فيها ضباط وجنود عراقيون خلال المرحلة المقبلة.
وواصل الجيش التركي مناوراته العسكرية في قضاء سيلوبي بولاية شرناق الحدودية مع العراق، أمس، لليوم الثامن على التوالي. وتجرى المناورات على مسافة 3 كيلومترات من بوابة خابور الحدودية مع العراق. ورفع الجيش التركي، السبت، من مستوى المناورات التي بدأت الاثنين قبل الماضي بضم وحدات عسكرية جديدة إليها.
وعن شمول مدينة كركوك المتنازع عليها في عملية الاستفتاء، أشار يلدريم إلى قيام إدارة الإقليم الكردي في العراق بممارسات «أشبه بالظلم لتغيير ديموغرافية مدينة كركوك»، قائلاً: «سننسق مع الحكومة المركزية في بغداد ضد شمول كركوك والمناطق غير التابعة للإقليم الكردي وفقاً للدستور العراقي في الاستفتاء». وأضاف: «لا يمكننا البقاء غير مبالين بفرض الأمر الواقع على كركوك والمناطق الأخرى، وسنعمل مع الحكومة المركزية العراقية في هذا المجال وستدعم تركيا الحكومة المركزية العراقية في هذا الشأن بلا تردد، في حال طلبت ذلك».
وعن إصرار رئيس الإقليم الكردي مسعود بارزاني على تنظيم الاستفتاء، قال يلدريم: «أعتقد بوجود أطراف تنفخ في النار، وهؤلاء لن يكونوا موجودين إن لم تسر الأمور كما هو مخطط لها... على بارزاني ألا ينسى أن أول باب سيطرقه هو بابنا، لأن الجغرافيا تحتّم ذلك».
وعن العقوبات المتوقعة، قال إن حكومته شكلت فريقاً من الوزارات المعنية لدراسة تفاصيل الخطوات التي ستُتخذ فيما يتعلق بالمجال الجوي والمعابر الحدودية، ولن نتأخر في ذلك. وأشار إلى أن إردوغان سيبحث مع طهران «رد البلدين» على استفتاء الاستقلال الذي يجريه إقليم كردستان العراق، عندما يزور إيران في 4 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل مع رئيس الأركان التركي.
وجاءت تصريحات يلدريم بعد أن تحدث إردوغان هاتفياً مساء أول من أمس مع نظيره الإيراني حسن روحاني، وأبديا قلقهما من تسبب الاستفتاء بفوضى إقليمية. كما تناول إردوغان الاستفتاء وتبعاته مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اتصال هاتفي أمس شددا خلاله على وحدة الأراضي العراقية والسورية واتفقا على إجراء مباحثات مستفيضة حول جميع القضايا، وفي مقدمتها التطورات الأخيرة في المنطقة خلال زيارة الرئيس الروسي إلى أنقرة يوم الخميس المقبل.
من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن أنقرة ستقوم بـ«عملية عسكرية على الفور، في حال تعرض أشقائنا التركمان في العراق لاعتداء فعلي». وأضاف خلال تصريحات لإحدى القنوات التلفزيونية التركية، أمس، أن الجهة الأساسية التي ستتحاور معها بلاده بدءاً من اليوم هي الحكومة المركزية في بغداد، فيما يخص تداعيات استفتاء كردستان.
وقالت الخارجية التركية في بيان، أمس، إن أنقرة لا تعترف باستفتاء كردستان الذي وصفته بأنه «محاولة انفصالية فاقدة لجميع أنواع الشرعية والأساس القانوني، سواء بالنسبة إلى القانون الدولي أو الدستور العراقي»، معتبرة أن الاستفتاء «في حكم الملغى من حيث نتائجه». وجددت تأكيد تركيا أنها «ستتخذ جميع التدابير في ضوء الصلاحيات التي يمنحها القانون الدولي والبرلمان التركي، في حال تعرض أمنها القومي للخطر من جراء استغلال الإرهابيين وعناصر متطرفة للوضع الذي سينجم عقب الاستفتاء في الإقليم، أو أي تهديد لأمنها القومي، في عموم العراق».
وأشارت إلى أنها وسعت نطاق التحذير من السفر إلى مدن في العراق ليشمل دهوك وأربيل والسليمانية الخاضعة لسيطرة الإقليم الكردي شمال البلاد. ولفتت إلى أن الاستفتاء «يحمل مخاطر من شأنها أن تمهد الطريق لحالة غموض وتحديات أمنية ونزاعات جديدة».
في السياق ذاته، نفى وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت توفنكجي إغلاق معبر خابور الحدودي مع العراق في اتجاه واحد، على خلفية الاستفتاء الذي تجريه إدارة الإقليم الكردي. وقال توفنكجي إنه «ليس هناك إغلاق للمعبر الآن، لكن تم فرض إجراءات رقابية مشددة أكثر على القادمين وإجراءات تفتيش على وسائل النقل المقبلة من العراق». وأشار إلى أنه سيجري تقييم الوضع والتطورات مجدداً خلال الساعات المقبلة، وفقاً للتطورات في المنطقة.
وأكدت شركة الخطوط الجوية التركية استمرار رحلاتها إلى أربيل. وأوضحت في بيان، أمس، أن الرحلات الجوية من إسطنبول وغازي عنتاب إلى أربيل تسير بلا عوائق، مشيراً إلى إلغاء رحلة واحدة الليلة قبل الماضية من غازي عنتاب إلى أربيل «لقلة المسافرين».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.