المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

مع تفاقم محنتهم العرقية ـ الدينية في ميانمار

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث
TT

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

المسلمون الروهينغا... مجدداً في قلب الحدث

أثارت صور أعمال العنف المرتكبة بحق أقلية المسلمين الروهينغا في ميانمار – بورما سابقاً – على أيدي متعصبين من الغالبية البوذية، قلق العالم المتحضر خلال الأيام الماضية، ولا سيما صور مئات من المسلمين جرت تصفيتهم بوحشية. وكانت الجولة الأحدث من العنف المندلع خلال الأيام الفائتة قد تسببت في تهجير عشرات الألوف وتشريدهم، وإجبارهم على البحث عن ملاذات آمنة في المناطق الحدودية الغربية لميانمار مع بنغلاديش.
ولقد بيّنت صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية حللتها منظمة «هيومن رايتس واتش» المهتمة بمسائل حقوق الإنسان، آلاف الأبنية المدمرة إبان موجة العنف والقصف. وتجدر الإشارة إلى تبادل تهم بين قوات الأمن الميانمارية من جهة والمسلحين من أقلية الروهينغا المسلمين من جهة أخرى، بإحراق القرى وارتكاب مجازر بحق المدنيين.

«في هذه اللحظة تشتعل الحرائق في القرى، ويتعرض الناس للقتل، فيفرون للنجاة بأرواحهم. ما يهمني قوله: إنني مصدوم، وحتى بعض الناجين منهارون نفسياً بعد تجاربهم ومشاهداتهم المريرة».
هذا ما قاله ماثيو سميث، أحدد مؤسسي منظمة «فورتيفاي رايتس» المهتمة بحقوق الإنسان، أمام وسائل، خلال رصده أعمال العنف والقتل.
ولكن في حين تدّعي السلطات الحكومية الميانمارية أن قواتها الأمنية إنما تتعامل مع «إرهابيين» يشنّون اعتداءات مسلحة في إقليم راخين (أراكان)، وتزعم التقارير الصادرة عنها أن نحو 450 شخصاً قتلوا منذ يوم 25 أغسطس (آب) الفائت، فإن ناشطي حقوق الإنسان في أوساط الروهينغا يؤكدون أن ما لا يقل عن 1000 قتيل، جلهم من المدنيين العزّل، سقطوا برصاص القوات الحكومية.
السلطات الحكومية، من جانبها، تحمّل تنظيم «جيش إنقاذ الروهينغا في أراكان»، وهو جماعة مسلمة ثائرة على النظام الحاكم في يانغون (عاصمة ميانمار)، المسؤولية في شنّ هجمات منظمة ضد نقاط تفتيش عسكرية، وحرق منازل وقتل مواطنين من غير المسلمين في إقليم راخين (الاسم الرسمي لأراكان). ومن ثم تبرّر حملتها بأن الجيش «ردّ بتنفيذ عمليات تطهير» زاعمة أن أكثر الضحايا من العسكريين. أما الثوار المسلمون فيدافعون عن أنفسهم بالقول إنهم هاجموا نقاط تفتيش شبه عسكرية في ميانمار فقط بهدف حماية المدنيين من الأقلية المسلمة من الاضطهاد.

اللاجئون وقصصهم المُروعة
في أي حال، أدى تجدّد أعمال العنف إلى نزوح أعداد ضخمة من الروهينغا المسلمين من ميانمار التي يهيمن عليها ويشكل غالبيتها البوذيون. وتسببت أعمال العنف المتجددة خلال أسبوعين فقط في مغادرة نحو 125 ألفا من أبناء الأقلية الروهينغية المسلمة أرضهم، وذلك بحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة يوم 5 سبتمبر (أيلول). ووفق التقارير عبر الروهينغا الحدود من ميانمار إلى بنغلاديش وهم لا يحملون معهم سوى القليل من الملابس على ظهورهم، وفي جعبتهم بعض القصص عن حالات اغتصاب وقتل ونهب ممنهجة تعرضوا لها.
تقرير إعلامي نشر في «بنغلاديش ستار» نقل عن محمد حسين، الذي يقع منزله في الجهة المقابلة لقناة تومبرو، التي تفصل بنغلاديش عن ميانمار، والتي أقام الروهينغا ملاجئ مؤقتة لهم على ضفافها، قوله إن اللاجئين الروهينغا عبروا القناة بعدما طلب حرس الحدود البنغلاديشيون منهم العبور، والحصول على بعض مياه الشرب والطعام والدواء ثم العودة. غير أن وصول هؤلاء إلى الحدود أثار مخاوف من حدوث كارثة إنسانية جديدة. إذ ينام كثيرون منهم في العراء، وهم في أمسّ الحاجة إلى الطعام والماء بعد السير لأيام من أجل الوصول إلى بر الأمان.
وحسب كلام فيفيان تان، المتحدثة باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين: «نحن نرى كثرة من النسوة والأطفال، ومنهم أطفال حديثو الولادة، تعرضوا إلى كل ما حدث لأيام طويلة، فأصيبوا بضعف شديد، وباتوا بحاجة إلى رعاية طبية. إن الأعداد مفزعة حقاً... وهي في ازدياد».
وفي المقابل، اتخذت سلطات بنغلاديش موقفاً حازماً تجاه اللاجئين من الروهينغا، في محاولة للحد من دخولهم إلى البلاد، نظراً لاكتظاظ مخيمات اللاجئين بالفعل. فلقد وصل عدد اللاجئين من الروهينغا قبل الأزمة الأخيرة إلى 400 ألف. وباشرت بنغلاديش فعلاً في منع اللاجئين من عبور الحدود من خلال زيادة عدد دوريات الحدود، ثم إعادة بعض الذين حاولوا العبور إلى ميانمار. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بنغلاديش ظلّت لأكثر من 30 سنة وجهة مئات الآلاف من الروهينغا من طالبي اللجوء. وأخيراً عثر مسؤولون في بنغلاديش على جثث نحو 42 من الروهينغا، أكثرهم من النساء والأطفال غرقوا بسبب زيادة حمولة القوارب أثناء رحلة العبور، بحسب ما صرح أفروز الحق تتل، نائب قائد شرطة مدينة كوكسز بازار.
وحسب رواية سيدة من الروهينغا اسمها ديلارا، تبلغ من العمر 20 سنة، لوكالة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي أصدرت تقديرات لأعداد اللاجئين، قالت ديلارا: «قُتل زوجي رمياً بالرصاص في القرية، فاضطررت للهرب مع ابني وأشقاء زوجي». ونجحت ديلارا في الوصول إلى بنغلاديش مع ابنها الصغير بعد مسيرة طويلة استغرقت ثلاثة أيام، وكانت تختبئ بين الحين والآخر للإفلات من قوات الأمن الميانمارية، موضحة عن رحلتها: «لم أكن أعرف أين أنا؛ فكل ما كنت أعرفه أن عليّ الركض لإنقاذ حياتي».

من هم الروهينغا؟
يقدّر عدد الروهينغا بنحو 1.1 مليون نسمة. وهؤلاء أقلية عرقية تعيش في ميانمار - التي كانت تعرف في الماضي باسم بورما - منذ قرون، وتحديداً في ولاية راخين (أراكان) الواقعة في غرب البلاد، وتعد من أفقر الولايات التي تتكون منها. ومن جهة أخرى، كانت ولاية راخين يوماً ما منطقة خاضعة للاحتلال البريطاني من 1842 حتى 1948؛ إلا أنها صارت فيما بعد «ساحة معارك» خلال الحرب العالمية الثانية.
ولقد خاض الحركيون البوذيون والمسلمون صراعاً داخلياً مسلحاً في راخين، بسبب ولاء الحركيين البوذيين لليابانيين، والحركيين المسلمين للبريطانيين. وبدا هذا الانقسام واضحاً وجلياً بعد حقبة الاستعمار في البلاد، التي جرى تغيير اسمها عام 1989 من بورما إلى ميانمار.
هذا، وسعت القوى المحلية، التي كثيراً ما يطلق عليها اسم «المجاهدون»، إلى ضمّ ولاية راخين إلى ما كان في يوم من الأيام – بعد 1947 – إقليم باكستان الشرقية (من دولة باكستان)، وأصبحت الآن بنغلاديش. غير أن محمد علي جنّه (جناح)، الزعيم التاريخي المؤسس لباكستان، رفض فكرة الضم. وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى تحوّل المنطقة إلى «ولاية إسلامية» تتمتع بحكم شبه ذاتي فيما يسمى حالياً ميانمار. لكن هذه الخطوة لم تنجح في تحقيق الأمن، بل لم يجرِ الاعتراف رسمياً بالأقلية الروهينغية من بين 135 أقلية عرقية معترف بها في ميانمار. ومن ثم، اعتبرت هذه الأقلية العرقية المفتقرة إلى وطن قومي، مجموعة من «المهاجرين غير الشرعيين»، ولم تلبث أن منعتهم الدولة من الحصول على الجنسية طبقاً لقانون الجنسية الجديد، الذي وضعه الديكتاتور السابق ني وين عام 1982.

التضامن مع الروهينغا
كردّ فعل تجاه ذلك الوضع، شكّلت مجموعة ثائرة أخرى تحت اسم «منظمة التضامن مع الروهينغا» عام 1982. وأسّست بعد ذلك بأربع سنوات «الجبهة الإسلامية للروهينغا في أراكان (راخين)». طالبت هذه «الجبهة» الأمم المتحدة بمنح الروهينغا الجنسية، وحقوق المواطنة الكاملة، وضمان حصولهم على كل الخدمات. غير أن حكومة ميانمار ظلت تعتبر الروهينغا مهاجرين غير شرعيين أتوا من بنغلاديش. وراهناً تعترض سلطات ميانمار على استخدام مصطلح «الروهينغا» في أي قرار صادر عن الأمم المتحدة، خوفاً من الاعتراف السياسي بهم، وتزعم أن هذا «يعقّد معالجة الحكومة» للقضية. كذلك، تدّعي هذه السلطات أنها مستعدة لمنح الجنسية وحقوق المواطنة إلى المسلمين الروهينغا، ولكن بشرط أن يعترفوا بأنهم بنغاليون، وهو مصطلح تعترض عليه أقلية الروهينغا تماماً.
والواقع أن الغالبية البوذية في ميانمار متهمة منذ فترة غير قصيرة بممارسة التمييز والعنف ضد أقلية الروهينغا. ولقد أشعل التوتر الطويل الأمد بين الروهينغا والبوذيين في غرب البلاد أعمال شغب دموية عام 2012، أسفرت عن مقتل كثيرين، وأجبرت عشرات الآلاف من الروهينغا على الفرار واللجوء إلى كل من بنغلاديش وماليزيا وتايلاند والهند وإندونيسيا.
والواضح أن المكوّنات العرقية الأساسية في ميانمار – وجلها يدين بالبوذية – تعتقد أن الروهينغا المسلمين يمثلون خطراً ديموغرافياً وثقافياً على هوية البلاد، أي، بعبارة أخرى، تشعر الأكثرية بتهديد الأقلية لها.

المنظمات الدولية متهمة
ما يستحق الإشارة أن مكتب الرئيسة (المستشارة) أونغ سان سو تشي، اتهم خلال الأسبوع الماضي العاملين الدوليين في مجال المساعدات بدعم «الإرهابيين». وكان معظم هؤلاء العاملين قد غادروا راخين بعد صدور تصريح للحكومة ادعت فيه أنها «عثرت على موارد من منظمات إغاثة دولية، من بينها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، خلال مداهمات لمواقع لمقاتلين من الروهينغا». ومن جهته، وصف سكوت مارسييل، السفير الأميركي لدى ميانمار، المزاعم بأن المنظمات المساعدة تدعم الروهينغا بالـ«سخيفة». في حين دافع الجيش الميانماري عما فرضه من قيود على المساعدات الدولية، بحجة أن الموارد قد وصلت إلى مواقع المسلحين، ما يشير إلى تقديم الدعم لهم، وهي مزاعم نفتها منظمة العفو الدولية بشكل صريح. ومن ناحية ثانية، قالت تيرانا حسن، مديرة الاستجابة للأزمة في المنظمة: «اتهام المؤسسات الإنسانية الدولية بدعم الأطراف المسلحة في راخين تصرّف غير مسؤول ويتسم بالتهور. يجب أن تتوقف سلطات ميانمار عن الترويج لتلك المعلومات المغلوطة، ونشر اتهامات لا أساس لها من الصحة». أما أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، فعلّق عن الوضع قائلا: «إننا نواجه خطر التطهير الفئوي، وآمل ألا نصل إلى هذه النقطة».

دور لكوفي أنان
على صعيد آخر، من اللافت أن كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وصل إلى ميانمار لتمثيل تقرير يتضمن توصيات اللجنة الاستشارية بشأن ولاية راخين، من أجل التوصل إلى سلام ومصالحة في تلك الولاية، مع أن سلسلة من الهجمات المميتة كانت قد ألقت بظلالها على وصوله. أنان يترأس اللجنة، التي تتكون من تسعة أعضاء تم تعيينهم من جانب المستشارة الميانمارية أونغ سان سو تشي قبل سنة، من أجل التوصل إلى حل للصراع الديني الذي يدمّر الولاية منذ سنوات كثيرة. وقدمت اللجنة توصيات في تقرير يقع في 63 صفحة بعنوان «نحو مستقبل يعمّه السلام والرخاء من أجل شعب راخين».
وذكر تقرير أنان أن رفع القيود في راخين ومنح المسلمين الروهينغا المواطنة، يمكن أن يساعد في تفادي التطرف وإحلال السلام في المنطقة. وأثنت بعض المؤسسات الحقوقية على التقرير باعتباره مهماً بالنسبة إلى الروهينغا المضطهدين؛ خاصة في ضوء تعهد حكومة ميانمار في السابق بالالتزام بنتائج اللجنة.
ومن جانب آخر، أشار التقرير إلى أن على الحكومة الحفاظ على علاقات ثنائية قوية مع بنغلاديش، من أجل مواجهة التحديات في راخين. وحذّرت اللجنة من احتمال أن يؤدي الإحجام عن تنفيذ التوصيات إلى مزيد من التطرف وأعمال العنف. كذلك دعت لجنة راخين إلى «تحقيق مستقل غير متحيّز» في الحقائق الموجودة على الأرض، من أجل ضمان مساءلة مرتكبي تلك الانتهاكات.
مع ذلك، اعترض البوذيون الراخينيون على أن تضم اللجنة كلاً من كوفي أنان، والدكتور غسان سلامة الوزير اللبناني السابق (والوسيط الحالي في ليبيا)، وليتيشيا فان دن أسوم المستشارة الخاصة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، إذ اتهموهم بأنهم يدعمون المسلمين.

صمت أونغ سان سو تشي
تفاقم أزمة الروهينغا التي عرقلت فعلياً عملية تحوّل ميانمار إلى نظام ديمقراطي، عرّضت ميانمار لانتقادات حادة لاذعة على المستوى العالمي، كما شوّهت هالة أونغ سان سو تشي، الزعيمة الأسطورة الحائزة على جائزة نوبل، والتي تعد الزعيمة المدنية الفعلية للبلاد.
سو تشي، التي خاضت صراعاً شجاعاً امتد لعقود من أجل إرساء الديمقراطية في ميانمار، أخذ عليها كثيرون على امتداد العالم لزومها الصمت رغم أنهار الدماء التي تراق. ومما يسجله عليها المنتقدون تقاعسها في الدفاع عن الروهينغا، في حين يدافع عنها مؤيدوها بالقول إنها مكبلة الأيدي لكون الجيش الذي لا يزال في موضع القوة هو الحاكم الفعلي للبلاد منذ نحو نصف قرن.
منظمات حقوق الإنسان، بالذات، ومن بينها «هيومن رايتس ووتش»، ترى في سياق انتقادها أن صمت سو تشي تجاه قضية الروهينغا غير مبرّر؛ بل هو خاطئ تماماً. وهو الأمر الذي يرد عليه مناصروها بالزعم أنها «مكبّلة سياسياً»، وأنه نظراً لأن شؤون الولاية (راخين) تحتاج إلى موافقة من الجيش فهي لا تستطيع أن تحرك ساكناً. وفي هذا الإطار أوضح تريديفيش سينغ مايني، الخبير الهندي في العلاقات مع ميانمار، أن المستشارة الميانمارية «تواجه معضلة، فهي معروفة على المستوى الدولي كمناضلة في مجال حقوق الإنسان؛ لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تخسر دعم الأكثرية البوذية بإعلانها دعمها للروهينغا». وأضاف: «... سيكون الوضع معقداً للغاية».
وكأن كل هذا لا يكفي، وفي خضم كل ما يحدث، زار ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي (وهو هندوسي قومي محافظ ومتشدّد)، ميانمار بعد حضوره قمة مجموعة «البريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) في الصين، وأدلى بدلوه في المسألة التي توتر الأوضاع في ميانمار وحدودها الغربية. وبعدما كانت الهند قد أعربت أخيراً عن رغبتها في ترحيل 40 ألفاً من اللاجئين الروهينغا الذين فروا إليها من ميانمار خلال السنوات الماضية، قال مودي - المعروف بسلبيته الشعبوية الشديدة من المسلمين -: «أعتقد أن الوقت قد حان للخروج (خروج الهند) من هذا الموضع».
ومعروف أنه انتشرت المشاعر التضامنية مع الروهينغا في كثير من المناطق ذات الغالبيات المسلمة على امتداد العالم الذين تشغلهم الأمور التي تحدث في ميانمار. ووفق وسائل الإعلام العالمية، نظمت مظاهرات في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي، احتجاجاً على ما يتعرّض له الروهينغا من قهر.

- محطات في تاريخهم
> القرن الثامن: عاش الروهينغا، الذين تعود أصولهم إلى جنوب آسيا، في مملكة مستقلة بمنطقة أراكان التي تعرف حالياً باسم ولاية راخين في ميانمار.
> من القرن التاسع إلى الرابع عشر: اتصل الروهينغا بتجار عرب واعتنق كثيرون منهم الإسلام. وبعدها ازدهرت العلاقات الاقتصادية والثقافية بين منطقتي أراكان والبنغال.
> 1784: غزا بوداوابايا، ملك بورما، منطقة أراكان، ففر مئات الآلاف من سكانها لاجئين إلى البنغال.
> 1790: أرسلت السلطات البريطانية الدبلوماسي هايرام كوكس لمساعدة اللاجئين، وأسس مدينة تحمل اليوم اسمه هي كوكسز بازار (في شرق بنغلاديش).
> بين 1824 حتى 1942: استولت بريطانيا على بورما، وجعلت الإقليم تابعاً لها. وجُلب العمال إلى بورما من مناطق أخرى من الهند البريطانية، من أجل تنفيذ مشروعات بنية تحتية.
> 1942: غزت اليابان بورما وطردت البريطانيين منها. ومع انسحاب البريطانيين هاجم سكان بورما البوذيون المسلمين بعدما اتهموهم بالانتفاع من الاستعمار البريطاني.
> 1945: حرّر البريطانيون بورما من الاحتلال الياباني بمساعدة وطنيين بورميين بوذيين، بقيادة أونغ سان وكذلك من المسلمين الروهينغا. ولكن لم يطل الوقت قبل أن يشعر الروهينغا بالغدر؛ لأن البريطانيين لم يفوا بوعدهم لهم بمنح أراكان الحكم الذاتي.
> 1948: تصاعد التوتر بين سلطات بورما المستقلة الجديدة والروهينغا، الذين أراد أكثرهم ضمّ أراكان إلى باكستان (تحديداً باكستان الشرقية، التي هي اليوم بنغلاديش) ذات الغالبية المسلمة. وردّت الحكومة بنبذ الروهينغا وفصل مَن يعملون منهم في الجهاز الحكومي الإداري.
> 1977: بدأ الحكم العسكري في تنفيذ «عملية ناغامين» - أو «الملك التنين» -، التي يقال إنها استهدفت تفتيش السكان بحثاً عن أجانب. ومن ثم، هرب أكثر من 200 ألف من الروهينغا إلى بنغلاديش وسط اتهامات بارتكاب الجيش البورمي انتهاكات ضدهم، علماً بأن الجيش البورمي دأب على نفي هذه التهم، كحاله اليوم.
> 1978: أبرمت بنغلاديش اتفاقاً مع بورما بوساطة الأمم المتحدة من أجل إعادة اللاجئين، وعاد بالفعل أكثر الروهينغا إلى البلاد.
> 1982: وضعت السلطات البورمية قانوناً جديداً للهجرة، اعتبر بموجبه الأشخاص الذين هاجروا إلى البلاد إبّان الاستعمار البريطاني مهاجرين غير شرعيين. وطبّقت الحكومة هذا القانون على كل أفراد الروهينغا.
> 1989: غيّرت السلطات العسكرية الحاكمة في بورما اسم البلاد إلى ميانمار.
> 1991: فرّ أكثر من 25 ألف لاجئ من السخرة والاغتصاب والاضطهاد الديني على أيدي جيش ميانمار. وجاء في تبريرات الجيش أنه كان يحاول إرساء النظام في منطقة راخين.
> من 1992 حتى 1997: عاد نحو 230 ألفاً من الروهينغا إلى منطقة أراكان الحدودية، التي تسمى حالياً راخين، في إطار اتفاق عودة آخر.
> 2012: اندلعت أعمال شغب بين المسلمين الروهينغا والبوذيين، أسفرت عن مقتل كثيرين من أقلية الروهينغا؛ وهروب عشرات الآلاف إلى بنغلاديش، كما اضطر نحو 150 ألف مسلم إلى الإقامة في مخيمات داخل راخين.
> 2016: هاجمت الجماعة المسلحة «حركة اليقين» المسلمة مواقع لحرس الحدود وقتلت تسعة جنود. ورد الجيش على العملية بحملة عنيفة أدت إلى نزوح أكثر من 25 ألف مسلم إلى بنغلاديش، بعد عمليات قتل واغتصاب ونهب. ومع هذا واصلت السلطات التي تحتل فيها منصب المستشار زعيمة المعارضة السابقة أونغ سان سو تشي (ابنة رئيس الوزراء الأول والبطل القومي أونغ سان) نفي ارتكاب أي أعمال عنف.
> 2017: تجدّدت هجمات الجيش وقوات الأمن الميانمارية، ما أدى إلى حدوث موجة جديدة من نزوح الروهينغا إلى بنغلاديش.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة