عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

مدير الأمن العام يحارب التنظيمات الإرهابية ويفاوضها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها
TT

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

عباس إبراهيم... عين الدولة اللبنانية وأذنها

في غضون سنوات قليلة تلت تعيينه مديرا عاما للأمن العام اللبناني، استطاع اللواء عباس إبراهيم أن يكرّس نفسه راعيا أساسيا للوساطات الداخلية والخارجية الناجحة، خصوصا في الملف الأمني الذي يخوض الجهاز الذي يرأسه إبراهيم عبره حربا ضروسا ضد الجماعات الإرهابية، لكنه كان قادرا في الوقت نفسه على إقناعها بقبول الصفقات، مستغلاً كل الثغرات الممكنة في بنية هذه الجماعات، مستغلا أطماعها حينا ومخاوفها حينا آخر.

برز اسم اللواء عباس إبراهيم في صفقات التبادل الناجحة مع التنظيمات الإرهابية، حيث كان دوره «العمل على تحقيق أكبر المكاسب الممكنة، ودفع أقل الأثمان الممكنة»، وهي أثمان كانت تدفع غالبا من «جيوب» الآخرين، لا من الدولة اللبنانية، التي لم تفرج في صفقات التبادل التي شملت مواطنيها وأراضيها عن محكوم واحد، ولم تدفع فلسا واحدا. وللعلم، فإن علاقاته المميزة، بكل المتناقضين، جعلت منه محاورا مقبولا، ووسيطا مطلوبا في أكثر من ملف داخلي أو خارجي.
وفقا لمنصبه في الأمن العام، يعتبر إبراهيم «عين الدولة وأذنها، وهو مستشار رئيس الجمهورية في الملفات الأمنية»، المخوّل العمل على الكثير من الملفات الحساسة، سواء بتكليف رسمي، أو من ضمن طبيعة عمله الواسعة الاهتمامات». أما بحكم الواقع القائم، فهو يتولى دورا أساسيا في محاربة التنظيمات الإرهابية عبر جهاز الأمن العام الذي يعمل بفعالية لافتة، بالتعاون مع بقية الأجهزة الأمنية، كما يتولى عمليا الملف الفلسطيني والسوري في لبنان بحكم معرفته العميقة بالأول وارتباط عمله بالثاني، بالإضافة إلى الدور الإداري لمؤسسته التي تعتبر ناظم الوجود الأجنبي في لبنان على اختلاف وتنوع هذا الوجود من العمال إلى الفنانين والجاليات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية.
يرى البعض أن اللواء إبراهيم استطاع أن ينفض عنه، منذ تعيينه في منصبه في يوليو (تموز) 2011 صبغة الانتماء السياسي فبقي موثوقا من الفريق الذي سمّاه – كما يسمي كل موظفي الفئات العليا من الطائفة الشيعية، أي «حركة أمل» و«حزب الله» – وتمكن في المقابل من إقناع خصومهما بدوره الوسطي – الوساطي، باقيا في مواقفه على حافة ثوابت الفريقين المتخاصمين في البلاد، تاركا لنفسه هامش الذهاب بعيدا في التكتيكات لخدمة دوره الأمني – السياسي.
مع هذا، نال إبراهيم حصته من الانتقادات من قِبل أنصار الطرفين، سواءً لدى قيامه بمهمة مكافحة الإرهاب وتواصله الوثيق مع النظام السوري و«حزب الله» من جهة، أو لجهة التصاقه بالمؤسسات الرسمية ومرافقته وزير الداخلية في زيارات ومؤتمرات.
وكعادته تعاطى إبراهيم مع الجانبين بتوازن لافت، فإشاداته المتكررة بدور «المقاومة» تكبح شهية أنصار «حزب الله» على انتقاده، والتزامه العمل المؤسساتي، وإشاداته برجال المؤسسات الأمنية يمنعان خصوم الحزب من الإغراق في النقد.
المقربون من إبراهيم يقرّون بصعوبة الدور الوسطي الذي يقوم به. ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي، إن إبراهيم دعا أكثر من مرة «اللبنانيين للابتعاد عن الحرتقات السياسية والسجالات، وألا يتأثروا بها لأنها طبيعة نظامنا الديمقراطي، والأهم أن الثوابت التي يحكمها الدستور تبقى مؤمَّنة ولا يوجد أي طرف بلبنان رغم التناقضات والتعاطي الإعلامي المضاد، لكن كلهم يعملون تحت سقف الدستور والطائف والنظام. ولكن للأسف لبنان موجود بساحة تناقضات إقليمية، وهذه الساحة يتأثر فيها الجميع، لكنهم محكومون بالعودة إلى الثوابت الوطنية».
إداريا، عمل إبراهيم على تطوير المديرية العام للأمن العام. وهو يقول دائماً إن «السمكة تبدأ بالاهتراء من رأسها»، بمعنى أن كل مؤسسة أمنية أو خدماتية أو رسمية، عندما يكون فيها فساد واهتراء هو بسبب الرأس، فإذا افتقر الرأس للقدرات المطلوبة لإدارة المؤسسة ودرء الآفات المضرة عنها فهو يعني أنه ليس ناجحا والمؤسسة ستكون حتما فاشلة». والمؤسسات الرسمية بنظره «يجب أن تكون منتجة لأنه عندما تكون تقدم الخدمة فهذه الخدمة إنتاج بحد ذاته».
ويقول العميد عقيقي إن «إبراهيم عندما تسلّم قيادة الأمن العام كان أول ما وضعه لهذه المؤسسة خطة محددة البرامج والأهداف وتحت مسمى القانون والصلاحيات»، وتابع: «لهذا السبب؛ هناك ضرورة لوضع أهداف وخطط ما بين شيء اسمه أمن وشيء اسمه إدارة؛ لأنهما يدخلان في صلب المهمات. نحن كضابطة عدلية نقوم بملاحقة الجرائم والأجانب ومواكبتهم مثل كل الأمن العام بكل الدول، وهذا الشيء يتطلب إعادة وضع خطة تواكب كل ما هو محتمل أن يؤثر على الأمن في لبنان... لأن الإرهاب والجريمة المنظمة يقضان مضاجع الدولة ويؤثران على قطاعات السياحة والاقتصاد وصورة الدولة بالخارج، والتي يقوم فيها بالتنسيق مع الأجهزة الأخرى؛ لأن انعدام التنسيق خطأ، إن كان مع المؤسسة الأم «الجيش» أو قوى الأمن الداخلي أو أمن الدولة، وكل منهم حسب صلاحياته ومهماته الموضوعة بالقانون... وإذا تكاملت هذه الأمور كلها هنا تتشكل مظلة أمنية سليمة للدولة على كل الأراضي.

الأزمة السورية
من ناحية ثانية، لعب اللواء إبراهيم دوراً بارزاً في الوساطات مع انطلاق الأزمة السورية، ففي العام 2012 وقعت مجموعة لبنانية موالية للمعارضة السورية في كمين للقوات النظامية، وقتل معظم أفرادها. وبتكليف من السلطة السياسية تواصل إبراهيم مع النظام السوري واستردت هذه الجثث، وكذلك أعيد الأسير الذي وقع في قبضة النظام. أما الدور الأكبر، فكان مع خطف قافلة لشيعة لبنانيين كانوا في طريقهم من إيران إلى لبنان براً، وهنا استفاد إبراهيم من علاقته مع رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان من أجل العمل على إطلاق سراحهم في عملية تواصل فيها إبراهيم مع الأتراك والقطريين والنظام السوري.
ويقول عقيقي إن «من أسباب نجاح إبراهيم في تنفيذه الصفقات هذه هو أنه يعتبر أن المصداقية شيء مهم جدا بالحياة، والموقع الرسمي مهم أيضا، ومن ثم العلاقة الشخصية... وهذه عناصر تساعده عندما يدخل بملف مفاوضات أن ينطلق ويستمر به». ويكشف أنه «عندما وصلت الأمور لنهايتها لم يقبل إبراهيم أن يتسلّم المخطوفين اللبنانيين قبل حصوله على ضمانات سوريا بإطلاق معتقلين تطالب المعارضة بهم»، مشيرا إلى أن «المخطوفين وضعوا في عهدته، لكنه رفض تسلمهم قبل الحصول على الضمانة». وأكد عقيقي أن إبراهيم «لم يتنازل مرة عن المصلحة اللبنانية إن كان بجثامين تلكلخ وعودة مخطوفي أعزاز وراهبات سيدة معلولا الذين اختطفتهم جبهة النصرة واستطاع تأمين إطلاقهم»، والأمر نفسه في ملف العسكريين الذين اختطفتهم «النصرة»، ويشير إلى أن «الحنكة بالتفاوض والصبر ومعرفة كيف يفكر الطرف الآخر والثقة والمصداقية والعلاقات المباشرة أسست لنجاحه، والأكثر أهمية أن هذه ملفات نظيفة، أي أنك لا تفاوض على تجار مخدرات أو مجرمين».
أما عن عمليات التفاوض مع «الإرهابيين»، فيقول عقيقي «عبر وسطاء ولم يكن بالمباشر، ولا أعتقد أن المدير يمكن أن يقبل بتفاوض مباشر، بل كان هناك وسيط مكلف بنقل الشروط أو المطالب ويأخذ مطالبنا وشروطنا».

الطموح المستقبلي
وفي المقابل، ثمة من يقول: إن إبراهيم يرغب في العمل السياسي مستقبلاً، ولهذا يخطط في حركته الحالية من أجل طموحاته المستقبلية. ومن خلال حركته الوسطية، يبدو إبراهيم مرشحاً في هذه الحال للعب دور مشابه لدور رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي يحتفظ بعلاقات مميزة مع الكثير من الأطراف أساسية، خلافا لـ«حزب لله» المحدود الحلفاء والكثير الخصوم داخلياً. ويجيب عقيقي ردا على هذه التساؤلات «نريد أن ننتظر 5 سنوات (نهاية خدمته الرسمية) لنرى. هو يقول: إنه يكون في المكان الذي يمكن أن يخدم به أكثرـ وهو الآن يعتبر أنه يخدم أكثر في موقعه هذا. ورغم التعب والجهد لصون الحالة الأمنية والسياسية يشعر بأنه ينتج ويقدم للبلد، وبعدها إذا كان له دور سياسي سيقوم به بالنهاية، وهو يلعب هذا الدور الآن دون أن يكون فيه».
من جهة أخرى، انسحب نهج «الوساطة» الذي اعتمده إبراهيم على الداخل اللبناني، حيث تحول في بعض الأحيان إلى وسيط بين أطراف السلطة يعمل على تقريب وجهات النظر وتقليص مساحة الخلاف والاختلاف، كما حين تدخل لتخفيف التوتر بين «التيار الوطني الحر» الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه برّي.
وهنا، يوضح عقيقي «هناك قضايا يعمل بها المدير العام ولا يضيء عليها الإعلام، منها قضايا سياسية ممكن أن يتدخل فيها لتحسين الواقع السياسي ومنع مشاكل سياسية من أن تحدث بالبلد. وهو يقوم بذلك من خلال التعاطي المباشر مع السلطات المعنية ويقرب وجهات النظر بملفات داخل السلطة بحد ذاتها أو بين السلطة السياسية والذين هم خارج السلطة من أحزاب وزعامات أو دول». ويضيف «عندما تحصل أزمة من الطبيعي الذي سيتكفل بها الذي لديه صلات تواصل. وخلال فترة وجود اللواء ومن خبرته في الماضي على مستوى مديرية المخابرات أو عندما كان مرافقا شخصي لرفيق الحريري، قدر أن ينسج علاقات مع أجهزة ورؤساء أجهزة وشخصيات بالخارج من خلال التعاطي الرسمي وزيارات هؤلاء إلى لبنان، ومن بينهم المعنيون بالملف الفلسطيني بلبنان... وهذا اكتمل مع مديرية المخابرات عندما كان فيها ثُم بعد أن أصبح بمديرية الأمن العام».

بطاقة شخصية
اللواء عباس إبراهيم من مواليد 2 مارس (آذار) 1959، وهو من بلدة كوثرية السيّاد في جنوب لبنان، كما أنه متأهل من السيدة غادة الزين ولهما ثلاثة أولاد هم محمد، علي، وبلال.
دخل إبراهيم المدرسة الحربية بعمر 19 سنة، وتخرّج بعد ثلاث سنوات برتبة ملازم – اختصاص مشاة في الأول من أغسطس (آب) (1982). وخضع بعدها لدورات تخصص عدة في التزلج، ثم دورة عمليات مجوقلة (للقوى المحمولة جواً) (1983) فدورة آمر سريّة (1987)، ثم دورة لغة إنجليزية (1988)، فدورة تدريبية متقدمة في اختصاص المشاة في الولايات المتحدة الأميركية (1989)، فدورة كومبيوتر في العام 1996 لمواكبة النهضة الإلكترونية. أما اختصاصاته الأمنية فبدأت في العام 1998 مع تلقيه دورة تدريبية أمنية متقدمة في المملكة المتحدة.
في العام 1987 تولى اللواء إبراهيم الأمن الشخصي لمبعوث الجامعة العربية إلى لبنان السيد الأخضر الإبراهيمي، ورافقه في جولاته الحوارية – الوساطية بين الأطراف اللبنانية، وشهد عن كثب مسعاه لحل الأزمة اللبنانية، الذي توّج في العام 1989 بـ«اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، ووضع أسس الجمهورية الثانية في لبنان.
بعدها تولى إبراهيم الأمن الشخصي للرئيس اللبناني المنتخب إلياس الهراوي، وبقي معه حتى العام 1992، حين انتقل لتولي مهمة الأمن الشخصي لرئيس الحكومة الجديد رفيق الحريري. ثم انتقل عام 1993 إلى العمل الأمني بتوليه قيادة القوة الضاربة في الجيش. ثم في العام 1994 لرئاسة قسم مكافحة الإرهاب والتجسس في فرع المكافحة – مديرية المخابرات ليصبح في العام 1998 رئيسا لفرع المكافحة في مديرية المخابرات.
شغل إبراهيم بين العامين 2005 و2008 منصب رئيس فرع مخابرات الجنوب، حيث كان على تماس مباشر مع وضع مخيم عين الحلوة الفلسطيني بكل تعقيداته وصعوباته. ويسجل له نجاحه في إدارة هذا الملف، حيث بات على معرفة بكل تفاصيله، كما أنه بنى علاقات مميزة مع القيادات الفلسطينية داخل المخيم، استثمرها آنذاك، وهو يستثمرها اليوم من منصبه الجديد من خلال المساعدة في ضبط علاقة المخيم بخارجه وتسليم بعض المطلوبين.
ويقول قائد قوات الأمن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب لـ«الشرق الأوسط»، إن إبراهيم «كان المسؤول اللبناني الأول الذي دخل المخيمات، واجتمع مع كل الأطراف، من لجان شعبية وفصائل منظمة وقوى إسلامية، ويحسب له أنه كان أول المبادرين؛ حرصا على الأمن والاستقرار والحفاظ على أمن الجوار وعدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية». ويشير أبو عرب إلى أن الارتياح الفلسطيني الذي تركه التواصل معه: «كان ناتجا من قدرته التفاوضية والدبلوماسية»، لافتا إلى أن طريقة تعاطيه «لم تكن أمنية حصرا، بل ناتجة من انتهاجه مبدأ الهدوء والتواصل الدبلوماسي، فضلا عن ميزاته المتمثلة في القدرة على إقناع الطرف الآخر، وحنكته في التفاوض للوصول إلى التهدئة في عدة محطات».
أما ما تردد عن وساطة أخرى أجراها في الملف الفلسطيني، في محاولة مصالحة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع القيادي محمد دحلان، فهي تؤشر أيضاً إلى عمق اطلاعه واهتمامه بالملف الفلسطيني.
هذا، ويدرك اللواء إبراهيم أهمية ملف عين الحلوة بأبعاده الثلاثة، الأمنية والسياسية والاجتماعية؛ ولذا كان يتعامل معه بدقة لافتة، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الوضع في المخيم سيكون موضع متابعة دقيقة وحثيثة لتنفيذ قرار السلطة السياسية. ويتابع: «نحن قادرون على ضرب أي تحرك يستهدف أمن لبنان واللبنانيين، ومن دون أي تردد، فالجيش اللبناني اثبت وعلى الدوام براعته ومهارته كجيش محترف، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الأجهزة الأمنية. الأمن والدم اللبنانيان لن يكونا نهبا لأحد، وأيا كان اسمه وموقعه».
وفي العام 2008، تولى اللواء إبراهيم، منصب نائب مدير المخابرات، وهو أعلى منصب يسند لشيعي في الاستخبارات اللبنانية، قبل أن ينتقل منه في العام 2011 إلى أعلى المناصب المنية للطائفة (منذ اتفاق الطائف) ليصبح المدير العام الجديد للأمن العام. ويقول تعميم صدر عن الأمن العام اللبناني بعد توليه منصبه بسنتين، إن إبراهيم أكد منذ وصوله إلى المديرية العامة للأمن العام أنه «على مسافة واحدة من الجميع، وعمم نهج خدمة المواطنين كافة والابتعاد عن التجاذبات والمهاترات والطائفية... فكان على علاقة جيدة مع كل المكونات السياسية اللبنانية ونقطة وسط للصالح العام فحاز ثقة الجميع وأسنِدت إليه أصعب الملفات وأكثرها تعقيداً».
يقول عارفون، إن إبراهيم شخص صبور، ولولا ذلك لما كان عالج الكثير من الأمور، وبخاصة تلك التي لها علاقة بالمفاوضات والمعالجات، وهو يرغب في التواصل المباشر؛ فإذا كان يريد شيئا من شخص ما يحاول أن يتواصل معه».

- تواريخ في مسار الأمن العام
بتاريخ 5-1-1921 صدر القرار رقم 1061، وبموجبه أنشئ الأمن العام وسمي آنذاك بالمكتب الأول.
> بتاريخ 19-2-1923 صدر القرار رقم 1768، وبموجبه أعيد تأليف البوليس في لبنان ومن ضمنه دائرة البوليس العدلي والأمن العام.
> بتاريخ 19-5-1928 صدر المرسوم رقم 3308، وبموجبه نظم عمل الأمن العام.
> بتاريخ 27-8-1945 صدر المرسوم رقم 3845، وبموجبه أُنشأت وزارة الداخلية مديرية للأمن العام، مركزها بيروت، ترتبط بوزير الداخلية ويرأسها مدير.
> بتاريخ 28-4-1950 صدر المرسوم رقم 1736، وبموجبه استحدثت مصلحة للأمن العام.
> بتاريخ 26-7-1951 صدر المرسوم رقم 5516، وبموجبه تم توسيع صلاحيات الأمن العام.
> بتاريخ 4-4-1953 و15-1-1955، صدر المرسومان الاشتراعيان رقم 61 و19، وبموجبهما أعيد تنظيم الأمن العام عبر إلغاء دوائر واستحداث دوائر أخرى.
> بتاريخ 12-6-1959 صدر المرسوم الاشتراعي رقم 139، الذي لا يزال ساري المفعول لغاية الآن، وبموجبه أصبح الأمن العام مديرية عامة ترتبط بوزير الداخلية مباشرة ويرأسها مدير عام.
> بتاريخ 16-12-1959 صدر المرسوم التنظيمي رقم 2873، وبموجبه أصبحت المديرية العامة للأمن العام تضم، إضافة إلى الإدارة المركزية، دوائر مناطقية وحدودية برية وبحرية.

- دور الأمن العام: المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
> تشكل جهاز الأمن العام في لبنان بداية ليكون جهازاً لصيقاً برئيس الجمهورية، وجرى عُرفاً شغله من قبل شخصيات مدنية وعسكرية مسيحية قريبة من رئيس الجمهورية. ولهذا؛ كان رئيس الجمهورية يسمي الشخص الذي يشغل هذا المنصب، لكن الأمور اختلفت بعد اتفاق الطائف، حيث أصبح الموقع من نصيب الشيعة.
يختلف دور الأمن العام اللبناني عن المتعارف عليه في الدول الأخرى، فهو بحسب القانون الصادر عام 1962 الذي نظم عمل هيكيلة الأمن العام يتعاطى بكل شيء اسمه إدارة لها علاقة بجوازات السفر والمستندات الرسمية الإقامات للأجانب، أو منح التأشيرات، إضافة إلى أمور كثيرة لها علاقة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي.
ومهمّة الأمن العام محددة بموجب المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 139 الصادر في 12-06-1959 هي «جمع المعلومات لصالح الحكومة، وبنوع خاص المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويساهم الأمن العام في التحقيق العدلي ضمن حدود المخالفات المرتكبة ضد أمن الدولة الداخلي والخارجي، كما يساهم في مراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية ومراقبة الأجانب على الأراضي اللبنانية، ويتولى إعطاء إجازات المرور».
إداريا، تم تطوير هيكلية الأمن العام، فازداد عدد المكاتب، الهيكلية تبدأ من المدير العام، المجلس القيادي بالأمن العام، ثم المكاتب والدوائر والمراكز والمراكز الحدودية إن كانت برية أو جوية أو بحرية.
ويقول رئيس تحرير مجلة «الأمن العام» العميد منير عقيقي «عدد الأمن العام كان نحو 4 آلاف، فأصبح أكثر من 7 آلاف، وما زلنا نعمل بخطة المواكبة بالتدريب. وكان لدينا نحو 30 مركزا بلبنان وأصبح لدينا نحو 50؛ لأنه في كل قضاء أنشأنا أكثر من مركز، أولاً لأن عدد الناس ازداد وعدد العمال والعاملات وبخاصة الأجنبيات بالخدمة المنزلية زاد كثيرا، وثانياً، لأن ملف النزوح السوري شكّل عبئا كبيرا، ولو لم يكن هناك خطة موضوعة لكان سبّب مشاكل كبيرة إن لم يكن لدينا قدرة استيعابة لتتلقى هذا الكم الهائل من المعاملات مثل الإقامات والمتابعة. وأسسنا مراكز خاصة لمعاملات السوريين بلبنان بسبب الأعداد الكبيرة، هي 4 مراكز، وهناك مراكز ضمن الدوائر وسوف يرتفع هذا العدد إلى 10 لمواجهة هذا الضغط.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.